جديد الموقع
VI- مخاطر الذكاء الاصطناعي
1- التحيزات الخوارزمية والديمقراطية
تأثير التحيزات الخوارزمية في الديمقراطية:
تتمثل مخاطر التحيزات الخوارزمية فيما يلي:
- تضخيم التمييز: تنهض الخوارزميات أحيانًا على معطيات قديمة، منحازة انحيازًا قوميًّا أو «طبقيًّا»، مما يدفع القرارات الآلية إلى زيادة تهميش فئات وجماعات إثنية أو ثقافية محددة.
- إضعاف الثقة في الحقل السياسي: يتم إضعاف الثقة في الحقل السياسي وفي العقد الاجتماعي، من خلال إشاعة اختيارات وتصورات وبيانات ومعطيات غير محايدة.
- تآكل الشفافية: تحل «الخوارزمقراطية» (حكم المعادلات الرياضية)، أحيانًا، محل المؤسسات المنتخبة ديمقراطيًا.
- التأثير السلبي في النقاش العمومي: كثيرًا ما تتحول منصات التواصل الاجتماعي إلى حاضنات رقمية للاستقطاب والانقسام الفكري، بدلًا من أن تكون مساحات أو فضاءات للتفاعل والحوار الإيجابيين؛ ومن المحقق أن يضعف أداء الفاعلين الاجتماعيين والسياسيين، وأن تقل جودة النقاش العمومي في هذه الأحياز الرقمية.
التلاعب بالمعلومات والاستقطاب:
تنتشر المعلومات الزائفة والمضللة بسرعة مذهلة، وتسهم الخوارزميات في نشرها على أوسع نطاق. ويسهم التلاعب بالمعلومات في زيادة الاستقطاب واستشراء التنازع بين الفئات الاجتماعية والثقافية والإثنية والسياسية المختلفة داخل المجتمع.
- استخدام خوارزميات التوصية: تستخدم منصات التواصل الاجتماعي خوارزميات التوصية les algorithmes de recommandation؛ وهي تعطي الأولوية، كما هو معلوم، للتفاعل العاطفي.
وباعتبارها أنظمة تحليلية لبيانات السلوك والانشغالات والاهتمامات، فإنها تقترح المحتويات أو المنتجات الرقمية الملائمة للمستخدمين.
- توليد فقاعات التصفية: كثيرًا ما يولد الترويج للمحتويات المثيرة للجدل أو للاستثارة أو للتفاعل العاطفي الحاد فقاعات التصفية les bulles de filtres؛ فمن المعلوم أن الخوارزميات تعرض للمستخدم المعلومات والآراء والتوجهات المتلائمة مع آرائه واهتماماته السابقة، في حالات الانعزال الرقمية المسماة بفقاعات التصفية.
I- تساؤلات واستشرافات
يوفر الذكاء الاصطناعي إمكانات لتصليب الديمقراطية، مثلما يوفر إمكانات لتعديل الأنساق والمعايير السياسية الديمقراطية.
هل يمكن للتطبيق الأخلاقي والمسؤول للتقنيات الذكية أن يمثل إمكانية لتعضيد الديمقراطية؟ هل يمكن هذا التطبيق من تحسين أداء المؤسسات السياسية، مع الحرص على حماية الخصوصية والحريات الفردية؟
كيف يمكن حماية الديمقراطية وتطويرها في عصر هيمنة الخوارزميات؟ كيف يمكن التوسع في تطوير الذكاء الاصطناعي وتعميق التحولات الرقمية، والمحافظة، في ذات الآن، على المبادئ الأساسية للديمقراطية؟
هل يمكن للمواطن، المنذور للبطالة والعطالة والهدر الاجتماعي والوجودي، بعد تعميم الروبوتات الشبيهة بالبشر وأتمتة الوظائف والمهام اليدوية والمعرفية، أن يشارك في تدبير الشأن العام؟ من سيتحكم في القرار السياسي والسياسات التدبيرية في مجتمعات سيفقد فيها الإنسان العادي ريادته الثقافية والسياسية لفائدة تقنيات الذكاء الاصطناعي؟ ما معنى السياسة والمشاركة الديمقراطية في مجتمعات سيتغلب فيها الذكاء الاصطناعي على الذكاء البشري؟ هل يمكن بناء الوعي السياسي على الإيحاءات العاطفية والتعاطف الوجداني، أم لا مناص، في الواقع، من وعي سياسي معزز بوعي تاريخي ورؤية حضارية قوية وموازية للتفاعل الإبداعي والخلاق مع الإشكاليات الفكرية والحضارية المتوقع مواجهتها بعد تطوير الذكاء الاصطناعي وتغيير بنيات الوعي والتدبير والإنتاج وفهم العالم ومعنى الوجود الإنساني؟
لا بد، في الواقع، من مراعاة سمات وتحولات عصر الذكاء الاصطناعي، المتمثلة في: تراجع التعليم الكلاسيكي، والتشكك في قيمة الدبلومات والدراسات العليا، وتغيير آليات الحراك الاجتماعي، واستفحال الاستقطاب الاجتماعي، وتراجع الوضع الاجتماعي والاقتصادي للشرائح السفلى من الطبقة الوسطى، والمراهنة على الأتمتة وتوظيف الذكاء الاصطناعي.
لإن تَلخَّص فخرُ الملك الآشوري أسرحدون، في القرن السّابع قبل الميلاد، وهو يُصوّر زحف جيشه الظافر بقوله: "أمامه مدينة وخلفه خراب!!"، فإنّ مهامّ المنشغلين بحطام المدن في عالم اليوم، في الشرق أم في الغرب، تقف على نقيض منجَزات جيش أسرحدون: "أنّ بين أيديهم خرابا وأنّ عليهم أن يُرمّموا ما أَلمّ بتلك المدن". يأتي الأمر صونًا لإنسانية البشر وحفاظًا على رصيد الأخلاق الكونية المستنزَف، كما حاول لَمْلمته اللاهوتي الراحل هانس كونغ صاحب مقولة "لا سلام لعالم لا سلام فيه بين الأديان، ولا سلام بين الأديان بدون حوار عميق بينها". وعلى ذلك الأساس لا يبدو سؤال "ما العمل؟" في أيّامنا، أمام اتّساع رقعة انخرام المدن، وتزايد أعداد المهجَّرين، وضيق السُّبل، وانسداد الآفاق، سؤالا سياسيّا، كما دأبت الأدبيات الاستراتيجية أن تلحقه بأيديولوجيا معيَّنة أو بشخصية كاريزمية محدّدة؛ بل هو سؤال ثقافيّ في الجوهر، يتلمّس سُبل ترميم نسيج المدن، الرمزي والقِيَمي والخُلقي، لِما لحقه من اهتراء.
هذا وقد دأب الناس على طرح "سؤال ما العمل؟" حين يكابد الجميع أهوال الجحيم، وحين تتحوّل المدينة إلى مرتَعٍ للتوحّش وإلى بؤرة لتأجّج النزاعات. يطرحون ذلك السؤال على العارفين، وعلى من يأملون العثور لديهم على بصيص أمل للخروج من بلواهم. والثقافة الرشيدة، ثقافة الودعاء، لا ثقافة التنطّع والغيّ، غالبا ما تكون معنيّةً بذلك السؤال الحازم والمفرط في إحراجِه، على أمل انتشال الحيارى من تيهِهم، ومما ألمّ بهم وأَهليهم من عذابات يَصْلونها آناء الليل وأطراف النهار، وفي أحوال القرّ والحرّ على حدّ سواء. لأنّ إجابة الثقافة تنطوي على أمل وإعمار وبصيص خلاص، وهي محاولة لخروجٍ مستدام ممّا يترصّد الناس من أوضاع الذلّة والهوان.
- نبذة عن الكاتب(ة): عزالدّين عناية - جامعي تونسي مقيم في روما- إيطاليا
فرش إشكالي
يشغل بول ريكور موقعًا متميزًا في الفلسفة الفرنسية في القرن العشرين؛ فهو من أكثر فلاسفتها عمقًا، وقد وصفته صحيفة لوموند يوم وفاته بعبارة «فيلسوف جميع الحوارات»، وهو وصف يلتقي مع ما رُصد في سيرته الفكرية من دفاعه عن الحوار الكوني مع معظم تيارات عصره. ويلاحظ جان غروندان، أحد أبرز شراحه، أنك لا تجد في أعماله الكتاب الأعظم الواحد، بل كتبًا كثيرة يصلح كل منها لهذا اللقب. ومع ذلك، تلاحقه تهمة متكررة بأنه لا يملك فكرًا خاصًا، وأنه لا يفعل سوى عرض أفكار غيره وتصحيح تجاوزاتها.
يصف ريكور تقليده الفلسفي بثلاث سمات: الانتماء إلى الفلسفة الانعكاسية، والوقوف في دائرة الظاهراتية، وتمثيل نسخة تأويلية منها. وتكاد عبارة واحدة تلخّص مشروعه: «الإنسان هو فرح النَّعَم في حزن المتناهي». وليست هذه العبارة تفاؤلًا ساذجًا ولا يأسًا وجوديًا، بل قدرة على قول «نعم» للحياة من داخل تناهيها نفسه. ومن هذا التوتر انبثقت فلسفة إرادة تعرف حدودها، وتأويل يثق بالرمز ويرتاب فيه معًا، وأخلاق تطلب الحياة الطيبة في مؤسسات عادلة، وذاكرة ترفض أن يبتلعها النسيان أو تستعبدها الضغينة.
من هنا ينطلق مقالنا من سؤال مركزي: بأي معنى يمكن عدّ الجمع بين النقد والاقتناع عند ريكور بناءً منهجيًا متماسكًا، لا تسوية توفيقية، وكيف يتجلى ذلك في تصوره للذات المتناهية وللتأويل الذي تفهم به نفسها؟
بأي مرجعية يمكن أن نفهم فلسفة بول ريكور؟
تتوزع الدراسات والمقالات المتعلقة بفلسفة بول ريكور على ثلاثة اتجاهات:
الاتجاه الأول: الببليوغرافيا السيرية، وأبرزها نصوص كتاب غروندان، الذي يقدم قراءة منتظمة لمسار ريكور ولأعماله، ويلاحظ بصفة خاصة أنه لا يوجد في هذه الأعمال الكتاب الأعظم الواحد، بل كتب كثيرة يصلح كل منها لهذا اللقب، كما يجعل من فاجعة ابنه أوليفييه مفتاحًا لبعد مأساوي في «الذات عينها كآخر». وإلى جانبه سيرة دوس، وهي المرجع الأدق في تفاصيل الحياة العامة والجامعية، ويضاف إليهما المراجع الاصطلاحية، كمعجم أبيل وبوريه.
والاتجاه الثاني: نقدي-موضوعاتي، يتناول ريكور من زاوية علاقته بالهامش وبما بعد الكولونيالية، وقد جُمعت بعض مساهماته في عدد خاص من مجلة «دراسات ريكور» بعنوان «ريكور ما بعد الكولونيالي»، إضافة إلى أول كتاباته الفلسفية «بحث عن مسألة الله عند لاشوليي ولانيو».
ليست المشكلة في الأعمال الكبيرة أنها كبيرة، ولا في المشاريع الطويلة أنها استغرقتْ سنوات من صاحبها، وإنما المشكلة تبدأ حين تتحول ضخامة العمل إلى حُجَّة ضمنية على صحته، ويصبح اتساع المادة بديلًا عن صرامة السؤال، وتصير كثرة الصفحات بديلًا عن قوة البرهنة.
من هذه الزاوية تحديدًا ينبغي أن تُقْرَأ موسوعة السرد العربي، للناقد العراقي الدكتور عبد الله إبراهيم ( وُلد 1957 ). نحن أمام مشروع واسع يتعقب السردَ العربي من مراحله القديمة إلى السرد الحديث. والموسوعةُ لم تُكتَب دفعة واحدة، بل نشأتْ من دراسات وبحوث وفصول أُعيد تحريرها وجمعها داخل المشروع النهائي. والسؤال الذي يفرض نفسه: هل نجح هذا التراكم الهائل في إنتاج تاريخ نقدي متماسك للسرد العربي أمْ أنه أنتجَ سردية كبرى عن السرد العربي أكثر مما أنتجَ تاريخًا علميًّا نهائيًّا له؟.
