تاريخ وتراث

منذ العصور الأولى في تاريخ البشرية، أقام الإنسان علاقة وثيقة ومتعددة الأبعاد مع المحيط الطبيعي الذي يعيش فيه. فقد كان يعتمد على ما توفره الطبيعة من موارد لتلبية حاجاته الأساسية؛ فيجمع الثمار والنباتات، ويصطاد الحيوانات للاستفادة من لحومها وجلودها، ويستعمل الأشجار والأعشاب والمواد النباتية في بناء المساكن وصناعة الأدوات والملابس وغيرها من مستلزمات الحياة اليومية. ولم تكن هذه العلاقة قائمة على الاستغلال المادي للطبيعة فحسب، بل قامت أيضًا على الملاحظة المستمرة والتجربة المتراكمة، مما مكّن الإنسان من التعرف على خصائص الكائنات والنباتات والأشجار، وتصنيفها وتمييز بعضها عن بعض، وربط كل عنصر منها بما يميزه من صفات وخصائص.
ومع مرور الزمن، تجاوزت علاقة الإنسان بالطبيعة حدود الانتفاع المباشر، لتنتقل إلى المجال اللغوي والثقافي والذهني والرمزي. فأصبح الإنسان يستمد من الطبيعة صورًا وتشبيهات وأسماءً ودلالات، ويحوّل بعض عناصرها إلى رموز حاضرة في مخيلته وفي تعبيراته الثقافية. ومن هنا يمكن فهم الكيفية التي انتقلت بها بعض النباتات والأشجار من مجرد عناصر طبيعية تُستعمل في الحياة اليومية إلى مكونات من الذاكرة الثقافية والرمزية للمجتمعات.
ويُعدّ القصب من النباتات التي تكشف بوضوح عن هذا النوع من العلاقة بين الإنسان والطبيعة. فقد عرف الإنسان القصب واستفاد منه منذ زمن بعيد في بناء الأكواخ والمساكن، وصناعة بعض الأدوات والأواني والوسائل المرتبطة بحياته اليومية، قبل أن يتجاوز استعماله الوظيفي ليحضر في مجالات أخرى من الثقافة والفن واللغة والرمز. وفي الثقافة الأمازيغية، يكتسب القصب أهمية خاصة بالنظر إلى تعدد استعمالاته، وإلى حضوره في الذاكرة المحلية وفي بعض أشكال التعبير اللغوي والثقافي.
ومن اللافت أن تسمية القصب في اللغة الأمازيغية بـ«أغانيم» (ⴰⵖⴰⵏⵉⵎ) تفتح بدورها مجالًا للتأمل في العلاقة بين الاسم والصفة التي لاحظها الإنسان في هذا النبات. فبحسب القراءة التي تقترحها هذه الدراسة، يمكن ربط اللفظ بملاحظة الإنسان لخاصية الاستقامة والنمو العمودي التي يتميز بها القصب، بما يعكس كيف يمكن للملاحظة المباشرة للطبيعة أن تتحول إلى تسمية لغوية تختزن في داخلها صورة ذهنية عن الشيء المسمى.

  • نبذة عن الكاتب(ة): عدي الراضي - باحث في التاريخ والتراث

   نفس سيناريو الأحداث المتعلق بالإمام أبي حنيفة النعمان في علاقته بالسلطة السياسية، نجده يتكرر وبنفس التفاصيل تقريبا في تجربة الإمام مالك بن أنس؛ فهو الآخر سيتعرض لمحنة قاسية من قبل الحاكم بسبب مواقفه المناوئة للسلطة السياسية، لكن ومع ذلك ـ وفي مفارقة غريبة ـ ستتبنى الدولة مذهبه الفقهي، وستجعل منه مذهبا دينيا رسميا.
  ولنا أن نطرح نفس الأسئلة التي سبق وأن طرحناها بخصوص علاقة أبي حنيفة النعمان بالسلطة السياسية، لنتساءل إن كان الإمام مالك فقيها مواليا للسلطة أم مناوئا لها؟
 وإذا كان اعتماد الدولة العباسية لمذهبه الفقهي ضمن مذاهبها الدينية الرسمية، كاف للقول إن مالكا كان فقيها مواليا للسلطة، فلماذا عاقبته بكل الوحشية والقسوة التي توردها السردية الرسمية؟
  إن منطق الأشياء يقضي بأن يكون المكان الطبيعي لفقيه الخليفة هو البلاط لا السجن، وأن يحظى بالتوقير والاحترام من قبل الحاكم، وأن يستفيد من عطاياه وإكرامياته، لا أن يتعرض للسجن والتعذيب. لكن الغريب في الأمر، هو أن تقدم لنا السردية الرسمية الإمام مالك بشخصيتين مختلفتين، بل ومتناقضتين؛ تارة في شخصية فقيه السلطة الموالي للخليفة، الذي يُأتمر بأوامره، ويُنهى بنواهيه، ويستفيد من عطاياه وإكرامياته. وتارة أخرى في شخصية الفقيه المناوئ للسلطة السياسية، والمستنكر لجورها ولظلمها، والمساند لثورة العلويين ضدها. 
   منطقيا؛ لا يمكن أن يكون مالك فقيها للسلطة، مدافعا عن شرعيتها الدينية والسياسية، وفي الوقت نفسه مناوئا ومعارضا لها، ومؤازرا لثورة محمد النفس الزكية ضدها. فأي الشخصيتين هي الحقيقية؟ وهل كان مالك فقيها للسلطة أم مناوئا لها؟
   تقدم لنا السردية الرسمية عددا من الروايات التي تؤكد على أن مالكا كان فقيها مواليا للسلطة العباسية، يشتغل ضمن فريق فقهائها المعتمدين، المدافعين والمنافحين عن شرعيتها الدينية السياسية، وذلك من خلال بسطها لما يلي:

   تقدم لنا السردية الرسمية أبا حنيفة النعمان كمثقف عضوي وبطل قومي، ورجل شجاع لا يخشى في قول الحق لومة لائم، حتى وإن كان اللائم هو الخليفة أبو جعفر المنصور نفسه. مثقف ظل يواجه استبداد الدولة بعزيمة قوية وإرادة صلبة وبأس شديد، حتى إنه تعرض بسبب ذلك، وهو في سن السبعين، إلى محنة قاسية، وإلى تعذيب وحشي، وإلى الاعتقال بسجون الخليفة، حتى مات بها سنة 150 هـ. 

  وترجع السردية الرسمية محنة أبي حنيفة النعمان إلى سبب رئيسي، وهو عدم اعترافه الضمني بالشرعية الدينية السياسية لبني العباس، وهو يرفض شغل المنصب الذي عرضه عليه الخليفة أبو جعفر المنصور قاضياً للقضاة. وتؤكد تلك السردية أن فقيهنا رفض ذلك المنصب تورعاً وخوفاً من أن يُجبر على الحكم بغير الحق والعدل، وأن يتحول إلى أداة في يد السلطة السياسية، وهو ما يبدو واضحا من خلال رده الصارم والحاسم على مقترح الخليفة، حين واجهه بالقول: "والله ما أنا بمأمون الرضا، فكيف أكون مأمون الغضب؟ ولو اتجه الحكم عليك ثم هددتني أن تغرقني في الفرات أو أن تلي الحكم لاخترت أن أغرق."(1)

   لكن هل رفض أبو حنيفة النعمان فعلا الاشتغال إلى جانب بني العباس؟ وهل رفض حقا الاعتراف بشرعيتهم الدينية والسياسية؟

   إن السردية الرسمية التي قدمت لنا أبا حنيفة النعمان كما سبق، هي نفسها التي تقدمه لنا في صورة مغايرة تماما؛ صورة فقيه السلطة الخانع، الوديع والمهادن، الذي ظل يخدمها دون تذمر أو ضغط أو إكراه. فهي تورد، أنه كان من أوائل من بايعوا حكم بني العباس حين نجحوا في إسقاط الأمويين، واستأثروا بالسلطة دون حلفائهم العلويين؛ فقد كان الرجل ضمن جملة من فقهاء الكوفة وأعيانها، الذين بايعوا أبا العباس السفاح أول خليفة عباسي بمسجد الكوفة، وهو ما لا يستقيم وما تذكره الرواية الرسمية، من كون محنة الرجل، كانت بسبب رفضه الضمني الاعتراف بشرعية بني العباس، بل ومساندته لثورة محمد النفس الزكية.

