سوسيولوجيا المشقة اليومية: عندما ينحاز علم الاجتماع لهموم الناس الحقيقيين قراءة في كتاب (لا أعيش إنما أنا على قيد الحياة) للدكتور خالد كاظم أبو دوح - د. فرغلي هارون

نوع الخط وحجمه
  • أصغر صغير متوسط كبير أكبر
  • نسخ ريدكس برو يمامة أميري شهرزاد

مقدمة:
هناك انطباع شائع بين كثير من المثقفين، فضلاً عن عامة الناس، أن السوسيولوجيا أو علم الاجتماع هو علم نخبوي، يدرسه ويمارسه مجموعة من الباحثين الأكاديميين الذين يحرصون على استخدام مصطلحات نظرية معقدة وصعبة الفهم، وتنحصر أبحاثهم ودراساتهم في أروقة الجامعات وداخل المراكز البحثية والأكاديمية، وغالباً ما تكون بعيدة عن لغة واهتمامات وهموم الإنسان العادي اليومية.
إلا أن هذا الانطباع يفتقد إلى الدقة، فإذا كان يمكن أن ينطبق على علم اجتماع القرن التاسع عشر، إلا أنه يبتعد كثيراً عن طبيعة وحقيقة علم الاجتماع المعاصر؛ فتتبع مسار تطور السوسيولوجيا يكشف أنها تحولت من النظريات الكبرى التي تحاول فهم وتفسير الوحدات والبُنى الاجتماعية الكبرى بطريقة كلية وشاملة، إلى سوسيولوجيا تعترف بخصوصية الانسان وتقدرها، وتهتم بتفاصيل حياته اليومية، وتحلل ما تنتجه خياراته الحرة في إدارة حياته في حدود فهمه الشخصي لتفاصيلها اليومية، وتحت تأثير بيئته المحلية المادية والثقافية بمعانيها الواسعة. مما أكسب علم الاجتماع المرونة المعرفية والمنهجية التي أعادته إلى طابعه الإنساني، من خلال عقد الصلة النظرية بينه وبين بقية التخصصات الإنسانية.
ومن هنا، تأتي أهمية هذه الدراسة التي تتناول بالتحليل أحد الإسهامات السوسيولوجية الهامة التي صدرت مؤخراً، وهو كتاب: (لا أعيش إنَّما أنا على قيدِ الحياة. كتيب عن الفقر والمشقة في صعيد مصر) من تأليف الدكتور خالد كاظم أبو دوح أستاذ علم الاجتماع بكلية الآداب جامعة سوهاج بمصر، والصادر هذا العام 2026 عن دار النخبة بالقاهرة. وهو عمل سوسيولوجي إبداعي يتناول قضية الفقر والمشقة في صعيد مصر، ويعلن صاحبه بداية وبكل وضوح أنه (من الناس وإلى الناس)، وهو الكتيب الأول في سلسلة "سوسيولوجيا للجميع"، التي يقول عنها مؤلفها إنها تتناول قضايا اجتماعية حية بعين الباحث وقلب الإنسان، بلغة لا تحتاج إلى قاموس متخصص لفهمها، لإيمانه بأن المعرفة الاجتماعية الحقيقية هي تلك التي تصل إلى كل من يعيش الظاهرة، لا إلى من يدرسها فقط، متجاوزةً المقاربات الكمية الجافة والأرقام الإحصائية الصماء نحو بناء سوسيولوجيا من أسفل (Sociology From Below) تنصت بعمق لتفاصيل العيش اليومي وهامش المجتمع.
ويدخل هذا العمل الذي نناقشه ضمن أدبيات سوسيولوجيا الحياة اليومية (Sociology of Everyday Life)، ذلك الاتجاه السوسيولوجي الذي ظهرت إرهاصاته الأولى في ثلاثينيات القرن العشرين، على يد النمساوي ألفرد شوتز في كتابه (إشكاليات الواقع الاجتماعي) ومفهومه عن عالم الحياة اليومية (Lifeworld) عام 1932. ومناقشات الفيلسوف الفرنسي هنري لوفيفر حول نقد الحياة اليومية بدءاً من عام 1947. ثم تحول إلى تيار سوسيولوجي حقيقي في علم الاجتماع مع كتابات عالم الاجتماع إرفينج جوفمان وكتابه الشهير (تقديم الذات في الحياة اليومية) عام 1959.

ويركز هذا الاتجاه على دراسة تفاعلات الوجه للوجه، والروتين، والطقوس البسيطة للحياة اليومية المعاشة، بدلاً من الاقتصار على دراسة البنى الاجتماعية الكبرى، حيث يعيد الاعتبار للتفاصيل الصغيرة، والعلاقات البينية، والظواهر التي تبدو عادية في ظاهرها ولكنها تختزن في باطنها بُنى مجتمعية وثقافية بالغة التعقيد. حيث لا يكتفي المؤلف هنا بالرصد الإحصائي أو التنظير الأكاديمي الجاف، بل ينطلق من تجربة معايشة إثنوجرافية واقعية دقيقة تعيد إنتاج المشهد الاجتماعي في صعيد مصر، لتتجاوز النظرة النمطية للمجتمعات الإقليمية نحو تفكيك آليات العيش، والمقاومة، والتكيف اليومي. وهو ما نستعرضه بشيء من التفصيل في النقاط التالية:

أولاً: البناء المنهجي للكتاب:
يتكون الكتاب من مقدمة وخاتمة، وبينهما ست فصول هي أقرب إلى فواصل حية تربط حبات عقد ينبض بالحياة والألم في خيط واحد!، وقد كُتب على هامش بحثين ميدانيين محكمين أجراهما الباحث في بعض قرى محافظة سوهاج بصعيد مصر، ووجدا طريقهما للنشر في المجلات المتخصصة. ولكن الباحث أدرك أن كثيرًا مما قيل له في المقابلات المطولة التي أجراها، والاستبيان الذي طبقه على 89 امرأة من النساء الفقيرات، وكثير من ملاحظاته اليومية المتعمقة والمباشرة لعشرات الأسر والأفراد من فقراء محافظة سوهاج، لم يجد طريقه إلى الصفحات الأكاديمية، لأنه أكبر بكثير مما يمكن أن تستوعبه أي ورقة بحثية، وأعقد بكثير من أن تختصره نسب مئوية أو مؤشرات اقتصادية، أو تعبر عنه معادلات وجداول ومتوسطات حسابية. وإنما يحتاج إلى لغة أخرى وأسلوب مختلف، يتجاوز الأسلوب الكمي في البحث، إلى أسلوب كيفي يكتسي بنزعة إنسانية تعيد المعرفة الاجتماعية إلى موضعها الطبيعي بين الناس، ليعيد لأولئك النساء أصواتهن الحقيقية، ويجلس معهن على الأرض نفسها، ينصت إلى الوجوه والقصص والتجارب وحتى الإيماءات ولحظات الصمت، ثم يعيد صياغة ما سمعه بلغة بسيطة مفهومة تعبر عن أوجاعهن اليومية، لأن الفقر في الصعيد "لا يصرخ في الشوارع، بل يُدار بصمت وقهر داخل البيوت".
في الفصل الأول، يناقش الكاتب ما الذي يعنيه الفقر فعلاً؟، موضحاً أن الفقر ليس مجرد خط وهمي أو رقم إحصائي، بل هو "حالة حياة كاملة تُعاش". ويعرف الفقر سوسيولوجياً بأنه الحرمان الشديد من ظروف المعيشة الأساسية (الغذاء، المأوى، الصحة، التعليم) وضعف المشاركة المجتمعية. ويشرح أبعاد الفقر المتشابكة (المالية، الاقتصادية، الاجتماعية، البيئية، والموسمية)، موضحاً أنه يمثل (دوامة دائرية) تعيد إنتاج نفسها من جيل إلى جيل، مما ينفي فكرة أن الفقر هو مجرد إخفاق فردي.
أما الفصل الثاني: أرض الله الحزينة، فيسلط الضوء على الإطار الجغرافي للبحث (محافظة سوهاج بمصر)، مبيناً أنه الإقليم الأفقر في مصر. وأن هذا الفقر هو نتاج تهميش تاريخي وسياسات مركزية فضلت الشمال والمدينة على الجنوب والقرية. ويستدعي الكاتب شهادة المفكر سلامة موسى عام 1931 عن الفقر في الصعيد، ليؤكد أن جوهر المأساة لم يتغير كثيراً على مدار عقود، رغم إدخال بعض التحسينات الشكلية في البنية التحتية.
وفي الفصل الثالث: يقدم الكاتب نموذجاً أدبياً سوسيولوجياً لشخصية (أم الخير) المركبة من عدة مقابلات واقعية ليرصد التفاصيل المجهرية لمعاناة المرأة الفقيرة على مدار 24 ساعة. فيعرض كيف يبدأ اليوم قبل الفجر بقلق الحسابات المالية، مروراً بالذهاب إلى السوق بميزانية لا تكفي لشراء الأساسيات، والتضحية بالبروتين الحيواني، وتنازل الأم عن طعامها لصالح أبنائها، وتأجيل كشفها الطبي وشراء أدويتها بالتقسيط، وصولاً إلى رعب مواجهة فواتير الخدمات كالكهرباء.
أما الفصل الرابع: فيناقش تدهور الأمن الغذائي للأسر الفقيرة نتيجة التضخم وغلاء الأسعار المتسارع الذي يلتهم الأجور والمعاشات. ويصف سُلَّم الهبوط الغذائي: بدءاً بالتخلي عن اللحوم الحمراء، ثم الدواجن، ثم البيض، وصولاً إلى الاعتماد الكلي على البقوليات (العدس والفول) أو المكرونة المجردة. كما يبرز مفهوم (الجوع الصامت أو المختبئ)، حيث يتعلم الأطفال عدم الطلب، وتدعي الأمهات الشبع، مشيراً إلى أن المساعدات العينية المؤقتة (الكرتونة الغذائية) لا تقدم حلاً جذرياً لمشكلة الجوع.
وفي الفصل الخامس، يفكك الكاتب ظاهرة تأنيث الفقر، مبيناً أن الأزمات الاقتصادية لا توزع أعباءها بالتساوي، بل تتحمل المرأة الصعيدية العبء المضاعف. مؤكداً أن عمل المرأة المنزلي (إدارة البيت، الرعاية، التربية، الطهي) هو عمل غير مرئي ولا يُحسب في الناتج القومي، ومع ذلك فهو الذي يمتص صدمات الفقر. كما يرصد التداعيات القاسية للفقر على النساء، مثل: القلق المزمن، تدهور الصحة الجسدية والنفسية، الشعور الدائم بالذنب تجاه الأبناء، والتضحية بتعليم الفتيات، مؤكداً أن هذا ليس فشلاً شخصياً من المرأة بل نتيجة لتوزيع مجتمعي ظالم للأعباء.
أما الفصل السادس والأخير، فيحلل فيه الكاتب عبارة (بكره إن شاء الله) التي يستخدمها الفقراء، مبيناً أنها ليست زمناً بل درع واقٍ وتأجيل مؤقت للألم. ويقدم رؤية منهجية للخروج من دائرة الفقر ترتكز على ثلاث ركائز:
الكرامة أولاً: من خلال توفير الحد الأدنى اللائق للحياة بوصفه حقاً وليس منحة.
الفرص ثانياً: من خلال إعادة بناء الاقتصاد المحلي وتمكين المرأة لتشجيع الإنتاج.
الصمود ثالثاً: من خلال بناء نظم حماية اجتماعية مرنة تمنع الانزلاق المستمر تحت خط الفقر.
ويقترح تطبيق ما يُعرف عالمياً بـ (نهج التخارج Graduation Approach)، والذي يدمج بين توفير الحماية المؤقتة، ومنح الأصول الإنتاجية، والتدريب، والشمول المالي، والتمكين الاجتماعي، لضمان خروج الأسر تدريجياً وبشكل مستدام من الفقر المدقع. 