أول إشكال منهجي يواجه القارئ هو مفهوم الموسوعة. الموسوعةُ، بالمعنى العلمي الصارم، ليست مجرد عمل ضخم، ولا مجموعة من الدراسات المتجاورة التي يجمعها موضوع واحد. الموسوعةُ تفترض نظامًا واضحًا للتصنيف، وتوازنًا نسبيًّا في التغطية، وضبطًا للمصطلحات، وشبكة إحالات دقيقة، وتعيينًا للحدود بين المواد، وتوازنًا بين ما يُدرَج وما يُستبعَد.
مشروع إبراهيم تشكَّلَ من كُتب وفصول ودراسات مستقلة أُعيدَ تحريرها لكي تصبح جزءًا من بناء أكبر، وقد كان يكتب الفصلَ، ثم يُحوِّله إلى مقالات، ثم يعيد صياغته بحثًا، ثم يجمع الفصولَ في كتاب، ثم يعيد تحريرَ الكتاب ضمن الموسوعة. هذه الطريقة تخلق مشكلةً كبيرة، هل وحدة الموضوع تكفي لصنع وحدة الموسوعة أمْ أن القارئ يظلُّ أمام آثار واضحة لتاريخ النصوص المختلفة التي سبقت اندراجَها في البناء الموسوعي؟.
إنَّ جمع الدراسات في إطار واحد لا يجعلها بالضرورة أجزاء من نظام معرفي واحد. وقد تكون هناك وحدة في رؤية المؤلف، لكن الوحدة الفكرية شيء، والوحدة الموسوعية شيء آخر. وإحدى مشكلات الموسوعة أنها تقع في منطقة ملتبسة بين الموسوعة والتاريخ النقدي والمشروع الشخصي في السرديات. ولا شك أنَّ نوع الكتاب الذي نقرؤه يُحدِّد نوعَ السلطة التي نمنحها لنتائجه. إذا كان كتابًا نقديًّا واسعًا، فمن حق مؤلفه أن ينتقي ويجادل ويقترح، أمَّا إذا قُدِّمَ بوصفه موسوعة، فإنَّ الانتقاء يصبح بحاجة إلى تفسير.
توطئة
بعد انهيار المعسكر الشرقي، تعالت أصوات تبشّر بتكريس الديمقراطية الليبرالية كأفق نهائي للتاريخ السياسي للبشرية «فكرة نهاية التاريخ»، وتدّعي قدرة التقدم التقني والرفاه المادي وحدهما على تلبية حاجات الإنسان المعاصر. وعلى امتداد العقود الأخيرة، حاولت أوساط دولية نافذة ــ واجهتها منتدى دافوس ــ فرض التسليم بأن العالم قد حسم اختياراته الفكرية والسياسية لصالح النموذج الليبرالي الحديث؛ نموذج يغرق في الفردانية، ويقوم على العقلانية التوظيفية التي تقارب كل شيء ــ موردًا بشريًا أو أصلًا ماديًا ــ أداتيًا، وتؤلّه علوية السوق، التي انتهت إلى إخراج المقدس الإيماني من المجال العام.
تمادت الأطراف التي تقف وراء هذا التوجه في فرض تصوراتها على المجتمعات، إلى أن أصبح العالم أمام أزمة لا يمكن إنكارها. والأزمة، التي لا يمكن الاكتفاء بردّها إلى اختلال التوازنات الاجتماعية والاقتصادية والأمنية، يرتبط عمقها، بالأساس، باضطراب في تصور الإنسان لمكانه في المجتمع والتاريخ، وبضيق الأفق القيمي والروحي المتاح في سياق سلعنة الحياة. الواقع الجديد اقترن بالعجز عن الإجابة عن سؤال جوهري: ما الدلالة والغاية للوجود، إذا بقي مركز السعي مختزلًا في التحصيل المادي ومراكمة القيمة؟
وقد شهد العالم، منذ بداية القرن الواحد والعشرين، تصاعدًا لافتًا لخطاب ينتقد غياب المعنى، ويدعو إلى الرجوع إلى الأطر الثقافية والاجتماعية والسياسية المؤنسنة، التي تراجع دورها بسبب الليبرالية المفرطة. وتتبنى هذا التوجه أطراف تنتمي إلى فضاءات حضارية ودينية مختلفة، وتنتسب، على حد سواء، إلى اليمين واليسار. والتيارات المنادية بالرجوع إلى «المعنى» وكبح الانغماس المادي الاستهلاكي المفرغ من الغائية نجدها في المجال الشرقي، مرورًا بالفضاء الأوروبي، وصولًا إلى تيارات سياسية أمريكية جمهورية وديمقراطية.
المزيد من المواضيع
فرش إشكالي
لا تزال المقالة الفلسفية تحتل موقعًا مركزيًا في التعليم الثانوي في كثير من الدول التي تمتلك تقاليد فلسفية، بوصفها التمرين الذي يتيح للتلميذ أن ينمّي ملكة الحكم والنقد، وأن يمارس التعبير العقلاني الحر، فيتأهّل بذلك ليكون مثقفًا قادرًا على الالتزام. ولا تزال عبارة فيكتور كوزان، وهو يصف دور الفلسفة في إعداد الرجال والمواطنين الأحرار، صادقة إلى اليوم: «في صف الفلسفة يتعلم الطلاب الحرية من خلال ممارسة التفكير الحر». وقد أكدت كثير من البحوث الأكاديمية أنه: «من واجب الفلسفة الاشتغال على تدريب الذكاء وبناء الشخصية وتنمية حرية الأفراد، فالأمر يتعلق بتعلّم التفكير والاستعداد للاختيار الحر مع تحمّل المسؤولية». لذلك شُبّهت الفلسفة بعمل يانوس، الإله ذي الوجهين في الميثولوجيا الرومانية: وجه ينظر إلى الماضي وتراث الفكر، ووجه ينظر إلى المستقبل وحرية الحكم.
غير أن هذه الغايات النبيلة، التي يستمد منها الفعل الفلسفي مشروعيته، لا تعفينا من ملاحظة ميدانية متكررة يعرفها كل من مارس تقييم وتقويم الدرس الفلسفي، لا سيما في جانبه التطبيقي المتعلق بالمقال الفلسفي؛ فبين النية المُعلنة والإنجاز الفعلي تقع هوّة واسعة. إذ يبدأ أغلب التلاميذ مقالاتهم بمقدمة وأسئلة متشابهة ومكررة، ثم ينهار البناء مباشرة بعدها. وبدل معالجة الإشكال الفلسفي بحجج مرتبة، يسرد الطالب معارف متناثرة وأمثلة متفرقة وحججًا متناقضة، أو يكتفي بعرض «الرأي وضده» دون أن يقيم وزنًا لأي منهما. والسبب في ذلك بسيط في ظاهره، عميق في جذوره: لقد تعلّم كيف يحفظ المقال، في أحسن الأحوال، ولم يتعلم كيف يطرح السؤال ويجادل فيه.
وهذا بالضبط ما يحاول مقالنا معالجته، من خلال الربط بين محورين لا ينفصلان في بنية المقال الفلسفي، رغم أن تدريسهما كثيرًا ما يُفصل بينهما: الأشكلة بوصفها اللحظة التي يُولد فيها التساؤل، والمحاجة بوصفها اللحظة التي يبلغ فيها فعل التفلسف أبعد مداه. وهذان المحوران يتطابقان مع ما تصفه أدبيات تعليم الفلسفة بالكفاءات الفلسفية الثلاث التي تقوم عليها المادة: الأشكلة، والمفهمة، والمحاجة. من هنا نطرح جملة من التساؤلات التي سترسم خريطة هذا المقال:
• ما الذي يميّز الإشكالية الفلسفية عن المشكلة التقنية؟ وكيف نختبر عمليًا وجود إشكال فلسفي حقيقي يستدعي كتابة مقال؟
• ولماذا لا تستطيع الأسئلة الجاهزة والمعدة سلفًا صياغة إشكال فلسفي حقيقي؟ وما الذي يسقط فيه الطالب حين ينتقل من طرح السؤال إلى سرد الأمثلة دون بناء حجاجي؟
فرش إشكالي
يشغل بول ريكور موقعًا متميزًا في الفلسفة الفرنسية في القرن العشرين؛ فهو من أكثر فلاسفتها عمقًا، وقد وصفته صحيفة لوموند يوم وفاته بعبارة «فيلسوف جميع الحوارات»، وهو وصف يلتقي مع ما رُصد في سيرته الفكرية من دفاعه عن الحوار الكوني مع معظم تيارات عصره. ويلاحظ جان غروندان، أحد أبرز شراحه، أنك لا تجد في أعماله الكتاب الأعظم الواحد، بل كتبًا كثيرة يصلح كل منها لهذا اللقب. ومع ذلك، تلاحقه تهمة متكررة بأنه لا يملك فكرًا خاصًا، وأنه لا يفعل سوى عرض أفكار غيره وتصحيح تجاوزاتها.
يصف ريكور تقليده الفلسفي بثلاث سمات: الانتماء إلى الفلسفة الانعكاسية، والوقوف في دائرة الظاهراتية، وتمثيل نسخة تأويلية منها. وتكاد عبارة واحدة تلخّص مشروعه: «الإنسان هو فرح النَّعَم في حزن المتناهي». وليست هذه العبارة تفاؤلًا ساذجًا ولا يأسًا وجوديًا، بل قدرة على قول «نعم» للحياة من داخل تناهيها نفسه. ومن هذا التوتر انبثقت فلسفة إرادة تعرف حدودها، وتأويل يثق بالرمز ويرتاب فيه معًا، وأخلاق تطلب الحياة الطيبة في مؤسسات عادلة، وذاكرة ترفض أن يبتلعها النسيان أو تستعبدها الضغينة.
من هنا ينطلق مقالنا من سؤال مركزي: بأي معنى يمكن عدّ الجمع بين النقد والاقتناع عند ريكور بناءً منهجيًا متماسكًا، لا تسوية توفيقية، وكيف يتجلى ذلك في تصوره للذات المتناهية وللتأويل الذي تفهم به نفسها؟
بأي مرجعية يمكن أن نفهم فلسفة بول ريكور؟
تتوزع الدراسات والمقالات المتعلقة بفلسفة بول ريكور على ثلاثة اتجاهات:
الاتجاه الأول: الببليوغرافيا السيرية، وأبرزها نصوص كتاب غروندان، الذي يقدم قراءة منتظمة لمسار ريكور ولأعماله، ويلاحظ بصفة خاصة أنه لا يوجد في هذه الأعمال الكتاب الأعظم الواحد، بل كتب كثيرة يصلح كل منها لهذا اللقب، كما يجعل من فاجعة ابنه أوليفييه مفتاحًا لبعد مأساوي في «الذات عينها كآخر». وإلى جانبه سيرة دوس، وهي المرجع الأدق في تفاصيل الحياة العامة والجامعية، ويضاف إليهما المراجع الاصطلاحية، كمعجم أبيل وبوريه.
والاتجاه الثاني: نقدي-موضوعاتي، يتناول ريكور من زاوية علاقته بالهامش وبما بعد الكولونيالية، وقد جُمعت بعض مساهماته في عدد خاص من مجلة «دراسات ريكور» بعنوان «ريكور ما بعد الكولونيالي»، إضافة إلى أول كتاباته الفلسفية «بحث عن مسألة الله عند لاشوليي ولانيو».
توطئة
بعد انهيار المعسكر الشرقي، تعالت أصوات تبشّر بتكريس الديمقراطية الليبرالية كأفق نهائي للتاريخ السياسي للبشرية «فكرة نهاية التاريخ»، وتدّعي قدرة التقدم التقني والرفاه المادي وحدهما على تلبية حاجات الإنسان المعاصر. وعلى امتداد العقود الأخيرة، حاولت أوساط دولية نافذة ــ واجهتها منتدى دافوس ــ فرض التسليم بأن العالم قد حسم اختياراته الفكرية والسياسية لصالح النموذج الليبرالي الحديث؛ نموذج يغرق في الفردانية، ويقوم على العقلانية التوظيفية التي تقارب كل شيء ــ موردًا بشريًا أو أصلًا ماديًا ــ أداتيًا، وتؤلّه علوية السوق، التي انتهت إلى إخراج المقدس الإيماني من المجال العام.