   إن السردية السنية الرسمية، تتضمن ما يؤكد على حقيقة موقف أبي حنيفة النعمان، من شرعية بني العباس، وكيف أنه ظل مدافعا ومنافحا عنها، مصنفا كل الخارجين عن الخليفة ضمن فئة "أهل البغي"؛ فهو حين سئل عن رأيه في ثورة محمد النفس الزكية، التي قادها في مواجهة أبي جعفر المنصور سنة 145 هـ، أجاب قائلا ودون تردد: " ...وكن مع الفئة العادلة والسلطان الجائر ولا تكن مع أهل البغي" (2)

تقديم المترجم:
الدّليل الكلاميّ الكونيّ The Kalam Cosmological Argument كما عرضه الباحث وليام لين كريغ صيغةٌ استدلاليةٌ قديمة، ومستحدثة، ومطوّرة في آن واحد: تربط دليل الحدوث الكلامي عند الفلاسفة المسلمين، وعلى الخصوص عند حجة الإسلام أبي حامد الغزالي، من النّاحية الصُّورية؛ والتّطورات العلمية الحديثة في علم الفلك، وعلم الكونيات، والرّياضيات، والفيزياء من النّاحية المَعرفية. ولهذا، فالقالبُ الصوري والمنطقي لهذا الدّليل قديمٌ، ومحتواه ومضمونه المعرفي جديدٌ. إنّ الغرضَ الأسمى لهذا الدّليل يتجلى في نفي القِدم، وإثبات الحدوث (الخلق)، من جهة؛ ونفي اللانهاية، وإثبات النّهاية (البعث والمعاد) من جهة ثانية. 

لقد واجه الفلاسفة المسلمون، بهذا الدّليل، القائلين بالقدم، وبالخصوص الفلاسفة اليونان؛ ونجد له صياغات عدة، عند أبي يعقوب يوسف الكندي، وعند أبي نصر الفارابي، وعند أبي علي بن سينا، وعند نصير الدّين الطوسي، وعند أبي المعالي الجويني، وعند فخر الدين الرّازي...وهو الّذي يُسمِّيه المناطقة والمتكلمين القياس العقلي، مميزين إياه عن القياس الشَّرعي.

لا يقصد وليام لين كريغ بالكلام ما نفهمُه نحن بعلم الكلام، الّذي خاضَ فيه القدرية، والجهمية، والمعتزلة، والأشاعرة وغيرهم؛ وإنّما يقصد به القضايا الكلامية من قبيل: إثبات وجود الله، وإثبات الخلق، وإثبات المعاد، ونفي اللانهاية، ونفي القِدم...وهي قضايا لا تختلف عن القضايا اللاهوتية المطروحة عند اليهود والمسيحيين. ولهذا، فعلم الكلام، عند كريغ، مرادف لعلم اللاهوت. وتجدر الإشارة، إلى أنّ هذه القضايا اللاهوتية والكلامية المذكورة ناقشها الفلاسفة المتقدمون، والمتأخرون باستفاضة لا تقل عمقا وأهمية عن تلك الّتي تناولها بها المتكلمون الإسلاميون.

لقد عرضَ وليام لين كريغ هذه المقالة في صيغة استدلالية، تتألف من تمهيدٍ يبيّن فيه الأسباب الذاتية، الّتي دفعته إلى الاهتمام بموضوع نفي القدم، وإثبات البداية، ونفي اللانهاية، وإثبات النهاية؛ وكيف تطوّر هذا الاهتمام إلى إنجاز أطروحة دكتوراه حوله، حيث صاغ بنية استدلالية، استمدها من أبي حامد الغزالي، والتي عرضها في كتاب "الاقتصاد في الاعتقاد". ولهذا، كانت المقالة عبارة عن تحليل بنية الاستدلال الكلامي الكوني، انطلق فيها وليام لين كريغ من إثبات صدق المقدمة الأولى بالأدلة المنطقية والعلمية، بعد إعادة صياغتها؛ وإثبات صدق المقدمة الثانية بالأدلة العقلية والعلمية، ليستنتج في الأخير صحة النّتيجة. 

تجدر الإشارة إلى أنّ أبا حامد الغزالي اعتمد ثلاثة مناهج منطقية، انتقاها بعناية، وواجَه بها كلّ الأحكام المزعومة المتعلقة بالاعتقاد، الّتي ادعاها الخصوم. قال: «اعلم أنّ مناهج الأدلة متشعِّبة، وقد أوردنا بعضَها في كتاب محك النظر، وأشبعنا القول فيها في كتاب معيار العلم. ولكنا في هذا الكتاب نحترز عن الطرق المتغلقة، والمسالك الغامضة قصدا للإيضاح، وميلا إلى الإيجاز، واجتنابا للتطويل.».[1]

بداية لابد من الإشارة إلى أن الخطاب الشرعي نزل في واقع مغاير لواقعنا، وفي ظروف ليست كظروفنا ، ما يحتم علينا ضرورة الرجوع للبحث في أسباب النزول بالنسبة للقرآن، وأسباب الورود بالنسبة للحديث، لأن الخطاب الشرعي نزل مخاطبا أفرادا وجماعات لهم عادات وتقاليد وأعراف، ويحكمهم واقع زماني وجغرافي مختلف.

و"رغم أن التشريع مصدره خطاب علوي متنزل من سماء التجرد والإطلاق إلى عالم الطبيعة والتجدد؛ إلا أنه مع ذلك لم يتعال على الواقع ولم يصادره ولم يسلب حقيقته المتغيرة"[1]، ولعل أقوى ما يعضد هذا القول أن القرآن نزل منجما حسب الوقائع والأسئلة التي كانت تطرح على النبيﷺ فينزل القرآن مجيبا عنها، هذا بغض النظر عن تصرفات النبيﷺ وبعض تقريراته التي تدل على أنه هو الآخر يستحضر الواقع في التشريع للأحكام.

من هنا يمكننا القول بأن للمآل إرهاصات أولية بدأت منذ عصر النبوة وزمن التشريع، إلا أنه لم تكن الحاجة ماسة للبوح به كقاعدة وأصل يرجع إليه، إذ أنه كان يؤخذ سليقة فقط، وحتى بعد عصر النبوة، مع الخلفاء والتابعين إلى عصر التدوين وتطوير الفقه وأصوله، لم يكن هؤلاء الكبار في حاجة لإفراد المآل بالبحث والدراسة، ولكنهم أدرجوه ضمن قواعد أخرى وأذابوه فيها كقاعدة ( الاستحسان، و الذرائع، و المصلحة...) إلى أن جاء عصر الشاطبي، وهو أول من نبه – فيما أحسب -  على ضرورة الاعتناء بالمآلات كقاعدة مستقلة ومنفردة.

إلى هنا يمكن أن نطرح السؤال؛ ماذا يقصد الشاطبي بالمآل؟

لعل الشاطبي لم يقدم لنا تعريفا واضحا للمآل، لكن استقراء كلامه يعطي أنه أراد به كل ما يؤول إليه فعل المكلف من أعمال تكون " مقدمات لنتائج المصالح، فإنها أسباب لمسببات هي مقصودة للشارع، والمسببات هي مآلات الأسباب"[2]

فالمآل إذا حسب الشاطبي، هو ما يؤول إليه فعل المكلف من نتائج إما أن تكون إيجابية (المصلحة)، أو سلبية (المفسدة)، فيكون بذلك النظر في المآل هو نظر في المقاصد، أي ما يوافق مقصد الشارع من أفعال المكلفين.