ثانياً: إخراج السوسيولوجيا من عزلتها الأكاديمية وإنزالها إلى الواقع اليومي:
استطاع الكاتب إنزال السوسيولوجيا من برجها الأكاديمي النخبوي إلى الواقع اليومي لتعبر عن هموم الناس الحقيقيين، حيث يفتتح أطروحته بتمهيد ينتقد فيه تلك المناهج السوسيولوجية الاستعلائية التي تختزل الإنسان المعذب في جداول بيانية وأرقام صماء، مغفلةً الأبعاد الوجدانية والنفسية لظاهرة الفقر. وبديلاً عن ذلك يتبنى المنهج الكيفي (Qualitative Approach) القائم على أدوات المعايشة الإثنوجرافية، والملاحظة بالمشاركة، وتحليل السير الذاتية، والتاريخ الشفهي. مما يعطيه القدرة على النفاذ إلى الفضاءات الحميمية واليومية لمجتمع الدراسة، مركزاً على الفئات الضعيفة والهشة، كالنساء الكادحات وكبار السن والفقراء المعدمين وغيرهم.
ويستند الباحث إلى رؤية عالم الاجتماع مايكل بوراوي، في اطروحته حول سوسيولوجيا العموم (Public Sociology)، التي تدعو إلى خروج علم الاجتماع من عزلته الأكاديمية النخبوية داخل المدرجات الجامعية المغلقة للاشتباك مع قضايا الجماهير ومشكلاتهم الحياتية. هذا التوجه المنهجي يعيد أنسنة البحث السوسيولوجي، محولاً الأرقام إلى حكايات من لحم ودم، ومحولاً علم الاجتماع من علم يدرس الناس بوصفهم موضوعات بحثية خارجية، إلى علم يستمع إليهم، ويتحدث بلسانهم، ويتضامن معهم في معاناتهم. ويوظف الخيال السوسيولوجي ليجعل القارئ شريكاً في استشعار المعاناة اليومية، ويرى الأمور بعيون هؤلاء الضعفاء.
وقد نجح الكاتب في الانتقال من التنظير الكلي (الماكرو سوسيولوجي) إلى التفاصيل اليومية الدقيقة (المايكرو سوسيولوجي)؛ فلم يكتفِ بنقد السياسات الكبرى، بل رصد تفاصيل المعاناة اليومية الصامتة، وتتبع تفاصيلها اليومية الدقيقة، فنزل مع النساء إلى الأسواق ليصف كيف يقفن حائرات أمام أسعار السلع، ويصف مساوماتهن لشراء أقل الكميات وأرخص السلع، وكيف يدبرن وجبات طعام بسيطة للأسرة، ورصد ابتكارهن لآليات التكيف كتأجيل الرعاية الصحية والتنازل عن طعامهن وعلاجهن لصالح إطعام أبنائهن. ومن خلال هذه المقاربة، استطاع فضح الجوع المختبئ والعنف الهيكلي الممنهج الذي تعجز التقارير الرسمية عن رصده.
كما نجح في استخدام لغة سردية مبسطة لأنسنة المفاهيم السوسيولوجية وتطبيقها على المعاش اليومي؛ فاستخدم مفاهيم ضخمة، مثل: العنف الهيكلي والفقر متعدد الأبعاد ورأس المال الاجتماعي، كعدسات تحليلية لتفسير السلوك اليومي العادي. وأظهر كيف أن تنازل المرأة عن طعامها هو شكل من أشكال العنف الممارس ضدها، وكيف أن استدانتها من جيرانها تعكس هشاشة شبكات الأمان الاجتماعي. بهذه الآليات وأمثالها، استطاع الكاتب أن يحول علم الاجتماع من أداة للرصد المكتبي البارد، إلى وثيقة بوح إنسانية، وشهادة حية تنقل صرخات ومقاومة أناس حقيقيين سقطوا من حسابات التقارير الرسمية.
وقد أبدع الباحث في توظيفه لشخصية (أم الخير)، كاستعارة سوسيولوجية رمزية مكثفة تختزل فلسفة البقاء والمشقة، وهي شخصية مركبة من عدة مقابلات، رفعها الباحث من سياقها الفردي المجرّد ليحولها إلى نموذج مثالي (Ideal Type) بتعبير ماكس فيبر، يجسد روح الهامش النابضة بالبقاء، والحضور الطاغي للمرأة الهامشية التي لا تغيب عن المشهد الاجتماعي اليومي، إذ إن لحظة واحدة من حضورها وصوتها تعني قطعياً أن هذه الفئات على قيد الحياة ولم تمت اجتماعياً رغم كل محاولات التهميش البنيوي. 

