ترجمة وسياسة

في لغة العرب كلمة لا يقابلها في الإنجليزية ما يوفيها حقها: «الغربة». هي أكثر من بُعد جغرافي عن الوطن، وأبعد منه؛ إنها ذلك الشعور المركب المزدوج الذي يجمع بين الحنين إلى مكان تحبه، والإدراك العميق بأنك مضطر إلى مغادرته. إنها أن تحمل وطنك في داخلك، وتتركه خلف ظهرك في الوقت ذاته.
هذه الكلمة وحدها كافية لوصف ما يعيشه ملايين المغاربة كل يوم، في مطارات أوروبا، ومكاتب كندا، ومستشفيات الخليج: يتذكرون أزقة مدينتهم، ورائحة الكسكس يوم الجمعة، ونداء المؤذن فجرًا، وفي الوقت ذاته لا يملكون إجابة عن السؤال الأصعب: لماذا لم يجدوا هناك ما يجعلهم يبقون؟
خمسة ملايين مغربي يقيمون خارج وطنهم. يحولون سنويًا 12.9 مليار دولار إلى المغرب، ما يعادل أكثر من 8% من الناتج الداخلي الإجمالي. و55% من الشباب المغربي بين 18 و29 عامًا يعبرون عن رغبتهم في الهجرة، و91% من خريجي الجامعات يحلمون بمغادرة البلد للبحث عن فرص مهنية في الخارج. ويغادر المغرب سنويًا ثلاثة آلاف وسبعمئة مهندس وطبيب، كل عام، بلا استثناء.
هذه الأرقام تصف نزيفًا بطيئًا، لكنه منهجي، يفرغ المغرب من أثمن ما يملك: شبابه الأكثر تأهيلًا وطموحًا. والسؤال الذي لا يطرحه الخطاب الرسمي بالصراحة اللازمة هو: هل تحولت الهجرة من ظاهرة إنسانية عارضة إلى سياسة اقتصادية ضمنية يستند إليها الاقتصاد المغربي بديلًا عن الإصلاح الهيكلي؟

1- خمسة ملايين: الحجم الحقيقي لـ«المغرب الخارجي»
حين يعلن المغرب بفخر عن «5 ملايين مغربي مقيم بالخارج»، وفق إحصاءات وزارة الخارجية المغربية، تتصادم في الذهن صورتان متناقضتان: صورة النجاح ـ مغاربة ناجحون في أوروبا وأمريكا وكندا والخليج يجسدون انفتاح المغرب على العالم ـ وصورة الفشل ـ خمسة ملايين شخص رأوا في المغادرة الإجابة الوحيدة عن أسئلتهم حول المستقبل.
هذان الوجهان ليسا متعارضين بالضرورة، لكن إغفال الثاني لصالح الأول هو نوع من الخداع الذاتي الجماعي. فالمغتربون المغاربة يتوزعون على طيف واسع: من العمال غير المهرة الذين هاجروا منذ سبعينيات القرن الماضي وأقاموا في ضواحي باريس ومدريد وأمستردام، إلى الأطباء المتخصصين في مستشفيات بلجيكا، والمهندسين في مراكز التكنولوجيا الكندية، والأكاديميين في الجامعات الأمريكية. والمشترك بينهم جميعًا: المغرب لم يحتجزهم.
وقد تطور تركيب هذه الهجرة بشكل مثير للانتباه خلال العقد الأخير؛ فالموجة الجديدة ليست هجرة المضطر الفقير الفار من العوز، إنها هجرة الكفاءة المكوَّنة التي تفاضل بين عروض العمل وتختار. شاب مغربي حاصل على دكتوراه في علوم الكمبيوتر، يبلغ من العمر ثلاثة وعشرين عامًا، يقارن بين راتب قدره 5000 درهم، أي نحو 500 دولار، في المغرب، وعرض بقيمة 5000 يورو في ميونيخ مثلًا، وليس في حاجة إلى وقت كثير لاتخاذ القرار.

بعد قرابة ستة عقود، لا تزال نظرية جون واتربوري حول السياسة الانقساميةsegmented politics/ أكثر راهنية في تفسير آليات اشتغال الحقل السياسي المغربي من كثير من الأطروحات التي جاءت بعدها. فما بين صدور كتابه المرجعي The Commander of the Faithful عام 1970، ونتائج الانتخابات التشريعية لسنة 2026، لم يتغير الجوهر البنيوي للعبة السياسية إلا في التفاصيل والواجهات. فما زالت الأحزاب تتصرف كفصائل متنافسة ذات ولاءات ظرفية ومتغيرة، وما زال التناوب على الصدارة يتم وفق منطق يمنع أي طرف من الهيمنة المستدامة، وما زال الملك يحتفظ بموقع الحكم الأعلىthe supreme arbiter/ الذي يعيد ترتيب التوازنات بعد كل استحقاق انتخابي. 
إن تتبع مسار المقاعد البرلمانية للأحزاب الرئيسية بين 2011 و2026 يكشف بوضوح عن استمرار هذا المنطق الانقسامي. ويتجلى ذلك عند التمييز بين مجموعتين: المجموعة الأولى تضم الأحزاب الأربعة المتنافسة فعليا على الصدارة (التجمع الوطني للأحرار، والأصالة والمعاصرة، والاستقلال، والعدالة والتنمية)، وقد عرفت تقلبات حادة. إذ انتقل حزب العدالة والتنمية من 107 مقاعد سنة 2011 إلى 125 سنة 2016 قبل أن ينهار إلى 13 مقعدا سنة 2021 ثم يستعيد جزئيا 54 مقعدا سنة 2026، بينما صعد حزب الأصالة والمعاصرة من 47 مقعدا إلى 97 مقعدا محتلا الصدارة أخيرا، وعرف التجمع الوطني للأحرار قفزة استثنائية إلى 102 مقعد سنة 2021 قبل أن يتراجع إلى 66، فيما حافظ حزب الاستقلال على حضور مستقر نسبيا تراوح بين 46 و81 مقعدا. أما المجموعة الثانية فتضم الأحزاب الأربعة المكملة (الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، والتقدم والاشتراكية، والحركة الشعبية، والاتحاد الدستوري)، والتي تميزت باستقرار ملحوظ في نتائجها دون قفزات دراماتيكية أو انهيارات كبرى.

VI- مخاطر الذكاء الاصطناعي
1- التحيزات الخوارزمية والديمقراطية

تأثير التحيزات الخوارزمية في الديمقراطية:
تتمثل مخاطر التحيزات الخوارزمية فيما يلي:
- تضخيم التمييز: تنهض الخوارزميات أحيانًا على معطيات قديمة، منحازة انحيازًا قوميًّا أو «طبقيًّا»، مما يدفع القرارات الآلية إلى زيادة تهميش فئات وجماعات إثنية أو ثقافية محددة.
- إضعاف الثقة في الحقل السياسي: يتم إضعاف الثقة في الحقل السياسي وفي العقد الاجتماعي، من خلال إشاعة اختيارات وتصورات وبيانات ومعطيات غير محايدة.
- تآكل الشفافية: تحل «الخوارزمقراطية» (حكم المعادلات الرياضية)، أحيانًا، محل المؤسسات المنتخبة ديمقراطيًا.
- التأثير السلبي في النقاش العمومي: كثيرًا ما تتحول منصات التواصل الاجتماعي إلى حاضنات رقمية للاستقطاب والانقسام الفكري، بدلًا من أن تكون مساحات أو فضاءات للتفاعل والحوار الإيجابيين؛ ومن المحقق أن يضعف أداء الفاعلين الاجتماعيين والسياسيين، وأن تقل جودة النقاش العمومي في هذه الأحياز الرقمية.

