آخر القصص والدراسات الأدبية
المزيد
قصة ودراسات أدبية
جنون الفقر
تنتمي فاطمة إلى أسرة فقيرة تتكون من ستة أفراد. الأب مريض لا يستطيع العمل؛ فقد بُترت يده يومًا حين كان يشتغل بإحدى الشركات، واضطرت الأم إلى العمل في البيوت.
بيت جدّ صغير في أحد الأحياء الشعبية، لا نوافذ فيه، ولا نور يدخل إليه حتى يعيد إليه بهجة الحياة. يظل باب البيت مفتوحًا طوال اليوم حتى تزوره الشمس والرياح، وتنظفه من بقايا النوم. الحياة عند عائلة فاطمة صعبة وشاقة، ولا تُعاش بسهولة.
في يوم غائم، لا شمس فيه ولا مطر، كانت الغيوم والرياح تدق طبولها بقوة، كأنها تعلن حالة حرب على الفقراء. زارهم رجل يطلب الزواج من فاطمة. كانت فرحة كبيرة خيّمت على البيت الغائم، كأمطار الخير بعد سنة جدباء. وحمدوا الله على هذه الفسحة التي أعادت إليهم نور الحياة، ولو قليلًا.
تزوجت فاطمة، ورحلت إلى بيت آخر تسكنه. مرت الأيام تتسارع كشلال في أعالي الجبال. أنجبت فاطمة ولدًا وبنتًا. وكانت تساعد في مصروف البيت بالعمل في البيوت كأمها، فهي لم تستطع إكمال دراستها. خانها التفوق، وتاهت في سراديب الحياة تصارع من أجل البقاء.
جاءت يومًا تبكي حالها لأمها، وتصرخ وتطلب حلًا لمعيشتها. سألتها أمها عن السبب. قالت فاطمة وهي تصرخ:
«زوجي رجل أحمق. يحتاج إلى طبيب».
انتهى لتوه من كتابة التقرير الصحفي عن زيارة الوزير لقرية تازروت، من أجل تدشين مدرسة ابتدائية، بحضور عشرات التلاميذ والتلميذات بمعية اوليائهم.
جلس ادريس الى مكتبه وتأهب لكتابة التقرير على حاسوبه الشخصي، وهي اول تغطية صحفية بعد التحاقه بالعمل كصحفي متدرب باحدى الجرائد الوطنية.
وكان حريصا على احترام وتنفيذ ما تعلمه في المعهد، وعلى تسجيل ما رآه في حفل التدشين بدقة واخلاص، واجتهد كي لا يتسرب أي خطأ في التقرير كيفما كان نوعه، قبل أن يسلمه الى رئيس التحرير في أقرب الآجال.
في المكتب وقف الشاب أمام الرجل البدين رئيس التحرير، الذي أمره بالجلوس وأخذ يتصفح أوراق التقرير .. يقرأ ويعيد، وما هي الا لحظات حتى بادره بالكلام بصيغة معلم الى تلميذه موجها ومعاتبا∶«اسمع يا ادريس..لاتكن مخلصا للواقع اكثر من اللازم، أنت وصفت عدد الحاضرين بعشرات التلاميذ والتلميذات برفقة أوليائهم...مهزلة أن يحضر عشرات التلاميذ في تدشين مؤسسة تعليمية باشراف شخصية بارزة بحجم الوزير..».
وفكر ادريس∶
حين دعوت الليل ليستريح على صدري، ويلقي بظلمته الموغلة بالمجهول والغموض بأعماق ليل عمري وعتمة دربي، ضحك، بسخرية واستهزاء، واخرج من أمعائه المغطاة ببياض ناصع يذهل العين ويخطف البصر لسانا متقدا بفوهات بركانية تسيل من أحشائه إلى أحشائه، واندفع يشكل ملامح الساعات ببريق جهنمي الطلعة، وسالت منه روائح نار زكية، روائح حشائش دستها في طفولة عمر تقضى بين أحضان البيارات والجبال والسهول والربى.
قال لي:
صدرك صغير، غير مكتمل النمو، لا يتسع لفراش السهل، بل لا يتسع لبيت نمل في جبل، ولا يتسع لجذر نرجسة تسكن ربوة من ربى الأرض التي تعرفك ولا تعرفها، وأنا، طويل، ممتد، من حد الكون، إلى حد الكون، كبير، من حد الأرض، إلى حد السماوات، ثقيل، لا تسعني الأرض، ولا تسعني الشمس، والقمر أعلن عجزه منذ الأزل، وصدرك صغير صغير، تنحره حبة عتمة، وتذبحه حبة ظلمة.