مقدمة
تُعتبر الفلسفة العربية الإسلامية إحدى أبرز الإسهامات الفكرية في تاريخ الفكر الإنساني، حيث جمعت بين التراث الديني الإسلامي والإرث الفلسفي اليوناني والعقلانية. في هذا السياق، برز علم الكلام وعلم أصول الفقه كتيارين رئيسيين شكلا إطارًا للتفكير الفلسفي في العالم الإسلامي. يركز علم الكلام على الدفاع عن العقيدة الإسلامية باستخدام العقل والمنطق، بينما يسعى علم أصول الفقه إلى وضع قواعد لاستنباط الأحكام الشرعية من النصوص الدينية. تهدف هذه الدراسة إلى تحليل العلاقة بين علم الكلام وعلم أصول الفقه في إطار الفلسفة العربية الإسلامية، مستخدمة مقاربة تأويلية تركز على تفسير النصوص وفهم السياقات التاريخية والفكرية لكلا العلمين

.1. إطار الدراسة والمنهجية

تعتمد الدراسة على مقاربة تأويلية مستمدة من مناهج التفسير الفلسفي، ولا سيما أفكار هانز-غادامر حول التأويلية (Hermeneutics)، التي تركز على فهم النصوص في سياقاتها التاريخية والثقافية. يتم تحليل النصوص الكلامية (مثل أعمال المعتزلة والأشاعرة) ونصوص أصول الفقه (مثل كتابات الشافعي والغزالي)، مع التركيز على كيفية تشكيل هذين العلمين للفلسفة العربية الإسلامية. تنقسم الدراسة إلى ثلاثة أقسام: علم الكلام، علم أصول الفقه، ومقارنة تأويلية بينهما

.2. علم الكلام: الفلسفة العقلية في خدمة العقيدة

علم الكلام هو العلم الذي يهتم بمناقشة قضايا العقيدة الإسلامية باستخدام المنطق والعقل للدفاع عنها وتفسيرها. نشأ هذا العلم في القرن الثاني الهجري (الثامن الميلادي) كرد فعل على التحديات الفكرية التي واجهت الإسلام، مثل الجدل مع أتباع الأديان الأخرى والفرق الإسلامية المختلفة.

الأسس الفلسفية: استلهم علم الكلام من الفلسفة اليونانية، وخاصة أرسطو وأفلاطون، من خلال ترجمات النصوص الفلسفية إلى العربية. المعتزلة، على سبيل المثال، ركزوا على العقل كأداة لفهم العقيدة، مؤكدين على مبدأ العدل الإلهي وحرية الإرادة الإنسانية. في المقابل، تبنى الأشاعرة موقفًا وسطيًا يوازن بين العقل والنقل.

القضايا المركزية: تناول علم الكلام قضايا مثل وجود الله، صفاته، القدر والإرادة الحرة، وطبيعة القرآن (مخلوق أم غير مخلوق). على سبيل المثال، ناقش الإمام الغزالي في تهافت الفلاسفة حدود الفلسفة العقلية في تفسير العقيدة.

    التشريع القانوني للمجتمعات، بما هي بنيات متحركة بل ودائبة الحركية، وجب أن يواكب القضايا والمستجدات التي تفرزها باستمرار ومن دون انقطاع، بما يضمن تطورها الطبيعي، وتوازنها المستمر، وانخراطها في العصر الذي تنتمي إليه. إن أي خلل في تحيين التشريعات بما يضمن كل ذلك، تترتب عنه بالضرورة اختلالات مجتمعية عميقة، ومشاكل بالجملة ولا حصر لها، تفضي إلى تخلف المجتمع، وعجزه عن مسايرة إيقاع ركب الحضارة الإنسانية. وهذا ما ينطبق تمام الانطباق، على المجتمعات التي أوكلت فيها مهمة التشريع لفقهاء الإسلام، كنتيجة طبيعة للاختلالات التشريعية الكثيرة، والتي ترتبت عن عدم قدرتهم على مسايرة دينامية المجتمع وحركيته غير المتوقفة، وهو ما يفسر اليوم، كيف أن المسلمين أضحوا في وضع أشبه بأطرش في حفلة غنائية صاخبة، لا هم قادرون على استيعاب حجم التطور المتسارع الذي شهدته وتشهده البشرية، ولا مسايرة إيقاع التحولات السريع الذي تسير وفقه، ولا الانخراط في عصرهم وهم يحملون عقلية ماضوية غير محينة، ما كان من نتائجه المباشرة أن تخلفوا عن ركب الحضارة الإنسانية، وظلوا تبعا لذلك في مؤخرة الأمم من حيث مؤشرات التنمية والتقدم.

  لقد عرفت المجتمعات "المسلمة" منذ أن أوكَلَت السلطة السياسية مهمة التشريع فيها للفقهاء، اختلالات تشريعية عميقة، كنتيجة مباشرة وطبيعية لعدم قدرة التشريع الفقهي على الإجابة على مختلف النوازل والمستجدات التي كان يفرزها المجتمع باستمرار، وعجزه على ابتكار الحلول الواقعية والعملية للإجابة عنها. لقد كان هم السلطة السياسية الأول، هو الحفاظ على الاستقرار المجتمعي، المفضي إلى الاستقرار السياسي، فكانت تلك هي الغاية التي حددت معالم الخط التشريعي، الذي سار على منواله الفقهاء باعتبارهم المشرعين الذين أوكلت لهم السلطة السياسية مهمة التشريع للمجتمع. وهكذا، لم يكن من الغريب أبدا، أن يتبنى فقهاء الإسلام، منهجية تشريعية تستهدف ضمان الثبات والسكون والاستمرارية، بأن نبذت الاجتهاد والخلق والإبداع بما هم وقود عملية التغيير ومحفزها.

  لقد حرم الفقهاء التفكير خارج الصندوق الذي وضعه الحاكم إطارا إيديولوجيا للسلطة الحاكمة، وهو الإطار المفروض بمنطق الغلبة وحد السيف، والذي لم يكن سوى ترجمة حرفية لمقاصد الحاكم المستبد الدنيوية لا لمقاصد الدين. لذلك؛ فلم يكن من الغريب أبدا، أن يلبسه فقهاء السلطة لباس القداسة، فأضحت تبعا لذلك، كل محاولة للتفكير خارجه، تصنف دينيا على أنها مروق وخروج عن صحيح الدين، حتى أنهم جاؤوا بحكم الردة كتهمة دينية مرعبة ومفزعة، قدموها هدية ثمينة على طبق من ذهب للحاكم الطاغية، ليتسنى له تصفية كل معارضيه السياسيين، من دون حتى أن يكلف نفسه تبرير فعله الإجرامي ذاك.  لقد أضحت كنتيجة لذلك كل محاولة للتفكير خارج ذلك الصندوق، تصنف سياسيا كرغبة في زعزعة الاستقرار الضامن لاستمراريته الحاكم على رأس السلطة السياسية، وتصنف دينيا على أنها مروق وخروج عن صحيح الدين، بل وردة وجب دينيا على ولي الأمر، أن يقيم حد القتل على من وجهت له.

  إن أخشى ما كان يخشاه الحاكم المستبد، هو قدوم رياح التغيير التي قد يجئ بها التطور الطبيعي للمجتمعات، والتي من شأنها أن تعصف به وبحكمه، لذلك؛ فقد ظلت رغبته دوما، هي إيقاف عجلة التاريخ في الوضع الذي يضمن بقاءه على رأس السلطة السياسية، وهي الرغبة التي ترجمها فقهاء السلطة دينيا حينما جاءوا بالقاعدة المنهجية القائلة: " كل مستحدثة بدعة، وكل بدعة ظلالة، وكل ظلالة في النار"، وهي القاعدة غير العلمية، التي كانت من وراء كل الاختلالات التشريعية، التي عرفتها المجتمعات المسلمة على مر العصور، والتي ترتب عنها اختلالات عميقة على جميع الأصعدة.

