الإيتيقا بين فوكو ودولوز ـ ادريس شرود
"إن مقام الفلسفة الرفيع هو الإيطيقا"
صلاح الداودي
مقدمة
شهد العالم في القرن العشرين طفرة في حقول معرفية وعلمية مختلفة، أدت إلى بروز فروع جديدة، وفرت لها التقنية شرط ازدهارها وانتشارها، كمبتكرات التكنولوجيا الحيوية، والثورة البيوتقنية. وتم فسح المجال لفرع معرفي فلسفي جديد هو البيوإتيقا. هكذا طفت على السطح القضايا المتعلقة بالأخلاق والقيم، وتم الإستنجاد بالإرث الفلسفي المتعلق بمبحث الإيتيقا. لكن "تسارع التاريخ"، واكتساح التقنية لكل مجالات الحياة، لم تترك الفسحة المطلوبة للتساؤل عن ما يحدث. فأصبح الإنسان فريسة قوى تعمل وراء ظهره، في دهاليز المختبرات، ليست فقط الطبية، بل الثقافية والسياسية والجيوستراتيجية. هكذا ارتمى الكائن الحديث في صيرورة مطبوعة بفعالية التقنية وأنظمة التوجيه، تطلبت منه إعادة التفكير في ذاته ومستقبله. في هذا السياق، توجه اهتمامنا منذ نهاية القرن الماضي، بفلاسفة ومفكرين، يشكلون جزءا من فلسفة التاريخ، لكنهم ينفلتون منه جزئيا أو كليا، فكانوا بمثابة التيار الهوائي الدافع من الخلف، على حد تعبير جيل دولوز. لقد منحنا هؤلاء "النجوم" لمعانهم، فكانت حياتهم القصيرة والكبيرة وصحتهم الهشة، تعبيرا عن إيمانهم بهذا العالم، وشغفهم المطلق بالحياة. في هذا السياق، نقوم بترتيب اللقاء مع مفهوم الإيتيقا عند ميشيل فوكو وجيل دولوز، وهدفنا هو إزالة ما علق...
الكلمات المفتاحية:
ا
«"
قبل أن يبذل الإنسان مجهودا فلسفيا أو علميا لمعرفة العالم المحيط به ، والذي يشكل أحد عناصره ، انتابته مشاعر التعجب والذهول والاندهاش من النظام الذي تبدو عليه الطبيعة وتسير وفقه الكائنات والأشياء وخاصة الحركة المنتظمة للأجرام والكواكب والترتيب الذي توجد عليه الظواهر الحية.
"الفيلسوف الأخير، هكذا أسمي نفسي، وذلك لأنني الإنسان الآخر". فريديريك نيتشه
"بهذا الانعطاف لفك الرموز القديمة فإن الايمان ليس صرخة ولكن فهم"[1]1
"
استهلال:
استهلال:
يرتبط هاجس الكتابة حول مفهوم الحرية من منطق ملاحظة الخلط الواعي أو غير الواعي الذي يتم بين المستويات الدلالية لمفهوم الحرية، والتي تستند إلى المجال التداولي الذي يستعمل داخله المفهوم. وتتعقد درجة هذا الخلط في المجال المدرسي بالنظر لحضور المفهوم في مستويات ولحظات مختلفة في الكتاب المدرسي ، ما يجعل التلميذ مذهولا أمام هذا التكرار الذي لا يستطيع كشف جدواه، فيلجأ إلى تفسيره انطلاقا من الصورة العامة عن الفلسفة بكونها حشو للكلام، ويعظم سوء الفهم هذا إذا لم يستطع المدرس بدوره توضيح الغموض توضيحا معرفيا وابستيمولوجيا يتعالى عن لحظة محايثة المدرس لإيديولوجيته أو اختياراته النظرية. فهنا بالذات لا مكان للمحايثة، بل يلزم تبني الحياد المطلق الكفيل بتجلية مكامن اللبس في النظر للمفهوم.