تمادت الأطراف التي تقف وراء هذا التوجه في فرض تصوراتها على المجتمعات، إلى أن أصبح العالم أمام أزمة لا يمكن إنكارها. والأزمة، التي لا يمكن الاكتفاء بردّها إلى اختلال التوازنات الاجتماعية والاقتصادية والأمنية، يرتبط عمقها، بالأساس، باضطراب في تصور الإنسان لمكانه في المجتمع والتاريخ، وبضيق الأفق القيمي والروحي المتاح في سياق سلعنة الحياة. الواقع الجديد اقترن بالعجز عن الإجابة عن سؤال جوهري: ما الدلالة والغاية للوجود، إذا بقي مركز السعي مختزلًا في التحصيل المادي ومراكمة القيمة؟
وقد شهد العالم، منذ بداية القرن الواحد والعشرين، تصاعدًا لافتًا لخطاب ينتقد غياب المعنى، ويدعو إلى الرجوع إلى الأطر الثقافية والاجتماعية والسياسية المؤنسنة، التي تراجع دورها بسبب الليبرالية المفرطة. وتتبنى هذا التوجه أطراف تنتمي إلى فضاءات حضارية ودينية مختلفة، وتنتسب، على حد سواء، إلى اليمين واليسار. والتيارات المنادية بالرجوع إلى «المعنى» وكبح الانغماس المادي الاستهلاكي المفرغ من الغائية نجدها في المجال الشرقي، مرورًا بالفضاء الأوروبي، وصولًا إلى تيارات سياسية أمريكية جمهورية وديمقراطية.
إنّ التنمية المستدامة ليست بالعبء، وإنما هي فرصة فريدة؛ فهي تتيح، من الناحية الاقتصادية، إقامة الأسواق وفتح أبواب العمل؛ ومن الناحية الاجتماعية، دمج المهمشين في تيار المجتمع؛ ومن الناحية السياسية، منح كل إنسان، رجلاً كان أم امرأة، صوتاً وقدرة على الاختيار لتحدّي مسار مستقبله".
كوفي عنان، الأمين العام السابق للأمم المتحدة
1- مقدمة:
استقطب مفهوم التنمية المستدامة الاهتمام الدولي في العقود الأربعة الماضية، وفرض حضوره بقوة في الجامعات والمؤسسات الأكاديمية محورا لاهتمام العلماء والمفكرين، وقد أصبح الشغل الشاغل للمنظمات الدولية والإنسانية. وتجسد هذا الاهتمام الدولي في تواتر المؤتمرات والندوات والقمم الدولية التي عقدت لمناقشة قضايا التنمية المستدامة واستحقاقاتها التاريخية في مختلف أرجاء المعمورة. وأثارت هذه القضايا التنموية اهتمام المؤسسات الاقتصادية الدولية مثل صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، ومنظمة التجارة العالمية، التي توجهت إلى تمويل منظومات متكاملة من برامج التنمية المستدامة في مختلف أنحاء العالم.
وفي إطار هذا الاهتمام الدولي والأكاديمي بقضايا التنمية المستدامة ولدت قناعة راسخة بأنه يمكن للتنمية المستدامة أن تشكل المنطلق الموضوعي والمنهج الفعال في مواجهة أغلب المشكلات والتحديات الاجتماعية والاقتصادية والبيئية التي تواجه المجتمع الإنساني المعاصر، ولاسيما تلك التي تواجه البلدان النامية كقضايا: التخلف، والفقر، والأمية، والعدالة الاجتماعية، والتصحر، والتلوث، وغيرها من المشكلات الاجتماعية والبيئية.
وتأتي هذه الحظوة الّتي تكتسبها التّنمية المستدامة بتأثير الأوضاع الاقتصادية المتفاقمة والتحديات الاجتماعية التي يواجهها الكوكب في هذه المرحلة الحيوية من تاريخ الإنسانية. فالعالم الذي نعيش فيه يتميز بخاصّيتي الازدحام والتكاثف السكاني الهائل. وعلى هذا سطح هذا الكوكب يعيش اليوم أكثر من 7.5 مليار إنسان، أي ما يقارب 9 أضعاف سكان الكرة الأرضية الذين عاشوا في بداية الثورة الصناعية عام 1750. وما تزال هذه النسب السكانية تتزايد بوتائر متسارعة جدا. ويقدر خبراء السكان أن عدد سكان الكرة الأرضية سيصل إلى 9 مليارات في عام 2040 ميلادية.
وبسبب هذه الكثافة السكانية الهائلة، فإن الملايين من الناس يبحثون عن موطئ قدم لهم في مجال الحياة الاقتصادية والمادية. ومن أجل هذه الغاية يكافح الفقراء من أجل الحصول على الغذاء، والمياه الصالحة للشرب، والرعاية الصحية، والمأوى، وهي الحاجات الأساسية التي تمنحهم شروط الاستمرار على قيد الحياة. أما الميسورون من الناس الذين يعيشون في شروط حياة آمنة فإنهم يعملون على تحقيق مزيد من الرخاء، وعلى تحسين شروط الحياة بحثا عن مستقبل أكثر إشراقا لأبنائهم. وضمن صيرورة التقدم التكنولوجي الهائل فإن سكان البلدان المتقدمة ذات الدخل المرتفع يأملون أن تقدم لهم التطورات التكنولوجية مستويات أعلى من الرفاهية والرخاء.
- نبذة عن الكاتب(ة): د. علي أسعد وطفة - كلية التربية -جامعة الكويت
لإن تَلخَّص فخرُ الملك الآشوري أسرحدون، في القرن السّابع قبل الميلاد، وهو يُصوّر زحف جيشه الظافر بقوله: "أمامه مدينة وخلفه خراب!!"، فإنّ مهامّ المنشغلين بحطام المدن في عالم اليوم، في الشرق أم في الغرب، تقف على نقيض منجَزات جيش أسرحدون: "أنّ بين أيديهم خرابا وأنّ عليهم أن يُرمّموا ما أَلمّ بتلك المدن". يأتي الأمر صونًا لإنسانية البشر وحفاظًا على رصيد الأخلاق الكونية المستنزَف، كما حاول لَمْلمته اللاهوتي الراحل هانس كونغ صاحب مقولة "لا سلام لعالم لا سلام فيه بين الأديان، ولا سلام بين الأديان بدون حوار عميق بينها". وعلى ذلك الأساس لا يبدو سؤال "ما العمل؟" في أيّامنا، أمام اتّساع رقعة انخرام المدن، وتزايد أعداد المهجَّرين، وضيق السُّبل، وانسداد الآفاق، سؤالا سياسيّا، كما دأبت الأدبيات الاستراتيجية أن تلحقه بأيديولوجيا معيَّنة أو بشخصية كاريزمية محدّدة؛ بل هو سؤال ثقافيّ في الجوهر، يتلمّس سُبل ترميم نسيج المدن، الرمزي والقِيَمي والخُلقي، لِما لحقه من اهتراء.
هذا وقد دأب الناس على طرح "سؤال ما العمل؟" حين يكابد الجميع أهوال الجحيم، وحين تتحوّل المدينة إلى مرتَعٍ للتوحّش وإلى بؤرة لتأجّج النزاعات. يطرحون ذلك السؤال على العارفين، وعلى من يأملون العثور لديهم على بصيص أمل للخروج من بلواهم. والثقافة الرشيدة، ثقافة الودعاء، لا ثقافة التنطّع والغيّ، غالبا ما تكون معنيّةً بذلك السؤال الحازم والمفرط في إحراجِه، على أمل انتشال الحيارى من تيهِهم، ومما ألمّ بهم وأَهليهم من عذابات يَصْلونها آناء الليل وأطراف النهار، وفي أحوال القرّ والحرّ على حدّ سواء. لأنّ إجابة الثقافة تنطوي على أمل وإعمار وبصيص خلاص، وهي محاولة لخروجٍ مستدام ممّا يترصّد الناس من أوضاع الذلّة والهوان.
- نبذة عن الكاتب(ة): عزالدّين عناية - جامعي تونسي مقيم في روما- إيطاليا
"ندنو من العظمة بقدر ما ندنو من التّواضع" (طاغور).
"ليس للرّجل سوى مجد واحد حقيقيّ، هو التّواضع". (إلفرد دو موسّيه).
1- مقدمة:
للعلم هيبة، ولكنّ هيبته لا تأتي من الألقاب، ولا من فخامة الشّهادات، ولا من طقوس التّبجيل الّتي تحيط بأصحابها؛ فهيبة العلم تكمن في العلم نفسه، في قدرته على إنارة العقل، وتحرير الإنسان من الجهل، وتعميق وعيه بذاته والعالم. وكلّما ارتقى الإنسان في مدارج المعرفة، أدرك أنّ ما يعرفه لا يزال ضئيلا أمام ما لا يعرفه، وأنّ التّواضع ليس زينة أخلاقيّة للعالم، بل هو شرط من شروط العلم ذاته. وهذا المعنى حاضر بقوة في المقالة حين تجعل التواضع إقرارا باتساع المعرفة ومحدودية ما يملكه الإنسان منها.
ولكنّ المفارقة تبدأ حين ينقلب اللّقب من دلالة على التّحصيل العلميّ إلى علامة على التّفوّق الاجتماعيّ، وحين تتحوّل الشّهادة من بداية لرحلة البحث والمعرفة إلى وسام للتّباهي والتّعالي. وهنا يغدو السّؤال مشروعا: ماذا يحدث للجامعة حين يتقدّم اللّقب على المعرفة، وتسبق الهيبة الإنجاز، ويصبح التّفخيم بديلا من القيمة العلميّة الحقيقيّة؟ وماذا يبقى من روح العلم حين يتحوّل بعض حملة ألقابه إلى أسرى لها، يستمدّون منها مكانتهم وشعورهم بالتّفوّق؟
من هنا تنطلق هذه المقاربة في محاولة لقراءة ظاهرة هوس التّفخيم والتّعظيم في الوسط الأكاديميّ، والكشف عن بعض أبعادها النّفسيّة والاجتماعيّة والثّقافيّة، لا انتقاصا من قيمة الشّهادات والألقاب العلميّة، بل دفاعا عن معناها الحقيقيّ، وعن الجامعة بوصفها فضاء للمعرفة والنّقد والتّواضع العلميّ، لا مسرحا للتّفاخر والتّراتب والتّضخّم النّرجسيّ.
2- تواضع العلم والعلماء:
عرف العلماء بتواضعهم وظرفهم، وعذوبة معشرهم، وحبّهم للنّاس، والميل إليهم، والتّقرّب منهم ومسامرتهم وتكريمهم. واقترنت الحكمة بالتّواضع، واكتنزت بالمحبّة، واهتزّت أغصان المعرفة بحمولة السّلام. وعلى خلاف ذلك، ارتهن الجهل بالغرور، واشتدّ بالاستكبار، ونما بالغطرسة. وإذا كان العالم يعرف بتواضعه، فإنّ الجاهل يتميّز بغروره، ويعرف بتبجّحه وتعاليه واستكباره. وإذا كان العلم قرينا للتّواضع، وهذا أكيد مؤكّد، فإنّ الجهل لا يكون إلّا صنوا للغرور والاستكبار، وموئلا لمشاعر التّضخّم المرضيّة النّرجسيّة.
ينبّئنا تاريخ الفلاسفة أنّ الفيلسوف الإغريقيّ فيثاغورث (Pythagoras) (570-495 ق.م) اعترض على تسمية الفيلسوف بالحكيم، ونظر إليه على أنّه مجرّد محبّ للحكمة؛ فالحكمة أوسع من أن يقبضها الإنسان الفيلسوف، بل أقصى ما يمكن أن يصل إليه الإنسان هو فضيلة المحبّة للحكمة الّتي تفيض بأنوارها الكونيّة. ومن هذا المنطلق التّأسيسيّ، كان يعتقد بوجود حكيم واحد هو الله، لا غيره، العارف بأحوال الكون والقابض على أسراره - وما الفلاسفة في النّهاية إلّا محبّو الحكمة وعاشقوها - وفي قوله يكمن سرّ التّواضع الفكريّ والفلسفيّ بين العلماء والمفكّرين.
آخر الأنشطة والتظاهرات
تُعدّ الكتابة الإبداعية فنًا مركّبًا يجمع بين الأصالة والابتكار، فهي عمليةٌ واعية تستند إلى الإلهام والانضباط معاً، وتمثّل تفاعلاً بين الموهبة والمعرفة واللغة، وهو ما يتيح للكاتب تحويل التجربة الإنسانية إلى نصٍّ فنيٍّ ينبض بالحياة. وإذا كان الكاتب يبلغ ذروة تميزه وتجليه الذاتي عندما يبدع نصاً جديداً، فإن هذا التميز يظل مهدداً بالزوال، وهذا التجلي مهدداً بالانطفاء، ما لم يتم نقله للآخرين. ولذلك، فإن نشر خبرات المبدع أو "سر الصنعة" الإبداعية، وتحويلها إلى معرفة قابلة للتداول والتعلم، ينقل المبدع من مجرد صاحب مهارة إبداعية، إلى أيقونة ومُلهم وصاحب أثر في غيره من المبدعين الذين لازالوا يتلمسون طريقهم.