التلاعب بالمعلومات والاستقطاب:

تنتشر المعلومات الزائفة والمضللة بسرعة مذهلة، وتسهم الخوارزميات في نشرها على أوسع نطاق. ويسهم التلاعب بالمعلومات في زيادة الاستقطاب واستشراء التنازع بين الفئات الاجتماعية والثقافية والإثنية والسياسية المختلفة داخل المجتمع.
- استخدام خوارزميات التوصية: تستخدم منصات التواصل الاجتماعي خوارزميات التوصية les algorithmes de recommandation؛ وهي تعطي الأولوية، كما هو معلوم، للتفاعل العاطفي.
وباعتبارها أنظمة تحليلية لبيانات السلوك والانشغالات والاهتمامات، فإنها تقترح المحتويات أو المنتجات الرقمية الملائمة للمستخدمين.
- توليد فقاعات التصفية: كثيرًا ما يولد الترويج للمحتويات المثيرة للجدل أو للاستثارة أو للتفاعل العاطفي الحاد فقاعات التصفية les bulles de filtres؛ فمن المعلوم أن الخوارزميات تعرض للمستخدم المعلومات والآراء والتوجهات المتلائمة مع آرائه واهتماماته السابقة، في حالات الانعزال الرقمية المسماة بفقاعات التصفية.

I- تساؤلات واستشرافات
يوفر الذكاء الاصطناعي إمكانات لتصليب الديمقراطية، مثلما يوفر إمكانات لتعديل الأنساق والمعايير السياسية الديمقراطية.
هل يمكن للتطبيق الأخلاقي والمسؤول للتقنيات الذكية أن يمثل إمكانية لتعضيد الديمقراطية؟ هل يمكن هذا التطبيق من تحسين أداء المؤسسات السياسية، مع الحرص على حماية الخصوصية والحريات الفردية؟
كيف يمكن حماية الديمقراطية وتطويرها في عصر هيمنة الخوارزميات؟ كيف يمكن التوسع في تطوير الذكاء الاصطناعي وتعميق التحولات الرقمية، والمحافظة، في ذات الآن، على المبادئ الأساسية للديمقراطية؟
هل يمكن للمواطن، المنذور للبطالة والعطالة والهدر الاجتماعي والوجودي، بعد تعميم الروبوتات الشبيهة بالبشر وأتمتة الوظائف والمهام اليدوية والمعرفية، أن يشارك في تدبير الشأن العام؟ من سيتحكم في القرار السياسي والسياسات التدبيرية في مجتمعات سيفقد فيها الإنسان العادي ريادته الثقافية والسياسية لفائدة تقنيات الذكاء الاصطناعي؟ ما معنى السياسة والمشاركة الديمقراطية في مجتمعات سيتغلب فيها الذكاء الاصطناعي على الذكاء البشري؟ هل يمكن بناء الوعي السياسي على الإيحاءات العاطفية والتعاطف الوجداني، أم لا مناص، في الواقع، من وعي سياسي معزز بوعي تاريخي ورؤية حضارية قوية وموازية للتفاعل الإبداعي والخلاق مع الإشكاليات الفكرية والحضارية المتوقع مواجهتها بعد تطوير الذكاء الاصطناعي وتغيير بنيات الوعي والتدبير والإنتاج وفهم العالم ومعنى الوجود الإنساني؟
لا بد، في الواقع، من مراعاة سمات وتحولات عصر الذكاء الاصطناعي، المتمثلة في: تراجع التعليم الكلاسيكي، والتشكك في قيمة الدبلومات والدراسات العليا، وتغيير آليات الحراك الاجتماعي، واستفحال الاستقطاب الاجتماعي، وتراجع الوضع الاجتماعي والاقتصادي للشرائح السفلى من الطبقة الوسطى، والمراهنة على الأتمتة وتوظيف الذكاء الاصطناعي.

مقدمة
كان يفترض أن يكون التعليم هو الجسر، الجسر الذي يعبر عليه ابن الفقير ليصل إلى ضفة الكفاءة والاستقرار. هكذا رسمته الدولة في خطابها الرسمي منذ الاستقلال، وهكذا آمن به الملايين من الآباء والأولياء الذين قضوا سنوات في بناء هذا الجسر شهادة شهادة، وأجرة مدرسة خاصة دفعها من لقمة أسرته.

لكن ماذا يحدث حين يُنجَز الجسر ويُكتشف أنه لا يوصل إلى أي ضفة؟ هذا ما تقوله الأرقام بين السطور:

  • بطالة تبلغ 19.6% في صفوف حاملي الشهادات العليا.
  • تلاميذ يحتلون المرتبة 79 من 81 دولة في القراءة وفق برنامج PISA.
  • أسر تنفق ما لا تملك على مدارس خاصة هرباً من تعليم عمومي لا تثق فيه.
    أما المفارقة القاتلة فهي أن البلد ينفق على التعليم ما يعادل 6.02% من ناتجه الداخلي الإجمالي -أي أكثر من المعدل العالمي- ويحصد نتائج في حضيض السلم الدولي. فهل المشكلة في حجم الإنفاق أم في طبيعة ما يُشترى به؟

I - ميزانية ضخمة بمردود هزيل

حين يقف وزير التربية الوطنية أمام البرلمان ليعلن أن ميزانية القطاع لسنة 2024 بلغت 74 مليار درهم - بزيادة تناهز 7% عن السنة السابقة - فإن الرقم يبدو مبهجاً للوهلة الأولى. لكن الانتباه يستوجب قراءة تشريحية للرقم: من بين هذه الـ 74 مليار درهم، يذهب 56 ملياراً إلى كتلة الأجور وحدها، أي ما يعادل 75.7% من الميزانية الإجمالية. وهذا يعني أن الجزء المتبقي للبنية التحتية والتجديد البيداغوجي والتجهيزات لا يتجاوز ربع الميزانية.

تشير بيانات البنك الدولي إلى أن المغرب يخصص 6.02% من ناتجه الداخلي الإجمالي للتعليم (2023)، وهو رقم يتجاوز المعدل العالمي البالغ 4.40% وفق المصدر ذاته. علاوة على ذلك، يمثل الإنفاق على التعليم نحو 23.28% من مجموع الإنفاق الحكومي (2024). بمعنى أن تقريباً ربع إنفاق الدولة كلها يذهب إلى التعليم.

أمام هذه الأرقام، يصبح السؤال محرجاً للغاية: إذا كنا ننفق هذا القدر، فأين يذهب المردود؟ وقد أجابت دراسة صادرة عن صندوق النقد الدولي بصراحة علمية نادرة، إذ كشفت أن "المغرب يحتل المرتبة الثالثة عالمياً من حيث الفجوة بين الإنفاق الفعلي على التعليم والنتائج المتوقعة بناءً على هذا الإنفاق"، أي أن هامش الهدر الإداري والبيداغوجي هو - في جزء كبير منه - ما يبتلع هذه الأموال.

بحسب صندوق النقد الدولي، المغرب يمكنه تحقيق تحسن ملموس في نتائج التعلم عبر إصلاحات تعزز كفاءة الإنفاق العمومي في التعليم، دون الحاجة بالضرورة إلى رفع حجم الميزانية. (صندوق النقد الدولي، "Morocco's Quest for Stronger and Inclusive Growth"، الفصل 11)

هذا التشخيص يضع الإصبع على الجرح الحقيقي: ليست المشكلة في قلة الموارد، المشكلة في أسلوب توزيعها وتوظيفها. دولة تنفق ربع ميزانيتها على قطاع لا ينتج الكفاءات التي يحتاجها اقتصادها تعاني من خلل هيكلي في الحوكمة التعليمية.