ما من شكّ أنّ قضية "التراث والمعاصَرة" أو "التراث والحداثة"، أو ما يرد بمسمّيات رديفة أو شبيهة، هي من القضايا الدورية، المطروحة في الفكر العربي. والتطرّق إليها بالحديث قد يغري بموالاة هذا الطرف أو ذاك، والأمر كذلك مدعاة إلى حنين مفرط أو إلى توتّر مزعج. ولذلك لا نتعاطى غالبا مع هذه الثنائية باعتدال ورويّة، ولا نتمالك أنفسنا جراء حاضر ضاغط وآتٍ داهم. ومن ثَمّ تُعَدّ تلك الثنائية -التراث والمعاصرة- من أكثر الثنائيات إحراجًا بين العرب، محافظين وحداثيين، على مدى القرن الفائت وإلى الحاضر الحالي، دون حسم واضح بشأنها.

ولو شئنا تعريفا جامعا مانعا لتلك البؤرة الإشكالية لتعدّدت بنا السّبل، مع أن التراث يظلّ "من المعلوم من المعارف والصنائع والمنجزات". ومع ذلك فالإشكال ليس في التعريفات، لأنها قد تتحول إلى نقيض ما نصبو إليه، وليس في رسم الحدود لهذا التراث، وليس في تعداد مجالاته وبيان حقوله، بل في المنهج السويّ الذي نعي به هذا التراث، ونقصد به تحديدا "التراث والوعي التاريخي". حتى لا نتحول بِدورِنا إلى كائنات تراثية، غير واعية بما تستهلك وغير مدركة لما تريد.

ذلك أنّ الوعي التاريخي بالتراث هو عملية جدلية مركّبة، تتروّى في الماضي، وتتملّى في الراهن، وتتشوّف نحو المستقبل. وأن اختلال التوازن بين هذه العناصر الثلاثة، أو تغليب عنصر على غيره، من شأنه أن يُدخل ارتباكا على عملية الانتفاع بهذا الموروث. فالوعي التاريخي المفترض أن يرافق التراث، هو تلك العملية الذهنية التي تستلهم الماضي، وتتفهّم الحاضر، وتقود السير نحو المستقبل. وهو تلك القدرة على الوعي بالأصول التي يتجذّر فيها واقعنا من أجل خلقِ فعل حضاري، لتضعنا العملية برمّتها أمام تعامل سويّ. وبالتالي فإنّ التراث هو ذاكرة الكيان الجمعي الواعي بحضوره في التاريخ، وأنّ هذا الرصيد كلّما انفصل عن الجماعة وغدا منجزا مستقلا بذاته، أو بات استهلاكا عرضيا يخضع للمناسبات والمواعيد، كلّما غرق في عملية التشييء والمتْحَفَة، وهو أخطر ما يتهدّد التراث.

مقدمة

يُشكل محمد أركون (1928-2010) واحدًا من أبرز المفكرين العرب والمسلمين في القرن العشرين، حيث قدم إسهامات فكرية عميقة في دراسة التراث الإسلامي والفكر الديني من منظور نقدي ومعاصر. يتمحور مشروعه الفكري حول إعادة قراءة التراث الإسلامي بمنهجية نقدية تاريخية، تسعى إلى تحرير الفكر الإسلامي من التقليدية والجمود، وإعادة بنائه في ضوء التحديات المعاصرة. يهدف هذا البحث إلى تحليل منهجية محمد أركون ومشروعه الفكري، مع التركيز على أسسه النظرية، أهدافه، أدواته، وتأثيراته.

العنصر الأول: الإطار النظري لمنهجية محمد أركون

السيرة الفكرية لمحمد أركون

وُلد محمد أركون في الجزائر عام 1928، ونشأ في بيئة ثقافية متنوعة تجمع بين التراث الأمازيغي والإسلامي والاستعماري الفرنسي. درس الفلسفة في جامعة الجزائر ثم انتقل إلى فرنسا حيث حصل على الدكتوراه في الفلسفة من جامعة السوربون. تأثر أركون بمفكرين مثل ميشيل فوكو، جاك دريدا، ولويس ماسينيون، مما ساعده على صياغة منهجية نقدية تجمع بين التاريخانية والسيميائية والأنثروبولوجيا[1]

 أسس منهجية أركون

تعتمد منهجية أركون على ثلاث ركائز أساسية:النقد التاريخي: يدعو أركون إلى دراسة النصوص الدينية والتراث الإسلامي في سياقها التاريخي والاجتماعي، لفهم الظروف التي أنتجتها. يرى أن النصوص الدينية ليست ثابتة، بل هي نتاج تفاعل مع الواقع التاريخي[2].

التحليل السيميائي: يركز أركون على تحليل اللغة والرموز في النصوص الدينية، معتبرًا أن المعاني ليست مطلقة، بل متغيرة حسب السياقات الثقافية والاجتماعية.

الأنثروبولوجيا التاريخية: يستخدم أركون الأنثروبولوجيا لفهم العلاقة بين الدين والمجتمع، مع التركيز على كيفية تشكل الوعي الديني في سياقات ثقافية محددة.

.وجه من فسيفساء متعددة الألوان يرمز إلى تنوع الهوية وتماسكها بين الموروث والتحولات

هوية وتاريخ

تبرز الهوية في عصرنا الحالي بوصفها أكثر القضايا إلحاحًا وإرباكًا في آن واحد. لم تعد الهوية مجرد تعريف بسيط للانتماء أو إطار ثقافي يحدد ملامح الجماعة، بل تحولت إلى معضلة حضارية تهدد استقرار الدول وتضع المجتمعات أمام امتحان وجودي. فحين تتنازع الهويات الدينية والعرقية والطائفية على المجال العام، وحين تُستخدم الهوية أداةً سياسية لإقصاء الآخر أو فرض نموذج أحادي، يصبح الوطن نفسه ساحة تفخيخ قابلة للانفجار في أي لحظة. لقد انتهى زمن الصراعات الطبقية التي كانت تُعرّف المجتمعات في القرن الماضي، وحلّت محلها حروب الهويات، حيث لم يعد السؤال "من يملك السلطة الاقتصادية؟" بل "من يملك الحق في تعريف الانتماء؟". هذا التحول جعل الهوية الوطنية في مواجهة مباشرة مع قوى داخلية وخارجية، من جماعات فرعية تبحث عن التمايز، إلى إمبراطوريات عالمية تعيد رسم الخرائط وتذيب الحدود. ومع صعود التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، باتت الهوية مهددة بفقدان معناها التقليدي، إذ أصبح المستقبل يُبنى على برمجة رقمية لا على إرث تاريخي. إن الهوية اليوم ليست مجرد قضية ثقافية أو اجتماعية، بل هي معركة حضارية تحدد مصير الشعوب في القرن الحادي والعشرين. فهي إما أن تتحول إلى عامل توحيد يفتح المجال أمام مشاركة حرة وتعددية، أو أن تبقى مأزومة، أسيرة الانقسامات والولاءات الضيقة، لتقود المجتمعات نحو التفكك والانهيار. الهوية، بهذا المعنى، ليست سؤالًا عن الماضي فقط، بل عن المستقبل: كيف يمكن أن نكون جماعة واحدة في عالم يتغير بسرعة، دون أن نفقد خصوصيتنا أو نذوب في هيمنة الآخر؟ هذه المقدمة تضع الهوية في قلب النقاش الأكاديمي، باعتبارها ليست مجرد تعريف للذات، بل معضلة حضارية كبرى، تُعيد صياغة العلاقة بين الفرد والجماعة، بين الوطن والعالم، بين التاريخ والتكنولوجيا.