قلت:
في صدري عوالم مفتوحة الآفاق والآماد، تترامى أطرافها إلى اللانهاية، وتمتد جذورها إلى أعماق لم تصلها عتمتك أبدا، ولم تغزوها ظلمتك، وعلى صدري جلد مغطى بشعر، غابة تغص بالغنى، تشعر بالبرد، تنتفض حرا، تتنسم رحيق النسيم المغادر ثرى الأرض لتؤصله بذاتها، في صدري تسكن حياة، تمور بها مياه الانفعال، وتتلاطم أمواج الحب، وتسجر بالغضب المشتعل، وتنساب جداول الرضى بين أروقة المجهول، وتزهر براعم عطف، تكبر، تنمو، تتحول دغلا متشابك الأغصان، كثيف الخضرة، ثخين الجذوع، تتفجر ينابيع الحنان، لتروي الدغل، لتمنحه البقاء، الثبات، الرسوخ، المتانة.
تفيض أبحر الكراهية، وتعلو أمواج الحقد، تتشكل اعاصيرا جارفة، تضرب جنبات النفس والصدر، يكبر شعر الصدر، ويعلو الجلد، يسمك، هذا بعض من عوالم تسكن صدري، بعض قليل، قلة ظلامك أمام وهج شمس دافئة.
وعندما تغيب الشمس عن كون الناس كانت سمائي تضيء برسالة منه أو اتصاله الهاتفيّ فتزهر حدائقي بهجة وتينع براعمي وتورق أغصان أشجاري وتتدفق الينابيع في كل جداولي الناضبة. ويعيدني إلى تلك الأحلام العذبة الجميلة وأتمنى أن أظل هناك في تلك العوالم الزاهية. كان جسورا لكن بلا تهور، يحلق بألف ألف جناح يخترق بي مدن العالم في دقائق، يحملني معه بين دفّتي كتاب ويرحل بي.. كان قارئا نهما لا يشبع من التهام الكتب، يغوص بين الصفحات حتى يكاد يغيب عن العالم المحيط به، لا يمل من الغوص بين ثنايا الكتب وتلافيفها. ذكر لي عناوين لا تحصى من الكتب، وحدثني عن كتّاب عالميين لم أسمع يوما أحدا يتحدث عنهم. حدثني عن حنا مينه وهيمنجواي ودي سرفانتس وجورج أورويل وماركيز وساراماغو ودوستويفسكي وغيرهم كثير. وحدثني عن عوالمهم الروائية الضاجة بالغرائب والعجائب والفنتازيا والمشاعر الإنسانية المتداخلة. يحدثني دائما عن قراءاته. طلبت منه مرات كثيرة، عندما كنت أشعر بادْلْهَّام الكون من حولي، أن يلخص لي كتابا قرأه أو رواية طالعها، وكان يستجيب بفرح طفولي غامر. إلى ذلك فقد كان منصتا جيدا يخشع عند الإصغاء إلي وأنا أحدثه فيبدو لي مثل راهب بوذي يناجي إلهه. أشعر بروحه تغادر جسده وتلتحم بروحي فتعيشا سويا الحكاية التي أرويها له.
يخصني بكل ما كان ينزف به قلمه من قصص وحكايات فأطلع عليها قبل غيري، ويفرح عندما أشيد بلغته التي كان يكتب بها، لغة مذهلة منخّلة حتى ظننت أن جنيا يكتب نيابة عنه أو يشاركه الكتابة. صُوَرٌ أَنْطَق بها السواكن والجوامد، وعبارات حلق بي بها بعيدا إلى السماوات الطباق، وكم مرة سألت نفسي من أي المعاجم ينهل. في ساعات فراغي كنت ألتهم ما يكتب أو ما يرسله إلي مما دوّن.
في ساعات صفائه كان يحدثني عن أمه وأخواته وإخوته. لم يذكر والده يوما لأن جرحه، في ما خمنت، لم يندمل بعد، ظل مفتوحا غير ملتئم، وهو لا يرغب في نَكْئِهِ حتى لا تسيل دماؤه من جديد.
كم تبادلنا رسائل حافلة بأبيات الشعر من مختلف العصور. جعلناها لعبة، يبدأ أحدنا ويتم الآخر الدور، أو يرسل أحدنا شطر بيت فيكمل الآخر الشطر الثاني، أو نتناوب على ترديد مقاطع من أغنيات حفظناها في ما مضى من أعمارنا لفنانين خالدين رتقوا جراح أرواح المحبين والعشاق بعذب أصواتهم وجمال ألحانهم وروعة كلماتهم. هكذا أثثنا كثيرا من ليالينا، وكنا نغوص معا في بحر لجي صافية مياهه ونقية وساحرة.