وعندما يجد هؤلاء المبدعون الجدد ملهماً متمرساً يقاسمهم خبرته ويشاركهم تجاربه وتقنياته ورؤاه الفنية، فإنهم لا يبدأون من الصفر، وإنما من أرضية صلبة تتيح لهم النمو والانطلاق في فضاء الإبداع، مما يرفع سقف الإبداع الجماعي في المجتمع ويحميه من الركود والجمود، ويبني جسراً لاستمرارية المعرفة والتطور الإنساني.
ومن هنا تأتي أهمية كتاب (فنون الكتابة وأسرارها) للكاتب والروائي المبدع الدكتور عبود مصطفى عبود، الصادر مؤخراً عن مؤسسة الفاروق للاستثمارات الثقافية بالقاهرة. حيث يُعد دليلاً شاملاً لكل كاتب مبتدئ يسعى لأن يجد لنفسه موضع قدم بين المبدعين، وكذلك لكل كاتب يسعى إلى تحسين مهاراته الكتابية. فهو لا يقتصر على المبادئ الأساسية للكتابة الإبداعية، بل يغوص في أعماق تقنيات التعبير، مرورًا بأسرار الكتابة الإبداعية، وصولًا إلى تقنيات التأثير والإقناع في النصوص المختلفة، مع تدعيم كل ذلك بالعديد من التمارين والتطبيقات العملية التي تأخذ بيد القارئ خطوة خطوة، في سبيل إنشاء نصة الإبداعي.
ليست المشكلة في الأعمال الكبيرة أنها كبيرة، ولا في المشاريع الطويلة أنها استغرقتْ سنوات من صاحبها، وإنما المشكلة تبدأ حين تتحول ضخامة العمل إلى حُجَّة ضمنية على صحته، ويصبح اتساع المادة بديلًا عن صرامة السؤال، وتصير كثرة الصفحات بديلًا عن قوة البرهنة.
من هذه الزاوية تحديدًا ينبغي أن تُقْرَأ موسوعة السرد العربي، للناقد العراقي الدكتور عبد الله إبراهيم ( وُلد 1957 ). نحن أمام مشروع واسع يتعقب السردَ العربي من مراحله القديمة إلى السرد الحديث. والموسوعةُ لم تُكتَب دفعة واحدة، بل نشأتْ من دراسات وبحوث وفصول أُعيد تحريرها وجمعها داخل المشروع النهائي. والسؤال الذي يفرض نفسه: هل نجح هذا التراكم الهائل في إنتاج تاريخ نقدي متماسك للسرد العربي أمْ أنه أنتجَ سردية كبرى عن السرد العربي أكثر مما أنتجَ تاريخًا علميًّا نهائيًّا له؟.
أول إشكال منهجي يواجه القارئ هو مفهوم الموسوعة. الموسوعةُ، بالمعنى العلمي الصارم، ليست مجرد عمل ضخم، ولا مجموعة من الدراسات المتجاورة التي يجمعها موضوع واحد. الموسوعةُ تفترض نظامًا واضحًا للتصنيف، وتوازنًا نسبيًّا في التغطية، وضبطًا للمصطلحات، وشبكة إحالات دقيقة، وتعيينًا للحدود بين المواد، وتوازنًا بين ما يُدرَج وما يُستبعَد.
مشروع إبراهيم تشكَّلَ من كُتب وفصول ودراسات مستقلة أُعيدَ تحريرها لكي تصبح جزءًا من بناء أكبر، وقد كان يكتب الفصلَ، ثم يُحوِّله إلى مقالات، ثم يعيد صياغته بحثًا، ثم يجمع الفصولَ في كتاب، ثم يعيد تحريرَ الكتاب ضمن الموسوعة. هذه الطريقة تخلق مشكلةً كبيرة، هل وحدة الموضوع تكفي لصنع وحدة الموسوعة أمْ أن القارئ يظلُّ أمام آثار واضحة لتاريخ النصوص المختلفة التي سبقت اندراجَها في البناء الموسوعي؟.
إنَّ جمع الدراسات في إطار واحد لا يجعلها بالضرورة أجزاء من نظام معرفي واحد. وقد تكون هناك وحدة في رؤية المؤلف، لكن الوحدة الفكرية شيء، والوحدة الموسوعية شيء آخر. وإحدى مشكلات الموسوعة أنها تقع في منطقة ملتبسة بين الموسوعة والتاريخ النقدي والمشروع الشخصي في السرديات. ولا شك أنَّ نوع الكتاب الذي نقرؤه يُحدِّد نوعَ السلطة التي نمنحها لنتائجه. إذا كان كتابًا نقديًّا واسعًا، فمن حق مؤلفه أن ينتقي ويجادل ويقترح، أمَّا إذا قُدِّمَ بوصفه موسوعة، فإنَّ الانتقاء يصبح بحاجة إلى تفسير.
1ـــ تمهيد افتتاحي قبل الولوج لمحتوى الكتاب
زُفّ إلي خبرُ أن المكتبة المغربية كان لها شرف احتضان مؤلف جديد تحت عنوان ( العائد من الظل) للشاعر والزجال حسن ميري، عنوان بليغ صارخ ترميزي يحمل في طيه عمقَ الدلالة وغور المعنى، لا أخفيكم كم كان بي شوق عارم ليصبح الكتاب بين يدي، والنية ذاتها كانت لصاحبه تتوق بصدق لاهف إلى إهدائه لي، وذات صدفة عجيبة تمّ ما أردنا بسهولة.. صدر الكتاب في طبعته الأنيقة ويتألف من 145 صفحة شاملٌ لكل العناصر الفنية والأدبية المطلوبة والتي سنتحدث عنها بالتفصيل قدر المستطاع..
2ـــ الغلاف كإطار خارجي للمحتوى
كلنا ندرك أهمية الغلاف ودوره في إعطاء لمحة عن هوية المضمون، بالإضافة إلى ذلك يعد ذاك السياج الإسمنتي الحامي لما بداخل دفتيه، كما يمثل المدخل البصري الأول لمساعدة القارئ على الغوص في دغل المحتوى، لذا أي مبدع لا يضع غلافه بضربة مقص، بل يقضي لياليَ وأياما بل أسابيعَ وشهورا يخطط وينمق وينسق، لتحتل جميع العناصر أمكنتها المناسبة على سطحِ الغلاف دون أن تشوش راحة بال القارئ، أو تخلق عبثا يدني من جماليته؛ ومن ضمن العناصر التي يتقاسم فيها المبدعون ــ دون استثناء ــ قواسمَها المشتركة الألوان والعنوان واسم الكاتب واللوحة، ونتفاً تعبيرية تختزل أهم ما بداخل الغلاف، ليخرج الكتاب في حلة بديعة تجلب القارئ؛ وكاتبنا حسن ميري لم يغير الاتجاه ولا خرج عن المألوف في اختيار عناصر جذابة للغلاف..
ـــ سيكولوجية الألوان لتنميق صدر الغلاف
حتى يعطي الأديب لمسة شعرية للغلاف لا بد من تحديد بعض الألوان التي تكون جذابة وفي نفس الوقت تؤدي دورها المحمود، وشاعرنا حسن ميري لم يخرج عن السرب في اختيار الألوان المناسبة، بحيث أي متصفح للغلاف يلمح خليطا من الألوان تتنوع ما بين الأسود والبني والأبيض والأخضر والأحمر والبرتقالي، وطبعا لم توضع بشكل عشوائي، ولا أريدَ بها الزخرفة، بل عرف شاعرنا كيف ينسقها ويصففها، بشكل متجانس منتظم حتى يؤدي كل لون دوره الهادف..
ب ـــ اللون الأسود هو الغالب وله حظ وفير من الغلاف
جرت الأعراف والتقاليد حول اللون الأسود على أنه لون الشؤم والأحزان والمآسي، والأشياء غير المحمودة ، لون الحداد إبان فقدان عزيز، وبل هناك من يشمئز من الغراب جراءَ لونه باعتباره طائر النحس، وغير هذا وذاك يُعتبر اللون الأسود رمزَ الخطر، لذا نجد راياتٍ سوداءَ تعلق أحيانا على شاطئ البحر تنبئ بخطر تقلبات الأمواج؛ ولإثارة الخوف والرهبة نجدُ أحيانا بعض أفلام الرعب يقدمون مشاهد مفزعة وخطيرة في الظلام؛ الخلاصة إذا أن اللون الأسود يعتبر لون الإثارة والحماس أو لون الجوانب الغامقة من النفس، وما تعتليها من هموم وأحزان...غير أنه في وقتنا الحالي فاللون الأسود لدى البعض يعتبر لونَ الرقي والفخامة والأناقة، فنجد النساء يرتدين في المحافل معاطف وفساتين باذخة بذات اللون .. ويتخلل اللون الأسود لمسات من اللون البني، وكأن أديبنا بذلك يبحث في خضم المشاهد المحزنة / المقلقة عن حِضن دافئ، أو مكان ينعم فيه بالراحة والاستقرار النفسي؛ وتمزق حلكة اللون الأسود لمسات من اللون الأصفر لون أشعة الشمس المشرقة، والرمال الذهبية، ويرمز به الكاتب إلى الأمل المشع وصفاء النفس والسعادة وراحة البال، ليبين لقرائه، أنه مهما عاش حِقبا قاسية في خضم المجهول، فستعقبها لحظات من السعادة تغمرها المسرات والأفراح.. ولايني الكاتب يهمس لقرائه باللون البرتقالي، حيث نمّق به بعض الأسماء على وجه الخصوص، كرمز للقوة والتحدي وأنه مهما حصل، فشاعرنا لا تثنيه ريح، دخل غمار الحرب بطلا، وخرج منها بطلا سليم البدن والذهن والقلب والروح.. وكما أنعِمت الألوان السابقة باهتمام من الكاتب، كان للون الأبيض حيزا مهما ليخصه بحظ وفير بالكتابة على صفيحة السواد على غرار القصيدة اليتيمة التي تقول :
حوّاء
تُكحّل عينيها
كلّ صباح
كي ترى كامل اليوم
الصّور البطيئة
لأحلام البارحة
تَطلي شفتيها
تتذكّر في كلّ كلمة
مَذاق التفّاحة
كَيْ أنْقص منسوبَ الوجع المُتَنَشِّب في الأحناء
بعدك،
ما يلزم؟
لا أعرف يا أمّ الصّبر، ومن يعرف؟
يا أولادي
انتحبتْ أمّ الحبّ الصّامت مثل محاني الماء
ضاع العُشّ
وفات أبوكم
يا أولاد
فاختلطت فيّ الأبعاد
وفي الدّنيا
أغنية هندية
في حدود ضيقة وزمن منفلت، تحرك الشوق في ذاكرته، فانطلق يبحث عن تواريخ متوارية وحطام سنين عابرة، اهتزت جوارحه لنغمات أغنية هندية انفلتت صدفة على شاشة هاتفه الذكي، الأغنية أحيت وقائع قد مرت به تشهد أن دموع الهنود ورقصاتهم فجرت في وجدانه عواطف متنامية.
مقاطع فيديو
-
الدكتور إدريس بنسعيد هو عالم اجتماع وباحث أكاديمي مغربي بارز، يُعد من الوجوه الأكاديمية المعروفة في الساحة الفكرية والسوسيولوجية بالمغرب.
أبرز محطات مساره المهني والأكاديمي:
أستاذ التعليم العالي: يعمل أستاذاً لعلم الاجتماع بكلية الآداب والعلوم الإنسانية في جامعة محمد الخامس بالرباط.
مجالات التخصص: تركز أبحاثه على سوسيولوجيا الدين والتدين، قضايا الحداثة والإسلام، والتحولات الاجتماعية والسياسية في المجتمع المغربي.
عضوية الجمعيات: يشغل منصب رئيس الجمعية المغربية لعلم الاجتماع (AMAS)، ويساهم في تنسيق العديد من المجموعات البحثية مثل "مجموعة البحث في علم الاجتماع" (GRES).من أبرز مؤلفاته وأعماله:
ساهم الدكتور بنسعيد في تأليف وتحرير عدة دراسات سوسيولوجية هامة، منها:
الثقافة والخصوبة: دراسة في السلوك الإنجابي بالمغرب (بالاشتراك مع المختار الهراس).
الشباب الجامعي المغربي: القيم والاستراتيجيات.
المغرب كموضوع للسوسيولوجيا: نظريات وتجارب.