"الإسلام الإيطالي" أو "الإسلام في إيطاليا" في الحقبة المعاصرة، ومع ما بين الصيغتين من فروقات، هو جزء من الإسلام الأوروبي الذي أفرزته أوضاع ما بعد الاستعمار. إذ لم تنشأ الظاهرة الإسلامية في أوروبا الحديثة والغرب عموما نشأة طبيعية، بل جاءت في معظم تشكّلاتها مثخَنةً بالجراح الاستعمارية، الأمر الذي أبقاها مرتهِنة إلى مخيال حضاري مضطرب. فقد ظلّت سياسات الدول الاستعمارية، وشبه الاستعمارية سابقا، محتكِمة في التعامل مع الوافدين إلى بنى نظر استعلائية، إلى أن فَرَضت تحوّلات من الداخل تحويرات أدّت إلى تغييرات مُهمّة لا تزال في طور الاشتغال.
في جذور المسألة
يقتضي فهم علاقة الإسلام بإيطاليا تنزيل المسألة ضمن إطار أشمل، وهو كيف تنظر التوجّهات الغربية بخلفيتها الدينية والحضارية إلى المسلم القادم إلى ديارها والمستوطِن بأرضها؟ في البدء نشير إلى وجود نظرة تَمايزٍ تُعبِّر عن التغاير شائعة بين الناس، وهي نظرة لا تستبطن خَلفية عدائية أو عنصرية، وإنّما يطبعها حسّ المغايرة، وهو سلوك عفويّ يأتيه المرء كلّما تواصل مع أُناس من غير دائرته الثقافية المألوفة. في مقابل ذلك ثمة نظرة تناصب الآخر العداء مسبَقا، وهي رؤية سقيمة تضع الوجود الإسلامي برمّته ضمن منظور الغزو والتهديد. يؤجّج تلك الرؤية جزع واهمٌ، ويتقاسم تلك النظرة المتوجّسة والبالغة حَدّ العداء العلني علمانيون ومتديّنون على حدّ سواء. وما كان لتلك النظرة أن تتطوّر وتلقى رواجا، لو لم تَجِدْ دعمًا ممّن يؤثرون الصِّدام بدل الحوار والتصلّب بدل التسامح.
 وعلى العموم يحضر في التاريخ الغربي الراهن شكلان من النظر إلى ظاهرة الهجرة والمهاجرين، غالبا ما يُعبَّر عنهما بمفهوم مزدوج الدلالة ومخاتل ألا وهو الاندماج: أحدهما ذو طابع صَهري مقصود، والآخر ذو طابع تشاركي (كومونيتاري) محمود، يراعي الخصوصيات المميزة للجاليات والجماعات. حيث يبدو الصنف الأوّل من الاندماج الصّهري (المذوِّب) مدفوعًا بنموذج مثالي مهيمِن، يتطلّع إلى جعل مختلف الأنماط الوافدة مجرّد عناصر إضافية تثري النموذج القائم. ويخفي منظور الاندماج هذا دونية مضمَرة للأغيار، وهو غالبا ما يفضي إلى أشكال من الصدام تتطوّر بتطوّر الوعي بالهويات الفرعية وبأبعادها الحضارية. في مقابل ذلك يبدو الاندماج التشاركي (الكومونيتاري) الأكثر اعتدالا، فهو حريص على مراعاة خصوصيات الجاليات والجماعات، وهو أكثر الخيارات قبولا بين التلوّنات الثقافية. فلا يهدف الاندماج إلى مجرّد الاعتراف بالمغايَرة، ولكن المقصد الرئيس ينشد خَلْق ثقافة احترام وتثمين للخصوصيات الحضارية، تكون فيها المراعاة ليست منّة من الطرف المهيمِن المتحكِّم بالفضاء الاجتماعي، وإنما بوصفها حقّا طبيعيا ينبغي أن تحظى به سائر المكونات.
وتبعا لمفهوم الدمج الاستعلائي، نرى حركة الدمج القسري في فرنسا، تعاني أزمات متلاحقة أو لعلّه موتا سريريّا، مع ذلك تصرّ على التغاضي عن ذلك لكون العملية في جوهرها تمثّل تشكيكا في قدرات النموذج العلماني، وهو ما تأبى الذات الجماعية الإقرار به. فقد اتّخذت سائر العلمانيات الأوروبية تقريبا مسافةً من سياسة الهجرة الفرنسية، في تعاملها مع التنوّعات الأخرى، ولا سيّما في ما يخصّ المسألة الروحية وتوابعها الرمزية، من حيث تبنّي سياسات إكراه. إيطاليا التي تعدّ حديثة التعامل مع المهاجرين، مقارنة بدول أوروبية أخرى، تراها أقرب إلى النموذجين الإسباني والبلجيكي منه إلى النموذج الفرنسي، وإن كان في ظلّ الافتقاد إلى حاضنة مؤسساتية قانونية(1).

ما عاد الحديث عن ضرورة خوض إصلاحات بخصوص القانون الدولي شأنا جنوبيا صادرا من دول جنوب العالم. باتت الأصوات تتعالى من داخل الغرب ذاته، بضرورة إدخال تحويرات فعلية للحفاظ على السلم العالمية وإرساء علاقات دولية متّزنة. الأستاذ جوستافو جوتسي، أستاذ تاريخ الفكر السياسي في جامعة بولونيا الإيطالية، صدر له مؤلف بالعربية، تُرجِم لدى "مشروع كلمة" في أبوظبي بعنوان: "القوانين والحضارات.. القانون الدولي تاريخه وفلسفته". في أعقاب حديث عن صنّاع القانون الدولي وعمّا آلت إليه الأمور، يطرح جوتسي سؤالين مهمّين: هل من الممكن إيجاد قانون دولي قادر فعليا على تعزيز العدالة دون أن يكون أداة لمشروعات إمبريالية؟ وهل يمكن إرساء قانون دولي عالمي يقوم على أساس مبادئ تُستَقى من تعدّدية الحضارات والنظم القانونية؟

في ظلّ مناخ عام تعلو فيه المطالبة بالمراجَعات كيف يحضر الدّين كقوة ناعمة في العلاقات الدولية؟ ما من شكّ أن الالتجاء إلى العامل الديني، يأتي حينا من باب البراغماتية الصرفة، وآخر من باب الإقرار بفاعليته في الاجتماع. فضلًا عن يقين أنّ ما جرى من إقصاء متعمَّد، طيلة عقود، جاء جرّاء خلفيات إيديولوجية بين المكوَّن الكاثوليكي الأوروبي والطرح العَلماني الفرنسي، ممّا أشاع جوّا مشحونا ساد في المركز الفرنكفوني وفي لواحقه الإفريقية والعربية، لن ندخل في تفاصيله.

بات العالم اليوم أمام وضع جديد يحضر فيه الدين في المجال العمومي الوطني وفي المجال الدولي. وتُطِلُّ فيه الأديان بموجب إيمان بحيازتها مخزونا من الثروة الرمزية والثقافية والخُلقية والأنشطة، يمكن تسخيرها في سبيل الصالح العام.

فمن يَقْدِر اليوم أن يستهينَ بحاضرة الفاتيكان وأثرها في جيوبوليتيك السياسة الدوليّة؟ لقد ولّى العهد الذي يُحقَّر فيه من أثَر الدين، المتلخِّص في تلك القولة الشهيرة لجوزيف ستالين: كم وحدةً عسكريةً يملك البابا؟ والحال كما يقول الشاعر العربي:

ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا / ويأتيك بالأخبار من لم تزوِّد. 