ثالثاً: الفقر كعنف هيكلي وهندسة اجتماعية:
يعد الفقر من أكثر الظواهر الاجتماعية خطورة وتأثيراً على حياة الإنسان وجودتها. ورغم الجهود الدولية للقضاء عليه أو تقليل نسبة المتضررين منه فإن نسب الفقراء في تزايد مستمر نتيجة الصراعات العالمية الحالية والأوبئة والحروب وتحديات العولمة والأنظمة الاقتصادية القائمة. وتتبنى منظمة الأمم المتحدة مفهوماً شاملاً للفقر يقترب من مفهوم الفقر متعدد الأبعاد الذي تبناه الاقتصادي الهندي الحاصل على جائزة نوبل أمارتيا سن، ينظر للفقر باعتباره أكثر من مجرد نقص في الدخل والموارد الإنتاجية اللازمة لضمان سبل عيش مستدامة. فهو حرمان من القدرات ينعكس في صور متعددة، منها الجوع وسوء التغذية، وقلة الوصول إلى التعليم وخدمات أساسية أخرى، والتمييز الاجتماعي والإقصاء، فضلا عن محدودية المشاركة في صنع القرار، مما ينعكس سلبًا على الأفراد والمجتمعات.
وهو نفس الخط الذي يتبناه مؤلف الكتاب، الذي يرفض اختزال الفقر في نقص الدخل أو لوم الأفراد على فقرهم، حيث يقول: "الفقر حياة كاملة تُعاش، ووجع يتجدد مع كل فجر، وحلم يتآكل ببطء تحت وطأة الحرمان". وهو هنا يتبنى بوضوح مفهوم العنف الهيكلي (Structural Violence) عند عالم الاجتماع النرويجي يوهان جالتونج، الذي يرى أن "العنف الهيكلي يحدث عندما يتم التأثير على البشر بحيث يكون تحقيقهم الفعلي لإمكاناتهم الجسدية والعقلية أقل بكثير من إمكاناتهم الحقيقية". حيث يرى الباحث أن الفقر والتهميش المكاني في صعيد مصر هما شكل من أشكال العنف الصامت الذي تمارسه الهياكل والسياسات ضد الأفراد، والذي يحرمهم من تلبية احتياجاتهم الأساسية دون أن يترك جرحاً جسدياً مرئياً، مشيراً إلى أن الفقر هو نتاج سياسات تهميش طويلة الأمد تجعل من المرض والمشقة والجوع نتائج طبيعية لموقع الفرد الجغرافي والطبقي.
كما طبق المؤلف بدقة ما نادى به عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو في كتابه (بؤس العالم). حين انتقد الأرقام الإحصائية. بقوله: (إن علم الاجتماع يجب أن يكسر واجهة الأرقام الرسمية ليكشف عن المعاناة الاجتماعية المخفية ... إننا لا نفهم الفقر إلا حين ننصت لأولئك الذين يتحملون وطأة التناقضات الهيكلية في أجسادهم ونفوسهم). فالكاتب يؤكد أن ما تعانيه المرأة في سوهاج هو شكل من أشكال العنف الصامت والمنهجي الذي تمارسه سياسات توزيع الموارد، وهو عنف بلا جانٍ مرئي مباشر، لكنه يقتل ويُمرِض تماماً كالعنف المادي. وما يميز هذا العنف الهيكلي أنه لا يمكن محاكمة أحد عليه، فهو متأصل في السياسات والهياكل المؤسسية، لذلك فهو ليس سوء حظ أو قدراً محتوماً، وإنما هو هندسة اجتماعية وسياسية واقتصادية صُنعت لتبقي هؤلاء النساء في دائرة العوز، وتجعل من الظلم وضعاً يبدو طبيعياً يجب التطبيع معه.
ويوضح الكتاب أن سياسات الحماية الاجتماعية الحالية، رغم الجهود المبذولة ومبادرات مثل: (تكافل وكرامة، وحياة كريمة)، تعاني من قصور هيكلي يجعلها عاجزة عن انتشال المهمشين من دائرة الفقر المزمن. فأغلب البرامج والمبادرات الحكومية تعمل كجزر منعزلة دون وجود ربط حقيقي وعضوي بين تقديم الدعم المالي والتأهيل أو التمكين الاقتصادي. مما يجعل التدخلات مجتزأة ولا تؤسس لمسار تنموي متكامل يضمن خروج الأسر من الفقر. إضافة إلى قصور آليات الاستهداف أو الوصول للمستحقين الفعليين، فالكثير من الفقراء والفئات الأكثر تهميشاً في صعيد مصر لا يصل إليهم هذا الدعم أو لا يملكون الوعي والقدرة على تجاوز التعقيدات البيروقراطية للحصول عليه. كما أن المبالغ المصروفة للأسر كإعانات هي مبالغ زهيدة لا تمثل حلاً حقيقياً لتلبية أدنى متطلبات الحياة الكريمة. ومع موجات الغلاء المستمرة، تتآكل القيمة الشرائية لهذا الدعم ليصبح مجرد إعانة مؤقتة لا تصمد طويلاً أمام التضخم.
وينتقد الباحث بشدة هيمنة عقلية المسكنات على الحماية الاجتماعية (سياسة الكرتونة)؛ لأنها تعمل بمثابة مسكن للألم يسد حاجة لحظية فقط، لكنه لا يعالج مصدر المرض الهيكلي ولا يمنع عودة الجوع في اليوم التالي، فهذا النمط يُدير الفقر ويعيد إنتاجه بدلاً من القضاء عليه، ويفتقر إلى المنهجية الشاملة والمستدامة، التي تمكن الفئات المهمشة من التخارج الفعلي من دائرة الفقر.
بديلاً عن ذلك يقدم الكتاب نموذج التخارج من الفقر (BRAC) كأداة منهجية وحل مستدام لمشكلة الفقر، وهو عبارة عن منهجية مبتكرة طورتها مؤسسة براك (لجنة النهوض الريفي في بنجلاديش) لانتشال الأسر من براثن الفقر المدقع. وتحقيق الاكتفاء الذاتي للمشاركين بدلاً من الاعتماد الدائم على برامج الحماية الاجتماعية. وهو يرتكز على إطار عمل متكامل يتكون من أربع خطوات أساسية تتمثل في:
1. تعزيز سبل العيش أو التمكين الاقتصادي: من خلال توفير رأس مال أولي (مثل: تمليك المستفيدين أصولاً إنتاجية كالمواشي أو أدوات العمل، أو رأسمال صغير في صورة قروض بدون فوائد) لمساعدة الأسر على بدء مشاريع تدر عليهم دخلاً مستداماً. مع تقديم تدريب عملي وربط المستفيدين بالأسواق لضمان نجاح المشروع.
2. الإدماج المالي: من خلال تشجيع المشاركين على إنشاء حسابات ادخارية، مع تقديم تدريب شامل في الثقافة المالية، لتعزيز ثقافة الادخار وإدارة الأموال بشكل منظم.
3. الحماية الاجتماعية: من خلال توفير شبكة أمان للمشاركين، تضمن تلبية الاحتياجات الضرورية الفورية للمهمشين (مثل الغذاء والرعاية الصحية)، لضمان بقائهم، ولحماية الأسرة من الصدمات المالية والاعتماد على عمالة الأطفال أو الاستدانة.
4. التمكين الاجتماعي: من خلال جلسات توجيه وتدريب مستمرة على المهارات الحياتية، لدمج المهمشين والنساء في المجتمع وبناء ثقتهم بأنفسهم، وإدارة التغيير السلوكي، وتسهيل الاندماج المجتمعي، وكسر حاجز العزلة والإقصاء.
غير أن تطبيق هذا النموذج في مصر، وتحديداً في الصعيد، يواجه عدة عقبات وتحديات هيكلية وثقافية ومؤسسية، من أهمها: التصادم مع الأعراف والثقافة الذكورية؛ فالسعي لتطبيق ركيزة التمكين الاقتصادي للمرأة قد يصطدم بشدة مع التقاليد والأعراف الذكورية السائدة في صعيد مصر، مما يتطلب ألا تقتصر الجهود على توفير الدخل، بل يجب أن تترافق مع برامج لتغيير الثقافة المجتمعية وتصحيح المفاهيم. كذلك يحذر المؤلف من نقل نموذج (BRAC) كنسخة كربونية جاهزة وتطبيقها بشكل جامد، مؤكداً أن التحدي الحقيقي يكمن في ضرورة التحلي بالمرونة لتصميم برامج تتناسب مع الخصوصية الشديدة لبيئة الصعيد وتراعي معتقداته وعاداته. كما يؤكد الكتاب أن التمكين الاقتصادي والاجتماعي لا يمكن أن ينجح في فراغ أو بمعزل عن مسارات تنموية شاملة؛ فنجاح النموذج يتطلب توفير خدمات أساسية قوية في الصحة والتعليم، والأهم من ذلك التخلي عن النهج الرعوي وكسر مركزية الدولة لضمان إشراك المجتمع المحلي بفعالية في تصميم الحلول وإدارتها.