يُعرف بمواقفه النقدية حول "أزمة الديمقراطية" في المغرب وحاجة الدولة إلى إصلاحات بنيوية وصدمات سيكولوجية لاستعادة الثقة في المؤسسات. كما صدرت حول أعماله دراسات تكريمية، مثل كتاب "جدلية السلطة والمجتمع: مدخل إلى سوسيولوجيا إدريس بنسعيد". -
غسان كنفاني.. والتأسيس للأدب الفلسطيني بعد النكبة
ولد غسان كنفاني في مدينة عكا في سنة 1936م، وعاش في مدينة يافا، ثمّ اضُطر للنزوح عنها تحت ضغط الاحتلال الصهيوني، وكان ذلك في سنة 1948م، ثم أقام لفترة وجيزة مع ذويه في جنوب لبنان، ثم بعدها انتقلت عائلته إلى دمشق، وقد عاش حياةً صعبة وقاسية فيها، حيث عمل والده في مهنة المحاماة، وقد اختار أن يعمل في قضايا كان معظمها قضايا وطنية خاصة بالثورات التي كانت تحدث آنذاك في فلسطين، وقد اعتقل لمرات عديدة، إلّا أنّه تميز بأنّه شخص عصامي وذو آراء متميزة، الأمر الذي ترك آثراً عظيماً في شخصية غسان وحياته.
عمل غسان منذ شبابه في مجال النضال الوطني، فقد عمل مدرساً للتربية الفنية في مدراس وكالة الغوث للاجئين الفلسطينين في دمشق، ثم انتقل بعدها إلى الكويت في سنة 1965م، إذ عمل هناك معلماً للرياضة والرسم في مدارس الكويت الرسمية، وكان خلال هذه الفترة يعمل أيضاً في الصحافة، فقد بدأ إنتاجه وإبداعه الأدبي في نفس الفترة، ثم انتقل في سنة 1960م إلى مدينة بيروت، حيث عمل هناك محرراً أدبياً في جريدة الحرية الأسبوعية، ثم في عام 1963م أصبح رئيس تحرير لجريدة المحرر، كما عمل أيضاً في كل من جريدة الحوادث، والأنوار حتى سنة 1969م، ثم بعدها أسس صحيفة الهدف، وظل رئيس تحريرها لفترة من الزمن.يعد غسان كنفاني نموذجاً مثالياً للروائي، والكاتب السياسي، والقاص الناقد، فقد كان مبدعاً معروفاً في كتاباته، كما كان مبدعاً في نضاله وحياته، وقد حصل على جائزة في عام 1966م بعنوان أصدقاء الكتاب في لبنان، وكان ذلك لرواية (ما تبقى لكم) والتي أاعتبرت وقتها أفضل رواياته، كما حصل على جائزة منظمة الصحافيين العالمية، وفي عام 1974م حصل على جائزة اللوتس، والتي منحه إياها اتحاد كتاب إقريقيا وآسيا في عام 1975م.
أشهر روايات غسان كنفاني:
عائد إلى حيفا. رجال من الشمس. أرض البرتقال الحزين. أم سعد. عن الرجال والبنادق. القميص المسروق. العاشق. ما تبقى لكم. عالم ليس لنا. الشيء الأخر.
وفاة غسان كنفاني:
استشهد الروائي غسان كنفاني يوم السبت صباحاً بتاريخ 8 /7/ 1972، وكان ذلك بعد انفجار عبوة ناسفة في سيارته، والتي وضعت من قبل جهة معينة بهدف اغتياله. -
الناقد فيصل دراج وعلاقته بالكتب والكتابة
الناقد فيصل دراج وعلاقته بالكتب والكتابة.
فيصل دراج
مفكر وناقد فلسطيني، حاصل على الدكتوراه في الفلسفة، فرنسا. عمل في عدة منشورات ومجلات ثقافيّة فكريّة منها: شؤون فلسطينيّة، سلسلة حصاد الفكر العربي...إلخ. نشر العديد من المقالات والمؤلفات، منها: "ذاكرة المغلوبين" (2001)، و"الرواية وتأويل التاريخ"(2004)، و"الحداثة المتقهقرة" (2005). فاز بعدة جوائز عربية، منها: جائزة الإبداع الثقافي لدولة فلسطين سنة 2004، وجائزة الدراسات الأدبية والنقد سنة 2010. -
ندوة الثقافة و الثورة للشهيد مهدي عامل
سيداً في ملكوت الكلام، عالمياً، متعالياً، بالتأمل يحيا، وللتأمل. هكذا كان الفكر، على امتداد قرون خلت، في انفصام مع الواقع، له الثبات المطلق، وللتاريخ المادي التّغير والحركة.
كان يحلو له بين حين وحين، أن يُطِلَّ من علياء تجريده على الواقع، فيدينه تارة، وغالباً ما يعذره. لكنّه من خارج كان يحكم، وما كان يقوى عليه. وكان، حين يتوق إلى واقع آخر، أو أفضل، يحكم، أو يتخيل، أعني يتأول. وما كان يرتبط بقوى التغيير الثوري حين كان يطمح إليه. وما كان يدرك شروط هذا التغيير وأدواته. لذا، كان يجنح نحو الطوباوية، في أشكال شتّى، فيقدم للواقع ذريعة بقاءٍ وحجة تأبُّد.أيّ موقع كان يمكن أن يكون للمثقف في مثل هذا الانفصام المتجدد بين الفكر والواقع؟
موقع المنبوذ، أو موقع خادم السلطان، سواء أكان شاعرا أم فقيها، حليما، فيلسوفا أم أديبا. وما كان الفكر، في الموقعين، بقادر على أن يغيّر. كان يرفض، أحيانا، أو يُبَرّر. يهجو أو يمدح، وفي الحالتين يرتزق. أو يتصعلك، إنّ خرجَ على السائد ونظامه، كأّنه محكوم بموت يتأجل. يحتج على الشرع ويثور، لكن، من موقع العاجز عن نقض الشرع. فيتصوّف. يستبدل الأرض بالسماء، ويزهد. أو يستكين للدنيا وللآخرة، فَيُعقلِنُ الاثنتين في نظام الاستبداد، لسلطته يرضخ.
والسلطة، بالدين، تبدو مطلقة. وهي المقدسة، في الغيب وبالغيب. وهي السلطةُ، فوق الرفض وفوق النقض، سيفها على الرقاب مسلّطٌ، والرقاب خاضعةٌ، راضية. فمن تمرّد، فعلى سلطة الدين يتمرد. إذّاك يُحَلُّ دمُه. حتّى لو كان الحلاجَ، أو السهر وردي. أما ابن تيميه، أو الغزالي، أو من شابههما، فعلى التمرد والمتمردين، في كل عصر، يشهران سلاح الدين، سلاح السلطة، فيكبلان العقل، يرهبان الروح، ويئدان الجسد
لم يكن للمثقف، في عالم كهذا، سوى أن يختار بين الاستتباع أو الموت، بين أن ينطق بلغة الاستبداد ونظامه، أو أن ينطق بلغة الصمت، أعني بلغة المكبوت ورموزه. هكذا كانت الثقافة تجري في صراع بين اثنتين: واحدة هي ثقافة الأسياد، بتياراتها المختلفة المتباينة، أو أخرى هي ثقافة المقهورين، بأنواعها المتعددة. لم تكن الثقافة يوما واحدة، وليس من الجائز حصرها في ثقافة رسمية، أو مسيطرة، أو معلنة. كانت ثقافة مناهضةٌ لهذه، مكبوتةٌ، مستترة، لعلها أكثر شيوعاً من الأولى، أو أصدق تعبيرا عن ضمير الناس وطموحاتهم. كانت، مثلاً، في حكايات ألف ليلة وليلة، أو في عروض خيال الظل، أو في سير الأبطال الشعبية. وهي، بالتأكيد، أكثر تمردا على الواقع القائم، وأشد رفضاً له. لكنها عاجزة كانت عن تغيير العالم، فيما هي كانت تطمح إليه.
ليس بالحلم تكون الثورة، وإن كان الحلم شرطاً من شروطها. ومن شروط الثورة أن يتوفر لها وعي متّسق، إليه تستند، وبه تستبق الممكن. أعني الضروري. ومن شروطها أن يتجسد وعيها المتسق هذا، أي العلمي، وفي وعي القائمين بها، جماهير الكادحين، المنتجين بأيديهم وأدمغتهم، صانعي التاريخ، بوعيهم الممارسيّ يستحيل الوعي النظري قوةً ماديةً تَدُكُّ أعمدة القائم، وتهيئ لولادة الجديد.
لمن يكن للثقافة، في زمن انفصام الفكر عن الواقع، دورٌ في تغيير العالم، إلا ما لا يكاد يذكر. كانت، كلما حاولت القيام بهذا الدور، تُقمع وتُهان، باسم الدين غالباً، وبتهمة الكفر أو الزندقة، وبتهمة التحريف أو الهرطقة. فالثقافي، حتى في ثقافة الأسياد، يرتدّ عليهم وعليها، فهو المبتدعُ في فعل الحرية، يتهدد ويزعزع. إنها القاعدة في كل العصور: كلما انحازت الثقافة إلى جديد ضد القديم، إلى المتغيّر ضد الثابت، إلى النار ضد الرماد، وإلى الحياة والحلم، اضطُهِدت واضطُهِدَ المثقفون، أحباءُ الحرية و الآفاق الزرقاء الرحبة. إنها البداهة في ضرورة أن يكون المثقف ثائرا، أو لا يكون، وفي ضرورة أن تكون الثقافة للفرح الكونيّ، ضد كل ظلامية، أو لا تكون.
تلك مشكلة المثقف والثقافة بامتياز. وهي قضية الثورة في آن.
ثم التحمت، لأول مرة في تاريخ الفكر، نظرية الثورة بحركة الثورة، فالتأم الفكر، في نشاطه المعرف نفسه، بقوى التغيير، فلم تعد الثورة تفتقد فكرها، ولم يعد الفكر سجين تأملاته. لقد بات الممكن قابلا للتحقيق، فهو الضروري في حركة التاريخ المادي، لا يتحقق إلا بنضال ثوري. والنضال وعدُ الكادحين بأن أنظمة الرجعية والاستبداد إلى زوال. وللنضال شروطٌ وأشكالٌ وأدوات. من شروطه أن يهتدي بعلم الثورة، أعني بتلك النظرية التي أسّسها ماركس، وأقامت ثورات الشعوب المضطهدة على صحتها البرهان، بالملموس التاريخي. ومن أشكاله ما تمارسه قوى المقاومة الوطنية في كفاحها ضد الاحتلال، وضد الفاشية والطائفية. ومن أدواته الأولى الحزب الثوري. حزب العمال والفلاحين والمثقفين.
منذ أن التحمت النظرية بالثورة، لم تعد الثقافة حكرا على نخبة من الكهنة. فلقد عمت ضرورتها حتى بات على العامل، كي يكون عاملاً، أن يكون بأدوات إنتاجه المادي مثقفاً، وعلى المثقف، كي يكون كذلك، أن يكون بأدوات إنتاجه الفكري كادحاً. والإنتاجان واحدٌ في سيرورة التاريخ الثوري، هذا الذي يؤسس لحرية اليد المبدعة. ليست الثقافة كتابة، وإن كانت الكتابة من أركانها. إنها تَمَلُّكٌ للعالم في حلم، أو حقل أو مصنع. أما المثقفون، فهم المنتجون، بأيديهم وأدمغتهم، ضد أنظمة القمع والاستغلال والجهالة، فكراً، فناً وجمالاً هو حبّ للحياة. وأما غير المنتجين، القابعين في قبحهم، فهم الأسياد بأنظمتهم. وأما هدم الأنظمة، فهو مهمة الثورة في كل آن.
والثورة في لبنان ما تزال فاعلةً في سيرورة حرب أهلية فجرتها الرجعية لإنقاذ نظامها الطائفي وفرض الفاشية، فانقلب عليها، وعلى نظامها، ثورةٌ وطنيةٌ ديمقراطية تخلخل وتصدّع، لا يخيفها عائقٌ، فهي التي تُخيف، بها ينهار عالم بكامله، ويشرئبُّ إلى الولادة آخر. تتفكك نُظُمٌ من الفكر والاقتصاد والسياسة يصعب عليها الموت بدون عنف، تتصدى لجديد ينهض في حجرشة الحاضر، وتقاوم في أشكال تتجدد بتجدد ضرورة انقراضها، تنعقد بين عناصرها المتنافرة تحالفات هي فيها على موعد الموت.
