موت الفلسفة وحياتها ـ هادي معزوز
ليست الفلسفة ترفا كما يعتقد عامة القوم، بقدر ما أنها ليست فكرا أضحى من التراث الإنساني كما يرى بعض النقاد، لا وليس الفكر الفلسفي أداة نستعملها متى شئنا ثم نرفضها عندما نريد... إن أول إساءة للفلسفة كفكر تتجلى في اعتبارها تطاحنات فكرية أو عبارة عن أقاويل تسبح في بحر من المتناقضات التجريدية المحضة، بينما اعتبرت الفلسفة وعلى مر العصور تثمينا لمجهودات فكرية وعلمية وأدبية، وتتويجا لعصارة حضارة بعينها، الفكر الفلسفي فكر راق جدا، من ثمة كان من الصعب استيعابه لدى الحضارات التي لا تؤمن بتحرير العقل، ومنه فثقافة العبيد هي من عملت دوما على الحط من قيمة الفلسفة، هذا وإنه ليست في حاجة إلى من يدافع عنها، بقدر ما أنها تصور واقع ونمط وبنية تفكير كل ثقافة وكل فرد.
إن كل رافض للفلسفة إنما يرفض ضمنيا روح النقد، وحس المغامرة الفكرية، وتحرير العقل من التبعية والقصور الفكري، هذا علما أن نفس الفكر ليس بمثابة بضاعة قد نختارها أو نرفضها وفق اختياراتنا، ومنه فبدل أن تضعنا الفلسفة بين الرفض والقبول، يمكن أن تسقطنا في ثنائية الخوف والإقدام، الفلسفة إقدام وشجاعة، إنها انفلاتات الفكر نحو التأسيس لفكر آخر، وبناء للهوية كاختلاف وليس كثبات، وتقويض للنموذج الواحد لصالح النماذج المتعددة، وخلخلة للمركز نحو العودة إلى الهامش، ودحض للخطاب الوحيد نحو الخطابات المتعددة، وتفكيك للنص...
من النافل القول بادئ ذي بدئ، أنه لا يمكن أن نفصل الآراء السياسية لباسكال عن سياقها التاريخي_السياسي الذي أنشأها، و تأسيسا على ذلك، سنعمل في الجملة الأولى من هذا القول على استعراض هذا السياق، على أن نتحرى في ذلك أوجز القول و أخصره، لنصرف الاهتمام في الجملة الثانية لاستعراض آراء باسكال السياسية من خلال "الخواطر"، و المرتبطة هاهنا بالمفاهيم السالفة الذكر، على أن نعمل في الجملة الأخيرة على بلورة خلاصة ممكنة لهذا القول.
تمهيد :
يا "إلهي، ما أروع هذا القرن الذي أراه ينفتح
يحتل الجسد في فلسفة باروخ سبينوزا موقعا مركزيا، فرغبته في تكوين فكرة عن الطبيعة البشرية، دفعته إلى الإنخراط في عمل فلسفي رائد يهم معرفة الجسد وما يقدر عليه. فالإنسان حسب سبينوزا، يتكون من نفس وجسم، وهو موجود كما نحس به، كما يتعذر علينا الحصول على فكرة تامة ومتميزة عن هذا الإتحاد إذا لم نعرف قبل ذلك طبيعة جسمنا(1). لذلك دعا سبينوزا إلى ضرورة السعي إلى المعرفة الدقيقة بتركيب الجسد، واكتساب معرفة تامة وكاملة بانفعالاته، وتنظيمها وترتيبها وفق نظام ملائم للذهن.
يسعى العالم الرأسمالي اليوم مثل البارحة إلى الترويج لخطاب يعتبر جزءا لا يتجزأ من رهاناته وأهدافه، ألا وهو خطاب العولمة، وذلك باسم المشترك بين الإنسان، وأيضا تحت يافطة المصير العام، وهو ما يجعل من نفس الخطاب ذلك الساهر دوما على تحقيق غرض ربما ليس في وسعنا اليوم الحكم عليه إن من باب السلبية أو الإيجابية، لسبب يكاد يكون إشكاليا محضا، وهو حاجتنا إلى الكونية وفي نفس الوقت رفضنا لكل أشكال التبعية، إذ أن نفس الخطاب الرامي إلى مد الجسور بين الثقافات هو نفس الخطاب الذي يسعى إلى تكريس الثقافة الوحيدة، ونفس الخطاب الساعي إلى نبذ الهوية الوحيدة لصالح الاختلافات المتكررة، هو نفسه الذي يوقظ شرارة التقوقع وما يرافقها من تعصب وغياب للتسامح وهيمنة الجهل على المعرفة، وسيادة الخنوع على الإبداع والتغيير الإيجابي.