الإيطالي أنطونيو سْبادارو في كتاب بعنوان "حاضرة الفاتيكان والسياسة الدولية"[1]، يوضّح أنّ حاضرة الفاتيكان تضطلع بدور فاعل في السياسة الدولية، من خلال منظور مميَّز لمفهوم الدبلوماسية عبر تفعيل خاص للعمل الدبلوماسي. وقد تبلور هذا الحضور في أعقاب الحرب العالمية الثانية، على إثر مشاركة الفاتيكان كناشط مستقلّ في لعبة السياسة الدولية، وكسلطة أخلاقية تأبى الانخراط في سياسة المحاور. بدا ملمح هذا الدور مطلّا بوضوح على المسرح الدولي منذ حقبة البابا بولس السادس (ت. 1978) وهو ما ترسّخ بقوة مع البابا الأرجنتيني فرنسيس ماريو برغوليو (ت. 2025)، مما شكّلَ هوية للدبلوماسية الفاتيكانية كونها دبلوماسية راعية للسياسة لا منخرطة فيها.

كلمة لم تكن في أصلها سوى وصف لغوي عادي كأي وصف بريء، ثم تطوّرَ الوصف مع الزمن إلى تصنيف عرقي تراتبي قيمي، ثم جاء نشطاء متحمسون فجعلوا منه عنوانا مُجَمَّلا لهُوية شعب بعدما أخرجوه من سياقه، وزَيّنوه بجميل الأوصاف في عيون من يجهلونه ويجهلون سياقه.
ذلك الوصف بقناعِه الجميل تمكن بفعل الدعاية القوية للمتحمسين من التسلل إلى الخطاب الرسمي والأكاديمي.. فبلغ من سعة التداول ما جعله يتملص من حمولته التاريخية "المُخجلة" و يكتسب "شرعية"، كأننا هنا أمام عملية "إعادة تأهيل دلالي" تشبه في آلياتها ما يعرف بـ"تبييض الأموال"...

(1) ـ الحقيقة المُرة المخفية:
سبق أن بينا في مقال سابق أن كلمة "أمزيغ" في سياق جنوب شرق وجنوب المغرب على الأقل (شرق و جنوب جبال الأطلسين المتوسط و الكبير، على امتداد أحواض تافيلالت و درعة و سوس)، تحمل معنى "العرق الأبيض" في مقابل كلمة "حرطاني" (أحرضان) وما يماثلها التي تحمل معنى "العرق الأسود". وإذا قلنا جنوب شرق وجنوب المغرب، فإننا نقصد بذلك المنطقة التي تضم أكبر كتلة سكانية تتحدث البربرية، وهذه الكتلة بأعرافها وذاكرتها الموغلة في القدم هي مرجعنا في ما نسطره هنا.
كلمة "أمزيغ" إذن هي من قبيل الوصف الذي لا يُستدعى إلا في مقابل مخالفه: فلا نقول "أمزيغ" إلا في مقابل "أحرضان"؛ هكذا وبكل بساطة. هذه الثنائية العرقية التي نجد لها صدًى قد يكون شاهدا قويا على عراقتها في كتب التاريخ القديم التي تتحدث عن ثنائية "الليبيين" و"الإثيوبيين" قبل أكثر من 2500 سنة ، وقبل أن يظهر في تاريخ بلاد المغرب ما يعرف بتجارة الرقيق.
غير أن تطور التاريخ الاجتماعي للمنطقة جعل ذلك الوصف العادي البريء ينزاح في دلالته إلى تصنيف عرقي تراتبي قيمي يُعلي من شأن العرق الأبيض، وينزل بشأن العرق الأسود إلى أدنى الدركات. حقيقة مرة لا يمكن إنكارها، كما لا يمكن فصلها عن تاريخ البشرية جمعاء التي سارت قدما نحو "مركزية العرق الأبيض". وهكذا، فالخطاب التراتبي السائد ربط المزايا بالعرق الأبيض والرزايا بالعرق الأسود، حتى اعتقد الناس أن هذا الأخير لا يليق بانحطاطه المزعوم إلا أن يكون في رتبة أدنى تحت أقدام الرجل الأبيض، وفي خدمته على كل حال...
من رحم هذا الواقع العنصري المجحف ولد معنى "الرجل الحر النبيل": هو "حر" في مقابل "العبد" الأسود، و"نبيل" في مقابل "الحقير" الأسود. هذا النُّبل المزعوم ليس "خُلقا" محمودا كما توحي لنا بذلك أدبيات الحركة الأمازيغية وهي تتحدث بأسلوب عاطفي مغرق في الرومانسية عن معنى كلمة "أمزيغ" منزوعا من سياقه الاجتماعي..؛ بل هو مجرد "نُبْل خِلقي" مزعوم يستمد معناه من نُبل اللون، ونُبل الملامح..، ونبل العرق الأبيض عموما.

يوم الجمعة السادس والعشرين من يونيو 2025، شهدت شوارع ضاحية نوربرو في كوبنهاجن موكبا عاشورائيا ضخما⁽¹⁾ إحياء لذكرى استشهاد الامام الحسين⁽²⁾، اشترك فيه ما يقارب ثمانية عشر الف شخص. اللافت في هذا الموكب ان المنظمين اشترطوا فصلا كاملا بين النساء والرجال⁽³⁾، إذ يسير الرجال والاطفال وذوو الاحتياجات الخاصة في المقدمة، تليهم النساء في صف منفصل.

تمثل هذه الممارسة، من منظور قيم المساواة السائدة في اوروبا الغربية، شكلا من اشكال الفصل بين الجنسين في الفضاء العام. وهي ممارسة تذكر بانماط مماثلة معروفة في انظمة تتعامل مع المراة بصورة دونية وتضع قيودا صارمة على حضورها في الفضاء العام وحقوقها المدنية، كـالنظام الايراني⁽⁴⁾ الذي يفرض على المراة قواعد لباس إلزامية ويحد من حقها في التنقل والعمل والمشاركة العامة، والنظام السعودي⁽⁵⁾ الذي لا يزال يكرّس نظام الولاية الذكورية بصور متعددة رغم الاصلاحات الجزئية المعلنة، فضلا عن مناطق تحت سيطرة حركات دينية متشددة تعامل المراة باعتبارها قاصرا دائما، كـحركة طالبان في افغانستان⁽⁶⁾ التي حرمتها من التعليم والعمل والخروج دون محرم، وجماعة الحوثيين في اليمن⁽⁷⁾ التي تفرض عليها قيودا مختلفة.
والأهم أن مثل هذه الممارسات في الفضاء الأوروبي تطرح تساؤلات جدية حول مسار بناء مجتمعات موازية تعمل خارج المرجعية القانونية والقيمية المشتركة للدول المستضيفة. وقد أثارت هذه الواقعة ردود فعل واسعة في الدنمارك. أحزاب اليمين ربطتها بما تسميه "القيم الوطنية"، وهو نقاش يتكرر في عواصم أوروبية عديدة كلما ظهرت قضية مماثلة، في بلجيكا وفرنسا وألمانيا والسويد على حدٍّ سواء. غير أن هذا اليمين لا يكتفي بنقد ممارسة بعينها. كثيراً ما يستغل هذه المناسبات للدعوة إلى تشريعات تتجاوز حدود المساواة المطلوبة وتصطدم بمواثيق حقوق الإنسان الدولية، كتقييد حرية العبادة بمجملها، أو فرض قيود تمييزية على الهجرة واللجوء استناداً إلى الدين أو الأصل. هذه المطالب تنتهك حرية المعتقد وحق اللجوء كما تكفلهما الاتفاقيات الدولية، ولا تفرّق بين معالجة ممارسة تمييزية محددة ومعاقبة جماعة دينية بأكملها.

في قلب النقاشات المعاصرة حول الإنسان والمجتمع، يبرز سؤال الهوية والاختلاف كأحد أكثر الأسئلة إلحاحًا في الفكر الأنثروبولوجي الحديث. فالهوية لم تعد تُفهم بوصفها جوهرًا ثابتًا أو معطىً طبيعيًا، بل باعتبارها بناءً اجتماعيًا وثقافيًا يتشكل عبر التفاعل المستمر بين الذات والآخر، وبين المحلي والعالمي. أما الاختلاف، فقد تحول من كونه مجرد علامة على التباين إلى أداة معرفية أساسية لفهم الإنسان في سياقاته المتعددة، حيث يُنظر إليه كنافذة لفهم التنوع البشري بدلًا من كونه تهديدًا للوحدة أو الانسجام.