رابعاً: تأنيث الفقر في صعيد مصر وآليات التكيف:
أطلقت عالمة الاجتماع الأمريكية ديانا بيرس مصطلح تأنيث الفقر (Feminization of Poverty) عام 1978، بعد أن لاحظت ازدياد معدل الفقر بين النساء، وخاصة اللواتي من أصل أفريقي في الدراسات الاحصائية للولايات المتحدة بين خمسينيات وسبعينيات القرن الماضي. ويُشير المصطلح إلى عبء الفقر الذي تتحمله المرأة أو زيادة نسبة الفقر بين النساء أكثر مما هي بين الرجال. ووفقاً للجنة الأمم المتحدة المعنية بوضع المرأة عام 2000، فإن النساء هن فقيرات العالم، إذ يعانين من معدلات فقر أعلى من الرجال في جميع المجتمعات.
ويركز الكتاب على نساء الصعيد كضحايا مزدوجات للفقر. فالمرأة في صعيد مصر هي "مديرة الندرة" إذ تقف وحيدة لإدارة ندرة الموارد، وتقوم بدور ممتص الصدمات التي تتحمل عبء تدبير المعيشة اليومية في ظل غياب أو عجز المعيل، وتضطر في صمت للتنازل عن طعامها وصحتها وراحتها من أجل بقاء أسرتها. وهذا العبء الرعائي المجاني رغم أنه يمتص صدمات التضخم التي تفشل الدولة في معالجتها، إلا أنه عمل غير مرئي ولا يُحسب في الحسابات الرسمية، مما يؤدي في النهاية إلى الحد من قدراتها، وسلب حريتها في الاختيار، والمساس بكرامتها الإنسانية.
وقد برع الكتاب في التقاط صور الحرمان من خلال رصد التفاصيل المجهرية للعيش اليومي؛ حيث يقدم تحليلاً سوسيولوجياً دقيقاً لـ "حياة امرأة تحاسب على كل قرش قبل أن تفتح عينيها"، موضحاً إن الوقوف الطويل للمرأة أمام البائع لاحتساب ميزانيتها بصمت، وإخفاء الجوع عن الأطفال بحجة عدم الشهية، يمثلان مادة سوسيولوجية ثرية تكشف كيف يُعاش الفقر بالجسد والعاطفة قبل أن يُقاس بالأرقام. مبيناً أن المرأة الصعيدية في مواجهتها اليومية لواقع الفقر المدقع والعنف الهيكلي، تضطر إلى ابتكار آليات تكيف نفسي بالغة التعقيد لضمان استمراريتها وبقاء أسرتها. وهذه الآليات ليست دليلاً على الضعف أو الاستسلام، بل هي أدوات للمقاومة والبقاء، وأبرزها:
أ- التطبيع الثقافي مع المعاناة: حيث تلجأ المرأة إلى جعل المعاناة والقهر يبدوان وكأنهما وضع طبيعي ومألوف، فتقوم بتغليف هذه المعاناة بمفاهيم دينية وثقافية مثل الصبر والنصيب. هذا التطبيع يخفف من وطأة الشعور بالعجز، إذ يُحول القهر الهيكلي إلى قدر لا مفر منه يجب التعايش معه. ويقدم الكاتب نقداً جذرياً للتطبيع مع الظلم، من خلال تفكيك المفهوم الأيديولوجي للصبر، موضحاً أن تمجيد المجتمع لصمود المرأة وصبرها هو في جوهره تبرير لغياب الخيارات وعدم العدالة في توزيع الأعباء.
ب- الإيهام بالأمل (آلية "بُكرة إن شاء الله"): حيث تستخدم النساء عبارة "بُكرة إن شاء الله" ليس بالضرورة تفاؤلاً حقيقياً بتغير الأوضاع، بل كمُسكن للألم ولتهدئة الروح المنهكة. ويرى المؤلف أن هذا التأجيل المستمر للمتطلبات والأحلام هو محاولة نفسية لتخفيف وطأة العجز الحالي، وجعل الألم قابلاً للتحمل.
ج- الرضا الظاهري ومحاولة تطويع الألم: حيث تردد المرأة دائماً عبارات مثل "الحمد لله" أو "تمام" حتى في أحلك الظروف. وهذا السلوك ليس استسلاماً، بل هو محاولة لتطويع الألم والتحايل عليه لكي تتمكن من الاستمرار، إنها تخدع نفسها بأن الأمور تسير على ما يرام لكي تتجنب الانهيار التام.
د- الصمت كمقاومة سلبية: فبدلاً من الشكوى التي لا طائل منها، تلوذ المرأة الصعيدية بالصمت. ويقرأ الباحث هذا الصمت ليس كعلامة على الرضا أو الضعف، بل كأداة للحفاظ على ما تبقى من طاقة، وشكل من أشكال المقاومة السلبية المختفية ضد قسوة الظروف الهيكلية.
هـ - إنكار الذات وتأجيل الاحتياجات الشخصية: حيث تتكيف المرأة مع الفقر عبر إلغاء ذاتها واحتياجاتها (مثل التغذية السليمة أو الرعاية الصحية أو الراحة) لصالح أبنائها وأسرتها. هذا الإنكار المستمر يُشعرها نفسياً بأنها تؤدي دورها ببطولة، ولكنه في الوقت نفسه يؤدي إلى استنزاف هائل لجسدها وروحها في صمت تام.
ولكن هذه الآليات النفسية، رغم كونها درعاً واقياً يحمي هؤلاء النساء من الانهيار اليومي المباشر، إلا أنها في المنظور السوسيولوجي الأعمق تسهم للأسف في إخفاء حجم الكارثة الحقيقي، وتجعل العنف الهيكلي المُمارس ضدهن غير مرئي ومُستداماً.
ويؤكد الباحث أن التمكين الاقتصادي للمرأة الصعيدية لا يمكن أن ينجح إذا تم فرضه من خلال برامج تنموية فوقية تتصادم مع الأعراف والتقاليد المحافظة، فالأمر لا يتعلق بفرض واقع جديد بالقوة، بل بابتكار حلول تنبع من فهم عميق للبيئة المحلية. كذلك، يجب أن تترافق جهود التمكين مع تقديم التدريب المهني والمالي المتخصص للمرأة، مع التركيز على المهارات التي تتلاءم مع طبيعتها وظروفها وتتوافق مع ما يقبله المجتمع. كما يجب العمل على إحداث التمكين الاجتماعي التدريجي للمرأة بهدف تعزيز ثقتها بنفسها وبناء قدراتها بمرور الوقت، وإحداث تغيير تدريجي وهادئ في الثقافة المجتمعية المحيطة بها، مما يهيئ بيئة أكثر تقبلاً لمشاركتها الاقتصادية الفعالة على المدى الطويل دون إحداث صدمة ثقافية مفاجئة.

