أبو حنيفة النعمان وسؤال المحنة؟ - محمد نيات

نوع الخط وحجمه
  • أصغر صغير متوسط كبير أكبر
  • نسخ ريدكس برو يمامة أميري شهرزاد

   تقدم لنا السردية الرسمية أبا حنيفة النعمان كمثقف عضوي وبطل قومي، ورجل شجاع لا يخشى في قول الحق لومة لائم، حتى وإن كان اللائم هو الخليفة أبو جعفر المنصور نفسه. مثقف ظل يواجه استبداد الدولة بعزيمة قوية وإرادة صلبة وبأس شديد، حتى إنه تعرض بسبب ذلك، وهو في سن السبعين، إلى محنة قاسية، وإلى تعذيب وحشي، وإلى الاعتقال بسجون الخليفة، حتى مات بها سنة 150 هـ. 

  وترجع السردية الرسمية محنة أبي حنيفة النعمان إلى سبب رئيسي، وهو عدم اعترافه الضمني بالشرعية الدينية السياسية لبني العباس، وهو يرفض شغل المنصب الذي عرضه عليه الخليفة أبو جعفر المنصور قاضياً للقضاة. وتؤكد تلك السردية أن فقيهنا رفض ذلك المنصب تورعاً وخوفاً من أن يُجبر على الحكم بغير الحق والعدل، وأن يتحول إلى أداة في يد السلطة السياسية، وهو ما يبدو واضحا من خلال رده الصارم والحاسم على مقترح الخليفة، حين واجهه بالقول: "والله ما أنا بمأمون الرضا، فكيف أكون مأمون الغضب؟ ولو اتجه الحكم عليك ثم هددتني أن تغرقني في الفرات أو أن تلي الحكم لاخترت أن أغرق."(1)

   لكن هل رفض أبو حنيفة النعمان فعلا الاشتغال إلى جانب بني العباس؟ وهل رفض حقا الاعتراف بشرعيتهم الدينية والسياسية؟

   إن السردية الرسمية التي قدمت لنا أبا حنيفة النعمان كما سبق، هي نفسها التي تقدمه لنا في صورة مغايرة تماما؛ صورة فقيه السلطة الخانع، الوديع والمهادن، الذي ظل يخدمها دون تذمر أو ضغط أو إكراه. فهي تورد، أنه كان من أوائل من بايعوا حكم بني العباس حين نجحوا في إسقاط الأمويين، واستأثروا بالسلطة دون حلفائهم العلويين؛ فقد كان الرجل ضمن جملة من فقهاء الكوفة وأعيانها، الذين بايعوا أبا العباس السفاح أول خليفة عباسي بمسجد الكوفة، وهو ما لا يستقيم وما تذكره الرواية الرسمية، من كون محنة الرجل، كانت بسبب رفضه الضمني الاعتراف بشرعية بني العباس، بل ومساندته لثورة محمد النفس الزكية.

   إن السردية السنية الرسمية، تتضمن ما يؤكد على حقيقة موقف أبي حنيفة النعمان، من شرعية بني العباس، وكيف أنه ظل مدافعا ومنافحا عنها، مصنفا كل الخارجين عن الخليفة ضمن فئة "أهل البغي"؛ فهو حين سئل عن رأيه في ثورة محمد النفس الزكية، التي قادها في مواجهة أبي جعفر المنصور سنة 145 هـ، أجاب قائلا ودون تردد: " ...وكن مع الفئة العادلة والسلطان الجائر ولا تكن مع أهل البغي" (2)

   إن هذه الرواية وحدها، كافية لنسخ كل الروايات التي قدمت لنا أبا حنيفة النعمان في صورة الزعيم البطل؛ فهي تؤكد ـ على العكس من ذلك تماما ـ على ما يلي: 

ـ أن أبا حنيفة النعمان ظل يدافع عن شرعية بني العباس الدينية والسياسية، وينفيها في الوقت نفسه عن خصومهم السياسيين. لقد قسم فقيهنا الأطياف السياسية المتصارعة حول السلطة إلى فئتين اثنتين:

    ـ الفئة العادلة التي وجب شرعا على العامة الاصطفاف إلى جانبها، وهي التي ينتمي إليها الخليفة (وإن كان جائرا)، من دون أن يوضح كيف يمكن لحاكم جائر أن يكون ضمن الفئة العادلة؟ 

    ـ أهل البغي: وهم الذين خرجوا عن طاعة الخليفة، ووجب شرعا عدم الانتماء إليهم أو مساندتهم، بل ومحاربتهم إن هم أصروا على عدم الدخول في طاعة الخليفة.