     هناك أدبٌ يكتب عن الديكتاتورية بوصفها موضوعًا سياسيًّا، ثم تنتهي الحكاية. وهناك أدبٌ آخَر يفعل شيئًا أكثر قسوة وأعمق أثرًا، يَجعل القارئ يكتشف أن الديكتاتورية تتسلل ببطء إلى اللغةِ، والذاكرةِ، وطريقةِ الأم في النظر إلى ابنها، وارتباكِ الأب وهو يتحدث، والصمتِ الذي يسبق جُملة عادية في غرفة مغلقة.
     في هذا النوع الثاني من الأدب يمكن أن نضع، مِن موقعَيْن مختلفين تمامًا، تجربة الروائي الليبي البريطاني هشام مطر ( وُلد 1970) ، وتجربة الروائي الألباني إسماعيل كاداريه ( 1936_ 2024 ). كلاهما جاء من بلدٍ عاش تحت نظام سُلطوي طويل، وكلاهما عَرَفَ بصورة مباشرة أو غير مباشرة، كيف يمكن للسياسة أن تتجاوز حدود الدولة لتصبح جزءًا من المصير الشخصي.
     لكن التشابه بينهما لا يعني التطابق، فلكلِّ واحد منهما طريقته الخاصة في الاقتراب من الوحش. يقترب مطر منه عبر الجرح الشخصي، والغياب، والذاكرة، والعائلة، والحُب، وتلك المسافة الموجعة بين الإنسان وما يمكن أن تكون عليه حياته لو لم تتدخل السُّلطة في مصيره. بينما كاداريه يقترب منه عبر الأسطورة والتاريخ والسخرية والرمز والمتاهة.
     وهُنا تحديدًا تكمن قوة المفارقة بينهما، ليس لأنهما يقولون الشيءَ نفسه، وإنما لأنَّ كُلَّ واحد منهما يكشف جانبًا من الشيء الذي يصعب الإمساك به كاملًا.
     مطر يراقب النظامَ الشمولي وهو يدخل إلى البَيْت، ويجلس إلى المائدة، ويأخذ الأبَ بعيدًا، ثم يترك الابن سنوات طويلة وهو يحاول أن يفهم كيف يمكن لإنسان أن يختفي، وكيف يمكن للغياب أن يصبح حضورًا يوميًّا أكثر كثافة من حضور الأحياء. وكاداريه يراقبه وهو يتحول إلى مناخ عام يملأ البلاد حتى يصبح من الصعب التمييز بين الجدار والظل.
     إنَّ الديكتاتورية، في الرواية الأدبية الحقيقية، لا تكون شخصية سياسية فحسب. إنها شخصية خفيَّة، قد لا تظهر على الصفحة،لكنها تُحرِّك أشياء كثيرة من خلف الستار، وتجعل الناسَ يحسبون الكلمات قبل نطقها، وتجعل الصداقة محفوفة بالشك، والحُب مُعَرَّضًا للتأويل، والذاكرة موضع اتهام.
     وفي الأنظمة الشمولية لا يكفي أن يخاف الفردُ من السُّلطة، المطلوب أن يتعلَّم كيف يخاف من نفسه، وذاكرته، والجملةِ التي كادت تخرج من فمه ثم ابتلعها. وهذا تحديدًا ما يجعل الأدب قادرًا على تفكيك الاستبداد بطريقة لا تستطيع التقارير السياسية أن تفعلها.

مشهد قصر الشعب، نهاية تجربة وبداية سؤال
في الخامس والعشرين من آب/أغسطس 2026، أعلن مظلوم عبدي من قصر الشعب في دمشق انتهاء مهمة قوات سوريا الديمقراطية «قسد» وحلها كقوة عسكرية مستقلة، إلى جانب حل الإدارة الذاتية والتشكيلات العسكرية والمدنية التابعة لها واندماجها في مؤسسات الدولة السورية. جاء الإعلان بعد العملية العسكرية الواسعة التي شنتها القوات الحكومية في كانون الثاني/يناير 2026، والتي أدت إلى خسارة «قسد» مساحات واسعة من مناطق نفوذها، ومهدت لمسار تفاوضي انتهى باتفاق على دمج قواتها ومؤسساتها ضمن الدولة السورية.
وأرى أن ذلك أمر إيجابي، لأنه يقلل احتمالات اندلاع حروب قومية مدمرة، يكون العمال والكادحون من مختلف القوميات أول ضحاياها. وعلى الرغم من أن الاتفاقات المتتالية، من آذار/مارس 2025 إلى الاتفاق الشامل في كانون الثاني/يناير 2026، وصولاً إلى إعلان الحل، قللت احتمالات الحرب وجنبت جماهير المنطقة مزيداً من الدمار، فإنها لم تتضمن أي بنود بشأن القضايا التي نناضل من أجلها كقوى يسارية وتقدمية، مثل حقوق المرأة، وعلمانية الدولة، ووقف الخصخصة، وحماية القطاع العام، وضمان حقوق شغيلات وشغيلة اليد والفكر، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وإجراء انتخابات ديمقراطية لجميع المسؤولين.
نموذج «قسد» الذي قدمه جزء واسع من اليسار الكردي والعالمي طوال سنوات بوصفه ثورة يسارية اجتماعية ونسوية وديمقراطية قاعدية، انتهى بقرار فوقي أعلن من قصر رئاسي في دمشق، دون استفتاء شعبي أو قرار معلن من المجالس والكومونات التي قدمتها «قسد» للعالم بوصفها صاحبة السيادة الفعلية فيما سمي بـ«الإدارة الذاتية» المستندة إلى سلطة الجماهير!، والولايات المتحدة، التي كانت الداعم العسكري والسياسي الأساسي لـ«قسد»، والتي انخرطت في الوقت نفسه في دعم المسار السياسي والعسكري للسلطة الجديدة في دمشق، كانت طرفاً أساسياً في تحديد مسار الحرب ثم مسار الحل، وهذا وحده يكشف أين كان يتموضع القرار طوال الوقت، وحدود الرهان على القوى الإمبريالية الكبرى.