لقد أسهمت التحولات الكبرى التي شهدها العالم منذ منتصف القرن العشرين – من انهيار الاستعمار إلى صعود العولمة والرقمنة – في إعادة صياغة مقاربات الأنثروبولوجيا للهوية والاختلاف. فبينما كان التركيز في الأنثروبولوجيا الكلاسيكية منصبًا على دراسة "الآخر البعيد" في المجتمعات التقليدية، أصبح الفكر الأنثروبولوجي الحديث ينظر إلى الهوية باعتبارها عملية تفاوض وتأويل مستمرة، تتأثر بالهجرة، والاندماج، والتهجين الثقافي، وبروز فضاءات جديدة مثل العالم الافتراضي.

في هذا السياق، لم يعد السؤال الأنثروبولوجي مقتصرًا على "من نحن؟" أو "من هم الآخرون؟"، بل أصبح يتجاوز ذلك إلى مساءلة آليات إنتاج الهوية، والسلطة الكامنة في تعريف الذات والآخر، والكيفية التي يُعاد بها تشكيل الاختلاف في ظل التوترات السياسية والاجتماعية والاقتصادية. وهكذا، فإن الهوية والاختلاف لم يعودا مجرد موضوعين للدراسة، بل أصبحا محورين لفهم أعمق للعلاقات الإنسانية في عالم متغير، حيث تتقاطع الثقافة مع السلطة، والمعرفة مع التجربة، والذات مع الآخر في شبكة معقدة من المعاني والدلالات.

مفهوم الهوية في الفكر الأنثروبولوجي

في الفكر الأنثروبولوجي الحديث، لم تعد الهوية تُفهم كجوهر ثابت أو كيان مغلق، بل كعملية اجتماعية وثقافية متحركة تتشكل باستمرار عبر التفاعل مع السياقات التاريخية والسياسية والاقتصادية. فهي ليست بطاقة تعريف جامدة، وإنما بناء اجتماعي يتغير مع الزمن، يتأثر بالهجرة، بالعولمة، وبالتحولات الرمزية التي تعيد صياغة معنى الانتماء. الأنثروبولوجيون يرون أن الهوية ليست معطى طبيعيًا يولد مع الفرد، بل هي نتاج للتفاعل مع الآخرين، تُنتج من خلال الخطاب والممارسات اليومية والرموز الثقافية، ما يجعلها عملية تفاوض وتأويل دائم بين الذات والآخر. بهذا المعنى، الهوية ليست ماهية، بل سيرورة، وليست جوهرًا بل شبكة من العلاقات التي تُعيد إنتاج نفسها باستمرار. العلاقة بين الفرد والجماعة هنا تأخذ طابعًا جدليًا؛ فالفرد يعرّف نفسه من خلال الجماعة، والجماعة تُعيد إنتاج هويتها عبر أفرادها، مما يجعل الهوية دائمًا في حالة إعادة تعريف بين "نحن" و"هم". ومن ثم، فإن الهوية في الأنثروبولوجيا الحديثة تُفهم كحقل للتوتر بين الثبات والتحول، بين الاستمرارية والانقطاع، وبين الذات والآخر، حيث يصبح الاختلاف جزءًا من عملية البناء نفسها لا مجرد عنصر خارجي يهددها.

يضم المغرب، ولاسيما مناطقه الجبلية، عددًا مهمًا من المواقع السياحية والمناظر الطبيعية التي تتميز بمقومات بيئية وإيكولوجية ذات قيمة عالية. غير أن هذه المؤهلات لا تحظى جميعها بنفس الدرجة من التثمين والاستثمار؛ فبعض المواقع يحتاج أساسًا إلى تعزيز التسويق الترابي والتعريف بمؤهلاته الطبيعية والثقافية، في حين أن مواقع أخرى تتطلب، قبل ذلك، توفير البنيات التحتية والخدمات الأساسية الكفيلة باستقبال الزوار في ظروف ملائمة، ثم مواكبة ذلك باستراتيجيات فعالة للتسويق الترابي.

وفي هذا الإطار، نحاول من خلال هذا المقال المتواضع التعريف ببحيرة أكلمام ن سيدي علي باعتبارها إحدى أبرز المعالم الطبيعية بالأطلس المتوسط، لما تزخر به من مؤهلات بيئية ومناظر طبيعية خلابة تجعلها وجهة سياحية واعدة. ورغم ما تحظى به من أهمية طبيعية وإيكولوجية، فإنها ما تزال في حاجة إلى مزيد من العناية والتأهيل، وإلى اعتماد مقاربة فعالة للتسويق الترابي من شأنها التعريف بهذه المعلمة الطبيعية وإبراز قيمتها السياحية والبيئية، بما يسهم في تحقيق تنمية محلية مستدامة تعود بالنفع على الساكنة والمجال على حد سواء.

تُعد بحيرة أگلمام ن سيدي علي (1)واحدة من أجمل البحيرات الطبيعية بالمغرب وأكثرها حضوراً في الذاكرة الجماعية لسكان الأطلس المتوسط. تقع هذه البحيرة ضمن النفوذ الترابي لجماعة إيتزر التابعة لإقليم ميدلت، على مقربة من الحدود الإدارية لإقليم إفران، وترتفع بحوالي 2100 متر عن سطح البحر. وتغطي مساحة تقارب 500 هكتار، بينما يصل عمقها في بعض أجزائها إلى نحو 36 متراً(2)، مما يجعلها من أكبر البحيرات الجبلية بالمملكة. وتحيط بها المراعي الواسعة وغابات الأرز والبلوط  والتكوينات الجبلية التي تضفي على المكان جمالاً استثنائياً، وتجعله وجهة مفضلة لعشاق الطبيعة والهدوء والتصوير. وأقرب المدن إلى البحيرة تمحضيت وإيتزر.

وتشير الدراسات الجيولوجية إلى أن البحيرة تشكلت نتيجة التحولات الطبيعية التي عرفتها منطقة الأطلس المتوسط عبر آلاف السنين، في ارتباط بالبنية الجيولوجية والبركانية للمنطقة(3). وقد ساهمت هذه الخصائص الطبيعية في ظهور نظام بيئي غني ومتنوع يحتضن العديد من أنواع الطيور المهاجرة والنباتات الجبلية والكائنات الحية التي وجدت في البحيرة ومحيطها موطناً ملائماً للاستقرار والتكاثر. كما شكلت البحيرة على امتداد التاريخ مورداً مائياً أساسياً للرعاة والقبائل التي كانت ترتاد المنطقة خلال مواسم الانتجاع.

غير أن أگلمام ن سيدي علي ليست مجرد مجال طبيعي أو جغرافي، بل هي أيضاً فضاء ثقافي ورمزي غني بالأساطير والحكايات التي نسجها الإنسان المحلي في محاولته لفهم المكان وتفسير نشأته(4). ويحمل الموقع اسم الولي الصالح سيدي علي أومحند الذي يوجد ضريح منسوب إليه بالقرب من البحيرة، وهو ما يعكس العلاقة الوثيقة التي ربطت المجتمعات الجبلية المغربية بالأولياء والزوايا باعتبارها مؤسسات روحية واجتماعية ساهمت في تأطير حياة السكان عبر قرون طويلة.