الإهداء: إلى كلِّ من كتب حرفًا يريد به معنى آتيًا يهزُّ عرش القلب، لِيُمَكِّن العقلَ أن يدشّن مملكة الإنسان.
1- خلاص الدماغ من الأغلال
"بما أنّك تملك الحياة، فأنا أتوق شوقًا إلى الحياة." - فريد الدين العطار
ما تبقّى من مذكّرات أحمد التي عثرتُ عليها في مخطوطاته المودعة عندي:
لا أريد أن أسمّيه، فماذا سيضيف الاسم إذا لم يكن هو عين ذات المسمّى؟ فقط هو ليس بالرقم الهيّن والتافه: «يأكل القوت وينتظر الموت»، ولا هو من اللامبالين الذين لا يشدّهم العطش إلى الحياة والارتواء منها؛ إذ هو مختلف وطريف. إن مسّته نفحة من قلق انعكف يستجلي الأمر. فالأرصفة تفقه خطاه، فتدفعه إلى مأواه، حيث السكينة تطهّر صخب الروح. والسماء تملؤه بالأعماق، فكان يأتي بغرابة الأفعال، ويخرج على الناس بعد أن يكون قد شبع من حبّ الذات. وهكذا ينفق ممّا عنده، حتى أصبح في قريته محلَّ الأنظار. حين تراه تظنّه يترقّب من يستنصره، وهو يستنصر الناس، ومن يدفع عنه الغربة، وهو يستغيث بمن يستصرخه. وكذا كان يريد أن يكون فعّالًا، خفّاقًا، توّاقًا. وكلّ ذلك بما أضاء دماغَه من سراج التدبّر، وطاقة الفكر، وذائقة الإحساس.
لذلك لا أستطيع أن أسمّيه؛ فهو ينفلت من كلّ تحديد. فهو ليس بالشجرة، لا تورق إلا أوراقها، ولا تثمر إلا ثمارها، ولكن أستطيع أن أقول: هو إنسان ذو دماغ؛ كتلة من الأعصاب والخلايا المعقّدة الدقيقة، لها نشاط كثيف، وهي مسكن الأسرار والعجائب. هذا الدماغ، إن لم يكن دامغًا للألغاز، وغالبًا عند الغضب أو الانفعال، يلطم الإنسان رأسه كأنّما يريد تدمير دماغه.
هذا هو، لمن لا يعرفه. سأحدّثكم بآخر ما طلع به علينا، وستعلمون لماذا عرفتُه بـ«الإنسان ذي الدماغ». لقد انتظرناه طويلًا، وتشوّقنا إلى عبثه الذي لا ينفلت منه الجدّ، وأصبح الشوق حنينًا، بل تلهّفًا للقياه. وها قد جاءنا اليوم مرتجفًا كورقة خريف، متوهّجًا، تتخطّفه الأبصار كالشهاب. ولمّا اطمأنّ إلينا، وابتهجنا بحضوره، قلنا له:
– هذه غربة التربة تدعوك بعد أن تخلّصت من غربة السماء.
قال:
– بل لا أريد أن أتثاقل كثيرًا إلى جاذبية الأرض كي لا أُهزم.
العنوان رأيتُه في الحلم، والباقي عشتُه حلما
الكذبة الأكبر قابلية للتصديق هي الحقيقة
تباغتك أفكار السوء، وهي بالمناسبة أشدُّ ضرراً على العقل والقلب من أصدقاء يحملون النعت ذاته. أنت مهزوم، فالمعركة قد انتهت، ولم يبقَ عليك إلا توقيع إعلان الهزيمة واختيار مكانك بين الضحايا، مضطراً لا قانعاً، أو الانتقال إلى صفوف المنتصرين؛ بالطبع ليس كواحد منهم، ولكن خلفهم، تابعاً وذليلاً.
تظنُّ أن النهاية قد حانت. الجثث تُلقى من فوق، يصل بعضها إلى القاع، وتتأرجح أخرى بين طبقات الهواء. ترفض الأرض استقبال الجميع، فتتولى الريح ذروهم حتى تجد كل جثة مكانها.
