قراءة في كتاب (العائد من الظل) لحسن ميري - مالكة عسال

نوع الخط وحجمه
  • أصغر صغير متوسط كبير أكبر
  • نسخ ريدكس برو يمامة أميري شهرزاد

1ـــ تمهيد افتتاحي قبل الولوج  لمحتوى الكتاب
زُفّ إلي خبرُ أن المكتبة المغربية كان لها شرف احتضان مؤلف جديد تحت عنوان ( العائد من الظل) للشاعر والزجال حسن ميري، عنوان بليغ صارخ ترميزي يحمل في طيه عمقَ الدلالة وغور المعنى، لا أخفيكم  كم  كان بي شوق عارم ليصبح الكتاب بين يدي، والنية ذاتها كانت لصاحبه تتوق بصدق لاهف  إلى إهدائه لي، وذات صدفة عجيبة  تمّ ما أردنا بسهولة.. صدر الكتاب في طبعته الأنيقة ويتألف من 145 صفحة شاملٌ لكل العناصر الفنية والأدبية المطلوبة والتي  سنتحدث عنها بالتفصيل قدر المستطاع..  

2ـــ الغلاف كإطار خارجي للمحتوى 
كلنا ندرك أهمية الغلاف ودوره في إعطاء لمحة عن هوية المضمون، بالإضافة إلى ذلك يعد  ذاك السياج الإسمنتي الحامي لما بداخل دفتيه، كما يمثل  المدخل  البصري  الأول لمساعدة القارئ على الغوص في دغل المحتوى، لذا أي  مبدع لا يضع  غلافه بضربة مقص، بل يقضي لياليَ وأياما بل أسابيعَ وشهورا يخطط وينمق وينسق، لتحتل جميع العناصر أمكنتها المناسبة على سطحِ الغلاف  دون أن تشوش راحة بال القارئ، أو تخلق عبثا يدني من جماليته؛ ومن ضمن العناصر التي يتقاسم فيها  المبدعون  ــ دون استثناء ــ قواسمَها المشتركة  الألوان والعنوان واسم الكاتب واللوحة، ونتفاً تعبيرية  تختزل أهم ما بداخل الغلاف، ليخرج الكتاب  في حلة بديعة  تجلب القارئ؛  وكاتبنا حسن ميري لم يغير الاتجاه ولا خرج عن المألوف في اختيار عناصر جذابة  للغلاف..

ـــ سيكولوجية الألوان لتنميق صدر الغلاف 
حتى يعطي الأديب لمسة شعرية للغلاف لا بد من تحديد بعض الألوان التي تكون جذابة وفي نفس الوقت تؤدي دورها المحمود، وشاعرنا حسن ميري لم يخرج عن السرب في اختيار الألوان المناسبة، بحيث أي  متصفح للغلاف يلمح خليطا من الألوان تتنوع ما بين الأسود  والبني والأبيض والأخضر والأحمر والبرتقالي، وطبعا لم توضع بشكل عشوائي، ولا أريدَ بها  الزخرفة، بل عرف شاعرنا كيف ينسقها ويصففها، بشكل متجانس منتظم حتى يؤدي كل لون دوره  الهادف..

ب ـــ اللون الأسود هو الغالب وله حظ وفير من الغلاف 
جرت الأعراف والتقاليد حول اللون الأسود على أنه لون الشؤم والأحزان والمآسي، والأشياء غير المحمودة ،  لون الحداد إبان فقدان عزيز، وبل هناك من يشمئز من الغراب جراءَ لونه باعتباره طائر النحس، وغير هذا وذاك يُعتبر اللون الأسود رمزَ الخطر، لذا نجد راياتٍ سوداءَ تعلق أحيانا  على شاطئ البحر تنبئ بخطر تقلبات الأمواج؛ ولإثارة الخوف والرهبة نجدُ أحيانا بعض أفلام الرعب يقدمون مشاهد  مفزعة وخطيرة في الظلام؛ الخلاصة إذا أن اللون الأسود يعتبر  لون الإثارة والحماس أو لون  الجوانب الغامقة من النفس، وما تعتليها من هموم وأحزان...غير أنه في وقتنا الحالي  فاللون الأسود لدى البعض يعتبر  لونَ الرقي والفخامة والأناقة، فنجد النساء يرتدين  في المحافل معاطف وفساتين باذخة  بذات اللون .. ويتخلل اللون الأسود لمسات من اللون البني، وكأن أديبنا بذلك يبحث في خضم المشاهد المحزنة / المقلقة عن حِضن دافئ، أو مكان ينعم فيه بالراحة والاستقرار النفسي؛ وتمزق حلكة اللون الأسود لمسات من اللون الأصفر لون أشعة الشمس المشرقة، والرمال الذهبية، ويرمز به الكاتب  إلى الأمل المشع وصفاء النفس والسعادة وراحة البال، ليبين لقرائه، أنه مهما عاش حِقبا قاسية في خضم المجهول، فستعقبها لحظات من السعادة تغمرها المسرات والأفراح.. ولايني الكاتب  يهمس لقرائه  باللون البرتقالي، حيث  نمّق  به  بعض الأسماء على وجه الخصوص، كرمز للقوة والتحدي وأنه مهما حصل، فشاعرنا لا تثنيه ريح، دخل غمار الحرب بطلا، وخرج منها بطلا سليم البدن والذهن والقلب والروح.. وكما أنعِمت الألوان السابقة باهتمام من الكاتب، كان للون الأبيض حيزا مهما ليخصه بحظ  وفير بالكتابة على  صفيحة السواد على غرار القصيدة اليتيمة التي تقول :

ضِدَّانِ لَمَّا اسْتُجْمِعَا حَسُنَا ... وَالضِّدُّ يُظهِرُ حُسْنَهُ الضِّدُّ
فشاعرنا حسن ميري كتب على ظهر إحدى الدفتين السوداء باللون الأبيض، لتتلألأ الكتابة بمسحة من الجمال في خِضمّ  الأسود، فاختار نتفة نقدية للناقد علي درويش، وجانبا من محطات حياته وسيرته  الإبداعية، ليعبر عن صفاء مشاعره ونقاء روحه، وصدق كتاباته في زمن فقد اتجاهاته، وأصبح عاليَه سافله ولم نعد نفهم أسراره.. وحتى ينهي شاعرنا زمرة الألوان سيّجها بإطار اختار له اللونين الأخضر والأحمر، وهو تعبير صريح عن الراية المغربية، حيث الأخضر لون النجمة الساحرة الذي يرمز به إلى طبيعة المغرب الخلابة، واللون الأحمر لون وجوه المغاربة الشرفاء..

ــ اللوحة كتعبير عن المضمون
لقد تفرد الكاتب عن  الأدباء في اختيار لوحة  تتوسط إحدى  الدفتين، بل حوّل الدفة اليمنى كلها إلى  لوحة فنية تشبه التي تُعرَض في المعارض، تتضمن حذاء للجندية ودبابة وبعض الجنود، اختزلها كاتبنا في مشهد يدل على الحرب،  كمرآة صافية تعكس ما بعمق الكاتب وفي ذاكرته، وبالتالي تترجم فلسفته وقصديته، بالإضافة إلى أنها  تمنح الكتاب حلة جمالية  فنية تثير فضول القارئ وتجذب لمحَه البصري..  فعلى الرغم من أن شاعرنا يعيش أجواء الاستقرار في بيته مع أسرته، ويتمتع بالحضن الدافئ، فمازالت الذاكرة تنحو به نحو المشاهد المؤلمة التي وشمت نفسها في الداخل، والأيام العصيبة التي قضاها في الجندية ذودا عن الوطن والمواطنين، وهذه قمة المواطنة وحب  الوطن التي  تشبع بهما الكاتب، ولا يتردد في التضحية بنفسه وماله وعتاده من أجلهما… 

 ـــ العنوان بوابة للولوج إلى المحتوى 
(العائد من الظل ) جملة مركبة من ثلاث كلمات خفيفة على المهجة، طليقة على اللسان وضعت بطريقة فنية  وبروح  شاعرية عذبة،  لها مبتدؤها في حين الخبر غير مذكور وجوبا لإفساح المجال للقارئ أن يقدره كيف شاء حيث يمكن إعرابها كالتالي العائد : مبتدأ مرفوع/ من الظل  جار ومجرور( شبه جملة ) لها صلتها بالعائد، ويمكن تقدير الخبر كالتالي 
العائد من الظل فرحٌ ( خبر مفرد)
العائد من الظل (بخير ) خبر شبه جملة 
العائد من الظل  (معنوياته مرتفعة) خبر جملة اسمية 
 هذا لغويا، ومعنويا فالجملة صيغت  بشكل رمزي كنائي ليضع أمام القارئ جملة من الأسئلة يمكن الإجابة عنها من زاويته الخاصة،، من هو هذا العائد ؟ من يكون؟؟ وماذا نعني  بالجملة كلها العائد من الظل في سياقها ؟ وماذا نقصد ب( الظل) هل نقصد به الظل المباشر بانعكاس ضوء الشمس على الجسم ؟ أم  ما هو مُخفٍ وراء الأستار والأحجبة؟ فنقول العائد  من خلف الأحجبة والأستار؟؟ أو  العائد من المناطق المجهولة غير المعروفة؟؟ أو العائد  من ذاكرة النسيان  إلى الوجود؟؟ أو العائد من الغربة إلى الوطن؟؟ أو العائد من  غيبوبة  مميتة لما  استفاق وعاد إلى حالته الطبيعية ؟؟ أو  العائد من الموت إلى الحياة ... أو نرمز به إلى شيء غير مباشر خارج عن المألوف /المعتاد يلامس القلب ويحرك الأحاسيس؟؟؟  أسئلة  متشعبة .. لكن يبدو بالواضح أن العنوان صيغ استعارة بلاغية مجازية لدغدغة لب القارئ بطريقة تشويقية محيرة غير مباشرة، تستفزه بمعانيها الإيحائية.. وإذا تمعنا في طرفي  الجملة لفظا ومعنى  وحاولنا الغوص في تركيبها البلاغي  نجد هناك  تنافرا بين مفرداتها  فالعائد معناه الحضور / الظهور/ تسليط الضوء عليه /  الخروج للعلن  .. بينما (من الظل) تعني الالتباس / الاختفاء / الغموض / المجهول، لكن الشاعر حسن ميري جمع بينها في علاقة  فنية مشوقة تجذب القارئ من أول وهلة ليحول التناقض إلى  حلة من الجمال الممتع ..