مقدمة
حين تقرأ بيانات البنك الدولي عن المغرب، تظن للوهلة الأولى أنك أمام نموذج ناجح: نمو اقتصادي بلغ 3.8% سنة 2024، ومن المتوقع أن يتجاوز 4.7% في 2025، ميناء طنجة المتوسط الأكبر على ضفاف البحر الأبيض المتوسط، صناعات سيارات وطائرات تستقطب عواصم الاستثمار الأجنبي، وطاقة متجددة تتصدر المشهد العالمي. ثم تغلق التقرير وتخرج إلى الشارع.
تخرج إلى شارع حيث شاب جامعي يبيع الخضر بجانب أبيه على الرصيف أو عند باب جامع في حي شعبي، وامرأة في الخمسين لم تدخل سوق الشغل قط، وخريج هندسة ينتظر منذ ثلاث سنوات وظيفة لا تأتي، والرقم الرسمي للبطالة الذي تُعلنه الحكومة - 13% - لا يعكس ما تراه عيناك في مقاهي الدار البيضاء وفاس ومراكش. ثمة شيء ما لا تقوله الأرقام. أو بالأحرى: ثمة شيء تقوله الأرقام بشرط أن تحسن قراءتها.
I- أرقام تغش بعضها
لنبدأ من أكثر ما يُستشهد به: معدل النمو الاقتصادي. يُعلن المسؤولون بفخر عن نسب نمو الناتج المحلي الإجمالي، كأنها الدليل القاطع على أن المغرب يسير في الاتجاه الصحيح. غير أن معدل النمو - في حد ذاته حسبما يعكسه الشارع- لا يخبرك بشيء دون أن تسأل: نمو لمن؟ ونمو أين؟
حين تقرأ أن معدل الفقر انخفض إلى 3.9% سنة 2022 وفق البنك الدولي، يبدو الرقم مبشرا. لكن وراء هذا الرقم حقيقة صارخة:
- معامل "جيني" للاختلال في توزيع الثروة في المغرب يبلغ نحو 40.5 وفق البنك الدولي، وهو مؤشر يكشف أن التفاوت بين الأثرياء والفقراء ظل مرتفعا وثابتا حتى في سنوات النمو.
- نصيب الفرد من الناتج المحلي لم يتجاوز 3,672 دولار سنة 2023، مما يبقي المغرب عالقا في "فخ الدخل المتوسط" الذي حذرت منه دراسات مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي.
- ثلاثة أرباع السكان النشيطين يتمركزون في خمس جهات فقط، مما يعني أن النمو نفسه يتمركز جغرافيا بدل أن يتوزع.
إن النمو الاقتصادي في المغرب يشبه إلى حد ما "تلك الكعكة التي يتوسع حجمها دون أن تتسع شرائحها". عبارة لا تتبناها منظمة دولية فحسب، إذ هي خلاصة ما رصده تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OCDE) في مسحه الاقتصادي للمغرب سنة 2024، حين لاحظ أن الاستثمار الأجنبي المباشر كان قويا، لكن الاستثمار المحلي الخاص ظل هشا، وأن الشركات المغربية تواجه عقبات هيكلية تحول دون مشاركتها الفاعلة في منظومة النمو، وأبعد من ذلك فكم من مقاولة صغرى أعلنت إفلاسها، بحيث تفيد المعطيات والتقارير الصادرة عن الهيئات المهنية ومكاتب الدراسات المالية في المغرب بأن قطاع الأعمال شهد موجة إفلاس قياسي طال النسيج المقاولاتي، نتيجة تضافر عدة عوامل اقتصادية ضاغطة، أبرزها مستويات التضخم المرتفعة، وغلاء المواد الأولية، وشح التمويل.

تمهيد: أزمة المناهج التقليدية في زمن الخوارزميات
من الصعب خوض معركة التحرر الاشتراكي في القرن الحادي والعشرين بأدوات القرن الماضي. ففي زمن تهيمن فيه الخوارزميات، ويتسع فيه تأثير الرقمنة والذكاء الاصطناعي على الإعلام والثقافة والتعليم والعمل والحياة اليومية، وتصاغ السياسات والاستراتيجيات الاقتصادية عبر تحليل البيانات الضخمة وحوسبة القرار السياسي والاقتصادي، يجد اليسار نفسه أمام تساؤل وجودي: كيف يمكن لحركات ما زالت تعمل وتنظم نفسها بمنطق تقليدي أن تصمد أمام رأسمالية رقمية بلغت من التقدم التكنولوجي حداً غير مسبوق؟
إن استمرار التنظيمات اليسارية في الاعتماد على أساليب تقليدية في الخطاب والتنظيم والعمل يضعها أمام تحدٍ كبير في مواجهتها مع الرأسمالية. فنحن نواجه خصماً يمتلك ترسانة متطورة من الأدوات الرقمية والاقتصادية والسياسية والعسكرية والإعلامية، ويتطور على مدار الدقيقة في كافة المجالات، ويتكيف مع أزماته رغم عمقها، ويتحالف طبقياً مع بعضه رغم الصراعات بين كتله، في حين لا يزال جزء غير قليل من اليسار يعتمد على منهجيات ووسائل قديمة لم تعد تواكب متطلبات هذه المواجهة المتجددة. وهذا ما نشهده اليوم على أرض الواقع، وهو ما يجعل الحاجة إلى تطويرها وتجديدها أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.
وفي مقالات سابقة، عبرت عن هذه الفجوة الرقمية الكبيرة بتشبيه الفيل والنملة. غير أنه بعد هذا التطور المتسارع والهائل الذي بلغته الرأسمالية الرقمية، وفي ظل محدودية البدائل الرقمية اليسارية والتقدمية المؤثرة، وبحكم عملي المهني في مجالات الخوارزميات والحوكمة الرقمية، أرى أن هذه الفجوة قد اتسعت الآن لتصبح بين النملة والديناصور. إنه واقع صعب ومر لا بد أن نقر به بصراحة، لكي نبدأ من هذا الإقرار في التفكير الجاد بالبدائل الممكنة.

السيميائيات (أو السيميولوجيا) هي دراسة العلامات والعمليات التأويلية. توجد إذن صلات وثيقة بين السيميائيات والهيرمينوطيقا، كما أشار إلى ذلك أومبرتو إيكو (1988)، على اعتبار أن «شيئاً ما لا يعتبر علامة إلا لأنه خضع للتأويل كعلامة دالة على شيء ما من طرف مؤول معين» (موريس Morris، 1938). ومع ذلك، فإن السيميائيات المعاصرة قد تطورت بصفة عامة، وفي الواقع، بشكل مستقل عن الهيرمينوطيقا؛ فقد أرادت لنفسها أن تكون أساساً لنظرية في تصنيف العلامات، وتحليلاً للشفرات، والأنحاء، والأنساق، والأعراف، إلخ، أكثر مما تكون نظريّة للتأويل. ولم يتم الالتفات إلى مشاكل التأويل إلا في الآونة الأخيرة، وبشكل موسع إلى مجال تداولية العلامات (كما هو الشأن مع إيكو، 1985). ومع ذلك، وعلى اعتبار أن هذا التحول في الاهتمام حدث بشكل مشترك بين أغلب التخصصات ما بعد البنيوية، وعلى اعتبار أن السيميائيات المعاصرة قد شكلت دائماً ظاهرة كونية متأثرة بالعوامل النظرية الخارجية، فإن من الصعب في الوقت الراهن الحكم على نتائجها على المدى الطويل. ونتيجة لذلك، فإن السيميائيات التي نتناولها هنا هي أساساً نظرية للعلامات.
إن التفكير في العلامات ليس نشاطاً حديث العهد، رغم أن العلامات اللفظية، وبحكم أهميتها في التواصل الإنساني، قد تداخلت زمناً طويلاً مع التفكير في اللغة. وهكذا، فإن هناك نظرية سيميائية ضمنية في البحوث اللسانية التقليدية، في الصين كما في الهند، وفي اليونان أو في روما. وسيكون من غير المجدي محاولة البحث عن الأصل التاريخي للسيميائيات عند كاتب محدد، رغم أن العادة تنسب هذا الامتياز للقديس أوغسطين، خاصة بسبب تمييزه بين العلامات الطبيعية والعلامات الاتفاقية، وكذا بين وظيفتها عند الحيوان وعند الإنسان (في كتاب العقيدة المسيحية). إلا أن الرواقيين قد أولوا من قبل اهتماماً كبيراً لهذه القضايا، وفي الواقع يجب أن نعود على الأقل إلى أفلاطون وأرسطو. وقد ساهم التفكير القديم بعد ذلك في إغناء العصر الوسيط، حيث قام أصحاب نظرية النحو التأملي (Modistes) على الخصوص بصياغة أفكار حول اللغة ذات حمولة سيميائية.
وفي سنة 1632، نشر الفيلسوف الإسباني ج. بوانسو (J. Poinsot) رسالة في العلامات (الذي أدرج ضمن القسم الثاني من كتابه فن المنطق حيث يعرض ما يعتبر دون شك أول نظرية عامة للعلامات): في هذا النص يناقش العلاقة بين التمثيل والدلالة، على اعتبار أن خصوصية علاقة الدلالة تكمن في أن العلامة لا تكون أبداً علامة على ذاتها، بينما الشيء يمكن أن يمثل ذاته. ونتيجة لذلك، لم تعد العلامة في حاجة لأن تكون شيئاً محسوساً، كما عند القديس أوغسطين؛ إنها تحدد فقط من خلال كونها بديلاً ينوب عن شيء آخر، وهو تعريف يتيح إمكانية وضع سيميائيات عامة تدمج كذلك الأفكار الذهنية (ديلي Deely، 1982). ويجب أن ننتظر مجيء لوك لنشهد بروز اسم السيميائيات نفسه، بمعناه كـ«معرفة بالعلامات» تشمل في الآن نفسه «الأفكار» الذهنية والعلامات المستخدمة في التواصل بين الناس (مقالات فلسفية تهم الفهم البشري) – وهذا التوسيع لا يخلو من مشاكل، لأنه لا يعفينا من التمييز بين حالات القصد (الأفكار) والتمظهرات الحسية لهذه الحالات (العلامات بالمعنى الأوغسطيني للكلمة).