إن السؤال عن الإنسان هو من المسائل العريقة في الفلسفة إلى درجة تكاد تتحول فيها الفلسفة إلى أنثروبولوجيا على حدَ تعبير كانط و لذلك فان كل تعريف للإنسان هو صياغة لهيئة فلسفيَة مخصوصة سواء كان ذلك في إطار البحث عن الوجود بحيث يكون الإنسان مرتبطا بنظام يسوس الكون (لوغوس) أو في مجال عمليَ يكون فيه الإنسان و نمط وجوده محورا البحث.
نهدف من خلال هذا المقال إلى الوقوف عند مفهوم الاستدلال المباشر عند أرسطو والمنطق التقليدي، ثم نبين مدى حضور هذا النمط من الاستدلال في البناء البرهاني للعقلانية الأرسطية، على المستوى المنهجي سننتهج منهجا أكسيوميا في البناء والتحليل حيث سننطلق في البداية من تعريفات ثم نمر للبديهيات ونخلص للعمليات استدلالية خاضعة لقواعد استنتاجية محددة . أما مسألة بناء المبرهنات سنؤجلها للحديث عن الجزء الثاني الذي سنتطرق فيه لبرهانية نظرية القياس.
إلى أستاذي الكبير.. ادريس الكريوي.
سيتقصى هذا المقال أحد أهم المفاهيم التي اشتغل بها وعليها فيلهلم رايش، و جعل منها مفاتيح لمشروعه لا سواء على المستوى النظري أو الممارساتي و المتمثـل في إنشـاء علم نفس ماركسي، هذا العلم الذي أراده أن يجاور الإقتصاد السياسي الماركسي، و كذا علمي الإجتماع و التاريخ الماركسيين، و هو العلم الذي لم يكن ليبرز لولا مدرسة التحليل النفسي و منهجها، فهذه الأخيرة و على حد تعبير رايش هي البذرة التي سينبت عليها علم نفس مادي-جدلي، فالمقاربة الخلاقة التي قام بها رايش كانت متميزة أشد التميز عن باقي المحاولات الأخرى، تلك التي كانت تفرض بعض القراءات تحت لواء الماركسية أو التحليل النفسي أكثر منها محاولة لنقد القراءات الميتافيزيقية اللاجدلية، بغية تأسيس علم نفس مادي-جدلي، يعطي قراءات علمية للظواهر النفسية أكثر دقة، و التي من غير الممكن أن تصير قراءات علمية بدون الإحاطة بكل العوامل ذات التأثير المباشر و الغير مباشر و مراعاتها، قس على ذلك أن هذا المشروع الذي أراده رايش، قد هدم فكرة أساسية أو بالأحرى تصورا أساسيا في المثالية و المتمثل في اللأدرية و تؤسس له بشكل مضمر بعض الفلسفات اللاعرفانية التي تظهر بزي العلم و العلمية....
سعى تشارلز داروين للإجابة عن سؤال: كيف انبثق الجمال الطبيعي وما الهدف منه؟ لقد رفض فكرة أن الجمال في الطبيعة مجرد أمر اعتباطي تولد من قوى مادية، آمن داروين بأن الألوان الجميلة والأنماط المتنوعة الممكن مشاهدتها في الفراشات والعث والأسماك والطيور، ومخلوقات أخرى، من المفروض أن تكون لها فائدة من جانب ما، في “نشأة الإنسان والانتقاء الجنسي” (1871)، قدّم نظرية تقول بأن الجمال هو نتيجة تراكمية للانتقاء الجنسي، دارسًا طقوس التزاوج لدى مختلف الأنواع، استنتج داروين بأن الزينة الباهرة لدى الحيوان، الاستعراض والأبّهة، لا يُعقل أن تكون عبثية، ويستحيل الشك في أن الأنثى لا تُعجب بجمال شريكها الذكر، وهذا يتناقض مع الرؤية التقليدية التي عبّر عنها إدموند بيرك (1767) بأن الجمال أنثوي والرّفعة ذكرية.