لا نهاية لعذابك، هكذا اعتقدت جازماً، لولا أن ريحانة بدأت تنثر عطرها. تذكرت أنها رحمة للميت، ولكنك لم تمت بعد. استرحت لفكرة الابتعاد، وتذكرت المدرسة الابتدائية؛ طلاب الصف السادس المحظوظون الشجعان يُختارون لإحضار أعواد الريحان المزهرة لتزيين المدرسة يوم الاحتفال بعيد الجلاء. لم تكن يوماً معهم، لم يدعُك أحد، ولم تدعُ نفسك. تدرك الآن، بعد هذه السنوات، أن المشهد كان مذهلاً في عبثيته: فمن يحتفلُ بعيد وطني بتقاليد جنائزية؟ هل يعشق الشوامُ الموتَ فعلاً؟ وهل حب الآس هو منتهى أحلامهم وأعز مظاهر أعيادهم؟
القفز إلى الذاكرة المتدحرجة تمرين صعب. طلبتَ من مدرب النادي ذي العضلات المفتولة أن يشرح لك كيفية القيام به، فأقسمَ لك بأنه لم يسمع به في حياته، رغم خبرته الطويلة في المجال، وجزمتَ له بإصرار أنك مارسته في طفولتك. هزَّ رأسه مستنكراً، فاعتقدتَ للحظة أنك شاهدت بطل إحدى الروايات يمارسه بنجاح، فينجح أحياناً ويسقط في محاولات أخرى، ليجد نفسه مذعوراً من فشل التجربة. أدار لك المدرب ظهره، فتهاوت الفكرة كدخان. هل كان ذلك مجرد حلم؟
تبدأ القصة من ساحة جامع الفنا، الوقت أصيل والشمس قد بدأت تتشح بلون الاصفرار فتصبغ السماء بلون ذهبي يتماهى مع سحر المكان. كان قد ركن سيارته بعيداً عن زحام الساحة، واختار المشي بتؤدة وتأنٍّ حتى وجد نفسه بين جموع متدفقة في اتجاهات متعددة، وأخرى مجتمعة في زمر حول حلقات مروضي الأفاعي، والبهلوانيين، والحكواتيين، والمغنين الشعبيين، في حين اختار آخرون الجلوس إلى طاولات المطاعم ومحلات العصائر، إما لتناول وجبات تقليدية أو شرب عصائر متنوعة. اختار هو في البدء شرب عصير "زعزع"، ثم انضم إلى لمة كانت ملتئمة حول حكواتي مراكشي معروف بسرده الذي يشد الانتباه ويحفز على التتبع. أدرك اللمة والحكواتي قد بدأ قصة "التاعس والناعس" مستعملاً كل وسائل التشويق التي خبّرَها، وتقنيات الحكي المتاحة لشد انتباه الحضور. اندمج في جو الحكاية، ولم يتأخر في نفح الحكواتي ببعض الدراهم كلما توقف ليطلب من المستمعين دعمه بما يستطيعون .
أنهى الحكواتي الحكاية الأولى، وبدأ حكاية ثانية، فانسحب بهدوء واختار التجوال في أحضان الساحة؛ الناس في حلّ وترحال، وهو منصهر بينهم يحاول أن يتبيّن محله من الإعراب في زمن ضاع فيه المبنى وغاب المعنى.
المد الزمني طوى أكثر من أربعين سنة، وخلايا دماغه الرمادية والبيضاء تبعث الحياة في ذكرياته على شكل تجليات ذهنية، تشرق بصور متناسقة ومتوالية. كان شاباً وسيماً عندما التحق بكلية العلوم بالسملالية، وكانت له تطلعات وأحلام، ولكن هذا لم يمنعه من البحث عن اكتشاف ذاته، وفي الوقت نفسه اكتشاف الزمن المراكشي وسياقات فضائه. كانت وسيلته في ذلك الإبان دراجة عادية، ينطلق بها من الوحدة الرابعة في حي الداوديات، قاطعاً شارع علال الفاسي حتى يصل إلى باب دكالة، ثم يعبر رياض العروس، حيث كان يجد متعة في اختراق الأزقة الضيقة والاستمتاع برائحة التوابل والجلد، وكذلك الاستماع لأصوات الحرفيين التقليديين وهم يشتغلون داخل محلاتهم، والتجار وهم يعرضون سلعهم على السياح الباحثين عن تحف وتذكارات ترافقهم في رحلة العودة إلى بلدانهم..
الزمن المراكشي غيّر الكثير من سلوكياته؛ إذ ذاق لأول مرة سحر الحب ومتعة اكتشاف الجنس الآخر.
كنت على يقين – بحكم الخبرة التي اكتسبتها – أنها ليست غيبوبة السكر التي تداهمه من وقت لآخر، وأن أبي كان بالفعل قد مات..تلك الحدقتان المفتوحتان والبصر الذي يشخص الى اللاشيء..برودة الجسد، والنبض الذي لا يبين.. تؤكد أن أبي قد مات.