ـ إن فتوى أبي حنيفة النعمان بعدم جواز الخروج عن الحاكم الجائر، كان ردا رسميا على خطاب سياسي ظلت توظفه المعارضة السياسية من العلويين والخوارج والمعتزلة، لتأليب العامة على بني العباس، وهم الذين عُرفوا بجورهم وطغيانهم. ما يعني أن دفاع أبي حنيفة النعمان عن الحاكم الجائر، إنما كان دفاعا عن سلالة بني العباس، وعن شرعيتهم الدينية والسياسية.  

  ولا بد من التوضيح هنا، أن الحاكم الجائر المقصود في هذه الفتوى، والذي أكد أبا حنيفة النعمان على شرعيته الدينية والسياسية وهو يصنفه ضمن الفئة العادلة، لم يكن إلا أبا جعفر المنصور ذاك الذي تورد السردية الرسمية، أن فقيهنا رفض عرضه في تقلد منصب قاضي القضاة بسبب جوره وظلمه، بل وتؤكد على أنه دعم ثورة محمد النفس الزكية ضده. فكيف يمكن القبول بكل هذا التضارب في الروايات؟ وأيها الأصح؟ وهل كان أبي حنيفة مواليا لبني العباس أم مناوئا لهم؟ وكيف يمكن أن يكون مناوئا للخليفة وهو يضفي عليه الشرعية الدينية والسياسية حتى وهو جائر؟

  رواية أخرى ثالثة، أوردها الذهبي في سير أعلام النبلاء، تؤكد على نفس الخلاصة التي أكدت عليها الروايتين السابقتين، فهي تقدم لنا أبا حنيفة النعمان في صورة فقيه سلطة، ظل يأتمر بأوامر الحاكم، ويشتغل وفق ما حُدد له من مهام. تقول الرواية على لسان أبي حنيفة النعمان نفسه: "دعاني المنصور وقال لي إن الناس قد فتنوا بجعفر بن محمد... فهيء لي من مسائلك الشداد الصعاب، فهيأت له أربعين مسألة". (3)

    تؤكد هذه الرواية، على عدد من الحقائق يمكن الحديث عن بعضها كما يلي:

ـ أن الخليفة أبي جعفر المنصور، قد وقع اختياره على فقيه اسمه أبي حنيفة النعمان لغاية محددة؛ وهي الرد على خطاب سياسي معارض ومزعج. فماذا كان يعني ذلك؟ وهل كان من الممكن للخليفة ـ منطقيا ـ أن يكلف فقيها ما بمهمة صعبة وذات أهمية بالغة كتلك إن لم يكن متأكدا من موالاته السياسية ومن قدرته المعرفية والعلمية؟ 

ـ أن أبا حنيفة النعمان قد استجاب طوعا وفورا لدعوة أبي جعفر المنصور حين دعاه، ولم يقابل دعوته بالرفض كما فعل مالك حين دعاه الخليفة هارون الرشيد لمقابلته؛

ـ أن موضوع الدعوة كان هو تهيئ رد مناسب (فهيء لي من مسائلك الشداد الصعاب) على خطاب ديني سياسي ظل يزعج الخليفة (إن الناس قد فتنوا بجعفر بن محمد)، وهو ما يعني أن الدور الذي كان يلعبه أبا حنيفة داخل القصر الخليفي، كان هو الدفاع عن الإيديولوجية الرسمية للدولة، وعن شرعيتها الدينية والسياسية، وهي المهمة التي ظلت توكل تاريخيا لفقهاء البلاط؛ 

ـ أن أبي حنيفة النعمان قد أنجز المهمة التي أوكلها إياه الخليفة دون ممانعة أو اعتراض (فهيأت له أربعين مسألة) وهو ما يؤكد على نفس الخلاصة السابقة.