3ـــ  ما بين الدفتين كمضمون والتنوع التيمي 
كل مبدع يحاول قدر المستطاع، أن يدقق في مواضيعه ويحدد أفكاره، ويسهر على تصميمها بالتفصيل المناسب، مع تنظيم الفهرس  ليلبي ذائقة القارئ، ويسهل عليه مأمورية  ولُوجه  إلى الخافت من المعلومات، للنهل  منها  والارتواء من أفكاره والاستفادة  من مقاصده  وأحكامه ومواعظه  وقيمه المراد بثها كرسالة نبيلة،  ناهيك عن التصويب اللغوي حتى لا يخلق تشويشا.. ومن ضمن عناصر المحتوى بغض النظر عن معلومات (الجينيريك ) بتفاصيلها حول الكتاب وحجمه وعنوانه واسم صاحبه  في الورقتين الأولى والثانية، خص الصفحة الخامسة بإهداء رائع إلى الوالدين/ الظلين الوارفين له اللذين ترعرع في كنفهما برعاية شاملة  يملؤها الحب والأمان، ثم لرفيقة دربه التي تقاسمت معه الحلو والمر متحملة معه المشاق والأتعاب من أجل تربية أبنائهما، فأصدقائه من رواد الثقافة والأدب الذين مدوا له يد العون ليرى هذا المنجز النور، حيث ذكَرهم بكل تواضع اعترافا بجميلهم عليه، رغم أن مبدعنا حسن ميري في غنى عن ذلك، ودخل ميدان الأدب مسلحا بكل مقوماته لغة وصياغة وأسلوبا ومعجما بكل ما تعنيه الكلمة من حنكة ومراس، ولم يفته بطبيعة الحال إخلاصا منه ووفاء ذِكرُ رفقائه في  ميدان الجندية مترحما على الشهداء، متمنيا للأحياء طول العمر.. يبدأ الكتاب بتقديم أكاديمي محترم من قبل الأديب المرموق  الشاعر والناقد والباحث السيد محمد محضار، الذي أكد فيه حسب بعض أقوال المنظرين أن السيرة الذاتية مهما حاول صاحبها تقديمها بصدق قد تخونه الرقابة الذاتية في الحذف وتجميل بعض الأحداث دون شعور.. 
لقد قسم الكاتب محتوى الكتاب إلى جزأين، خص القسم الأول  بالأوضاع المغربية المزرية التي يعاني منها المواطنون والمواطنات، والجزء الثاني اكتفى فيه أديبنا حسن ميري بعرض مسارات الجندية وأهم محطاتها.. في ما يخص الأوضاع المغربية  والتي لاشك في أن أغلب الدول العربية لها نفس القواسم المشتركة، والتي لم يستجب فيها أصحاب القرار للمطالب المطروحة: كاحترام الحق في التنمية، وتمتيع المواطنين والمواطنات بالعدالة الاجتماعية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية، تضمن التنمية الدائمة، والإصرار على اتخاذ إجراءات بعدم الإفلات من العقاب (واتخاذ إجراءات استعجالية مثل إعمال شعار عدم الإفلات من العقاب بشأن الجرائم الاقتصادية والاجتماعية) ص:166من كتاب /وثائق ونصوص مرجعية / الجمعية المغربية لحقوق الإنسان..أي بصورة أخرى أن يكون القانون على الجميع لا فرق بين هذاك وذاك ويطبق بمراحله الدقيقة، المتابعة والمراقبة / فالمحاسبة / ثم أخيرا المعاقبة لكل من سولت له نفسه أن يتجاوز القانون..

ـــ التعدد الثقافي دون تمييز
فالمغرب عبر العصور حضن دافئ ورحب يستقبل الجميع، يمتاز بتنوع لغاته الأمازيغية والعربية، ولهجاته بلكناتها الشمالية والفاسية  والجنوبية، وتقاليده وأعرافه وثقافاته الأمازيغية بتنوعها الريفي والسوسي والأطلسي، والثقافة العربية بتراثها  الديني والأدبي والفني، بالإضافة إلى ما تتأثر به الثقافة المغربية من موروثات صحراوية وأندلسية وأوروبية ويهودية،  ثقافة متعددة المشارب لكن تظل محافظة على هويتها، ولن يمس عرقها أو جذرها شائب..  وبوصف فني  أكد لنا شاعرنا حسن ميري  التنوع الثقافي المغربي حين قدم فقرة مرموقة يتحدث فيها عن اختلاط اللهجات وتنوع  العادات والتقاليد، وتوافد بعض السياح، ليبين أن حِضن الوطن يسع الجميع، لا فرق له بين أجنبي وأمازيغي أو عربي، يقصد بذلك أن المغرب بلد التعايش، يقدس  فيه الواحد ميول ورغبات الآخر، وللفرد مهما كان نوعه أو انتماؤه أو دينه أو لونه  حق ممارسة حريته، شرط عدم مس حرية الآخر دون تمييز أو تحيُّز، وديدنه قبول الاختلاف، واحترام الرأي والرأي الآخر( اختلطت العربية بلكنات أمازيغية متعددة في انعكاس واضح لتنوع القبائل )ص:27 والدليل على ذلك جحافل الأفارقة  التي هبت فلولا وزرافات، لأنها تدرك أن هذا البلد آمن ويكفل لهم حقوقهم، لذا نرى منهم من أخذ يمارس التجارة، فكوَّنوا رأسمال محترم خول لهم السكن والزواج والإنجاب، وغيرهم يشتغلون في المتاجر والمقاهي، مما خلق لهم نوعا من الاستقرار النفسي والمادي، وإن بقي البعض مشردا في الأزقة والشوارع عرضة للتسول والعراء.. 

ـــ وضع الإصبع على موضع الخلل  
لم يفت شاعرنا أن يضع إصبعه بهدوء على موقع الخلل، من حيث عدم تجهيز بعض وسائل السفر ما يخول للمسافرين الراحة، والسفر المريح، ناهيك عن بعض السلوك المشين، كعدم دفع ثمن التذاكر، وتهريب البضائع والسلع، وإلقاء القبض على بعض المهربين، وعرض هذه الظواهر من قبل الكاتب  ليس بنية وصف السرقة أو تشخيص الغش، وإنما هو نبش حقيقي في الأوضاع المزرية التي يعيشها بعض المواطنين، تستعصي عليهم  فيها عدم وجود ثمن تذكرة، أو القيام بمشاق وأتعاب لتوفير لقمة العيش بتهريب الملابس (يملؤون المقطورات  حركة وصخبا، ينقلون رزمهم من عربة إلى أخرى .... خوفا من تفتيش الجمارك ) ص:24  تشخيص جريء لمحن الطبقة الهشة التي تعيش أوضاعا قاسية محرومة من كل شروط العيش، حتى  أثناء السفر حيث المقطورات غير نظيفة ولا تتوفر على مكيف، ونوافذها مهشمة وأغلب كراسيها محطمة، والروائح الكريهة تزكم الأنوف  ( كان قطار الفقراء والطلبة والعمال يشتهر بتذاكره الرخيصة، وعرباته المتواضعة ، كانت مقاعده الخشبية قاسية لا ترحم) ص:25..  وهي إشارة إلى البؤس في قطار الدراويش، الذي لم يفلت هو الآخر من الطبقية والتفاوت في المقطورات، بحيث الدرجة الأولى في القطار تتوفر على كل شروط الراحة في السفر،  ولأن الأغلبية تعيش فقرا مدقعا، فهي تندس كالقطيع  دون راحة تُذكر .. ولم يفته أن يشخص الأوضاع في البادية إبان القحط، حيث ندرة المحاصيل الزراعية، وهلاك الماشية مما دفع ببعض الفلاحين الصغار إلى بيع أراضيهم والهجرة إلى المدن ، دون تدخل السلطات لحل المعضلة ..
 