يحمل لفظ «التأويل» (interprétation) تعددًا ملحوظًا للمعنى؛ فهو يشير، لو اقتصرنا على المجال الفني، إلى أداء الممثل أو الفنان أو الراقص أو الموسيقي فيما يتعلق بمادة المشهد الحي، مثلما يشير إلى «الدلالة» التي يسندها القراء أو المشاهدون إلى عمل ما. وسأهتم هنا بهذا المعنى الثاني.

يجب أن تكون لنا القدرة على التفريق بين تأويلات عادية (interprétations profanes)، مثل التي يكتشفها التقصي الميداني، وتأويلات عالمة (interprétations savantes)، وهي التي تولدها نصوص مطبوعة في المجلات المختصة أو في الكتب. فإذا كانت التأويلات الأولى (العادية)، وغير المعروفة كثيرًا، تستحق فعلًا عناية سوسيولوجية أو أنثروبولوجية، فإن الثانية (العالمة) تمثل جزءًا من الثقافة المشتركة لكل شخص مثقف. نحمل في ذاكرتنا جميعًا، حتى لا نضرب أمثلة معروفة، تحليل ميشيل فوكو، في مجال الرسم، «الوصيفات» لدييغو فيلاثكيث، أو، في مجال الأدب، تحليل بيير بورديو «للتربية العاطفية» لفلوبير، أو أيضًا، بشكل أكثر عمقًا، مختلف التأويلات السوسيولوجية لأثر بروست، بل تأويلات تأويلاته هو. ولن أهتم، مع ذلك، في الإطار المختصر لهذا المقال، بمؤلفي التأويل، ولا أكثر بمضامين التأويل، التي نميل غالبًا إلى التركيز عليها، دون أن يعني هذا عدم أهمية هذه الإشكالية. فقد اقترحت، في موضع آخر، بأن ما يطرحه مختلف أصناف المؤولين من تأويلات، عالمة أو عادية، يختلف بحسب أفقها المرجعي، كونها لامتجانسة أكثر أو أقل (حينما يتعلق المرجع المثار بالمجتمع أو بالحياة المعيشة)، أو مستقلة (حينما يحيل المرجع إلى الفن، والأفضل من ذلك، إلى نوع مخصوص).(2) يتحكم هذا التنوع في درجة خارجية المرجع أو داخليته، في كل تقييد لدلالة عمل، وفي كل ضروب التأويل، منذ الشرح والتفسير والتأويل، في التقليد اللاهوتي، إلى حد التفسير ذي المقصد العلمي.(3) لكن ليس هذا ما يشغلني هنا. إذ، أيًّا كان الأفق المرجعي لمختلف أنماط النشاطات التأويلية، فهناك قاسم مشترك بينها، وهو فعل شيء ما بموجب عملية إعلان النشاطات التأويلية عن نفسها، بمعزل عن محتواها ومرجعها ومؤلفها. سأركز إذن اهتمامي هنا، باختصار شديد، على الوظائف التي يضطلع بها تأويل أثر فني، وفق إشكالية تندرج ضمن المنظور الذي دشنه علم الاجتماع البراجماتي، خيارًا بديلًا للآثار الملموسة للأفعال، تلك التي لا تصنع سوى أفعال خطاب. ولا يتعلق الأمر هنا بملاحظة عينية لآثار هذا التأويل، بل بأن نرسم فحسب، في مرحلة أولية، تصنيفًا لوظائف النشاط التأويلي. وسيحملنا هذا على ملاحظة تعاقب ثلاثة أنماط من التأويل، سنوضحها بأمثلة استعرناها من تاريخ الرسم الغربي، ومن تاريخ الفن الحديث، وعلم اجتماع الفن، والفن المعاصر. لكن، قبل إثارة ما يجعل النشاط التأويلي ممكنًا، يجدر بنا تدقيق ما يجعل النشاط التأويلي ذاته ممكنًا.

" أودّ أن أحدثكم، هذا المساء عن موضوع عام جدّا: ما معنى فهم فيلسوف؟ يتطلب كل نوع من أنواع عمل الفكر فهما مخصوصا. ومن الواضح مثلا، أنّنا لا نفهم قصيدا شعريا مثلما نفهم لحنا لآلة مفردة، وأنّنا لا نفهم هذا اللحن مثلما نفهم لوحة، أو قاعدة رياضية. أقترح عليكم إذن تقديم بعض التأملات حول السمات الخاصّة لفهم الفلاسفة. علينا أن نلاحظ أولا أنّ عملا فلسفيا هو عمل للّغة، وللغة التعبيرية. قد يبدو هذا بَدَهًّيا، لكنه ليس كذلك تماما. لنفكّر مثلا، في أنّ قصيدة شعرية ليس لها من هدف سوى نقل حقيقة موجودة قبلها. يمكننا فعلا القبول بأن اللغة الشعرية تخلق، إن جاز القول، في روح القارئ، الحالة التي يستلهمها. وعلى العكس، لا أحد يضعه موضع شكّ، إذا ما كتبنا عملا فلسفيا، فذاك لأنّنا نريد التعبير وأن ننقل للقارئ حقيقة معينة، سابقة للعمل ذاته. من الضروريّ إذن، أمام العمل الفلسفي، تجاوز هذا العمل نحو هذه الحقيقة. لأجل ذلك يُطرح مشكلنا بالسؤال: أيّ نوع من الحقيقة يمكننا العثور عليه، أو أيّ نوع من الحقيقة يجب البحث عنه في أثر فلسفي، أو انطلاقا من أثر فلسفيّ؟
أعتقد أنّ هذا السؤال ليس عديم الأهمية. وإذا لم نتوصّل غالبا إلى فهم بعض الأعمال، فذاك لأنّنا لا نتساءل عن أيّ حقيقة تزعم هذه الأعمال نقلها أو إثارتها. يبدو أنّ الشعر، من هذا الجانب، موضوع سوء فهم مستمرّ. فالناس حينما يقفون أمام قصيدة لا يفهمونها، ولا يعرفون غالبا ما معنى قصيدة، وما تعني اللغة الخاصّة للقصيدة ويبحثون في اللغة الشعرية عن شيء آخر غير ما تحويه. ليس من اللازم أن يوجد سوء فهم مماثل في الفلسفة: يستوجب إذن معرفة أيّ نوع من الحقيقة يزعم أثر فلسفي التعبير عنه. بيد أنه، حينما، نكون قد تحدثنا مع شخص ما، وسمعناه، أجبناه: " مثلما فهمتني جيدا"، يمكننا أن نعني بهذا عدّة أشياء، التعبير عن عدّة أفكار مختلفة. يوجد مثلا: " فهمتني جيّدا" لرجل العلم، للرياضي. فذاك يعني بالتأكيد :" لقد فهمتَ ما أردتُ قوله". يتعلّق الفهم هنا بالحقيقة المعبّر عنها. أن نقول :" قد فهمتني" هو أن نقول:" لقد فهمت منطق الاستنتاج، وأدركت دقّة القانون". يوجد أيضا " لقد فهمت " التي للمرأة، وغير المفهومة إلى حدّ الآن. لستُ بحاجة أن أقول لك بأنه ليس نفس الشيء. بما أنّ، ما يجب فهمه هنا، ليس حقيقة لاشخصية بل الكائن ذاته هو الذي على المحكّ، أناه الخاص، بسيكولوجيته. وما يجب بالتالي أن نتساءل عنه أولا، في أيّ من هذين المعنيين ( وسنرى أنه لا في هذا ولا في ذاك)، يجب فهم فيلسوف، هل كما نفهم رياضيا أو كما يريد كائن بشري التعبير عن حالة وجدانية شخصية.

