النقد مقاصده وآلياته عند محمد أركون ـ خالد بنشانع
تصميم الموضوع:
1- النقد عند أركون ومقاصده
2- الآليات المنهجية المعتمدة في قراءة التراث
أ- المنهج النقدي التاريخي
ب-المنهج الألسني السيميائي
ت-منهج علوم الإنسان والاجتماع
3-استنتاجات
الملخص التنفيذي:
شكل النقد عند محمد أركون آلية جوهرية في بناء مشروعه الفكري. إنه نقد يسعى من خلاله إلى تأسيس شروط الخطاب الإسلامي التنويري، من خلال تفكيكه والبحث عن القوى الارتكاسية التي أدت إلى هيمنة خطاب فكري عدمي يحد من إبداعية الفكر ويقدم الصورة الوثوقية التي تجعل من ثقافة التحريم والتحليل المقصد الأساس من الدين، لذلك استدعى عدة مناهج حديثة غايتها الأساس إعادة تجديد التراث الإسلامي بما يستجيب لمتطلبات العصر. وقد شكلت كونية المعرفة ونسبيتها الموجهان الأساس في دراسة أركون للتراث، معتمدا في ذلك على النقد البناء ومناهج حديثة لتجاوز سوء الفهم في قراءة التراث.
إن قراءة أركون للتراث ليست مجرد إجابات لأسئلة عالقة، بقدر ما أنها مشاريع مقدمة للباحثين، للأخذ بالوسائل والمناهج المعاصرة التي يمكن أن تبسط على التراث الإسلامي لاستجلاء مآزقه وفي نفس الآن الوقوف على مكاسبه الإيجابية قصد استعادته للرقي بالعالم الإسلامي....
لا تخرج كتابات "طه عبد الرحمن "عن نطاق بناء مشروع فكري ثقافي إسلامي مرتبط بالمجال التداولي؛ لأنه كلما كان متصلا بمجاله التداولي؛ يمكن أن ينتج معرفة؛ومن ثم يتحرر من التقليد، وقد اكتسب هذا المفكر من هذا المجال خبرة معرفية ولغوية وروحية خاضها مند عقود،فمشروعه الفكري واسع ومتسق؛وأبحاثه تدور كلها حول مجالات معرفية عديدة أبرزها التداوليات،والترجمات،والأخلاقيات،مما جعلنا نفترض مند البداية أن هناك بعدا روحيا يعالج من خلاله اشكاليته في ما بين الدين والسياسة.
افتقر تاريخ الفلسفة لأصوات نسوية استطعن أن يخترقن القلاع الفكرية المشيّدة بإحكام من قبل الوعي الذكوري المتغطرس، بل تكاد تخلو القواميس المعرّفة بالفلاسفة من أسماء فيلسوفات سجّلن حضورهن على نحو متشظّي عبر محطات تاريخ الفلسفة. وقد تهاطلت العديد من الأسئلة اللاّسعة على هذا الإقصاء المتعمّد، إن لم نقل الممنهج للمرأة في أن تكون وجه آخر للمعرفة الممكنة حول قضايا أنطولوجية و أخلاقية و معرفية تمّس الإنسان، هذا الكائن ذو الطبيعة المزدوجة. ويمكن التقاط ضمن هذا التاريخ المنسي أسماء بعض الملقوبات بالفيلسوفات {كاسباسيا} صاحبة الصالون الذي كان يرتاده أفلاطون في أثينا، وهي المرأة التي كان لها دور بارز في السياسة، والتي يذكرها في محاوراته لبلاغتها صديقه بركليس. كما كان هناك {ديوتيما} معلمة سقراط التي أدار حولها حديث الحب السقراطي في المأدبة (1).
"ما جميع الأشياء إلا أسماء أطلقها البشر عليها، واعتقدوا في صدقها، مثل الكون والفساد، الوجود واللاّوجود، النقلة في المكان، و تغير اللون الساطع."
مقدمة:
" إن فعل التفكير هو في حد ذاته مشروع خطير جدا ولكن عدم التفكير هو أيضا أكثر خطورة"
" لا يمكن احترام أعداء الاحترام... ولن يقدر مجتمعنا على المحافظة على ذاته بلا احترام الآخر"[1]
فلسفياً، يمكن القول إن الإنسان منذ نشأته ينشد "الحقيقة المطلقة"، ولأن كانت هذه "الحقيقة المطلقة" هي من حكمت نزوع العقل البشري نحو "المعرفة"، نجد الكثير من النظريات والمدارس الفلسفية التي تناولت "المعرفة" مفهوماً وموضوعاً، بمجمل أبعاد شروطها أو تحديداتها، بل وحتى إمكانات وجودها أو قيامها، إلا أننا نعتقد بأنّ مجمل هذه "النظريات" و"المدارس" الفلسفية، بقيت تدور ـ على كثرتهاـ في فلكِ خلافٍ جوهريٍّ، تمثل بأهم منعطف تاريخي في حياة البشرية، وهو التطور الذي بدأ مع منتصف القرن الخامس عشر، الذي قسم الوجود الإنساني بين عالمين: (العالم القديم) و(العالم الحديث)، أي بين (الكوكبية) و (الكونية)، و بالتالي بين مفهومي "وحدة المعرفة" و "جزئية المعرفة"، والذي يعني بين "الدين" بمعناه الأعم "المفارق"، وهو القانون الذي يقضي بأنَّ "هذا الوجود غير مكتفٍ بذاته"، على خلاف "العلمانية" بمعناها الأعم "الموضوعي"، وهي القانون الذي يقضي بأنَّ "هذا الكون مكتفٍ بذاته"، وليس بحاجة للامتثال لأي مفهوم "مفارق"..
تواجه الفلسفة في كل حقبة زمنية تخلو، امتحانا عسيرا من طرف أحداث العصر الذي تعايشه، بغية إثبات أحقّيتها التاريخية في التّقول حول الإنسان، هذا الكائن المسكون باللغة، المطارد بالزمن، المنفرد بالعقل، والمدفوع بالرغبة. ومن الأكيد أن الفكر الفلسفي لم ينضج بين ليلة وضحاها، كما أن روما لم تبن في يوم واحد، قائلا المثل. وإنما عرف تاريخ الفلسفة هو كذلك لحظات اتّسمت بالتّوهج و الانشراح الذهني و لهفة العقل للمعرفة و بلوغ الحقيقة، و أخرى لازمها الجمود وانشغال الفلاسفة بهموم سالفيهم، كالمرحلة القروسطية التي خيّم عليها مناخ مدرسي سكولائي، جعل منه ينعت »بعصر السبات الفلسفي « . ليعرف الفكر مجدّدا كل حديث مشرق، بداية مع عصر النهضة الذي استنهض معه بوادر سؤال الذات، مرورا بالتّنوير الذي مّد جسوره الحديدية واصلا بشطر من التاريخ إلى حداثة، أقل ما يمكن القول حولها، أنها متاخمة عند الغرب ووافدة عند الشرق.
" لا حقيقة دون خطأ مصحح...ولا يتم الاعتراف بالخطأ إلا بعد حين. فالعقل هو الذي يعود إلى ماضيه في حد ذاته من أجل الحكم عليه" - غاستون باشلار-
" بما أننا نرى أن الحياة ليست الا حركة للأطراف تكمن بدايتها في قسم رئيسي ما في داخلها، فلماذا لا يمكننا القول أن لكل الآلات (التي تتحرك ذاتيا...) حياة اصطناعية؟"1[1]