 ــ  الإنسانية  ومدّ يد العون وقت الشدائد
ربتنا أمهاتنا على خصال حميدة  وأكدها أباؤنا بالنصح والإرشاد، وهي ألا نتخلى عن مد العون للإنسان في شدة ضيقة لا مخرج لها ، وألا  نخفي المعلومات عمن يحتاجها في حياته، فالمتعطش للرأي أو المشورة أو المعلومة كما الظمآن للماء، واجبات إنسانية يجب القيام بها نحو غيرنا، وهي التي تدعو إليها بعض المقررات الدراسية، وبعض التعاليم الإسلامية، وبعض البنود الحقوقية، وشاعرنا حسن ميري  يستعرض لنا  تجارب مرّ بها كان فيها مساعدا عن طواعية دون هدف مرجو، أو شكر منتظر، بل بما يحمله قلبه من رقة وعطف، وتكنه مشاعره من رأفة ورحمة، والقلوب الطيبة تعكس إشراقا على الوجوه، فتراها بشوشة طلقة دون عبوس أو تجهّم (إن القلب الطيب سيجعل  لك وجها مشرقا) ص:29 من رواية (مرتفعات وذرينغ للروائية والشاعرة البريطانية إميلي برونتي 
 فشخص حالة السيدة في القطار الممتلئة بالهموم حتى الرعاف، وكيف شاركها بالقلب الطيب  همها بصدق ووفاء، ثم ما قدمه من عون بسخاء للفتاة التي سقطت على حافة القطار، وأخيرا ما قدمه من معلومات  للسيد المتجه إلى مدينة الرباط لعلاج ابنه، وهذا ليس بغريب عن شخص ربته الجندية على المواطنة وحب الناس، ودربته على تقديم الخدمات بكرم حاتمي للغير دون منة أو جزاء، فمن رحِم القسوة والرمال، وطلقات الرصاص انبعث  حسن ميري   في قماط حريري شفاف، بابتسامته الأنيقة، شحذ الذات بالليونة والحب والرقة والتسامح، وكلل القلب بالطيبة وبكل ما تعنيه فضائل الأخلاق من سمو ورقي.. ناهيك عما تشبع به من موروثات مرصعة بالحِكَمة والحِلم والصبر والأناة وبعد النظر، سواء من قبل الوالدين أو من خلال الاطلاع على تجارب تصب في هذا الباب، وشاعرنا حسن ميري يستعرض تجاربه ليس ليعلن بطولته، أو يتباهى بما قدمه، وإنما ليمرر قيما نبيلة ابتلعها الشح في عصرنا اليوم، ونحتاج إليها في ما بيننا مع الأسف، والتي تتجلى في العون والمساعدة والتضامن وحب فعل الخير، ليس ليعلن بطولته، أو يتباهى بما قدمه، وإنما ليمرر قيما نبيلة ابتلعها الشح في عصرنا اليوم، ونحتاج إليها في ما بيننا مع الأسف، والتي تتجلى في العون والمساعدة والتضامن وحب فعل الخير ..

ـــ  استعباد الإنسان  وحرمانهم من الحقوق المشروعة 
فكما عرض علينا الكاتب حسن ميري قصة رفيقته في القطار، وما تحمله من هموم في الصدر كحجرة ثقيلة على القلب، جراء ما تعرضت له من غدر، فلايني  في سياق قصصي لذيذ، يغوص في أساليب ومعاملات  الحط من قيمة الإنسان، من خلال شخص  ثري  يعامل طباخه بطرق تحقيرية، واستعماله كأداة من  أثاثه المنزلي،  حيث العمل فوق الطاقة وبأجر بخس دون كرامة وحقوق مشروعة، ومرافقته أسبوعيا لأداء العمرة  في غياب تام  لتمتيعه بعطلة أسبوعية أو فترة استراحة، كأنه دابة ناسيا  أنه بني آدم له روح ومشاعر ودم يجري في العروق( لم أكن طباخا فقط.. بل خادما لكل شيء، أحيانا يرسلني إلى بيوت أصدقائه أو أقاربه لأعد الطعام هناك أيضا ) ص:28 ممارسة  السلطة عليه والاستقواء، ولا يتجلى هذا  السلوك السلطوي  للثري فقط، وإنما أية مجموعة أو تمثيل سلطوي أو برلمان لما ينفردون بالسلطة يحاولون بما يملكونه من أدوات لإخضاع إرادة الشعوب لنهجهم السياسي ، وينفذون القرارات نيابة عنهم، ليس لخدمة الوطن والمواطنين، وإنما لخدمة مصالحهم وأغراضهم الشخصية.. ( إن انفراد أي شخص أو مجموعة أو قبيلة أو حزب أو تمثيل  أو برلمان بالسلطة، ينتج عنه إخضاع إرادة أي مجتمع  من المجتمعات) ص230 مجلة الوحدة  القومية العربية والإسلام السياسي / العدد 52/ يناير 1989 وهذه رسالة قوية إنسانية يوجهها ضمنيا في قالب سردي، إلى من يتخذون بعض الفقراء عبيدا، ويجردونهم من أبسط حقوق العيش بكرامة، سواء   بالنسبة للشعوب  مع حكامهم  والأجهزة المساعدة، أو بالنسبة للمجتمع مع بعضهم البعض، أو بالنسبة للباطرونا مع عمالهم.. كم عاينا  بعضا من الظواهر اللاإنسانية التي تتجلى في تسريح العمال دون حقوق، فتشردوا مع أسرهم، ومنهم مَن أفرغت مساكنهم نظرا لتراكم مَبالغ الكراء، أضف إليها كارثة  تشغيل  طفلات صغيرات، تحت ظلال القهر والعذاب نظرا لقلة ذات اليد، من أجل مساعدة أسرهم وانتزاعها من جبة  فقرها المدقع، فتتكسر على ظهورهن مقاعد الدراسة، وتبتلع الظروف القاهرة  طفولتهن  وشبابهن في عمل وقتي لا يضمن مستقبلهن، بل ومن بينهن من فاتها القطار فاصطدمت بجدار قسوة الظرف الإسمنتي، فوَّت عليها الاستقرار النفسي في تكوين أسرة.. 
 
 ـــ الجانب الصحي وغياب  مراكز القرب الصحية 
سلط كاتبنا حسن ميري الضوء على الأوضاع المجتمعية التي تسد النفس، وكيف يتقاتل البعض من أجل قطعة رغيف متحملين التعاسة في قلب المشاق، يهب إلى الجانب الصحي، ليضع إصبعه على محنة المرضى الذين تدفعهم الظروف القاهرة إلى اجتياز المسافات نحو المدن الكبرى بعنائهم الأكبر ماديا ومعنويا، وهم يجهلون دروبها وشعابها؛ ناهيك عما  سيلاقونه من انتظار مرفوق بالجوع والعطش والعياء، والجيوب فارغة مما يكفيهم للفحوصات وشراء الأدوية وثمن التذاكر للتنقل، حيث يضطر البعض  أحيانا إلى التسول لجمع مبلغ يسد به على الأقل جانبا من الحاجات.. فنحن نعلم جميعا أن الجانب الصحي في المغرب مازال يعاني، خاصة المؤسسات العمومية التي تفتقد إلى أبسط الأشياء للعلاج  كالبنج والخيط ومختبرات التحاليل وأخرى لتشخيص الأمراض، ناهيك عن قلة الأطباء المعدودين على رؤوس الأصابع وطوابير المرضى، أحيانا  قد لا يصل الدور للمريض في نفس اليوم، فيضطر للمثول في اليوم الموالي أو بعده حسب الظرف، زد على ذلك  تعسف بعض الحراس أمام  الأبواب وعدم احترامهم أو مد يد العون لإرشادهم فلا يلين إلا إذا امتلأت كفه،.. وكاتبنا يمرر ضمنيا رسالة إلى المسؤولين أن يهتموا بالمغرب غير النافع صحيا، بإنشاء مستشفيات مجهزة عن قرب،  للتخفيف من عناءٍ وتأخيرٍ قد يتسبب في إزهاق الأرواح ...
ـــ الجانب التعليمي ومأساة المدرسين في البوادي
بغض النظر عن المناهج التي تلهج بما لا يلبي طموح التلاميذ ويشبع فضولهم،  وتجاوز الحديث عن  بعض المدارس المهترئة الفارغة تماما من التجهيزات المناسبة للتربية والتعليم، ودون وصف اكتظاظ التلاميذ وعائق الانضباط داخل الفصل، وغير فراغ المواد الدراسية مما يعلم التلميذ الدقة في الملاحظة ويربي فيه ملكة النقد؛ تلوح مشكلة المدرس الذي يزرعه التعيين في بوادي مقفرة  يفتقر فيها إلى شروط العيش من توفير سكن قار ، وراتب محترم يغطي مصاريف التغذية، وشراء مستلزمات التدريس من وسائل الإيضاح وأقلام وأوراق، التي كان من المفروض والمحتم على الوزارة الوصية توفيرها، كما توفرها غيرُها في المقاطعات والعمالات والجماعات؛ ناهيك عن عدم تعويضه عن التنقل في غياب تام لوسائل التنقل  بين  الإدارات التعليمية ومؤسسته(كنخدم فبادية الشاوية نواحي قصبة ولاد السعيد ، كنركب الكرويلة )ص49 ..وبالفعل كم من أستاذ ترك الجمل بما حمل، ليفر من حجرات تقطر أيام فصل الشتاء على رؤوس التلاميذ، فتتبلل دفاترهم ومقاعدهم،  وتتخصب في فصل الصيف بالعقارب والأفاعي والحشرات السامة.. فالوزارة الوصية لا تهتم بالتعليم كليا لا في المدن ولا البوادي ناسية أنه هو القاعدة الأساسية في تربية العقول لخلق سواعد تخدم الأمة في الغد، وهو المهذب للسلوك ناشر القيم النبيلة؛ ومن بؤرته يتفرخ الأستاذ والمهندس والأستاذ والطيار والعامل والشرطي، والوزير، وجميع خدام الدولة على اختلاف وظائفهم ومناصبهم.. وهنا لاحت لي فكرة اطلعت عليها في إحدى المجلات حول التعليم في فلندا، حيث الدولة هيأت للطلاب جميع ما يرغبون فيه ثم سألتهم هل  من اقتراح أشياء أخرى أنتم في حاجة إليها؟ فاقترحوا أشجارا دون أوراق.. لما ا ستفسرتهم  عن السبب.. ردوا ليتعلقوا فيها ويتأرجحون.. وبالفعل في الغد لبت لهم الطلب  موضحة أنه على  الطلاب أن يعيشوا طفولتهم في سعادة، وهي اليوم من أفضل أنظمة التعليم في العالم، وذات الأداء المرتفع في القراءة والعلوم، وتتميز عالميا بجودة تكوين المدرسين واستقلالية المدرسة..    