تتطلّعُ قراءة الآخر، بوجه عامّ، إلى تقليص هامش الخواء المعرفيّ، وهو دورٌ منوط عادةً بعهدة الترجمة في جانب كبير منه، من خلال ما توفِّره من معارف وما تجليه من حقائق عن الآخر، درءًا لسوء الفهم وتمتينًا لعرى التواصل بين الثقافات. وضمن هذا الدور الجليل للترجمة، يأْتي الاطّلاعُ على الآداب الأجنبية في مقدّمة المواد المعرفية المحبَّذة. لذا يحرص عمل الترجمة الثقافية في الزمن الحديث على الانشغال بالأعمال الأدبية أكثر من الانشغال بالأعمال الفكرية والمؤلَّفات العلمية، وذلك ليُسْر نقل تلك الأعمال دون تعقيدات كبيرة، تمليها الترجمة المعرفية أحيانا، ولسرعة رواج الترجمة الأدبيّة في أوساط جمهور القرّاء. وعلى سبيل المثال ثمانين بالمئة ممّا نَقله العرب من اللغة الإيطالية يندرج ضمن التصنيف الأدبيّ، والباقي هي أعمال في الفنّ والمسرح ودراسات في العلوم الإنسانية والاجتماعية، من مجموع عامّ يبلغ 450 عملًا مترجَمًا.

مغامرة الترجمة المبكّرة

في مرحلة سابقةٍ مثَّلَ اِكتشافُ الآخر أحدَ المغريات القويّة للعرب إبّان مسيرتهم الحضارية الفاعلة. لم يكن الاكتشاف مجرّد اطّلاعٍ على تجربة الآخر، وإنّما قراءة متأمِّلة في مدى إسهامه في المسار الكونيّ. من هذا الباب عَوّلَ رواد الحضارة العربية، إبان فترتيْ حكم بني أميّة وبني العباس, على استجلاب ما لدى الأمم الأخرى من إنجازات معرفية وعلمية وتجارب عملية. ومنذ فترة مبكِّرة تنبّهَ العرب إلى أهمية الترجمة وجدواها، فقد أنفَقَ الخليفة الأمويّ المعزول خالد بن يزيد (توفّي حوالي 709م) من ماله الخاص لترجمة الأعمال اليونانية. وبات هذا الانشغال بالترجمة تقليدًا منذ الجهد المبذول لأبي جعفر المنصور (توفّي سنة 775م) في زمن الدولة العباسية. صحيح كان العرب على إيمان كبير بمخزونهم الروحي حينها، ولكنّهم كانوا أيضًا على يقين من حاجتهم إلى معارف الآخر وعلومه في شتى المجالات، وهو ما حَثّهم على استلهامِ تجربة الآخر واستجلابِها إلى حواضر بلاد الإسلام.

كانت الرؤية العامّة السائدة لدى العرب، تجاه الآخر، محكومةً بنظرة عَمَليّة بالأساس في فرز مخزونه الحضاريّ. ونقصد بالنظرة العمليّة للآخر التغاضي تقريبًا عمّا لديه من معتقدات وفهْمٍ للكون، والانشغال بعلومه ومعارفه وإنجازاته العلمية والحضارية. وقد أتت ترجمةُ الأعمال الفلسفية اليونانية ضمن هذه السياق، بوصف أعمال الفلاسفة القدماء لا تندرجُ ضمن معتقدات الشعوب، وإنّما تندرج ضمن البحث الأصيل عن تقديم إجاباتٍ عقلية لمعضلات الوجود. ولذلك لم يخلط التراجِمة الأوائل، ممن استجلَبوا المعارف من الهند وفارس وبلاد الإغريق، بين الأعمال العقلية الصرفة والأعمال الأسطورية والعَقَدية، التي عبّرت عنها ملاحم مثل "الإلياذة والأوديسة" في بلاد الإغريق أو "الشاهنامة" للفردوسي في بلاد فارس، وأهملوا ترجمتها ونقلها. فقد أورد غ. ستروهماير في "دائرة المعارف الإسلامية"، في معرض حديثه عن حُنين بن إسحاق أنه كان يلجأ في ترجماته إلى إسقاط الحديث عن المعتقدات الوثنية والآلهة، وهو تقليد لم يبتكره الرجل، وإنما دأبَ عليه معاصروه.