خامساً: تفكيك المركزية: البعد المكاني والتهميش التاريخي:
يسلط الكتاب الضوء على الخلل الهيكلي بين العاصمة (المركز) والصعيد (الأطراف). ويطرح الإقليم الجغرافي (صعيد مصر) كفاعل أساسي في إعادة إنتاج الفقر، نتيجة تاريخ طويل من التهميش التنموي وعزلة اجتماعية واقتصادية لم تفلح التدخلات الحكومية الجزئية في كسرها، وتنميط ثقافي إعلامي يرسخ صورته كبؤرة للتخلف، مما يعمق من عزلته. 
ويقدم الكتاب مساهمة نقدية هامة في دحض الصور الذهنية المعلبة التي دأبت على تصوير صعيد مصر ككتلة ثقافية صماء مستقرة وثابتة تاريخيا. فمن خلال نصوص إثنوجرافية صيغت بـ "لغة مختلفة تماماً، لغة تليق بنساء منحنٍ من وقتهن وأوجاعهن ما لا يقدر"، ينجح المؤلف في إبراز التمايزات والخصوصيات المحلية وتفكيك آليات التهميش. ليعيد صياغة الوعي بالذات الجمعية واللامساواة المكانية بعيداً عن الصور الذهنية المعلبة التي تبثها وسائل الإعلام المركزية.
وتتجلى هذه اللامساواة في عدة أبعاد سوسيولوجية واقتصادية وثقافية، أبرزها:
أ- المركزية المفرطة واحتكار الموارد: تُدار الدولة بنمط من المركزية الشديدة التي تحتكر السلطة والثروة وتتركز فيها الخدمات ووسائل الاتصال والمواصلات. هذا التمركز يخلق فجوة هائلة، حيث تعاني الأطراف في صعيد مصر من ضعف وتآكل في قدرات الدولة المؤسسية، ونقص حاد في البنية التحتية، مما يجعلها مناطق طاردة للسكان ومحرومة من أبسط مقومات التنمية.
ب- تحويل الصعيد إلى خزان للعمالة الرخيصة: حيث يبدو وكأن هناك إرادة سياسية وبيروقراطية مركزية تتعمد إبقاء صعيد مصر في هذا الوضع ليكون مجرد خزان للعمالة الرخيصة والموارد التي تخدم المركز. هذا التوجه يرسخ التهميش الاقتصادي ويحرم الصعيد من أن يكون نقطة جذب للاستثمارات الحقيقية.
ج- ترسيخ العنف الهيكلي المكاني: فالسياسات المتتالية وتوزيع الموارد غير العادل أدى إلى اتساع الفجوة وتكريس الإقصاء، لتبقى الأطراف غارقة في الظلام التنموي، وندرة الموارد في مجتمعات طالها النسيان.
د- فشل خطط التنمية الفوقية: فخطط وقرارات التنمية تأتي معلبة ومصنوعة في العاصمة دون فهم لواقع الصعيد، مما يجعلها تصطدم بواقع مغاير وتفشل في معالجة الجذور الحقيقية للفقر، لأنها تتجاهل السياق المكاني والاجتماعي والثقافي الخاص والمُعقد للأطراف.
هـ - التنميط الإعلامي والثقافي (الإقصاء الرمزي): يُمارس الإعلام عامة والدراما بصفة خاصة، دوراً خطيراً وممنهجاً في تعميق اللامساواة المكانية بين (العاصمة) والأطراف (صعيد مصر)، وذلك من خلال ما يمكن تسميته بالإقصاء الرمزي والثقافي. حيث يتم تصدير صورة نمطية مشوهة عن صعيد مصر، بتصويره إما كبؤرة خطرة مليئة بالسلاح والتخلف والثأر، أو كمادة للسخرية والكوميديا المبتذلة. هذا التنميط يخدم فكرة عزل الصعيد عن السياق التنموي الشامل للدولة، ويبرر نفسياً تجاهل معاناته الحقيقية. حيث يعمل الإعلام على طمس معاناة الصعيد وتغييب الوجوه الحقيقية للمهمشين وسكان القرى المحرومين من أبسط الخدمات، مما يجعل معاناتهم الحقيقية مع الفقر غير مرئية بالنسبة للمجتمع الأوسع ولصناع القرار في المركز.
في مواجهة هذا الخلل، يطرح الكتاب دور سوسيولوجيا العموم (Public Sociology)، كأداة مقاومة تهدف إلى تسليط الضوء على هذه المساحات المعتمة التي يتعمد الإعلام إخفاءها، وتقديم الصورة الإنسانية الحقيقية لأبناء الصعيد التي تفضح زيف الدراما، سعياً لكسر هذه العزلة المكانية والتأسيس لعدالة تنموية حقيقية.