 ـــ غياب الحوار والتراشق بالكلام النابي
نزل بنا الكاتب من تشخيص بعض الأوضاع إلى ميدان العلاقات الإنسانية  التي تفتقد إلى الحوار وأسلوب التعامل وما رافقها من غش ومكر .. فوضح لنا قبل ذي بدء أن أي  سوء تفاهم لن تنفك عقدته بالغضب والعصبية وإعلاء الصوت، وإنما بالهدوء مع  إنصات الطرف للآخر، لأن ارتفاع الأصوات تزيد من شحنة التكبر والعجرفة وعدم التواضع أو التنازل والاعتقاد لدى العامة في خفض الصوت معناه جبن وهروب من المواجهة بل انهزام كلي.. ويستعرض علينا مشهدا من النازلة  في القطار، حين حصل سوء تفاهم تطور من صراخ إلى مشادة بالأيدي،  فسيل من الشتائم والسب بكلام يندى له الجبين، دون احترام الركاب خاصة ممن معهم عائلاتهم وأبناؤهم وزوجاتهم، تدخلت على إثرها عناصر لفك النزاع ...( فأمسك بالبائع، وأسقطه  بين ساقيه، ثم انهال عليه باللكمات في وجهه وبطنه) ص:34 قد تكون نتفة حقيقية من الواقع، أو جانب سردي مشوب بلمحة خيالية لإضفاء عليها شيئا من الهزل والسخرية فتتحول إلى مستملحة  يستمتع بها القارئ، كان هذا أو ذاك ، فشاعرنا حسن ميري يمرر إلى قرائه أن الغضب لحظة سوء التفاهم في غياب حوار جاد مسؤول بهدوء، وأسلوب لبق مبني على الإقناع، والحِلم وتبصُّر الأمور قد يؤدي إلى ما لا تُحمَد عقباه، قد تكون معركة ضارية أو قتل أو سجن فيعود بالندم على الطرفين، ونحن عشنا كَم من جريمة تأججت نارها من أبسط الأشياء فأدت إلى الموت مازال البعض إلى اليوم وراء الأسوار  يتجرع الأسف، ويردد في نفسه يا ليت الذي جرى ما كان ... والناجح اليوم في مثل هذه الأمور هو من يُحَكّم عقله بصبر وأناة إذا ما وقع في شباك عدم التفاهم، (ولن يفوت الأوان أبدا ليصبح المرء عاقلا وحكيما ) ص:26 كتاب الفلسفة في العصر المأساوي الإغريقي فريديريك نيتشه/ تعريب  الدكتور سهيل القرش من أشهر رواة الحديث النبوي الشريف عاش في عصر التابعين في الدولة الأموية/... فيخرج من المعركة سالما، تاركا أثره الطيب في خصمه قد يعود عليه بالندم، أو قد لا يتردد في تقديم الاعتذار طالبا السماح..
 ـــ الحيل الماكرة والسلوك المراوغ لدى البعض
هناك من الأشخاص يسبقهم احترامك لهم دون قيود، سماتهم تبين رزانتهم وجديتهم في التعامل، يسيرون في خطهم المستقيم عبادة ولباقة وهدوء وحكمة ورزانة، وهناك البعض من يخدعك  بحلو القول يقترب منك وبمجرد ما يقضي حاجته منك ينسحب من فضائك ويتركك في حيرة لا تقاوم ، تضع أكثر من سؤال بماذا أسأت وماذا فعلت حتى اتخذ هذا الموقف، وهناك  بائعوا الذمم الذين لا يقدرون الصداقة ولا يحترمون العلاقة الودية التي تربطهم بغيرهم؛ وشاعرنا حسن ميري يضع إصبعه على بعض النماذج،  حيث يقدمها باحترافية فنية تشدك من أول سطر، قصة الفتاة سمية الكاذبة التي نسجتها في حبكة درامية خلخلت مشاعر الذات الكاتبة ، وقصة الرجل الضخم الذي  لم يدفع ثمن البضاعة التي تحمل التاجر مشاقها بعبوره مسافات طويلة مكلفة،  حيث تلمظ من هذا السلوك غير السوي جرعة من الألم، إذ سيعود خالي الوفاض، ومع ذلك خلق له أعذارا قد تكون صائبة أو غير ذلك.. مرت التجارب أمامه أم لم تمر فكاتبنا حسن ميري يمرر موعظة  هادفة، وهي لا ثقة  في هذا الزمن بقصص البعض حتى نتأكد بالدليل الملموس على صحتها، وألا ننخدع بسهولة في التعامل بالمبالغ المادية الكبيرة، لأن هناك الطامعين الذين يبيعون ذممهم من أجل لهف رزقك دون ملامة ولا خوف من الله؛ وبالفعل في  هذا الزمن الذي استفحل بالمكر والغش والأنانية والأطماع، يجب أن نحترس من البعض وأن نثبت التعامل بالوثائق إن لزم الأمر، وألا نضع ثقتنا العمياء في شخص لم ندرسه بعض وندرك أخلاقه ومبادئه.. 

ــــ تدجين العقل بما هو خرافي 
على الرغم من أننا في القرن الواحد والعشرين، مازالت بعض الاعتقادات الخرافية ملتصقة بالعقول، تذكيها بعض القنوات التلفزية والإذاعية بمسلسلات فارغة  تكرس جمود العقل، وتدجين الفكر، ناهيك عن غياب ندوات ومحاضرات توعوية في دور الشباب أو المؤسسات الثقافية تساهم في تطوير الفكر وتنويره، حيث مازال الإيمان بالجن يسكن بعض البيوت، ومازال الجن يسكن الأبدان ويتحدث بلغات غير العربية، ومازالت الزيارات تتكرر للأولياء والصالحين مستنجدين بهم من أجل شفاء مريض أو طلبا للرزق والبركة ولا أدل  على ذلك من المنظر البشع الذي تناقلته القنوات مؤخرا حول شيخ إحدى الزوايا والناس ينحنون لتقبيل رجله.. بالإضافة إلى عرف  تعليق تمائم على أبواب البيوت أو في الأعناق لطرد الحسد والعين ( تتدلى من عنقه خرزات وتمائم صغيرة  يظن أهله أنها تدفع عنه العين ، وتحرسه من الأرواح الشريرة ) ص:67 و ومازالت التمائم تعد المحصن الأقوى من أي شر ويجلبها بسطاء الفكر والوعي  من السادات ليفرقوها على الأحباب.. وغير هذا هناك عادات وقواعد بالنسبة للرضيع  بربط رأسه بقطعة صوف مع قطران وحناء وبيض اتقاء مرض وهمي اسمه (الشَّم ) وهنا أحيلُ سكان البيضاء على امرأة اسمها (عايشة العراكة)  بسوق (جميعة) بالدار البيضاء التي كانت تداوي الصغار من مرضي ( الشم وبوجنب ) بالزيت البلدي وبعض الأعشاب.. وهناك عادة أخرى شهيرة وهي  الاحتفاظ  بقصاصات شعر الحلاقة الأولى  لما يبلغ الرضيع يوم الأربعين، مع الأعشاب اتقاء العين والحسد والجن والإنس، لذا علينا جميعا مثقفين وعارفين  أن نقوم بتوعية الأمهات إلى خطورة هذه الاعتقادات الخرافية المهيمنة  على العقول،  وننبهن إلى أنها تؤذي أبناءهن  أكثر مما تفيدهم، والإسراع بدَلَها إلى الطبيب في أية وعكة صحية ..