«ياموسوكرو، كوت ديفوار، 1995». اجتمع في قاعة المحاضرات في «دار السلام» عشراتٌ من الفلاسفة الأفارقة. كان الحدث نادرًا: فرانكفونيون وأنغلوفونيون مجتمعون، وآتون من مالي أو كينيا، ومن بنين أو الكونغو، ومن السنغال أو إفريقيا الجنوبية. لم أكن من بينهم بالصدفة؛ كنتُ في ذلك العهد مستشارًا لمدير اليونسكو في الفلسفة، وكانت مهمتي تنظيم لقاءات في مختلف بلدان العالم في إطار برنامج «الفلسفة والديمقراطية في العالم» الذي كنت مسؤولًا عنه. وطيلة عامٍ ونصف عملتُ، بالتعاون الواسع مع ثلاثة فلاسفة أفارقة: بولان هونتوندجي (Paulin Hountondji)، وجان-غودفروي بيديما (Jean-Godefroy Bidima)، وسليمان بشير دياغنو (Souleymane Bachir Diagne)، ولكل واحد منهم مؤلفاتٌ مهمة عن الفلسفة في إفريقيا، على صياغة برامج لهذا اللقاء.
لا أعرف شيئًا—أو تقريبًا ما زلتُ في البداية—عن فلاسفة إفريقيا، وقد تعلمتُ، شيئًا فشيئًا، كيف أحددهم. وما شدّني طيلة هذه الأيام من العرض والنقاش النشيط هو النوعية المتميزة للمداخلات؛ فجميعها تقريبًا متينة ودقيقة جدًا. كلٌّ يحمل أفقَ تحليلٍ جديد، ويضيف عناصرَ مهمة. وليس الأمر على هذه الحال دومًا، وهذا أقل ما يمكن قوله، في اللقاءات الدولية الكبرى. لقد اكتشفتُ إذن، بصورة جلية وبديهية، حيوية التفكير الفلسفي المعاصر في إفريقيا.
فممثلوه نادرون جدًا؛ يستندون إلى الفلسفة التحليلية أو الفينومينولوجية، وهم ما بعد-ماركسيين أو ما بعد-فرويديّين، وقرّاء لفيدغنشتاين أو فوكو، ولحَنّة آرنت أو دريدا. وتندرج تحليلاتهم في تيار هابرماس وريكور أو فرانز فانون… جميعهم قرؤوا كثيرًا وتأملوا بحقّ، وهم يعرفون كيف يبتكرون مساراتهم الخاصة. ويتساءلون عن وسائل توظيف أدواتهم النظرية في إيضاح المسائل الخاصة بإفريقيا اليوم، وفي فهم معضلاتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية، حتى لو أدى الأمر—وهذا بديهي—إلى تغيير الأدوات المفهومية أو نحتِ أُخَرَ.
يوجد إذن بالفعل فلاسفة في إفريقيا، غير معروفين غالبًا. وعلى وجه العموم مقروءون قليلًا، وقد نُشرت كتبهم بشكل سيّئ. غير أنهم واضحون، نشطون، ودقيقون. هذا ما اكتشفته، بغبطة، في تلك السنة التي أضحت بعيدة.

مقدمة
"الترجمة هي إحداث تأثيرات مماثلة بوسائل مختلفة" بول فاليري
تُعتبر الترجمة الفلسفية مجالًا معقدًا يتجاوز مجرد نقل النصوص الفلسفية من لغة إلى أخرى، إذ تتطلب فهمًا عميقًا للسياقات الثقافية، اللغوية، والمفاهيمية التي تشكل الأفكار الفلسفية. أما فلسفة الترجمة فهي التأمل النظري في طبيعة الترجمة، أهدافها، وتحدياتها، مع التركيز على كيفية تأثير اللغة على إنتاج المعرفة ونقلها. تهدف هذه الدراسة إلى تقديم تحليل معمق للترجمة الفلسفية وفلسفة الترجمة من خلال مقاربة استراتيجية ترتكز على استكشاف التحديات الإبستيمولوجية، اللغوية، والثقافية، مع اقتراح استراتيجيات للتعامل مع هذه التحديات. سيتم تناول الموضوع عبر أربعة محاور رئيسية: (1) تعريف الترجمة الفلسفية وفلسفة الترجمة، (2) التحديات الإبستيمولوجية واللغوية، (3) السياقات الثقافية والتاريخية، و(4) استراتيجيات الترجمة الفلسفية. فكيف تستفيد الترجمة الفلسفية من فلسفة ترجمة؟

 تعريف الترجمة الفلسفية وفلسفة الترجمة

"يتعين على المترجم الفلسفي أن يواجه صعوبة في جعل النص الأصلي مفهومًا دون تشويهه، مع السعي إلى الحفاظ على ثراء المفاهيم والفروق الدقيقة."

 الترجمة الفلسفية

الترجمة الفلسفية هي عملية نقل النصوص الفلسفية من لغة مصدر إلى لغة هدف، مع الحفاظ على الدقة المفاهيمية والسياق الفكري للنص الأصلي. تختلف الترجمة الفلسفية عن الترجمة الأدبية أو التقنية بسبب طبيعة النصوص الفلسفية التي تتسم بالتجريد، الغموض المقصود أحيانًا، والاعتماد على مفاهيم ثقافية ولغوية محددة. على سبيل المثال، ترجمة مصطلحات مثل "Dasein" عند هيدغر أو "ἐπιστήμη" (episteme) عند أرسطو تتطلب فهمًا عميقًا للسياق الفلسفي واللغوي.

«لا يُصغي الطلبة جيّداً إلى أساتذتهم إلاّ إذا كانوا لهم أيضاً مُعلّمين.» (جيل دولوز)
مساكين هذه الأجيال التي بلا "معلّمين". فأساتذتنا ليسوا مجرّد أساتذة عموميين، رغم حاجتنا الملحّة إلى الأساتذة. ففي اللحظة التي نبلغ فيها سنّ الرشد، يكون معلّمونا أولئك الذين يلفتون انتباهنا إلى جدةٍ جذرية، أولئك الذين يعرفون كيف يبتكرون تقنية فنية أو أدبية، ويجدون طرائق تفكير تناسب حداثتنا، أي صعوباتنا كما تناسب طموحاتنا المعبَّر عنها.
نحن نعلم أنه لا قيمة للفن، بل حتى للحقيقة، إلاّ في «الاستخدام الأوّل»؛ في أصالة ما نقوله من جديد، في «الموسيقى الصغيرة» التي نعبّر بها عنه. لقد كان سارتر كذلك بالنسبة إلينا، نحن جيل العشرينات زمن التحرير. من إذن عرف أن يقول شيئاً جديداً، إن لم يكن سارتر؟ من علّمنا طرقاً جديدة في التفكير؟ كانت تلك الطرق شديدة اللمعان والعمق. أما عمل مرلوبونتي فكان أكاديمياً، مرتبطاً من وجوه كثيرة بأعمال سارتر. يشبّه سارتر وجود الإنسان، عن قصد، بـ«ثقب» في العالم، «بحيرة صغيرة للعدم»، كما يقول، بينما يراها مرلوبونتي مجرّد طيّات وتعاريج. وهكذا يكون الفرق بين وجودية صلبة وثاقبة، ووجودية أكثر ليونة وتحفّظاً.
أمّا ألبير كامي، فمع الأسف، تارةً «فضيلة منتفخة»، وتارةً أخرى عبثية مستهلكة. يعتبر كامي نفسه من «المفكرين الملعونين»، لكن فلسفته تعيدنا إلى لالاند ومايرسون، المعروفين لدى تلاميذ البكالوريا. إن الموضوعات الجديدة، وضروب الأسلوب الجديد، والطريقة الجدلية المشاكسة في طرح المسائل، كلها أتتنا من سارتر. معه أعدنا اكتشاف كل شيء، في فوضى وفي أمل التحرّر: كافكا، والقصة الأمريكية، وهوسرل، وهيدغر، وتدقيقات لا تنتهي في الماركسية، والتوجّه نحو القصة الجديدة...
كل شيء يمرّ عبر سارتر، لا لأنه فيلسوف يملك عبقرية التشميل فحسب، بل لأنه يعرف كيف يبتكر الجديد. فقد كانت العروض الأولى لمسرحية «الذباب»، وصدور الوجود والعدم، ومحاضرة «الوجودية فلسفة إنسانية»، أحداثاً نتعلّم منها، بعد ليالٍ طويلة من السهر، معنى الفكر والحرية.