خمس دقائق التي غادرتك فيها يا أبي..أصنع لي كوبا من الشاي، وقهوتك الزيادة التي طلبتها مني..فهل آثرت أن تستقبل رسول الموت وحدك لتجنبني لحظة القبض وانسحاب الروح من بدنك الضعيف..؟
أغلقت التليفزيون على نشرة التاسعة التي لم تكملها..حملتك بين يديّ خفيفا رقيقا كطفل..وضعتك في فراشك، أسبلت جفنيك وقعدت الى جوار جسدك المسجى أنظر آية الموت جلية في وجهك المبتسم، ورائحته التي تملأ المكان من حولي.
خمسون عاما لم أغادرك يا أبي يوما..زيجتان فاشلتان، وأربعة أبناء لا أرى أحدا منهم إلا أول كل شهر ليأخذ مظروفا مغلقا ثم يرحل..رحلت أمي ذات صباح وتركتك لثلاث بنات وولد يكبرهم..كنت تناديني بالأخ الذي لم تلده أمي..قاسمتك الهم والتربية وعبء زواجهن الذي قصم ظهرك وأوجع روحك.
لمن تتركني يا أبي..؟ للوحدة تنخر عظامي..؟ أكلم حيطان البيت وأثاثه..أم للحزن المقيم معنا منذ رحلت أمي..؟ يطبق على صدري ويأكل روحي..؟
أحضرت هاتفي، إتصلت على أختي الكبرى، لم ترد..كانت بالأمس هنا، تشاجرت معك..ككل مرة تأتي بأولادها، تأكل وتطلب منك مالا، ثم تتشاجر معك..تطلب منك ميراثها في البيت وأنت ما زلت حيا..هي لا تستحي ، ولا ترحم ضعفك وخشونة الركبتين التي أقعدتك.
اتصلت بالوسطى..أعلم مسبقا أنها لن ترد..تزوجت دون إرادتك وأرغمتك أن تقبل برجل لديه زوجة أخرى وولدين..كان يضربها ويهينها ولا تشكو لك في المرات القليلة التي زارتك فيها.
بحثت عن نفسي في حياتك المزدحمة، بمحاولات النجاة، فلا أجد لي فيها أثرًا. ولا يحتاج الأمر إلى كثير من التمعّن لأفهم أن كياني ما هو إلا ثِقَلٌ إضافيّ في يومك.
حقيقةً، لا أريد أن أستعجل الحكم على هذا النمط؛ وأعذرك، لأنني أعرف أن الحياة لم تكن سهلة عليك، ولا عادلةً معك. لم تكن حياتك لك وحدك يومًا، وكما يبدو، أنها لن تكون كذلك.
كنتُ أتأمل، هذه الظهيرة، غبارًا تصاعد خلف بَجّاجٍ مستعجل. هذه العربات التي لطالما نجحتْ في إخافتي في مدينة مقديشو؛ العاصمة المتقلّبة، المُقبلة على ألوان شتّى من الأنماط المعيشيّة.
وجدتُ نفسي وقد اعتدتُ ـ نوعًا ما ـ على اللامبالاة الممزوجة بالشحوب. ولا أخفيك سرًّا، يا عزيزي، لقد اشتقتُ إليك إلى الدرجة التي اعتدتُ فيها غيابك.
وهذه آليةُ بقاءٍ طوّرها عقلي مع قلبي، حفاظًا على سلامي الوجداني.
الشمس هنا حنونة جدًا، بعد جرعاتٍ متفرقة من المطر. ولا ينظر العابرون حولهم حتى حين يقطعون الشارع؛ العيون لا تلتقي كثيرًا، وإن فعلتْ، فعلى سبيل السخرية أو الفضول.
ثلاثون يومًا يزيد معها أسبوع.
تُعدّ الكتابة الإبداعية فنًا مركّبًا يجمع بين الأصالة والابتكار، فهي عمليةٌ واعية تستند إلى الإلهام والانضباط معاً، وتمثّل تفاعلاً بين الموهبة والمعرفة واللغة، وهو ما يتيح للكاتب تحويل التجربة الإنسانية إلى نصٍّ فنيٍّ ينبض بالحياة. وإذا كان الكاتب يبلغ ذروة تميزه وتجليه الذاتي عندما يبدع نصاً جديداً، فإن هذا التميز يظل مهدداً بالزوال، وهذا التجلي مهدداً بالانطفاء، ما لم يتم نقله للآخرين. ولذلك، فإن نشر خبرات المبدع أو "سر الصنعة" الإبداعية، وتحويلها إلى معرفة قابلة للتداول والتعلم، ينقل المبدع من مجرد صاحب مهارة إبداعية، إلى أيقونة ومُلهم وصاحب أثر في غيره من المبدعين الذين لازالوا يتلمسون طريقهم.