سادساً: تآكل رأس المال الاجتماعي وهشاشة التضامن:
كان رأس المال الاجتماعي في مجتمعات الصعيد يعتمد تاريخياً على آليات الحماية الاجتماعية غير الرسمية، مثل: مساندة الجيران لبعضهم، واقتراض المال، وتنظيم "الجمعيات" المادية، والحصول على السلع بالآجل من المتاجر المحلية. ولكن مع استمرار الإقصاء والفقر، تُستنزف هذه المدخرات غير الرسمية وتتآكل آليات الحماية، ليصبح رأس المال الاجتماعي هشاً تماماً؛ والسبب المباشر والواقعي لذلك هو أن الجميع في عوز، ولم يعد لدى المحيطين فائض لتقديمه لبعضهم البعض.
وكما يرصد الباحث كيف تعتمد النساء على تبادل المنافع البسيطة (كاستعارة السكر من الجارة أو تقسيط الدواء من الصيدلي) كشبكة أمان، فإنه يحذر من أن هذه الشبكة تتآكل وتصبح هشة عندما يصل الفقر للجميع وتفقد الجارة قدرتها على العطاء. ويتطابق ما وصل إليه الكتاب من أن شبكات الجيرة تؤجل السقوط لكنها لا تنتشل من الفقر، مع ما يؤكده عالم الاجتماع أليخاندرو بورتيس من أن: "الاعتماد المفرط على شبكات التضامن داخل المجتمعات شديدة الفقر قد يتحول إلى عبء، حيث يتشارك الفقراء فقرهم بدلاً من الخروج منه".
كذلك يحلل الباحث لجوء الفقراء لآليات تكيف نفسية مثل: التطبيع مع الظلم وتبرير المعاناة تحت مسميات الصبر والنصيب، لإعفاء أنفسهم من مواجهة القهر الهيكلي. ففي ظل انهيار شبكات التضامن المادي، يبرز التطبيع مع الظلم كأحد أخطر التداعيات الاجتماعية للفقر المزمن. لأنه يؤدي إلى تحويل الظلم الهيكلي الممنهج إلى مجرد أمر شخصي. وبدلاً من أن يشكل الفقراء جبهة متضامنة (رأس مال اجتماعي قوي) تتوجه باللوم للسياسات الهيكلية المسببة لتهميشهم، فإنهم يتجهون إلى لوم حظهم الفردي. هذا الاستسلام يُلغي أي إمكانية للرفض الجماعي أو التضامن المجتمعي؛ وتتقلص أشكال المقاومة الفعالة لتصبح مجرد قدرة فردية صامتة على التحمل. وبذلك، يعمل التطبيع مع الظلم على ترسيخ الفردية والهشاشة، ويمنع بشكل قاطع أي فرصة لاستعادة أو تفعيل رأس المال الاجتماعي كأداة للمواجهة والتغيير.