لقد مرّت أكثر من ثلاثة عقود على ظهور نظريّة صراع الحضارات، للبروفيسور الأمريكي المعروف صامويل هانتنغتون، ضمن محاولة للبحث عن بديل للعدوّ الشيوعي الذي انهار أمام الغرب في مطلع التسعينات. غير أنّ تلك النظريّة ربما كانت مقدّمة لبروز تصوّرات أسوأ، توحي بعودة التفكير العنصري ولو بشكل جديد يقوم على الاعتقاد في وجود تراتب بين الحضارات والأعراق دون إعلان ذلك صراحة. غير أنّ مثل هذه الأفكار لا تعدو أن تكون أيديولوجيا في خدمة أغراض لا علاقة لها بالعلم. فقد تبيّن اليوم للجميع، من خلال التوتّر الكبير الحاصل بين الولايات المتحدة من ناحية، وأوروبا وكندا من ناحية ثانية، أو على إثر هيمنة التيارات السياسية الشعبويّة في أكثر من بلد أوروبي، أنّ ما يسمّى بالحضارة الغربيّة المستندة إلى قيم حضاريّة ومبادئ أخلاقية مشتركة، ليست أكثر من غطاء يُستَخدَم كلّما دعت الحاجة إليه. أمّا الوقائع التاريخية والأنثروبولوجيّة فليس من السهل التلاعب بها.

ففي عصر التنوير الأوروبي، أثناء القرن الثامن عشر، أكّد هردر، وهو أحد كبار مفكري ذلك العصر، أنّ "كلّ ثقافة شمال وشرق وغرب أوروبا" هي "نبات من بذور رومانيّة، يونانيّة وعربيّة". وربما يمكن أن نضيف أنّ الثقافة اليونانيّة والرومانية تدينان بدروهما إلى ثقافة الشرق القديم أي بلاد ما بين النهرين وبلاد الشام وشمال إفريقيا. ولا ينبغي أن ننسى أنّ العرب، بالمعنى الثقافي وليس العنصري، فضلا عما يمتلكونه من حضارة، فهم الورثة الشرعيّون لأقدم الحضارات التي عرفتها البشريّة وبلادهم مهد الديانات السماوية الثلاث وأصل نشأة الحضارة الأوروبية الحديثة ثمّ تفوقها. إنّنا كثيرا ما نردّد ذلك أو نقتصر على ذكر الفترة العربية الإسلامية، ولكن دون السعي إلى استخلاص نتائج نظرية وعمليّة، كأساس لتفكير استراتيجي سياسي واضح المعالم.

أما بالنسبة لإفريقيا ففضلها على أوروبا والعالم ثابت بأكثر من وجه. فمن المعروف أنّها مهد الإنسانية بكلّ بساطة، حيث ظهر أقدم أثر للبشر ومنها انتشر إلى أطراف الأرض. وربما حصل ذلك الانتشار المنبثق من شرق إفريقيا، انطلاقا من الجزيرة العربية، وفقا لبعض الفرضيات الجادّة. ثم إنّ أوروبا الحديثة قد تشكّلت في علاقة ما بمستعمراتها ولا سيما الإفريقية. فالثروات المنهوبة لعبت دورا لا يمكن إنكاره في التوسّع الاقتصادي غير المسبوق لأوروبا. كما أنّ تجارة العبيد، سيّئة الذكر، بين أوروبا وإفريقيا و"العالم الجديد"، كانت أساسا للنموّ الاقتصادي سواء في أوروبا أ و في أمريكا. وقد صدق فرانز فانون حين قال إنّ أوروبا هي صنيعة العالم الثالث. وما يصحّ على ما كان يسمّى بالعالم الثالث، ينطبق من باب أولى على إفريقيا، فلعلّها الأكثر تعرّضا للظلم وللنهب والهيمنة. كما أنّ الكثيرين ينسون أنّ تحرير أوروبا من الفاشية والنازية، خلال الحرب العالمية الثانية، قد تمّ بفضل تضحيات الملايين من جنود المستعمرات العربية والإفريقية. والمقصود هنا ليس استعادة ذلك الصراع الاستعماري بالضرورة، حتّى وإن كانت تبعاته لا تزال قائمة. فقد مرت عقود على تحرّر البلدان الإفريقية وربما أمكن اليوم مناقشة القضايا الشائكة المتعلقة بالماضي الاستعماري في سياق أقلّ اشتعالا. بل ربما مثّلت هذه اللحظة التاريخية فرصة ينبغي انتهازها.

ثمّة قطاع واسع في الدراسات الدينيّة، لا يزال التعامل معه في الثقافة العربية ضمن أدوات المفاضَلة، والمناكَفة، والبكائيات، وما شابهها. وهي أدوات مضلِّلة ومشوِّهة لا تمتّ بصلة للدراسات العلمية للأديان. فهي عائدة إلى ضعف التكوين في حقل معرفي يقوم أساسا على فصل ما هو ذاتي عمّا هو موضوعي، وما هو لاهوتي عمّا هو علمي. حتى أنّ كتاباتنا حول اليهودية والمسيحية، على سبيل المثال، لا يُعتدّ بها في المدوَّنة العالمية ولا تلقى حظوة لضعف بنيتها المعرفية وارتباك منهجها. ما يجعلنا في هذه المساحة المتاحة من عرض المؤلفات الغربية نشير إلى الإنجازات المقدَّرة في مجالات الدراسات العلمية للأديان في اللسان الإيطالي. وقد آثرنا في هذه المقالة تناول كتاب على صلة بتاريخ المسيحية الفلسطينية تحديدا.

فبهذه الكلمات تستهلّ الباحثة الإيطالية باولا بيزّو كتابها "الصليب والكوفيّة.. تاريخ المسيحيّين العرب في فلسطين" "يبدو الصليب والكوفية رمزين متنافرين، أو لنقل الواحد على نقيض الآخر، في المخيال الغربي، بينما يفصح التاريخ عن تلاحم وثيق وحيّ، بين أرض فلسطين والإيمان المسيحي". فقد سكن المسيحيون العرب فلسطين ومنطقة الهلال الخصيب، منذ عهود المسيحية الأولى بدون انقطاع وإلى اليوم. في هذا المؤلّف تتتبّع الباحثة باولا بيزّو تاريخ أتباع المسيح (ع) في أرض فلسطين، من البدايات إلى وقائع التاريخ المعاصر، في مسعى لصياغة خلاصة جامعة.

توزّعَ البحث على ستّة محاور أساسية، غطّت مختلف أطوار التاريخ الفلسطيني وجاءت معنونَة على النحو الآتي: "بدايات التاريخ الأولى"، وذلك منذ ظهور المسيح (ع) إلى احتضان الإسلام هذا الدين، وانضمام المسيحيين إلى مكوَّن حضاري جامع؛ "المسيحيون والنهضة العربية"، تناول أبرز إسهامات الكتّاب والمفكرين الفلسطينيين في بلورة مشروع النهضة العربية؛ "الهوية الفلسطينية بين الدين والقومية"، وقد تركّز فيه الحديث على الطابع التعدديّ للهوية الفلسطينية وعلى دور المسيحيين إبان الانتداب البريطاني، فضلا عن مظاهر مقاومة المدّ الصهيوني في صفوف المسيحيين؛ "تأجّج أوضاع فلسطين"، تناول أحداث الثلاثينيات في القرن الماضي التي عصفت بفلسطين، حيث تعرّض للنشاط التبشيري الهائل وللهجمة الصهيونية الغاشمة ولمواقف مسيحيّي فلسطين وتجذّرهم في حركة المقاومة؛ "1948.. المسيحيون والنكبة"، ركّز بالأساس على أوضاع المسيحيين قبل النكبة وأثناءها، وأبرز ما حاق بهم من اجتثاث وما لحق بالمتبقّين منهم من تضييق وتنكيل؛ "تحديات المستقبل"، انشغل هذا المحور بما هزّ أوضاع المسيحيين من تحوّلات في الحقبة الراهنة، فضلا عن تعرّضه للنزيف المسيحي في ظلّ أوضاع الاحتلال، ثم عرّج البحث على علاقة المسيحيين بالكيان الإسرائيلي وبالسلطة الفلسطينية.

آخر الإصدارات

مفضلات الشهر من التاريخ و التراث