وعندما يجد هؤلاء المبدعون الجدد ملهماً متمرساً يقاسمهم خبرته ويشاركهم تجاربه وتقنياته ورؤاه الفنية، فإنهم لا يبدأون من الصفر، وإنما من أرضية صلبة تتيح لهم النمو والانطلاق في فضاء الإبداع، مما يرفع سقف الإبداع الجماعي في المجتمع ويحميه من الركود والجمود، ويبني جسراً لاستمرارية المعرفة والتطور الإنساني.
ومن هنا تأتي أهمية كتاب (فنون الكتابة وأسرارها) للكاتب والروائي المبدع الدكتور عبود مصطفى عبود، الصادر مؤخراً عن مؤسسة الفاروق للاستثمارات الثقافية بالقاهرة. حيث يُعد دليلاً شاملاً لكل كاتب مبتدئ يسعى لأن يجد لنفسه موضع قدم بين المبدعين، وكذلك لكل كاتب يسعى إلى تحسين مهاراته الكتابية. فهو لا يقتصر على المبادئ الأساسية للكتابة الإبداعية، بل يغوص في أعماق تقنيات التعبير، مرورًا بأسرار الكتابة الإبداعية، وصولًا إلى تقنيات التأثير والإقناع في النصوص المختلفة، مع تدعيم كل ذلك بالعديد من التمارين والتطبيقات العملية التي تأخذ بيد القارئ خطوة خطوة، في سبيل إنشاء نصة الإبداعي.
ليست المشكلة في الأعمال الكبيرة أنها كبيرة، ولا في المشاريع الطويلة أنها استغرقتْ سنوات من صاحبها، وإنما المشكلة تبدأ حين تتحول ضخامة العمل إلى حُجَّة ضمنية على صحته، ويصبح اتساع المادة بديلًا عن صرامة السؤال، وتصير كثرة الصفحات بديلًا عن قوة البرهنة.
من هذه الزاوية تحديدًا ينبغي أن تُقْرَأ موسوعة السرد العربي، للناقد العراقي الدكتور عبد الله إبراهيم ( وُلد 1957 ). نحن أمام مشروع واسع يتعقب السردَ العربي من مراحله القديمة إلى السرد الحديث. والموسوعةُ لم تُكتَب دفعة واحدة، بل نشأتْ من دراسات وبحوث وفصول أُعيد تحريرها وجمعها داخل المشروع النهائي. والسؤال الذي يفرض نفسه: هل نجح هذا التراكم الهائل في إنتاج تاريخ نقدي متماسك للسرد العربي أمْ أنه أنتجَ سردية كبرى عن السرد العربي أكثر مما أنتجَ تاريخًا علميًّا نهائيًّا له؟.
أول إشكال منهجي يواجه القارئ هو مفهوم الموسوعة. الموسوعةُ، بالمعنى العلمي الصارم، ليست مجرد عمل ضخم، ولا مجموعة من الدراسات المتجاورة التي يجمعها موضوع واحد. الموسوعةُ تفترض نظامًا واضحًا للتصنيف، وتوازنًا نسبيًّا في التغطية، وضبطًا للمصطلحات، وشبكة إحالات دقيقة، وتعيينًا للحدود بين المواد، وتوازنًا بين ما يُدرَج وما يُستبعَد.
مشروع إبراهيم تشكَّلَ من كُتب وفصول ودراسات مستقلة أُعيدَ تحريرها لكي تصبح جزءًا من بناء أكبر، وقد كان يكتب الفصلَ، ثم يُحوِّله إلى مقالات، ثم يعيد صياغته بحثًا، ثم يجمع الفصولَ في كتاب، ثم يعيد تحريرَ الكتاب ضمن الموسوعة. هذه الطريقة تخلق مشكلةً كبيرة، هل وحدة الموضوع تكفي لصنع وحدة الموسوعة أمْ أن القارئ يظلُّ أمام آثار واضحة لتاريخ النصوص المختلفة التي سبقت اندراجَها في البناء الموسوعي؟.