ـــ العشق والضربة القاضية للقلب
مادام شاعرنا حسن ميري كغيره يملك قلبا رؤوفا، ومشاعر حارة وعاطفة  رقراقة، سيعود من تشخيص الأوضاع المجتمعية إلى نفسه ليطلع قارئه على تجربته العاطفية الذاتية التي باءت بالفشل، حين مدّ يد العون لفتاة انكفأت على حافة القطار، فتلامس لحظتها الروحان وتعانق القلبان، وتبادلا الود بكل رضا وتفاهم، ولما أراد أن يكلل علاقته بما هو طبيعي / الزواج  على سنة الله ورسوله ليعيشا تحت سقف واحد، وينعما بالألفة والاستقرار،  قوبِل  الطلبُ بالرفض من قبل عائلة المعشوقة،  وبالضرب في الظهر يتم تزويج المحبوبة لغيره لغرض في نفس يعقوب، إما أن المعني بالأمر يبدو لهم غريبا، وهذه العادة مازال البعض إلى اليوم ينشدونها ويتشبثون بها، أي عدم تزويج الفتيات للغرباء؛ أو ربما ابن عمها أو العريس الجديد له ذات اليد، أو ربما الفتاة عنصر تشتغل وتعتمد عليها أسرتها في الإنفاق عليها وإعالتها..  وإحدى هذه الطامات والتي استفحلت  بين البشر بقوة هو الجانب المادي، أي على العريس  قبل أن يتزوج أن يتوفر على عمل قار وراتب محترم ويملك بيتا مستقلا  و.. و.. حتى  تعيش العروس في أمن وسلام دون مشاكل؛ في حين أمهاتنا وجداتنا كما تزوجن يزوجن بناتِهن بنفس الطريقة، وأول خطيب يتقدم ويطرق الباب بصدق ونية مُرحّب به، يكفي أن يكون إنسانا ويعامل زوجته بما يرضي الله، على اعتبار  أنها ستبني بيتها  طوبة طوبة مع زوجها ، تحت يافطة (الخاسر من المرا والرابح من المرا ) .. وبالفعل لما يُبنى الزواج بالنية ودون أغراض مصلحية يكلل بالاستقرار وبالحب، ويملؤه صبيان وبنات.. وشاعرنا ينحو بنا إلى أن الزواج /هذا الرباط المقدس شيء مقدر ومكتوب، وإذا بُنيَ على الصفاء والصلاح  والإخلاص  سيثمر، وإن فشل ليس معناه نهاية الحياة، سيكرر المرء التجربة بنية صافية واضعا أمله في الله ... 

ـــ الذكريات وجلجلة المشاهد  التاريخية والجغرافية  في الأعماق 
حياة شاعرنا حسن ميري حافلة بمشاهد اجتماعية وتاريخية وسياسية وجغرافية مازال رعدها يدوي  في الأعماق، مخلفة آثارا بليغة تهز النفس، بل كلما لاحت صورها أمام شاشة ذهنه إلا وتهتز لها مشاعره، حفرت عميقا في جناح القلب  وصخرة الروح،  ويتقاسم مع قرائه حادث الصخيرات الانقلابي الذي نجا منه الملك الحسن الثاني بأعجوبة،(( محاولات انقلابية هزت المغرب ، أبرزها ما جرى في 10 يوليوز 1971) ص 45 .. ولم يقف سيل التذكر عند هذا الحد بل  تدفق بمأساة اغتيال المعارض السياسي الذي لا يشق له غبار، المناضل المهدي بن بركة الذي خلف جرحا لم يندمل بعد في صفوف رفاقه، الذين عشقوا أفكاره، وأعجبوا بدوره الفعال كمفكر ومنظر في فضح الفساد بالحجة والدليل، وبإبداع منهج رياضي ينظّر لمشروع مجتمع حداثي وديموقراطي  يَدمُج فيه بين النضال الوطني والفكر الاشتراكي اليساري والتنمية المحلية، دون تبعية للفكر الأمبريالي.. كما نوه بأسماء بعض الشهداء والأبطال الأبرار مثل عبد الكريم الخطابي وموحى أوحموا لزياني وعلال بن عبد الله ومحمد الزرقطوني هذا الأخير الذي مازال ابنه عبد الكريم الزرقطوني يستعرض بطولات أبيه وأمجادَه في مؤسسة الزرقطوني، لتخليد ذكراه المجيدة في كل مناسبة؛  ولم يفته أن يرافق قراءه إلى مدينة مراكش ليمدهم  بمعلومة حول دولة المرابطين ومؤسسها يوسف ابن تاشفين  وأبو بكر بن عمر اللمتوني ... وبنفس النغمة يطربنا بوصفه الرنان للأماكن الجغرافية والمحطات التي يعرج عليها وهو في القطار، يلقي عينه المجهرية على محطة سيدي سليمان ويحدد تواجدها في سهل منخفض يعبُرها وادي بهت، ومحطة أكدال القريبة من السويسي ومحطة التمارة ومحطة بوزنيقة  ومحطة المحمدية، ومحطة السطات  المتواجدة بمدينة شعبية تحتضن قبائل متعددة من أبرزها قبيلة ولاد السعيد التي  تعيش على البداوة،  معتمدة على الزراعة وتربية المواشي، ذاكرا السهول وقبائل الرحامنة ونمط عيش بعض  السكان.. ويحدد موقع  مدينة الدار البيضاء على كتف أطلسي ويمطرها بوصف أنيق جذاب لأحيائها القديمة التي تتقاطع مع كاريان سنطرال، ذاكرا بعض الأماكن ( عيونة شامة /كاريان البشير// لكريمات / الرحبة / ..وبنفس الأسلوب يصف بعض المناظر الخلابة لمدينة مراكش كالأسوار، والشوارع العريضة وما تمتاز به من ظواهر كساحة جامع الفنا  وما تعج به من فنون وحلقات فنية ممتعة،  تزداد جمالا ورونقا ومتعة في الليل.. يقول (في مراكش لا ينتهي المشهد عند الجغرافيا بل يبدأ من جديد في ساحة جامع الفنا حيث يتحول الليل إلى مسرح مفتوح ..سحرة الثعابين ..حكواتيون ..مروضو القرود...)ص56 ولا يبخل عن مدينة العيون بإعطائنا لمحة عنها في أولها حيث كانت مدينة بسيطة لا تتوفر على مرافق  ومنشآت عمرانية كما هي عليه  اليوم، ولكن لا تخلو من مخلفات استعمارية لا تفي بالغرض المطلوب..  يُقحِم شاعرنا ما هو جغرافي في قالب تاريخي واصفا بدقة ما رأته عينه وسمعته أذنه..( أماكن لا تذكر فقط كجغرافيا بل كطبقات من تاريخ اجتماعي  كامل ) ص:50.. لو لم تكن الذاكرة هي التي تستدعي هذه الصور البعيدة في قالب الحاضر اليوم، لنسبت ذلك إلى ما يسمى (بأدب الرحلة)...

ــــ التعبير الفني سيف ذو حدين لمحاربة الجبروت  
حين تعجز الشعوب على مقاومة طغيان دولها واستبدادهم،/ ( إن مقاومة المجتمعات العربية  الحالية لدولها مقاومة فصامية نكوصية) ص:121 من كتاب استئناف البدء / للبناني الأستاذ الجامعي وضاح شرارة/  يظطلع بالمهمة كل مثقف أديبا كان أو  فنانا أو تشكيليا أو ممثلا أو مطربا .. وإن لم يذيل فنه بمواقف نبيلة أو رسالة تصب في الهموم الإنسانية أو البعد الوطني من أجل الإصلاح أو وضع الإصبع على الخلل، تعد رسالته جوفاء شاحبة لا عطر فيها  ولا ذوق، ولا أهمية لها،  ومع الأيام تمحوها أصابع التاريخ؛ ويأتي أديبنا الشاعر حسن ميري بمثال حي للمطربة الأمازيغية رقية الدمسيرية  بإبداعها الحقيقي التي استخلصته من رحم المعاناة لتعبر بلغتها الأمازيغية عن التقاليد التي تكبل المرأة وتحبط مواهبها، وتعبر عن الأوضاع المزرية التي يعيشها بعض المواطنين كبارا وصغارا... ..( كانت كلماتها تفتح أبوابا موصدة داخل الروح ، وتجر السامع إلى عوالم مليئة بالبؤس والشقاء والحنين ) ص:70والثقافة الحقيقية هي التي تترك الأثر بالتوعية وتهذيب العقل، وصقل المواهب وتنمية طريقة التفكير، ولفت الانتباه إلى معرفة الذات والمحيط والهوية والأصول، والتعبير كيف ما كان نوعه فنا أو أدبا فهو للتخفيف عن الذات مما يثقلها من هموم نحو ثلة من البشر سحقتهم طواحين الفقر، وأطفال صغار يتوسدون الثرى في الشوارع ويلتحفون السماء مشبعة بالطل والضباب، بينما الواجب المحتم أن يتربعوا على عرش مقاعدهم في المدارس؛ وشيوخ أفنوا  زهرة أعمارهم في خدمة الوطن فيصطدمون اليوم بالاحتماء بالعراء، خاصة إذا لفظهم أبناؤهم؛ بينما في الدول الأوروبية يعد الشيخ أهم عنصر لأنه ساهم في بناء الوطن اقتصاديا واجتماعيا، ويجب أن يعيش ما تبقى من عمره في سعادة تامة، فتُخصص  له مرافق لتجديد نشاطه، وسائل النقل رهن إشارته للتنقل والأسفار.. والمسنون في بيوت العجزة يحظون باهتمام بليغ، وتقدم لهم  خدمات إنسانية على أوسع مراميها بكل ما تعنيه الكلمة من تغذية وتطبيب وفُسَح فنية، وأسفار  لتجديد النشاط، بل ويساعدونهم حتى على تنمية بعض مواهبهم كالفن التشكيلي والطرب ..