إذن، فليدخل الفكرُ المناضل في صراع يستحثّ الخطى في طريق الضرورة الضاحكة. فهو اليانع أبداً، وهو اليَقِظُ الدائم، في الحركة الثورية ينغرس ويتجذّر. يستبق التجربة بعين النظرية، ولا يتخاذل حين يُفاجَأ : يتوثّب على المعرفة ويعيد النظر في ترتيب عناصره ليؤمّن للنظرية قدرتها على التشامل، ورحابة أفق تتسعُ لكل جديد. هكذا يكتسب كل نشاط نظري طابعاً نضالياً، ويتوق كل نشاط ثوري إلى التعقلنِ في النظرية، فتتأكد، بالتحام النشاطين في الملموس التاريخي، ضرورة الفكر العلمي في أن يكون ثورياً، وضرورة الحركة الثورية في أن تكون علمية.
والحرب في لبنان حربان: حرب على إسرائيل، وحرب على الفاشية والطائفية، لكن الرجعية، بأطرافها المتعددة، تستميت في محاولة إظهارها مظهر الحرب الطائفية. وتفشل دوما في المحاولة، برغم كل ما أحاط وما يحيط بهذه الحرب من وحول الطوائف. وكيف تكون الحرب طائفية حين يكون الموقف من إسرائيل، مثلا، محوراً للصراع فيها؟ وكيف تكون طائفية حين يحتدم فيها الصراع بين القوى الرجعية ـالطائفيةـ وهي من مختلف الطوائف ـوالقوى الوطنية الديمقراطيةـ وهي أيضا من طوائف متعددةـ، حول الموقف من هوية لبنان، أو من الثورة الفلسطينية، أو من الامبريالية، أو من الاحتلال الإسرائيلي، أو من قوات الحلف الأطلسي، أو من اتفاق 17 أيّار، أو الاتفاق الثلاثي نفسه، ومن “الاقتصاد الحر” أيضاً، بل حتى من الطائفيّة إياها، بما هي النظام السياسي لسيطرة البرجوازية اللبنانية؟
ليست الحرب طائفية، ولا الصراع فيها بطائفي. إنه، في أساسه، صراع بين قوى التغيير الثوري للنظام السياسي الطائفي، والقوى الفاشية الطائفية التي تحاول، عبثاً، تأييد هذا النظام. إنه، باختصار، صراع طبقي عنيف بين قوى الثورة والقوى المضادة للثورة، في سيرورة حرب أهليةٍ هي في لبنان سيرورة الثورة الوطنية الديمقراطية. فله، اذن، سمة العصر في زمن الانتقال الثوري من الرأسمالية إلى الاشتراكية، وله، تالياً، طابع كوني هو طابع الصراع إياه المحتدم، ليس بين معسكر الاشتراكية ومعسكر الامبريالية، أفقياً، وحسب، بل رأسياً أيضاً، أو عمودياً، في كلٍّ من بلدان المنظومة الرأسمالية العالمية، بما فيها، بالطبع، البلدان العربية. فما هو موقع الثقافة والمثقفين من هذا الصراع؟ ما هو موقفها وموقفهم منه؟ ما هو دورها ودورهم؟.
والسؤال لا ينحصر في لبنان، ما دام الصراع فيه هو إياه، بطابعه الكوني نفسه، في جميع البلدان العربية، وإن اختلفت شروطه بين بلد وآخر، وتنوّعت أشكاله، أو تفاوت تطوره. فالحروب الأهلية تتهدد بلدان العالم العربي جميعها بلا استثناء، وآلية الصراع فيها تنبئ بإمكان اندلاعها في كل آن. وأنظمة البرجوازيات العربية في أزمة. والتغيير الثوري بات ضرورة ملحة في كلّ منها، وحاجة يومية في نضال الجماهير الكادحة. لكن الثورة في انتظار قيادتها. والثورة سيرورة طويلة معقدة، ولها مراحل وأحوال. وعلى الثقافة تطرح سؤالها: أمع الثورة أم ضدّها؟ وعلى المثقفين تطرح السؤال: أمع التغيير أم ضدّه؟ والسؤال سياسي بامتياز. وثقافي في آن.
لا تعارض بين السياسة والثقافة. وكيف يكون تعارضٌ بين الاثنتين، كيف يصح اختيار الواحدة ضدّ الأخرى في منظور التاريخ الثوري؟ لئن كانت في البدء الكلمةُ، فلقد كانت، بدئيا، مبدعة. وللحرية كانت، ضد القمع، تناضل وتثابر في رفض الظلم، وللحب كانت في قلب الإنسان. تؤسس في فعل التغيير معناها. وتجود بالجميل يحتج على قبح العالم في نُظُم الاستبداد. هكذا تتكون الثقافة دوماً ضدّيّاً، تنمو وتتكامل في صراع مستمر ضد كل قديم يموت. وفي البدء كانت السياسةُ، صراعاً مستمراً بين قوى التغيير الثوري وقوى تأبيد الواقع. يخطئ من يظن أن السياسة نظام، حكم، أو مؤسسات، أو أنها بالدولة تتحدد. إنها، في ذلك، من موقع نظر البرجوازية وإيديولوجيتها المسيطرة. لكنها، في منظور العلم والتاريخ، صراع طبقي شاملٌ كلّ حقول الحياة، لا هامش فيه للرافض، بالوهم، أن يكون له فيه موقع. إنها حركة التاريخ في مجرى صراع له المتن، والهامش فقط لمن قد مات، أو كان، من موقعه في الماضي، رفيقَ دربٍ للموت.
إذن لكل ناشط في الحياة أن يأخذ موقعاً وأن يحدد موقفاً: أمع الثورة أم ضدها؟ بالكلمة الفاعلة واليد المبدعة. والثورة ليست لفظاً أو تجريداً. إنها طمي الأرض لا يعرفها من يخاف على يديه من وحل الأرض.
وكيف تكون الثورة نظيفة، وهي التي تخرج من أحشاء الحاضر مُتّسخة به، وتهدمه وتغتسل بوعدٍ أنّ الإنسان جميلٌ حراً؟ فلتتوضح كل المواقف، ولتتحدد كل المواقع، ولتكن المجابهة في الضوء. كيف يمكن للثقافة أن يكون لها موقع الهامش في معركة التغيير الثوري ضد الفاشية والطائفية؟ كيف يمكن للمثقف أن يستقيل من نضال ينتصر للديمقراطية، هو أكسجين الفكر والأدب والفن؟ بوضوح أقول، فالوضوح هو الحقيقة، من لا ينتصر للديمقراطية ضد الفاشية، للحرية ضد الإرهاب، للعقل والحب والخيال، وللجمال ضد العدمية وكل ظلامية، غي لبنان الحرب الأهلية، وفي كل بلد من عالمنا العربي، وعلى امتداد أرض الإنسان، من لا ينتصر للثورة في كل آن، مثقّف مزيف، وثقافته مخادعة مرائية. إذا تكلم عن الثورة، في شعره أو نثره، فعلى الثورة بالمجرد يتكلم، من خارج كل زمان ومكان، لا عليها في حركة التاريخ الفعلية، وشروطها الملموسة. وإذ يعلن، في نرجسية حمقاء أنّه يريدها، فبيضاء لا تهدم ولا تغيّر. تُبقي القائم بنظامه، وتحنّ إليه إذا تزلزل أو احتضر. كثيرون هم الذين في لبنان يحنّنون إلى لبنان ما قبل الحرب الأهلية، ويريدون التغيير للعودة إلى الماضي، ويريدونه إيقافا لانهيارات الزمان. أما الآتي، فمن الغيب، إلى الغيب. إنه موقف المنهزم، لا بصراعٍ، بل بتسليمٍ واستكانة. إنه موقف من يُصنعُ التاريخ بدونه. وله في التاريخ موقعٌ ترفضه الثقافة، إذ الثقافة، في تعريفها، مقاومة. فإذا ساوت بين القاتل والقتيل انهزمت في عدميتها، فانتصر القاتل، وكانت، في صمتها، شريكته.
أيُّ ثقافة هذه التي تتساوى فيها الأضداد، فيختلط الأسود بالأبيض في رمادية اللون والمعنى؟ إنها الثقافة المسيطرة بسيطرة البرجوازية وإيديولوجيتها، في أشكال منها قد تتخالف، لكنها، في اللحظات التاريخية الحاسمة، دوما تتحالف ضد الثقافة الثورية النقيض. هكذا تنعقد بين العدمية والظلامية مثلا، أو بين هذه وتلك، وأشكال من الفكر الديني، تحالفاتٌ ترعاها البرجوازية، بل تتوسلها في مجابهة الفكر المادي، محور الثقافة الثورية وقطبها الجاذب. أليسَ من الطبيعي أن ينعقد التحالف وطيداً في مجرى هذه الثقافة بين جميع المثقفين المناضلين من أجل الحرية والديمقراطية، الطامحين إلى تغيير العالم وتحريره من سيطرة الرجعية والامبريالية؟ أليس من الضروري أن تتشابك أيدي الكادحين جميعاً ـفي زمن الثورات العلميةـ ضد الجهل تُعمِّمهُ أنظمة البرجوازيات العربية؟
فرحة للثقافة والمثقفين أن تتهاوى أنظمة القمع هذه في كل أرجاء الوطن العربي، بفعل نضال الثوريين يتوحدون، على اختلاف تياراتهم وانتماأتهم الفكرية والسياسية، في حركة ثورية جديدة واحدة، تعيد إلى العالم نضارته، وبها التاريخ يستوثق. فالثورة ليست حكراً على فكر، أو حزب، أو طبقة. إنها سيرورة تتكامل في الاختلاف، وتغتني بروافد التغيير تصبّ فيها من كل صوب، في كل مرحلة. لكنها تتعطل، أو تظل زاحفة، أو منحرفة، إن لم يكن للطبقة العاملة فيها موقعٌ هو موقع الطبقة الهيمنيّة النقيض، ودورٌ هو دورها التاريخي نفسه، ليس في قيادة الانتقال إلى الاشتراكية وحسب، بل في كل مرحلة من سيرورة هذا الانتقال. لا بقرارٍ، بل بالممارسة الثورية، وعلى قاعدة نهجها الطبقي الصحيح، وبقيادة حزبها الشيوعي، تحتل الطبقة العاملة موقعها ذاك في الحركة الثورية، وتضطلع بدورها. والتاريخ الثوري لا يرحم متخلّفاً عنه، ولا هو يسير بعكس منطقه. فلئن فعل، فلِأجلٍ، لا تلبث، بعده، أن تستعيد سيرورته الثورية منطقها. ومنطقها أن تنتكس الثورة، حتى في طابعها الوطني الديمقراطي، فتراوحَ، فتنهزمَ إلى مواقع رجعية، كلما استأثرت بقيادتها قوى غيرُ هيمنية، من فئات وسطية تحتل في السلطة موقع السيطرة الطبقية، همّها الأول ألا تستكمل الثورة سيرورتها، بحسب منطقها الضروري في تقويض علاقات الإنتاج الرأسمالية القائمة بارتباطها التبعي بالامبريالية، وفي إقامة السلطة السياسية الثورية القادرة على انجاز هذه المهمة.
بين منطق الثورة ومنطق هذه القيادة غير الثورية تناقضٌ يشل الحركة الثورية ويضعها في أزمة تنعكس في ممارسات سلطوية قمعية ضد قوى الثورة وجماهيرها، وبالتحديد، ضد الطبقة العاملة التي هي، بحزبها الطليعي ونهجها الوطني الصحيح، النقيض الثوري. إنّ الحل الجذري لتلك التناقضات بات يفرض، بضرورة منطقه، ضرورة تغيير تلك القيادة الطبقية لسيرورة الثورة الوطنية الديمقراطية، واستنهاض حركة ثورية هي، في اتساقها مع مهماتها، من نوع جديد، ولها وحدها القيادة. ومن أولى خصائصها، أن تسعى فيها الطبقة الهيمنية النقيض إلى أن يكون نهجها الطبقي نفسه، في سعيها إلى السلطة، نهج الحركة بكاملها. لا بالقمع، بالممارسة الديمقراطية الثورية.
لئن كان القمع أو الفئوية، في لغة أخرى، أو الاستئثار بالسلطة، أو الانفراد بالقيادة هو الشكل الطبقي الذي يحكم علاقة القوى غير الهيمنية، في وجودها في موقع الهيمنة الطبقية، بأطراف التحالف الطبقي الثوري، وكان، بالتالي ضروريا بضرورة التناقض في أن تحتل تلك القوى هذا الموقع، فإن الديمقراطية، كناظم للعلاقة بين أطراف التحالف إياه، وحق للجميع في الاختلاف، واحترامٍ لهذا الحق وممارسته، أقول إن الديمقراطية هذه هي، بالعكس، الشكل الطبيعي، أعني الضروري، الذي يحكم علاقة الطبقية. ذلك أن علاقة الاتّساق والتلاؤم بينها وبين موقعها هذا هي، بالضبط، الأساس المادي لضرورة الديمقراطية في علاقة القوى الثورية بعضها ببعض. وهي ضمانة تحقق هذه الضرورة.