سابعاً: الكونية الإنسانية للمعاناة والمقاومة:
أحد أبرز الأطروحات النظرية التي يرتكز عليها الكتاب هي فكرة (الكونية الإنسانية عابرة الثقافات). فالمؤلف لا ينكفئ على المحلية الضيقة، بل يطرح فرضية سوسيولوجية عميقة مفادها أن المعاناة الإنسانية، والتضامن، والبحث عن الأمان هي سمات تتجاوز الحدود الجغرافية. حيث يعقد المؤلف مقارنة بالغة الذكاء بين تجربته في رصد مجتمع الفقراء المهمشين في محافظة سوهاج وبين تجربة عيش أخرى مماثلة في اسكتلندا، ليخلص إلى أن الفلسفة الإنسانية وآليات التضامن البشري لا تعترف بالجنسية أو الحدود الجغرافية. 
هذا الربط يُثبت أن الفلسفة الإنسانية بلا جنسية، وأن السوسيولوجيا الحقيقية هي التي تجلس مع الناس أينما كانوا، تستمع إليهم قبل أن تصف وتفسر وتفترض الحلول، مؤكدة على مركزية الإنصات السوسيولوجي كأداة للتحرر المعرفي.

خاتمة:
أدى اعتماد الباحث في كتابه على المنهج الكيفي وآليات السرد، إلى انغماسه الشديد في سرديات المعاناة والألم على حساب النسق البنائي الشامل، وهو ما قد يُسقط الباحث في فخ الذاتية والتعاطف المفرط، ويضعف المسافة النقدية الموضوعية التي تتطلبها الصرامة السوسيولوجية. كما أن تركيز الباحث على نقد السياسات الحكومية المحلية وسوء توزيع الموارد، جعله يغفل نقد الاقتصاد السياسي الكلي، ودوره في ربط هذه السياسات بالمنظومة الرأسمالية النيوليبرالية العالمية وإملاءات المؤسسات المالية الدولية التي تفرض شروطاً تؤدي لانسحاب الدولة من الرعاية الاجتماعية، وهو أساس العنف الهيكلي. كذلك، فإن اقتصار الباحث في جمع مادته الأساسية على محافظة واحدة (سوهاج)، وادعاء تمثيلها للصعيد، رغم وجود تباينات ديموغرافية واقتصادية كبيرة بين محافظات الصعيد المختلفة، يجعل تعميم نتائجه عرضة للنقد المنهجي.
رغم ذلك، يُعد كتاب (لا أعيش إنما أنا على قيد الحياة) إضافة نوعية هامة للمكتبة السوسيولوجية العربية، خاصة لدراسات الفقر وعلم اجتماع التنمية والنوع الاجتماعي في العالم العربي. وهو بيان سوسيولوجي إنساني يعيد الاعتبار للهوامش الجغرافية والثقافية، ويقدم نموذجاً تطبيقياً فذاً لكيفية تحويل دراسة الحياة اليومية إلى أداة لفهم التحولات البنيوية الكبرى. ولا تكمن أهميته في كشفه للعورات الهيكلية لسياسات التنمية والتوزيع غير العادل للثروة فقط، بل في استعادته للدور الأصيل لعلم الاجتماع كعلم تنويري تحرري ينطق بصوت المهمشين، ويستمد تنظيره من قلب التجربة المعاشة والمعاناة اليومية، وليس عبر إسقاط نظريات غربية جاهزة على واقع محلي مختلف.

إضافة تعليق

Security code تحديث

إرسال التعليق

مفضلات الشهر من علم النفس

مفضلات الشهر من علم الاجتماع