ــــ الهروب من عتمة الواقع والزحف نحو المجهول
لم يختر شاعرنا الجندية عن طيب خاطر، ولو دغدغه  اللباس العسكري، ولو كان مشدودا  إلى البذلة العسكرية بشغف عارم منذ الصغر، فذاك مجرد حلم الصغار، والعبث الطفولي غير مسؤول، لم يكن يدري أن الجندية التي تمناها أمس وهو طفل هي نفسها ما عليه أثناء الانخراط فيها، وشتان بين هواجس صغيرة تُملي أشياء تبدو سهلة المنال، وبين تحقيقها بالعمل الجدي في ظروف أضيق من خم الإبرة، ومَن منا لم تأخذه الرغبة الطفولية إلى عالم المستحيلات، وانكسر في الكبر حين اصطدم بالحقيقة.. وشاعرنا حسن ميري، كان يظن أن الجندية لعب ومتعة كما يركب طفل على قصبة ويظنها حصانا، أو يدحرج  لعبة ويسوقها مقلدا صوتها  كأنها سيارة.. الرغبات وأحلام الصغار قد تتبخر بعسر الظروف، أو تتحقق لكن ليست بنفس الكيفية كما عشقتها النفس وتمناها الخاطر.. والتعلق  الطفولي الجامح بالجندية جعل شاعرنا حسن ميري يغادر المدرسة دون علم والديه، والرغبة حسمت في القرار وكأنه يقول لأمه التي كانت أشد الارتباط به وتخاف عليه ( لا تخافي إن إرادتي القوية والشعلة التي تحرقني باستمرار ستكونان العكاز الذي سيسند قدمي الضعيفتين) ص:147 كتاب جيكيفارا / للناقد والصحفي المصري مؤمن المحمدي  .. وأثناء الالتحاق بالثكنة، يجهض الواقع  كل مأمول، وتتلاشى الانتظارات  بين قسوة التدريبات، والتشدد المطلق في الانضباط، والحركة الطفولية الحرة السابقة تتقيد في شبابها بالأوامر والإملاءات والخضوع للتعليمات، واهتزاز الذات بالخوف المتسرب لمّا يتواجد في جبهة قتالية،  (وتعلمت كيف يكون الخوف رفيقا لا عائقا ) ص90 غير أن ما أثارني هي التدريبات الوحشية التي تتم في ظروف لا إنسانية مرفوقة بما يجهض الحس الإنساني، ويترك جروحا عميقة لن تندمل ..

ـــ الجندية مدرسة قاسية تعلم الصبر 
فبعدما طاف شاعرنا في مفازات الوطن مشخصا الأوضاع الاجتماعية والسياسية والثقافية، مبتدئا بالواقع القاهر، عارضا بعض التقاليد المحببة والمرفوضة، مشخصا بالوصف الدقيق  وقائع وأحداثا تدمي القلب   يعود أدراجه إليه ليحكي لنا عن حياته الشخصية منذ طفولته مرورا بشبابه وصولا إلى حياته المعيشة، واقتحامه للحياة العسكرية القائمة على الانضباط والنظام وتحمل المشاق، والصبر  أثناء حصص التدريب، حول حمل السلاح ووضعيات الرماية  والانتباه ودقة الملاحظة في التصويب، والتنقل بالأمتعة على ظهورهم،( كنا نسير لساعات ونحن نحمل على ظهورنا حقائب الميدان الثقيلة ) ص:80/81 .. كما كان الجنود يعانون من قساوة العيش،  من حيث التغذية القليلة أغلبها خبز يابس وماء أجاج، لا تكفي، ونوبات المرض والأوساخ وعدم وجود الوقت الكافي للاستحمام وتنظيف الملابس، ما يجعلهم عرضة للحكة والصدفية الجلدية والحشرات اللاسعة، فحين يتعرض  الجندي لمذلة بهذا المستوى قد يعود بعد أداء مهمته بجروح غائرة في الذاكرة  تخلق منه عدوا حانقا، ومن قال قد يخطط للانتقام بصورة أو أخرى.. وهنا أفتح السؤال، كيف لجندي في فم المدفع  مُعرّض للخطر والنسف بأبسط حركة، يقاوم من أجلي  ليحميني، ويحمي مملكتي، ولا أوفر له شروط العيش الكريم من تغذية وتطبيب، ووسائل نظافة واستحمام، لأشحنه بالحماس أكثر، وأحفزه إلى المقاومة بحب أكبر..؟؟؟  وأضيف لقد بلغ إلى علمي شيء مقزز يتعرض فيها الجندي لمهانة أكثر ومذلة مقرفة، بعد عودته أو تقاعده من الجندية، حيث يتقاضى راتبا هزيلا عوض أن يجد بيتا مكافأة له، وراتبا محترما وتُوفر له الدولة كل سبل العيش بفخر واعتزاز لأنه حمانا من غزو الأعداء ... ونحن صغار كنا نسمع عن أم تنتحب انضمام ابنها للعسكر، وأنه ضعيف البنية ولا يتحمل مشاق التدريب بالقفز على حواجز النيران  وقسوة  المرور من المنعجرات  والمنحدرات،  وأماكن ملطخة بالأوحال والركض لساعات طويلة، والقيام مبكرا والخضوع للأوامر، والسب والشتم، ما كنا نسمعه يبعث في قلوبنا الهلع، حتى أصبحنا نسمع أن العسكر حبس متنقل يحكمه القمع والتجبر، ولكن اليوم مع حقوق الإنسان والمنظمات والتيارات المناهضة للعنف ومس الكرامة،  والحث على العيش براحة البال وبكل الشروط الإنسانية الممكنة، لابد وأن يُستجاب لهذه  المطالب ويُعدّل في طريقة التدريب والتعامل بكرامة مع الجنود..
وحتى أخلص  فتجربة الجندية وإن مرت بقسوتها وخوفها  فقد أنجبت لنا شاعرا مرموقا، بنى نفسه وكونها بطريقة عصامية، وعوّض الدراسة التي حرم منها بالاطلاع على تجارب الغير، وقراءة الكتب حتى أصبح له رصيدا معرفيا متعدد المشارب يحق أن نفتخر به وبإنجازاته ...

ـــ تمزيق  الذات بين صهيل الواجب ومطبات الخوف  
عادة نلعق المحن ونتحمل المشاق والأتعاب ونَكِد ونجِد  لنصل إلى الأفضل الذي يغير من واقعنا، فنعيش حياة تملؤها الرفاهية  ورغد العيش،  غير أن شاعرنا كان على العكس انتقل من الحضن الدافئ بين الوالدين، والرفقة الطيبة مع الأصحاب وتنقله بحرية  في أمن وأمان  بين الشوارع والدروب، وقادته المغامرة إلى الانخراط في الجندية ليعيش واقعا آخر مغايرا، هو انطلاء مراهقة لم يُضرَب لها  حساب، واندفاع محموم من عاشق للجندية حتى النخاع لم يُخطِّط له ويستشرف أبعاده، فهو لم يخترها عن طيب خاطر للدفاع عن وطنه، لأن الفكرة  لم تختمر بعد في الذهن، والرغبة لم تكن ناضجة، لكن الواقع المشحون بالخوف، والمشاق  أجبر شاعرنا أن يكون جنديا وفيا أو لا يكون، فانخرط في حياة جديدة لا هزْل فيها ولا لعبا، وعليه أن يتأقلم معها بروحه وجسده ومشاعره، وألا يندم على أحلامه ورغباته واختياراته السابقة.. إنه الوطن  / إنه الواجب/ إنه الانتماء والهوية، وفداء الوطن  بالروح  ليست خسارة، لذا اقتنع شاعرنا أخيرا أن الجندية ليست مهنة اختيارية،  وعليه أن يقدم نفسه قربانا لهذا الوطن وأن يذود عنه بكل ما في وسعه حبا فيه، وليعيش أبناؤه في استقرار، ويرافقنا السارد في رحلة الجندية ليحكي لنا تفاصيل الحرب  العاجة بالمخاطر  من حيث التنقلات ومواجهات العدو، مواجهات كمائن غدره واختراقه..  وطلقات الرصاص، ودوي القذائف  وإسقاط الطائرات، وثورة الألغام وسقوط القتلى بالقرب منه، وانفلات أخرين بأعجوبة، والجنود  يركضون في الحلبة تحت أشعة الشمس اللاهبة، ورمال الصحراء الممتدة، وجرحى ينزفون، وصوت المدافع يصم آذانهم، والخوف يهُزُّهم  من الجذور، والدم والقتلى والشهداء والقبض على الأسرى ودفن الموتى..( ثم دوى الرصاص، سقط القائد أولا، إصابة في ساقه)ًص:95، بالإضافة إلى حرمان الجندي من دفء الأسرة، يعيش المناسبات بعيدا عن أهله وأحبابه، لأنه اتخذ الوطن والديه والجنود إخوته في الرضاعة من تدي المحنة والمشاق.. وتدور دوائر الحرب لتكلل بالنصر أخيرا.. يقول الله تعالى في كتابه العزيز  الآية 39 من سورة الحج( أذن الله للمؤمنين الذين يقاتلون المشركين في سبيله بأن المشركين ظلموهم بقتالهم) فالبوليزاريو كانوا من الظالمين، لذا تصدى  لهم الأبطال المغاربة ليلقنوهم الدرس ذودا عن الوطن  والثوابت والدين والمواطنين وكل القيم النبيلة ... وأنا أغبط كل من كان في الجندية وعاد سليما إلى بيته، ومازال يسمع بأذنيه، ويمشي برجليه، ويرى بعينيه ولم تبتر الحرب له عضوا من الأعضاء؛ بل وحُقّ له أن يحتفل بنفسه كل سنة، وأنا من هذا المنبر أقترح على السلطات أن تخصص للعائدين من الجندية راتبا إضافيا شهريا مكافأة على محنتهم الشاقة،  وتُعين أطباء سيكولوجيين أخصائيين في علم النفس، لمتابعة هؤلاء وعلاج اضطراباتهم النفسية والجسدية، بما يمكن من فحوصات وجلسات لترميم نفسيتهم حتى يعاد انسجامهم مع ذواتهم وغيرهم..