ج. كولومبال :- قمت بنشر كتابين، " الاختلاف والمعاودة" و" سبينوزا ومشكل التعبير" . وكتابا جديدا أيضا : " منطق الحسّ"الذي سيظهر حتما قريبا جدا. من يتكلّم في هذا الكتب؟
- ج. دولوز:

حينما نكتب في كلّ مرّة، فنحن نجعل شخصا ما يتكلّم، ونجعل شكلا ما أوّلا يتكلّم. من يتكلّم مثلا، في العالم القديم، هم أفراد. إنّ العالم القديم كلّه مؤسس على شكل الفردية؛ فالفرد يقوم فيه جنبا إلى جنب مع الكائن ( نراه جيدا في موقع الإله بوصفه كائنا مُفَرّدا للغاية). وفي العالم الرومنطيقي، تتكلّم شخصيات، وهذا جدّ مختلف: فالشخص محدّد في هذا العالم بوصفه موجودا مع التمثّل. لقد كانت قيما جديدة للغة والحياة. إنّ التلقائية اليوم، قد تفلت عن الفرد مثلما تفلت عن الشخص؛ لا بموجب قوى مجهولة فحسب. لقد احتفظوا بنا طويلا داخل تناوب؛ إماّ آن تكونوا أفرادا وشخصيات، أو تلتحقون بعمق مجهول غير متميّز. نكتشف مع ذلك عالم فرديات ماقبل فردية، لا شخصيّة.  فرديات لا تردّ لا إلى أفراد ولا إلى شخصيات، ولا إلى عمق بلا تمّيز. إنها فرديات متحرّكة، مقتحمة وسائرة، تمرّ من واحد إلى آخر، تقوم بالاقتحام، وتشكّل فوضويات بارزة، تقيم في فضاء متنقّل. يوجد فرق كبير بين تقسيم فضاء ثابت بين أفراد مستقرين وفق حواجز أو أسيجة، وتوزيع فرديات في فضاء مفتوح بلا سياج ولا ملكية. يتحدّث الشاعر فارلونغيتي عن الشخص المفرد الرابع : هو الذي نستطيع محاولة جعله تتكلّم.

    ج.ك- هل تعتبر هكذا إذن الفلاسفة الذين تؤوّلهم، بوصفهم فرديات في فضاء مفتوح؟ لقد وددت غالبا إلى حدّ الآن التقريب بين الإضاءة التي تسلطها عليها وما يمنحه مُخرج معاصر لنصّ مكتوب. بيد أنه في كتاب " الاختلاف والمعاودة" كانت العلاقة منزاحة، فلم تَعُدْ مؤوّلا بل مبدعا.

 هل تستقيم المقارنة دائما؟ أم هل أن دور الفلسفة مختلف؟ هل هو " هذا الإلصاق" collageالذي ترجوه والذي يعيد تجديد المشهد أو أيضا " الاقتباس " المدمج في النصّ؟

- ج. دولوز:

  نعم، للفلاسفة غالبا مشكل عويص مع تاريخ الفلسفة . تاريخ الفلسفة مرعب، لن ننفذ منه بسهولة. فاستبداله كما قلت بعملية إخراج، هو ربما طريقة حسنة لحلّ المشكل. فالإخراج، يعني أنّ النص المكتوب ستقع إنارته بقيم أخرى، بقيم غير نصيّة ( أو على الأقلّ في معنى مألوف) : الاستعاضة عن تاريخ الفلسفة بمسرح للفلسفة، هو أمر ممكن. تقول إنني بحثتُ، فيما يخصّ الاختلاف، عن تقنية أخرى، أقرب لعملية " الإلصاق" collage منها إلى المسرح. ضرب من تقنية الإلصاق أو حتى خلق مسلسل للعباقرة ( مع تكرار بشيء من الاختلاف)مثلما نرى في " الفنّ  الشعبي أو الجماهيري" ( بوب آرت). لكن تقول بانّي في هذه النقطة، لم أنجح تماما. أعتقد أني اذهب أبعد من ذلك في كتابي عن " منطق الحسّ". 

نريد في هذا المقال أن نتشاطر بعضا من مجموعة نتائج توصلنا إليها أثناء محاولتنا النفاذ إلى فكر هذا الفيلسوف الذي أثار الجدل وصار يُعد كل من قرن اسمه باسمه إن ترجمة أو ((شرحا)) متصدرا بهذا القدر أو ذاك لائحة الفكر والثقافة في العالم العربي، وتتعلق هذه النتائج بمجموعة من الاختيارات الخاطئة في نقل المفاهيم الفلسفية المستخدمة من طرف هيدغر وذلك من طرف عدة مترجمين الأمر الذي صيّر ترجمات أعماله إلى لغة الضاد أقرب إلى الهِذر والهتر وكلام المحمومين منه إلى الفلسفة حيث لا نظفر فيها بأي معنى واضح يستحق الوقوف عنده فأحرى الالتذاذ به كما هو الأمر مع كل فلسفه حقة ! وهو ما سنقيم عليه الحجة ويقف عليه القارئ بنفسه من خلال مقارنة ما قصده هيدغر حقا وبين تلك الترجمات رغم أن الدارسين والمهتمين مستمرون في الحديث عن فكر الرجل من خلال تلك النقول والمفاهيم الخاطئة مدعين الفهم والتفاهم ! وبعبارة واحدة فإن تلك الترجمات قد تكون أي شيء إلا أن تكون فلسفة. وسأقف عند أهم تلك الأخطاء نظرا لهدفي الحالي وهو تنبيه الدارسين والمهتمين بفلسفة هيدغر الذين ينجزون ترجمات حالية وأطاريح حوله أنهم يسيرون في طرق لا تؤدي إلى أي مكان وأن يراجعوا ما خطّت أناملهم قبل إصداره لأننا لو استمرينا في إبراز تلك الأخطاء في محاضرة "في ماهية الحقيقة" -كما كان هدفنا في البداية- لوحدها للزمنا وقت غير يسير إذا ما تحرينا الدقة وأردنا استيفاء أغراضنا ولاحتفظنا بتلك النتائج لأنفسنا إلى غايه الفراغ منه في الوقت الذي يهيم الناس في الأخطاء ظانين أن ما يأتونه فلسفة ! وإن جزءا كبيرا مما أدى إلى نقل ما تم نقله بشكل خاطئ يعود في نظرنا الى عدم الانتباه الى تشابه بل مطابقة ما هو موجود عند أرسطو وفي التراث الفلسفي الممتد من الفلسفة العربية الإسلامية إلى العصور الوسطى الأوربية فإلى الفلسفة الحديثة ثم المعاصرة بحيث تم نقل الاصطلاحات الفلسفية إلى العربية في عصر التدوين العربي بوضع مقابلات تؤديها على التمام  فتم شرح فلسفة المعلم الأول بأدق ما يكون، لكن المحدثين أعادوا ترجمتها بألفاظ لا فلسفية بعيدة كل البعد عن المقصود معتقدين ربما أنها تستعمل لأول مرة وأنها من اجتراح هيدغر فتاهوا وتاه معهم الجم الغفير، وأخص بالذكر ترجمة اسماعيل المصدق وعبد الغفار مكاوي ومحمد سبيلا لمحاضرة "في ماهية الحقيقة" كمثال وترجمة فتحي المسكيني لكتاب الوجود والزمان بمراجعة إسماعيل المصدق، وهي كلها ترجمات/أخطاء أضاعت تاريخ الفلسفة والانطولوجيا بأكمله كما سنرى. أما الجزء الآخر في سبب هذه الأخطاء هو أن مترجمينا قد تعاملوا مع فلسفه هيدغر وكأنها خارجة عن أفقنا وشرطنا الإنساني كعرب وأنه لا يمكن الإحاطة بها ! في حين أن ما قاله هيدغر قد قيل في فلسفة أرسطو وجان جاك روسو وهيغل وانطلق منه هيدغر وليس من إبداعه رأسا.

آخر الإصدارات

مفضلات الشهر من الترجمة و السياسة