   لقد ظلت مسألتي الخروج عن الحاكم الجائر، وشرعية الحاكم المتغلب، تمثلان أهم القضايا الخلافية على المستوى الإيديولوجي بين معسكري السلطة السياسية وفرق المعارضة. وهكذا، وفي الوقت الذي ظل فيه فقهاء الخليفة، يدافعون بشراسة عن شرعية الحاكم المتغلب، وعن عدم جواز الخروج عن الحاكم الجائر، كان فقهاء المعارضة السياسية، يعتبرون الحاكم المتغلب مجرد مغتصب للسلطة لا شرعية له، كما ظلوا يؤكدون على وجوب الخروج عن الحاكم الجائر تفعيلا لمبدأ "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" الذي وحد أطياف المعارضة السياسية كلها. وهكذا؛ وإذا ما نحن رغبنا في تصنيف أبا حنيفة النعمان إلى أحد المعسكرين، تصنيفا موضوعيا وواقعيا ومحايدا، وجب علينا بالضرورة معرفة موقفه من تلك القضيتين. فماذا كان موقف الإمام منهما؟

  الإجابة عن سؤالنا هذا، نجدها متضمنة في كتاب أبي حنيفة النعمان المعنون بـ "الفقه الأبسط" إذ يورد ما يلي: "فقد سأله أبو مطيع البلخي قائلا له: ما تقول فيمن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فيتبعه على ذلك ناس، فيخرج على الجماعة، (المقصود هنا ثورة محمد نفس الزكية) هل ترى ذلك؟ قال: لا... قال أبو مطيع: فنقاتل الفئة الباغية بالسيف؟ قال: نعم تأمر وتنهي فإن قبل وإلا قاتلته فتكون مع الفئة العادلة وإن كان الإمام جائرا، ثم قال له بعد ذلك: وكن مع الفئة العادلة والسلطان الجائر ولا تكن مع أهل البغي" (4)

    يوضح هذا الحوار، موقف أبي حنيفة النعمان الواضح والصريح، من مسألتي الخروج عن الحاكم الجائر، وشرعية الحاكم المتغلب. ففيما يخص مسألة الخروج عن الحاكم الجائر، فهو يفتي ـ كما غيره من فقهاء السلطة ـ بعدم جواز ذلك، حين يقول: (فكن مع الفئة العادلة وإن كان الإمام جائرا). إن فقيهنا الذي تقدمه السردية الرسمية كما بطل مغوار، لا يخشى في قول الحق لومة لائم، وكرجل مبادئ مستقيم، صلب الرأي وقوي العزيمة، وصاحب ضمير حي، ظل مساندا للحق والعدل حتى أنه رفض الاشتغال قاضيا لخوفه من عدم الالتزام بهما تحت ضغط السلطة السياسية، نجده هنا يشرع دينيا لجور الحاكم وظلمه وطغيانه، ويحث الناس على قبول ذلك ويوصيهم بعدم الخروج عليه. فهل كان أبي حنيفة النعمان يعاني من انفصام في الشخصية حتى يقول بالشيء ونقيضه؟ وكيف يمكن للباحث أن يتعامل مع كل هذا التضارب في الروايات؟  

   أما عن موقفه من شرعية الحاكم المتغلب، وخلافا لما تذكره السردية الرسمية من كونه ظل يعتبره غاصبا للسلطة، حتى أنه وصفه بـ "اللص المتغلب" و"اللص الغالب"، فإن هذه الفتوى تؤكد على عكس ذلك تماما، فهو وحين لم يجز الخروج عن حكام بني العباس حتى وإن كانوا جائرين، فهو قد أجاز بالضرورة شرعية الحاكم المتغلب، ما دام أن هؤلاء قد بلغوا السلطة بالغلبة وحد السيف. فلو أن أبا حنيفة النعمان كان له موقف مغاير من شرعية الحاكم المتغلب، لما كان له أن يضفي على بني العباس الشرعية الدينية والسياسية، وهو يصنفهم ضمن "الفئة العادلة"، ولما كان له أن يفتي بعدم جواز الخروج عليهم، وهم الذين بلغوا الخلافة بالقوة والغلبة. 