ــــ الجنود الذين  خلقت منهم الحرب أدباء مرموقين (حسن ميري الشاعر  المغربي = أرنست أمنغواي الأديب الأمريكي 
لا يختلف شاعرنا حسن ميري عن أرنست امنجواي الروائي  وكاتب القصة القصيرة والصحفي والرياضي الأمريكي الذي قال عن نفسه (وسيموت هذا الرجل ألف ميتة  قبل ميته الحقيقية ولن يشفى 

تماما من جراحه ) ص136 / كتاب صرخات في وجه العصر / للناقد الأدبي والصحفي المصري  جلال العشري.  لقد اشترك في الحربين العالميتين، وقام بعدة عمليات انتحارية استهدفت تحطيم غواصات العدو،  تعرض على إثرها  لمهالك وأخطار متعددة انفلت منها بأعجوبة، وإحداها إصابته بجرح بليغ إثر حادث انفجار، بقي حيا لكن لا يوجد موضع في جسده دون إصابة، وشاعرنا حسن ميري لا يختلف عن أرنست امنغواي فهو الآخر مات ألف مرة في ساحة الوغى، حين سقط القتلى بالقرب منه، أو طار رأس بطلقة مدفع، أو بُتر ساعد بضربة طائشة أو مسددة من بندقية، فكم انفلت من انفجار الألغام، وانفلاته أصبح  من بعد كابوسا مزعجا مرافقا له طوال اللحظات، وكم نجا من طلقات الرصاص، والنجاة تحولت لاحقا أحلاما ولكن ليست عابرة بل موشومة في الروح والذاكرة ؛ فمرارة المشاهد المقززة في الحرب، ومشاهدة جلاد الموت وهو يمشي جلوازا بين الجنود، يعصف بالرؤوس يقلع الأرواح يبتر الأعضاء، خلقت منهما أديبين كبيرين يُعبّران عن عصرنا بعمق واتساع، لما أصبح العالم  يعيش العنف والتوتر والصراع وحربا دائمة، لا تختلف عن معركة الحرب الحقيقية بالأسلحة والجيوش والتفنن في القتال.. وبطريقة عصامية بنيا نفسيهما عن طريق القراءة ومتابعة تجارب الآخرين، للنهل من مختلف المعارف على اعتبار أن الثقافة  تربية مستدامة وتهذيب السلوك، (وهكذا يتأتى له القول بأن المعرفة  فضيلة أخلاقية وهي أم الفضائل)ص:60 / كتاب سقراط ترجمة ابراهيم الزيتي   فالمعرفة تنمي المدارك، وتفتح آفاقا ومسالك لمعرفة الوجود بأسراره وخباياه، وكلما توسعت المعرفة تهذبت الأخلاق واستقام السلوك .. 

ـــ سحر الأدب وولع الأديب بالقراءة والكتابة حتى أثناء السفر
من مِن الأدباء لا يتأبط حزمة من الجرائد أو بعضا من الكتب أو الأوراق والأقلام، وهو في رحلته طويلةً كانت أو قصيرة، ومن منهم  لم يتخذ  ركنا من بيته يحوله محرابا لينكب على قراءة الكتب، أو تسجيل بعض الرقصات الشعرية أو الومضات القصصية حين تأتي بها زوبعة القريحة والجذبة الشعرية، وإبان اللحظات  قد تبرق بعض العناوين من الكتب فيهب يختار منها الذي يلبي ذوقه؛ أو تلوح له أسماء مفكرين فيسجلها  ليبحث عن مؤلفاتهم، جنون الأدب المحتد يرافق الأدباء حتى آخر رمق في حياتهم، وأديبنا حسن ميري لم يفلت من هذه العدوى الجميلة، هو من الكوكبة الذين يشغلهم الأدب في رحلاته كتابةً ومطالعة، ليملأ الفراغ مستأنسا به طوال مدة السفر لطرد الملل حتى لا يشعر بالضيق والسأم، وبالتالي  يحاول تجديد الحيوية وبعث النشاط والمتعة باستغلال الوقت في ما يفيد،  وكغيره  تذكر شخصية أدبية مرموقة خلفت ذاكرة أدبية من ذهب وهو صاحب (سوس العالمة) الأديب المحنك المختار السوسي  الذي أثرى المكتبة على حد قول شاعرنا بمخطوطات نفيسة شاهرا قلمه في وجه المستعمر(تسلل إلى ذاكرتي صورة ذلك الشامخ من أبناء منطقة إلغي، فارس الأدب والفقه وأحد الأعلام الأجلاء في تاريخ المغرب.. العلامة المختار السوسي ) ص:66 ولم يتذكر شاعرنا حسن ميري هذه الشخصية الأدبية البارزة ليقدم لنا معلومة عنها، وإنما اعترافا بما قدمه هذا الأديب الكبير للمغرب من حب لوطنه، شاهدة عليه منجزاته القيمة في زمن أصبحنا نُولي  ظهورنا للمثقفين الحقيقيين الذين يساهمون بصدق في التنمية البشرية والوطنية بحرفهم الصادق لو اعتدوا به، ونشيح بجهنا عن الكلمة الحرة التي تساهم في رقي البلاد والسير بها نحو المجد والازدهار، ونطبل للتفاهة التي تدجن العقول، وتغتال القيم النبيلة ..

4ـــ البناء الفني لإشباع ذوق القارئ
كل أديب لن ينشر عمله إلا بعد أن يتولاه فنيا  شكلا ومضمونا، فيختار له غلافا مرموقا ويراعي  تنسيق عناصره من حيث  الألوان واللوحة والعنوان ، كما يحرص بشدة على مكونات محتواه من حيث اللغة والأسلوب والصياغة، وعرض الأحداث وفق تنوع أمكنتها وتحديد أزمنتها، وتحرك وتنقل الشخوص  وما يتلامس به الخيال والواقع، وحيث أن كتاب (العائد من الظل) عبارة عن سيرة ذاتية  وليس قصة ولا رواية، سيكتفي الأديب بسرد الواقع عبر الذاكرة  ولا أظن أن للخيال موقعا هنا.. ولكن لن يفوت مبدعنا الشاعر حسن ميري من أن  يمنح أحداثه التّأثير الجماليّ من خلال عدد من الدّلالات المكانيّة والنّفسيّة واللغوية والأسلوبية مادام السارد هو نفسه شخص من شخوص المحكي،..       

ـــ السارد شخص من شخوص المحكي وبطل الأحداث 
السارد في هذا المنجز متَخفٍّ في جلباب السرد عالمٌ بمجريات الأمور وكل الأحداث كبيرها وصغيرها، يقدمها لقرائه بأدق التفاصيل، والسارد نفسه هو الراوي في الزمن الحاضر لوقائع حدثت في الزمن الماضي، وهو شخصية رئيسية من شخوص القصة، يدرك أسرار جميع الشخوص، بل حاور البعض منهم وساعد آخرين، واقترح أفكارا على غيرهم، يشارك قراءه ما وقعت له من أحداث وما شاهده وعاينه من أوضاع مزرية، ينقل إلينا كسائر الأدباء خبرته ليشاركنا  تجربته ـــ لأن أغلب  المبدعين لا يلتذون بأفكارهم، ولا يحسون بجمالها إلا من خلال عرضها على الجماعة (وكثير من الناس لا يستشعرون الجمال  حينما يكونون بمفردهم ولكنهم بمجرد ما يوجدون  في وسط الجماعة ، فإنهم يجدون لذة  كبرى في أن ينقلوا  إلى الآخرين مشاعرهم ، وأن يستمعوا إلى وصف الآخرين لمشاعرهم) ص46 / ((كانت)) / ترجمة  المفكر المصري إبراهيم الزيني..ـــ واضعا الإصبع على محنة الفقراء، وما يعيشونه من تهميش وإقصاء  في جميع المجالات محددا  ملامحهم واصفا سماتهم، مشخصا حالاتهم النفسية، وكأنه بذلك يريد من القارئ أن يشاركه الأحداث بأجزائها وتفاصيلها، التي يقدمها بطريقة فنية إما بتوضيحها وتفسيرها بالإطناب الممل، أو بالجمع بين الحاضر والماضي عن طريق التذكر واسترجاع بعض الذكريات كما يقول : (  على مقربة من محطة تمارة تسللت إلى ذهني حادثة سير قديمة كأن المكان نفسه يستدرج الذاكرة  من مكامنها البعيدة) ص:44 استرجاع وتذكر لحادث مؤلم تحول فيه انقلاب سيارة إلى كمشة من الحديد ممزوجة بالدم والغبار، حيث خلف الحادث عشرات الضحايا،  ويتحدث السارد بضمير المتكلم  خلف أطوار الحادثة يطل عليها من فتحة  السرد بوصف دقيق  ..