إنَّ جمع الدراسات في إطار واحد لا يجعلها بالضرورة أجزاء من نظام معرفي واحد. وقد تكون هناك وحدة في رؤية المؤلف، لكن الوحدة الفكرية شيء، والوحدة الموسوعية شيء آخر. وإحدى مشكلات الموسوعة أنها تقع في منطقة ملتبسة بين الموسوعة والتاريخ النقدي والمشروع الشخصي في السرديات. ولا شك أنَّ نوع الكتاب الذي نقرؤه يُحدِّد نوعَ السلطة التي نمنحها لنتائجه. إذا كان كتابًا نقديًّا واسعًا، فمن حق مؤلفه أن ينتقي ويجادل ويقترح، أمَّا إذا قُدِّمَ بوصفه موسوعة، فإنَّ الانتقاء يصبح بحاجة إلى تفسير.
1ـــ تمهيد افتتاحي قبل الولوج لمحتوى الكتاب
زُفّ إلي خبرُ أن المكتبة المغربية كان لها شرف احتضان مؤلف جديد تحت عنوان ( العائد من الظل) للشاعر والزجال حسن ميري، عنوان بليغ صارخ ترميزي يحمل في طيه عمقَ الدلالة وغور المعنى، لا أخفيكم كم كان بي شوق عارم ليصبح الكتاب بين يدي، والنية ذاتها كانت لصاحبه تتوق بصدق لاهف إلى إهدائه لي، وذات صدفة عجيبة تمّ ما أردنا بسهولة.. صدر الكتاب في طبعته الأنيقة ويتألف من 145 صفحة شاملٌ لكل العناصر الفنية والأدبية المطلوبة والتي سنتحدث عنها بالتفصيل قدر المستطاع..
2ـــ الغلاف كإطار خارجي للمحتوى
كلنا ندرك أهمية الغلاف ودوره في إعطاء لمحة عن هوية المضمون، بالإضافة إلى ذلك يعد ذاك السياج الإسمنتي الحامي لما بداخل دفتيه، كما يمثل المدخل البصري الأول لمساعدة القارئ على الغوص في دغل المحتوى، لذا أي مبدع لا يضع غلافه بضربة مقص، بل يقضي لياليَ وأياما بل أسابيعَ وشهورا يخطط وينمق وينسق، لتحتل جميع العناصر أمكنتها المناسبة على سطحِ الغلاف دون أن تشوش راحة بال القارئ، أو تخلق عبثا يدني من جماليته؛ ومن ضمن العناصر التي يتقاسم فيها المبدعون ــ دون استثناء ــ قواسمَها المشتركة الألوان والعنوان واسم الكاتب واللوحة، ونتفاً تعبيرية تختزل أهم ما بداخل الغلاف، ليخرج الكتاب في حلة بديعة تجلب القارئ؛ وكاتبنا حسن ميري لم يغير الاتجاه ولا خرج عن المألوف في اختيار عناصر جذابة للغلاف..
ـــ سيكولوجية الألوان لتنميق صدر الغلاف
حتى يعطي الأديب لمسة شعرية للغلاف لا بد من تحديد بعض الألوان التي تكون جذابة وفي نفس الوقت تؤدي دورها المحمود، وشاعرنا حسن ميري لم يخرج عن السرب في اختيار الألوان المناسبة، بحيث أي متصفح للغلاف يلمح خليطا من الألوان تتنوع ما بين الأسود والبني والأبيض والأخضر والأحمر والبرتقالي، وطبعا لم توضع بشكل عشوائي، ولا أريدَ بها الزخرفة، بل عرف شاعرنا كيف ينسقها ويصففها، بشكل متجانس منتظم حتى يؤدي كل لون دوره الهادف..