   إن صورة أبي حنيفة النعمان كما شكلتها السردية الرسمية، لا تبدو متناسقة ولا متناغمة ولا متجانسة، فهي تقدمه تارة كأي فقيه سلطة عادي، تحددت مهمته الرئيسية في خدمة الحاكم والدفاع عن شرعيته الدينية والسياسية مقابل أعطيات جزيلة، إذ تؤكد بعض الروايات "أن أبا جعفر المنصور أجاز أبا حنيفة بثلاثين ألف درهم في دفعات" (5)، كما تؤكد روايات أخرى أن فقيهنا كان من كبار الأطر الإدارية التي كان يعتمد عليها الخليفة أبا جعفر المنصور في إدارة شؤون الدولة، ذلك أنه عُين مشرفا على بناء مدينة بغداد، وكانت مهمته هي مسك محاسبة المشروع، ومراقبة العمال (6). في مقابل ذلك، تقدمه نفس السردية، في صورة الفقيه المشاكس والرافض لخدمة السلطان ولمناصبه ولعطاياه، فنقرأ في رواية للحسن بن زياد اللؤلؤي ما يلي: "والله ما قبل أبو حنيفة لأحد منهم جائزة ولا هدية، يعني الأمراء" (7)، كما تورد فصولا تراجيدية لمحنة قاسية تعرض لها بسبب مواقفه المناوئة للسلطة. فأي شخصية لأبي حنيفة النعمان من تلك الشخصيتين يا ترى هي الحقيقية؟ وهل كان شيخنا فقيه سلطة أم فقيها مناوئا لها؟

     قد لا يحتاج الأمر إلى بحث عميق وإلى تقص مستفيض، للقول إن أبا حنيفة النعمان كان بكل بساطة، فقيها مواليا للسلطة السياسية، وذلك للاعتبارات التالية:

ـ أن اختيار مذهبه الديني مذهبا رسميا للدولة، هو أقوى دليل يمكن الاستناد عليه لتوكيد صحة ما ذهبنا إليه. فلا يعقل بالمطلق، أن تتبنى دولة ما مذهبا دينيا، إن لم يكن ذلك المذهب داعما لطرحها الإيديولوجي، ومدافعا عن شرعيتها الدينية والسياسية؛

ـ لا يمكن الفصل في تصنيف أبي حنيفة النعمان إلى أحد المعسكرين، بالاعتماد على روايات متضاربة ومتناقضة ومشكوك في صحتها، بل إن كلمة الفصل تتحدد أساسا، فيما تضمنته مؤلفاته من مواقف سياسية وإيديولوجية بشأن شرعية بني العباس. فالرجل ظل مدافعا ومنافحا عن شرعية هؤلاء السياسية والدينية، وهو الذي لخص الأمر كله حين قال في كتابه "الفقه الأبسط ": "وكن مع الفئة العادلة والسلطان الجائر ولا تكن مع أهل البغي". 

   ليس هناك دليل أكثر قوة وموثوقية، يؤكد على أن أبي حنيفة النعمان كان مثقفا وفقيها مواليا للسلطة، من اعتماد الخلافة العباسية مذهبه الديني مذهبا رسميا للدولة. ولا خلاف أن اعتماد دولة ما لمذهب ديني ما، لا يمكن أن يعني شيئا آخر غير أن ذلك المذهب، هو مرتكزها الإيديولوجي الذي تستند عليه لتوكيد شرعيتها الدينية والسياسية. أما فيما يتعلق بموضوع المحنة وأسبابها، فلنا عودة إلى الموضوع حين حديثنا عن محن مؤسسي المذاهب الرسمية للدولة، وعن الأسرار الكامنة من وراء اختلاقها. 

  الهوامش:

1ـ الخطيب البغدادي: "تاريخ بغداد" جزء 13 صفحة 330 نسخة الموقع الإلكتروني للمكتبة الشاملة. 

2 ـ أبو حنيفة النعمان: "الفقه الأبسط " صفحة 131 نسخة الموقع الإلكتروني للمكتبة الشاملة. 

3 ـ شمس الدين الذهبي: "سير أعلام النبلاء" جزء 6 ص 364 نسخة الموقع الإلكتروني للمكتبة الشاملة. 

4 ـ أبو حنيفة النعمان: "الفقه الأبسط " صفحة 131 نسخة الموقع الإلكتروني للمكتبة الشاملة.

 5 ـ الخطيب البغدادي: "تاريخ بغداد" جزء 13 صفحة 357 الموقع الإلكتروني للمكتبة الشاملة.

6 ـ ابن جرير الطبري: "تاريخ الرسل والملوك" جزء 7 صفحة 619 نسخة الموقع الإلكتروني للمكتبة الشاملة

 7 ـ شمس الدين الذهبي: "مناقب الإمام أبي حنيفة وصاحبيه" صفحة 42 نسخة الموقع الإلكتروني للمكتبة الشاملة. 

إضافة تعليق

Security code تحديث

إرسال التعليق

مفضلات الشهر من الدراسات التراثية

مفضلات الشهر من التاريخ