ـــ الترصيع اللغوي بما يلبي الذوق 
اللغة تتألف من عدة عناصر قد تكون منسجمة أو متنافرة ولكن حنكة الأديب الفنية  تجعلها متضامنة مع بعضها البعض في نسيج مبهر، حسب ما أكدته بعض الدراسات البنيوية ( أنظومة أو نسق  يمكن ويجب أن ينظر إلى أجزائه من خلال علاقات التضامن القائمة ) ص369 من كتاب / دروس الفلسفة لطلاب الباكالوريا ، ولغة الشاعر حسن ميري عذبة هادئة، تنساب دون أن تحدث ضجيجا  كما يتسلل الماء في هدوء من بين الأصابع،  مرصعة بصور شعرية مدهشة  تدغدغ المشاعر، عرف شاعرنا كيف يركّب حباتها  في عقد ماسي  براق بأسلوب فني لافت، يربط بين مفرداتها بعلاقة جذابة  كل مفردة تعانق أختها في انسجام فريد، ( يتمكن القارئ بواسطته من الوصول إلى ملاحظات أساسية تنير التحليل وتجعله مترابطا متوحدا ) ص:119 من كتاب (نقد) للشاعر اللبناني بول يوسف  شاوول  بل يدفعه إلى التساؤل  من أي منجم جمع هذه الفصوص الذهبية اللامعة؟ ومن أي جُرْف لملم  معجمه  اللغوي المتين؟ وبأية طريقة رصفها بطقوس تصويرية ليخلق منها لوحات فنية بديعة تضرب بموجاتها الصاخبة المهجة؟؟ لاحظوا هذه العبارة ( رأيت دموعها تنساب  ببطء فوق خديها تاركة أخاديد لامعة  تحت ضوء  المصباح الباهت) ص:29 الأخاديد المتداولة هي الأسارير التي يخلفها الزمن على المحيا في خريف العمر، وبمهارة عالية رسم منها شاعرنا صورة مدهشة، حين سطع الضوء على الدموع فتلألأت  مخلفة بريقا لا يقاوم .. والمتعارف عليه أيضا أن الأخاديد ما يخلفه المحراث من شقوق في الحقل، لكن من الواقع رفع  شاعرنا هذه المفردة ليركبها في علاقة فنية تبعث الدهشة ؛ ولاحظوا أيضا هذه العبارة الأنيقة (وهي تمزق صمت السكة الحديدية ) التمزيق للقماش، أما السكة الحديدية فالمفردة المناسبة لها هي الكسر، ولكن الصياغة الفنية خلقت منها عبارة ممتعة تحير القارئ، ولاحظوا أيضا  (وأن الحب مثل زهرة عباد الشمس يتبع دفء مشاعره  حتى وإن قادته نحو الاحتراق(وأيضا (كان وجهه باهتا كجدار قديم ) (كان البئر صامتا، كشيخ عجوز يوزع عطاياه ببطء)   تعابير وتشبيهات مجازية مرصعة  بالاستعارة والكناية  تبعث الحيوية والحركة في اللغة فتنمو معهما بجمال  فني  جذاب؛ كما تدفقت اللغة ببهاء أكثر بغزارة من التشبيهات موظفا بعض حروفه كما يبدو لنا في الآتي ( زرع العدو  الأرض بالألغام ، كما لو أنه  يزرع موتا مؤجلا  تحت كل خطوة) ص98 ويقول أيضا  ( بدِأوا النبش  بحذر ، كأنهم يوقظون جنينا نائما ) من نفس الصفحة ويقول أيضا ( وكنا  نمشي كأننا نكتب الحياة  فوق الأرض) ص99  هذه بعض المقتطفات للتوضيح.. والتشبيهات لم تُوظّف  بطريقة فوضوية لا أساس لها من المعنى، ولا أريد بها  تضخيم المنجز بالإطناب الممل، وإنما لإضفاء لمسة فنية جمالية تصبح معه اللغة ترفل في حلة بلاغية مدهشة  أكثر جاذبية وإمتاعا،  تقرب التعبير التصويري الذهني من فهم القارئ، بتحويل ما هو مجرد من المعاني  إلى ما هو حسي، فيلتقط المعنى بلذة ممتعة..  وأحيانا ونظرا لولع شاعرنا حسن ميري بالزجل، لا يفوته تنميق اللغة بعبارات الدارجة المغربية، ليرفع الملل عن القارئ حتى يتمتع بالتنوع اللغوي ( شوية ..خفت يمشي علي التران) ص:36 وتوظيف الدارجة ليس لأنه  استعصى عليه التعبير، أو سقط منه المعجم اللغوي بالعربية الفصحى في كهف السهو، أو عاسره البحث عن المفردات، وإنما  رفقا بالمتلقي من جهة ومن جهة أخرى، عَشِق شاعرنا التنوع اللغوي ليقدم طبقه دسما للقراء حسب أذواقهم واختياراتهم؛ بل ويمد الخيط إلى اللغة الأمازيغية، ليسمو بالتنوع اللغوي ويزيده تألقا ورحابة في المعنى / حيث يتداخل  ماهو عربي دارجي أمازيغي في انسجام تام (الهم ندونيت اداغ ايبضان تمازير تين ) ص:  69 ، بقصد الكاتب أو بدونه فالمنجز رهنَ جميع الشرائح المجتمعية المغربية على اختلاف لغاتهم ولهجاتهم ولكناتهم، وهي فرصة ثمينة أفسحها الكاتب لينهل كل قارئ ما يفيده باللغة التي يعشق  ..  

5ــ ما يمكن الختم به  
تناولت الكتاب وبدأت تصفحه، على اعتبار القراءة ( نشاط مكثف  وفعل متحرك وتوليد يحاول معه القارئ استكشاف وسبر أغوار النص ) ص59 من كتاب/ البعد الفلسفي في النقد الأدبي عند العرب / محمد يوب شدني الجزء الأول  منه لأنه كان أسيلا حد الشغف، لغته الوصفية لمراحل عمره كانت رقيقة وبهية، فتمسكت بالكتاب  ألوي صفحاته بفرحة كبيرة، أتنسم مراوغة اللغة، أمشط خصلاتها على مهلي، أتتبع جولة الكاتب الإنسانية بين ممرات ودروب  الأوضاع المقهورة، التي تسحقها طواحين الفقر في كل الميادين ، فأصبح لدي كالحجر الأسود في الكعبة، أقضي أغراضي المنزلية ثم أعود لأطل عليه، وأرشف من ينابيعه  بهاء الأسلوب ومراوغة اللغة، والتهام المعلومات من جبه الفياض.. لكن لما اقتحمت الجزء الثاني بدأ معي بليونة حتى أستقر في ثكنته،  وما كدت أمسك ناصيته لأتوغل بين أدغاله ، حتى قذفني بين مسالكه الوعرة، وكهوفه الغائرة بما يدمي القلب، ويهز الروح، ويزلزل الكيان، وصدقوني إن أفصحت عن صدق  أنه أول كتاب يُبكيني ويبعث القشعريرة في بدني، فحسن الجندي الذي أتانا بتخمة تفوق طاقتنا، إنسان غرست فيه الجندية عدة مبادئ، التريث في اتخاذ القرار، الابتعاد عن المشاكل، النصح بطريقة لبقة غاصة بالثقافة وعمق المعنى، الرجل العصامي الذي بنى  نفسه بنفسه عن طريق الاطلاع عن التجارب، وممارسة القراءة بافتراس الكتب على اختلاف أنماطها وتنوع مواضيعها، مما حرك موهبته،( الموهبة قوة مبدعة  شديدة التأثير) ص:258 من كتاب /الرأسمالية والنظرية الاجتماعية الحديثة / للعالم الاجتماعي الإنجليزي أنطوني جدينز Anthony Giddens وأيقظ ملكته ليقول مالم يقله في الجندية، والموهبة اشتعل لهيبها بدبابيس الجراح الشائكة التي انغرزت في العمق،  وما عاشه من نزيف خلال محطات حياته مع أسرته أو في المجتمع، أو في الجندية..   فكانت له على سرير هذه العناصر مجتمعة  ولادة أديب  بهي بزجله العميق، وشعره البديع، وسرده النوعي .. كل الود لشاعرنا الكبير السيد حسن ميري .. 

المراجع
 ـــ كتاب /الرأسمالية والنظرية الاجتماعية الحديثة / للعالم الاجتماعي الإنجليزي أنطوني جدينز Anthony Giddens ص258
ــ كتاب /البعد الفلسفي في النقد الأدبي عند العرب / محمد يوب ص:59
ـــ كتاب /دروس الفلسفة لطلاب الباكالوريا ص:369 
ـــ ((سقراط ))ترجمة المفكر المصري إبراهيم الزيني ص:60
ـــ  ((كانت)) / ترجمة  المفكر المصري إبراهيم الزيني ص:46
ـــ كتاب/ صرخات في وجه العصر / للناقد الأدبي والصحفي المصري  جلال العشري. ) ص:136  
ـــ الآية 39 من سورة الحج
ـــ كتاب جيكيفارا / للناقد والصحفي المصري مؤمن المحمدي  ص:147
ـــ كتاب /استئناف البدء / للبناني الأستاذ الجامعي وضاح شرارة ص:121
ـــ كتاب/ وثائق ونصوص مرجعية / الجمعية المغربية لحقوق الإنسان ص: 166
ـــ كتاب (نقد) للشاعر اللبناني بول يوسف  شاوول  ص:119
ـــ مجلة الوحدة  القومية العربية والإسلام السياسي / العدد 52/ يناير 1989/ ص230
ـــ بيت من القصيدة اليتيمة 
ـــ رواية (مرتفعات وذرينغ) للروائية والشاعرة البريطانيا إميلي برونتي/ ص:29

مالكة عسال 
16/09/2026

 

إضافة تعليق

Security code تحديث

إرسال التعليق

مفضلات الشهر من القصص القصيرة

مفضلات الشهر من الدراسات الأدبية