-
الحزن جميل جدا ـ مظفر النواب
الحـزن جمـيـل جـدا
والـليـل عـديمُ الطعمِ بدون هموم
والناسُ خريفٌ يمطـر
والأيام على الـذل سـموم
أهـلا بدعاةِ الـموضوعية
جـارتـنـا إسـرائـيـلُ حـبيـبتـنا
ذات الفضـل عـلى تـطـويـر ديمقراطيتنا
هي صاحبة الأرض
ونحن الغرباء وشـذاذ الآفاق
ونحلم أنّا وطن عربي مزعـوم
ونكاد نقبل كفيها مـنحتـنا إحدى البـلـديات
وبالكـاد مطـارا تحت الـمجهر ليلا ونهاراً
ويؤذن بالعبرية بعد قليل
وعلى مدفع إسرائيل نصوم
أنزل سحابك للأرض ولا تخجل
دولٌ خَـلعت
مارست العهر المكشوف
بعورات ست نجوم
عارض إن شئت ملائكة الأمن تحيطك
مطلوب خمس دقائق
ياالله
وتدخل إنسانا وتخرج
لاشيء من الإنسانية فيك سوى الصمت
وتسأل أين الله
وكيف توحـدت الموسـادات العربية والموساد
وتُسرُّ بصمت قـدر محـتوم .. محـتوم
وتفضل حارب إسرائيل
بكل عروبة عورتك الزرقاء
وقاتل دون سلاح دون حدود تفتح
علّ حدوداً تجرح بعض المعنيين
من الآن نقول تخوم
إياك وإن عريت أمام العالم أن تيأس
ثم قتال شرس باق ما بقي الله
ويحتاج سلاحاً وحدود داخل رأسك
احـذر أن تزرع إسرائيل برأسك
حصـن رأسك
وابدأ بسلاح أبـيض منه
هـجوم بعـد هـجوم
بعد هجوم يا ولدي
لا نصر بدون هجوم
أو تصبح قوادا دوليا يا ولدي
مفهوم مفهوم يا ولدي مفهوم
أصبحت عملية تطوير الألعاب الرقمية أكثر سهولة مع تطور أدوات الذكاء الاصطناعي، التي بدأت تقلل من الحاجة إلى امتلاك مهارات متقدمة في البرمجة أو التصميم أو الرسم. وفي هذا السياق، أطلقت Google Labs منصة تجريبية جديدة تحمل اسم Playground، تتيح للمستخدمين إنشاء ألعاب تعمل مباشرة عبر متصفح الويب اعتمادًا على أوامر نصية بسيطة، من دون الحاجة إلى كتابة الشيفرات البرمجية.
توفر المنصة للمستخدم إمكانية اختيار نوع اللعبة، مثل ألعاب السباق أو الأسئلة، كما يمكنه البدء من الصفر وتصميم مشروع خاص به. ويمكن تحديد ما إذا كانت اللعبة ثنائية الأبعاد أو ثلاثية الأبعاد، إلى جانب الاختيار بين نمط اللعب الفردي أو الجماعي. بعد ذلك، يصف المستخدم آليات اللعب التي يرغب فيها، وطبيعة التجربة، والأسلوب البصري، لتتولى أدوات الذكاء الاصطناعي إنشاء المكونات الأساسية للعبة.
وتتيح Playground أيضًا رفع صور أو عناصر بصرية، ثم تحويلها إلى موارد قابلة للاستخدام داخل اللعبة مع تكييفها مع الأسلوب الفني العام للمشروع. وبعد إنشاء اللعبة، يمكن تشغيلها على الحواسيب والأجهزة المحمولة، كما يستطيع المستخدم الاحتفاظ بها بشكل خاص، أو مشاركتها عبر رابط، أو نشرها في معرض Explore التابع للمنصة. ويمكن للألعاب المنشورة الاستفادة من بعض الخصائص الإضافية، مثل لوائح ترتيب اللاعبين، مع استمرار إمكانية تعديل المشروع بعد نشره.
الوجه الصاخب والوجه الصامت لخطر واحد
ما نشهده اليوم ليس هيمنة روبوتات على البشر كما تخيلتها السينما في أفلام كثيرة، وإنما نموذج آخر من السيطرة الرقمية، قائم على الأتمتة وتوظيف الذكاء الاصطناعي والخوارزميات في إدارة جوانب كبيرة ومتزايدة من الحياة اليومية، حيث تصبح المجتمعات أكثر خضوعاً لأنظمة وشركات وآلات ذكية. لكن فقدان السيطرة على هذه الأنظمة ليس سوى الوجه الصاخب لهذا الخطر، فهو يتطور بشكل سريع نتيجة المنافسة بين الدول الكبرى والشركات الرأسمالية الاحتكارية، بحيث يتعذر على القوانين والمجتمع والهيئات التعليمية مواكبته. وهنا يكمن جوهر المسألة، فالخطر لا يقف عند احتمال خروج هذه الأنظمة عن السيطرة، ذلك أن تطويرها يجري داخل علاقات ملكية ومنافسة رأسمالية شرسة تجعل هذا الخروج أرجح وتضاعف كلفته على الناس. أما وجهه الأخطر فأهدأ بكثير، إذ يسهم الذكاء الاصطناعي، في ظل البنية الرأسمالية التي تطوره وتوجه استخداماته، في تشكيل وعي مليارات البشر وتوجيه انتباههم وسلوكهم بما يخدم منطق النموذج الرأسمالي [1]. كما أن المنافسة بين الاحتكارات الرأسمالية الرقمية والدول الكبرى، في غياب قيود وقوانين فعالة، من الممكن أن تلحق أفدح الأضرار بالعقل البشري، وقد تحول الذكاء الاصطناعي إلى سلاح دمار شامل إذا استمر تطويره ونشره بهذا التسارع المفرط ومن دون ضوابط كافية.
ولم تعد هذه المخاوف تصدر عن النقاد وحدهم، ففي مناسبات مختلفة، ومنها ما كشفته مجلة TIME [2] من خروج أحد أنظمة الذكاء الاصطناعي عن السيطرة وهجومه على أنظمة أخرى، وبعدها بأيام وقّع ما يقارب 1400 مهندس ومهندسة في شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى عريضةً مشتركةً [3] تطالب بتطوير أدوات تقنية وآليات حوكمة دولية لضبط وتيرة تطوره. ولم تكن هذه العريضة حالة معزولة، إذ تتوالى تحذيرات الباحثين والباحثات في هذا الحقل من أن التطوير المتسارع قد ينفلت من أي سيطرة بشرية.
فقد حذر التقرير الدولي لسلامة الذكاء الاصطناعي [4]، الذي أعده أكثر من مئة خبير وخبيرة بدعم من أكثر من ثلاثين دولة ومنظمة دولية، من أن النماذج باتت تميز بين بيئة الاختبار والاستخدام الواقعي وتلتف على آليات التقييم، بما يسمح لقدرات خطرة بأن تمر من دون أن تكتشف، ومن أن وكلاء الذكاء الاصطناعي يرفعون منسوب الخطر لأنهم يتصرفون بشكل مستقل يصعب معه تدخل البشر قبل وقوع الضرر، وهناك مخاطر كبيرة في أن تطوّر أنظمة الذكاء الاصطناعي نفسها بنفسها وتخرج عن السيطرة، ويكون لها في إدارة البشر والتحكم بهم دور أكبر مما هو مخطط له. ووقّع عشراتُ الآلاف، ومن بينهم كبار علماء هذا المجال، بياناً دولياً [5] يطالب بحظر تطوير «الذكاء الخارق» إلى حين توافر إجماع علمي على إمكانية إنجازه بأمان وتحت السيطرة، وقبول مجتمعي واسع به، فيما استقال باحثون [6] من شركات رقمية كبرى احتجاجاً على مسار تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي وأولوياته.
منذ العصور الأولى في تاريخ البشرية، أقام الإنسان علاقة وثيقة ومتعددة الأبعاد مع المحيط الطبيعي الذي يعيش فيه. فقد كان يعتمد على ما توفره الطبيعة من موارد لتلبية حاجاته الأساسية؛ فيجمع الثمار والنباتات، ويصطاد الحيوانات للاستفادة من لحومها وجلودها، ويستعمل الأشجار والأعشاب والمواد النباتية في بناء المساكن وصناعة الأدوات والملابس وغيرها من مستلزمات الحياة اليومية. ولم تكن هذه العلاقة قائمة على الاستغلال المادي للطبيعة فحسب، بل قامت أيضًا على الملاحظة المستمرة والتجربة المتراكمة، مما مكّن الإنسان من التعرف على خصائص الكائنات والنباتات والأشجار، وتصنيفها وتمييز بعضها عن بعض، وربط كل عنصر منها بما يميزه من صفات وخصائص.
ومع مرور الزمن، تجاوزت علاقة الإنسان بالطبيعة حدود الانتفاع المباشر، لتنتقل إلى المجال اللغوي والثقافي والذهني والرمزي. فأصبح الإنسان يستمد من الطبيعة صورًا وتشبيهات وأسماءً ودلالات، ويحوّل بعض عناصرها إلى رموز حاضرة في مخيلته وفي تعبيراته الثقافية. ومن هنا يمكن فهم الكيفية التي انتقلت بها بعض النباتات والأشجار من مجرد عناصر طبيعية تُستعمل في الحياة اليومية إلى مكونات من الذاكرة الثقافية والرمزية للمجتمعات.
ويُعدّ القصب من النباتات التي تكشف بوضوح عن هذا النوع من العلاقة بين الإنسان والطبيعة. فقد عرف الإنسان القصب واستفاد منه منذ زمن بعيد في بناء الأكواخ والمساكن، وصناعة بعض الأدوات والأواني والوسائل المرتبطة بحياته اليومية، قبل أن يتجاوز استعماله الوظيفي ليحضر في مجالات أخرى من الثقافة والفن واللغة والرمز. وفي الثقافة الأمازيغية، يكتسب القصب أهمية خاصة بالنظر إلى تعدد استعمالاته، وإلى حضوره في الذاكرة المحلية وفي بعض أشكال التعبير اللغوي والثقافي.
ومن اللافت أن تسمية القصب في اللغة الأمازيغية بـ«أغانيم» (ⴰⵖⴰⵏⵉⵎ) تفتح بدورها مجالًا للتأمل في العلاقة بين الاسم والصفة التي لاحظها الإنسان في هذا النبات. فبحسب القراءة التي تقترحها هذه الدراسة، يمكن ربط اللفظ بملاحظة الإنسان لخاصية الاستقامة والنمو العمودي التي يتميز بها القصب، بما يعكس كيف يمكن للملاحظة المباشرة للطبيعة أن تتحول إلى تسمية لغوية تختزن في داخلها صورة ذهنية عن الشيء المسمى.
- نبذة عن الكاتب(ة): عدي الراضي - باحث في التاريخ والتراث
نفس سيناريو الأحداث المتعلق بالإمام أبي حنيفة النعمان في علاقته بالسلطة السياسية، نجده يتكرر وبنفس التفاصيل تقريبا في تجربة الإمام مالك بن أنس؛ فهو الآخر سيتعرض لمحنة قاسية من قبل الحاكم بسبب مواقفه المناوئة للسلطة السياسية، لكن ومع ذلك ـ وفي مفارقة غريبة ـ ستتبنى الدولة مذهبه الفقهي، وستجعل منه مذهبا دينيا رسميا.
ولنا أن نطرح نفس الأسئلة التي سبق وأن طرحناها بخصوص علاقة أبي حنيفة النعمان بالسلطة السياسية، لنتساءل إن كان الإمام مالك فقيها مواليا للسلطة أم مناوئا لها؟
وإذا كان اعتماد الدولة العباسية لمذهبه الفقهي ضمن مذاهبها الدينية الرسمية، كاف للقول إن مالكا كان فقيها مواليا للسلطة، فلماذا عاقبته بكل الوحشية والقسوة التي توردها السردية الرسمية؟
إن منطق الأشياء يقضي بأن يكون المكان الطبيعي لفقيه الخليفة هو البلاط لا السجن، وأن يحظى بالتوقير والاحترام من قبل الحاكم، وأن يستفيد من عطاياه وإكرامياته، لا أن يتعرض للسجن والتعذيب. لكن الغريب في الأمر، هو أن تقدم لنا السردية الرسمية الإمام مالك بشخصيتين مختلفتين، بل ومتناقضتين؛ تارة في شخصية فقيه السلطة الموالي للخليفة، الذي يُأتمر بأوامره، ويُنهى بنواهيه، ويستفيد من عطاياه وإكرامياته. وتارة أخرى في شخصية الفقيه المناوئ للسلطة السياسية، والمستنكر لجورها ولظلمها، والمساند لثورة العلويين ضدها.
منطقيا؛ لا يمكن أن يكون مالك فقيها للسلطة، مدافعا عن شرعيتها الدينية والسياسية، وفي الوقت نفسه مناوئا ومعارضا لها، ومؤازرا لثورة محمد النفس الزكية ضدها. فأي الشخصيتين هي الحقيقية؟ وهل كان مالك فقيها للسلطة أم مناوئا لها؟
تقدم لنا السردية الرسمية عددا من الروايات التي تؤكد على أن مالكا كان فقيها مواليا للسلطة العباسية، يشتغل ضمن فريق فقهائها المعتمدين، المدافعين والمنافحين عن شرعيتها الدينية السياسية، وذلك من خلال بسطها لما يلي:
تبرز الهوية في عصرنا الحالي بوصفها أكثر القضايا إلحاحًا وإرباكًا في آن واحد. لم تعد الهوية مجرد تعريف بسيط للانتماء أو إطار ثقافي يحدد ملامح الجماعة، بل تحولت إلى معضلة حضارية تهدد استقرار الدول وتضع المجتمعات أمام امتحان وجودي. فحين تتنازع الهويات الدينية والعرقية والطائفية على المجال العام، وحين تُستخدم الهوية أداةً سياسية لإقصاء الآخر أو فرض نموذج أحادي، يصبح الوطن نفسه ساحة تفخيخ قابلة للانفجار في أي لحظة. لقد انتهى زمن الصراعات الطبقية التي كانت تُعرّف المجتمعات في القرن الماضي، وحلّت محلها حروب الهويات، حيث لم يعد السؤال "من يملك السلطة الاقتصادية؟" بل "من يملك الحق في تعريف الانتماء؟". هذا التحول جعل الهوية الوطنية في مواجهة مباشرة مع قوى داخلية وخارجية، من جماعات فرعية تبحث عن التمايز، إلى إمبراطوريات عالمية تعيد رسم الخرائط وتذيب الحدود. ومع صعود التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، باتت الهوية مهددة بفقدان معناها التقليدي، إذ أصبح المستقبل يُبنى على برمجة رقمية لا على إرث تاريخي. إن الهوية اليوم ليست مجرد قضية ثقافية أو اجتماعية، بل هي معركة حضارية تحدد مصير الشعوب في القرن الحادي والعشرين. فهي إما أن تتحول إلى عامل توحيد يفتح المجال أمام مشاركة حرة وتعددية، أو أن تبقى مأزومة، أسيرة الانقسامات والولاءات الضيقة، لتقود المجتمعات نحو التفكك والانهيار. الهوية، بهذا المعنى، ليست سؤالًا عن الماضي فقط، بل عن المستقبل: كيف يمكن أن نكون جماعة واحدة في عالم يتغير بسرعة، دون أن نفقد خصوصيتنا أو نذوب في هيمنة الآخر؟ هذه المقدمة تضع الهوية في قلب النقاش الأكاديمي، باعتبارها ليست مجرد تعريف للذات، بل معضلة حضارية كبرى، تُعيد صياغة العلاقة بين الفرد والجماعة، بين الوطن والعالم، بين التاريخ والتكنولوجيا.
في لغة العرب كلمة لا يقابلها في الإنجليزية ما يوفيها حقها: «الغربة». هي أكثر من بُعد جغرافي عن الوطن، وأبعد منه؛ إنها ذلك الشعور المركب المزدوج الذي يجمع بين الحنين إلى مكان تحبه، والإدراك العميق بأنك مضطر إلى مغادرته. إنها أن تحمل وطنك في داخلك، وتتركه خلف ظهرك في الوقت ذاته.
هذه الكلمة وحدها كافية لوصف ما يعيشه ملايين المغاربة كل يوم، في مطارات أوروبا، ومكاتب كندا، ومستشفيات الخليج: يتذكرون أزقة مدينتهم، ورائحة الكسكس يوم الجمعة، ونداء المؤذن فجرًا، وفي الوقت ذاته لا يملكون إجابة عن السؤال الأصعب: لماذا لم يجدوا هناك ما يجعلهم يبقون؟
خمسة ملايين مغربي يقيمون خارج وطنهم. يحولون سنويًا 12.9 مليار دولار إلى المغرب، ما يعادل أكثر من 8% من الناتج الداخلي الإجمالي. و55% من الشباب المغربي بين 18 و29 عامًا يعبرون عن رغبتهم في الهجرة، و91% من خريجي الجامعات يحلمون بمغادرة البلد للبحث عن فرص مهنية في الخارج. ويغادر المغرب سنويًا ثلاثة آلاف وسبعمئة مهندس وطبيب، كل عام، بلا استثناء.
هذه الأرقام تصف نزيفًا بطيئًا، لكنه منهجي، يفرغ المغرب من أثمن ما يملك: شبابه الأكثر تأهيلًا وطموحًا. والسؤال الذي لا يطرحه الخطاب الرسمي بالصراحة اللازمة هو: هل تحولت الهجرة من ظاهرة إنسانية عارضة إلى سياسة اقتصادية ضمنية يستند إليها الاقتصاد المغربي بديلًا عن الإصلاح الهيكلي؟
1- خمسة ملايين: الحجم الحقيقي لـ«المغرب الخارجي»
حين يعلن المغرب بفخر عن «5 ملايين مغربي مقيم بالخارج»، وفق إحصاءات وزارة الخارجية المغربية، تتصادم في الذهن صورتان متناقضتان: صورة النجاح ـ مغاربة ناجحون في أوروبا وأمريكا وكندا والخليج يجسدون انفتاح المغرب على العالم ـ وصورة الفشل ـ خمسة ملايين شخص رأوا في المغادرة الإجابة الوحيدة عن أسئلتهم حول المستقبل.
هذان الوجهان ليسا متعارضين بالضرورة، لكن إغفال الثاني لصالح الأول هو نوع من الخداع الذاتي الجماعي. فالمغتربون المغاربة يتوزعون على طيف واسع: من العمال غير المهرة الذين هاجروا منذ سبعينيات القرن الماضي وأقاموا في ضواحي باريس ومدريد وأمستردام، إلى الأطباء المتخصصين في مستشفيات بلجيكا، والمهندسين في مراكز التكنولوجيا الكندية، والأكاديميين في الجامعات الأمريكية. والمشترك بينهم جميعًا: المغرب لم يحتجزهم.
وقد تطور تركيب هذه الهجرة بشكل مثير للانتباه خلال العقد الأخير؛ فالموجة الجديدة ليست هجرة المضطر الفقير الفار من العوز، إنها هجرة الكفاءة المكوَّنة التي تفاضل بين عروض العمل وتختار. شاب مغربي حاصل على دكتوراه في علوم الكمبيوتر، يبلغ من العمر ثلاثة وعشرين عامًا، يقارن بين راتب قدره 5000 درهم، أي نحو 500 دولار، في المغرب، وعرض بقيمة 5000 يورو في ميونيخ مثلًا، وليس في حاجة إلى وقت كثير لاتخاذ القرار.
بعد قرابة ستة عقود، لا تزال نظرية جون واتربوري حول السياسة الانقساميةsegmented politics/ أكثر راهنية في تفسير آليات اشتغال الحقل السياسي المغربي من كثير من الأطروحات التي جاءت بعدها. فما بين صدور كتابه المرجعي The Commander of the Faithful عام 1970، ونتائج الانتخابات التشريعية لسنة 2026، لم يتغير الجوهر البنيوي للعبة السياسية إلا في التفاصيل والواجهات. فما زالت الأحزاب تتصرف كفصائل متنافسة ذات ولاءات ظرفية ومتغيرة، وما زال التناوب على الصدارة يتم وفق منطق يمنع أي طرف من الهيمنة المستدامة، وما زال الملك يحتفظ بموقع الحكم الأعلىthe supreme arbiter/ الذي يعيد ترتيب التوازنات بعد كل استحقاق انتخابي.
إن تتبع مسار المقاعد البرلمانية للأحزاب الرئيسية بين 2011 و2026 يكشف بوضوح عن استمرار هذا المنطق الانقسامي. ويتجلى ذلك عند التمييز بين مجموعتين: المجموعة الأولى تضم الأحزاب الأربعة المتنافسة فعليا على الصدارة (التجمع الوطني للأحرار، والأصالة والمعاصرة، والاستقلال، والعدالة والتنمية)، وقد عرفت تقلبات حادة. إذ انتقل حزب العدالة والتنمية من 107 مقاعد سنة 2011 إلى 125 سنة 2016 قبل أن ينهار إلى 13 مقعدا سنة 2021 ثم يستعيد جزئيا 54 مقعدا سنة 2026، بينما صعد حزب الأصالة والمعاصرة من 47 مقعدا إلى 97 مقعدا محتلا الصدارة أخيرا، وعرف التجمع الوطني للأحرار قفزة استثنائية إلى 102 مقعد سنة 2021 قبل أن يتراجع إلى 66، فيما حافظ حزب الاستقلال على حضور مستقر نسبيا تراوح بين 46 و81 مقعدا. أما المجموعة الثانية فتضم الأحزاب الأربعة المكملة (الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، والتقدم والاشتراكية، والحركة الشعبية، والاتحاد الدستوري)، والتي تميزت باستقرار ملحوظ في نتائجها دون قفزات دراماتيكية أو انهيارات كبرى.
VI- مخاطر الذكاء الاصطناعي
1- التحيزات الخوارزمية والديمقراطية
تأثير التحيزات الخوارزمية في الديمقراطية:
تتمثل مخاطر التحيزات الخوارزمية فيما يلي:
- تضخيم التمييز: تنهض الخوارزميات أحيانًا على معطيات قديمة، منحازة انحيازًا قوميًّا أو «طبقيًّا»، مما يدفع القرارات الآلية إلى زيادة تهميش فئات وجماعات إثنية أو ثقافية محددة.
- إضعاف الثقة في الحقل السياسي: يتم إضعاف الثقة في الحقل السياسي وفي العقد الاجتماعي، من خلال إشاعة اختيارات وتصورات وبيانات ومعطيات غير محايدة.
- تآكل الشفافية: تحل «الخوارزمقراطية» (حكم المعادلات الرياضية)، أحيانًا، محل المؤسسات المنتخبة ديمقراطيًا.
- التأثير السلبي في النقاش العمومي: كثيرًا ما تتحول منصات التواصل الاجتماعي إلى حاضنات رقمية للاستقطاب والانقسام الفكري، بدلًا من أن تكون مساحات أو فضاءات للتفاعل والحوار الإيجابيين؛ ومن المحقق أن يضعف أداء الفاعلين الاجتماعيين والسياسيين، وأن تقل جودة النقاش العمومي في هذه الأحياز الرقمية.
التلاعب بالمعلومات والاستقطاب:
تنتشر المعلومات الزائفة والمضللة بسرعة مذهلة، وتسهم الخوارزميات في نشرها على أوسع نطاق. ويسهم التلاعب بالمعلومات في زيادة الاستقطاب واستشراء التنازع بين الفئات الاجتماعية والثقافية والإثنية والسياسية المختلفة داخل المجتمع.
- استخدام خوارزميات التوصية: تستخدم منصات التواصل الاجتماعي خوارزميات التوصية les algorithmes de recommandation؛ وهي تعطي الأولوية، كما هو معلوم، للتفاعل العاطفي.
وباعتبارها أنظمة تحليلية لبيانات السلوك والانشغالات والاهتمامات، فإنها تقترح المحتويات أو المنتجات الرقمية الملائمة للمستخدمين.
- توليد فقاعات التصفية: كثيرًا ما يولد الترويج للمحتويات المثيرة للجدل أو للاستثارة أو للتفاعل العاطفي الحاد فقاعات التصفية les bulles de filtres؛ فمن المعلوم أن الخوارزميات تعرض للمستخدم المعلومات والآراء والتوجهات المتلائمة مع آرائه واهتماماته السابقة، في حالات الانعزال الرقمية المسماة بفقاعات التصفية.