ب ـــ اللون الأسود هو الغالب وله حظ وفير من الغلاف
جرت الأعراف والتقاليد حول اللون الأسود على أنه لون الشؤم والأحزان والمآسي، والأشياء غير المحمودة ، لون الحداد إبان فقدان عزيز، وبل هناك من يشمئز من الغراب جراءَ لونه باعتباره طائر النحس، وغير هذا وذاك يُعتبر اللون الأسود رمزَ الخطر، لذا نجد راياتٍ سوداءَ تعلق أحيانا على شاطئ البحر تنبئ بخطر تقلبات الأمواج؛ ولإثارة الخوف والرهبة نجدُ أحيانا بعض أفلام الرعب يقدمون مشاهد مفزعة وخطيرة في الظلام؛ الخلاصة إذا أن اللون الأسود يعتبر لون الإثارة والحماس أو لون الجوانب الغامقة من النفس، وما تعتليها من هموم وأحزان...غير أنه في وقتنا الحالي فاللون الأسود لدى البعض يعتبر لونَ الرقي والفخامة والأناقة، فنجد النساء يرتدين في المحافل معاطف وفساتين باذخة بذات اللون .. ويتخلل اللون الأسود لمسات من اللون البني، وكأن أديبنا بذلك يبحث في خضم المشاهد المحزنة / المقلقة عن حِضن دافئ، أو مكان ينعم فيه بالراحة والاستقرار النفسي؛ وتمزق حلكة اللون الأسود لمسات من اللون الأصفر لون أشعة الشمس المشرقة، والرمال الذهبية، ويرمز به الكاتب إلى الأمل المشع وصفاء النفس والسعادة وراحة البال، ليبين لقرائه، أنه مهما عاش حِقبا قاسية في خضم المجهول، فستعقبها لحظات من السعادة تغمرها المسرات والأفراح.. ولايني الكاتب يهمس لقرائه باللون البرتقالي، حيث نمّق به بعض الأسماء على وجه الخصوص، كرمز للقوة والتحدي وأنه مهما حصل، فشاعرنا لا تثنيه ريح، دخل غمار الحرب بطلا، وخرج منها بطلا سليم البدن والذهن والقلب والروح.. وكما أنعِمت الألوان السابقة باهتمام من الكاتب، كان للون الأبيض حيزا مهما ليخصه بحظ وفير بالكتابة على صفيحة السواد على غرار القصيدة اليتيمة التي تقول :
ثَمَّة تاريخ لا ينتهي حين تنتهي الحروب، ولا يهدأ حين تصمت البنادق، ولا ينام حين تُغلق السجونُ أبوابَها، ولا يختفي حين يُدفَن الموتى في التراب. هناك تاريخ آخر، أكثر عنادًا، وأشد التصاقًا بالإنسان، يواصل حياته في الذاكرة، ويعيش في الجسدِ، ويتوهَّج في اللغةِ، ويتدفق في الخوف الذي لا يعرف صاحبُه مصدرَه أحيانًا، ويشتعل في الحنين الذي يأتي مُحَمَّلًا بالألم. ذلك هو التاريخ حين يتحوَّل إلى جُرح مفتوح على كُلِّ الاحتمالاتِ والذكرياتِ والحكايات.
ولعلَّ الأدب، أكثر من أي خطاب آخر، يعرف كيف يقترب من هذا الجُرح دون أن يدَّعي امتلاكَه أو تفسيرَه بالكامل. الروايةُ لا تستطيع أن تعيد الموتى إلى الحياة، ولا أن تُصلح ما أفسده التاريخ، لكنها تستطيع أن تفعل شيئًا بالغ الأهمية، وهو أن تمنح الذاكرةَ صوتًا، وتجعل الإنسانَ الذي سحقته الأحداثُ الكبرى حاضرًا من جديد، ليس بوصفه رقمًا في سِجل، ولا شاهدًا في وثيقة، وإنما بوصفه روحًا لها وجهٌ وارتباك ورغبة وخوف وحُب، وخسارات لا تنتهي عند حدود الصفحة الأخيرة.
من هذه المنطقة الموجعة يمكن أن نقرأ تجربة الروائي الإريتري حجي جابر ( وُلد 1976 ) إلى جانب تجربة الروائي الألماني برنهارد شلينك ( وُلد 1944 ). كاتبان يأتي كُل واحد منهما من جغرافيا مختلفة، وتاريخٍ شديد الخصوصية، وذاكرةٍ جماعية ليست هي ذاكرة الآخَر. ومعَ ذلك، ثمَّة خيط خفي يجمع بينهما، كلاهما يعرف أنَّ الماضي ليس ماضيًا تمامًا، وأنَّ ما حدث ذات يوم يستطيع أن يواصل حياتَه داخل الأحياء، وأنَّ الإنسان قد يرثُ تاريخًا لَم يصنعه، ثم يقضي عُمره كُلَّه في محاولة فهم ما الذي يفعله به هذا الإرث.
حجي جابر يقترب من التاريخ من جهة الذاكرة الأفريقية والإريترية، ومن جهة المنفى والهُوية والاقتلاع والبحث عن وطن يبدو قريبًا في الخيال، وبعيدًا في الواقع.
أمَّا شلينك فيدخل إلى التاريخ الألماني من باب آخَر، باب المسؤولية والذنب والصمت، وما تفعله الجرائم الكبرى حين تنتقل من جيل إلى جيل، وتصل إلى أولئك الذين لَم يرتكبوها.
هُناك شِعرٌ يُكتَب لكي يُقْرَأ، وشِعرٌ آخر يبدو كأنه كُتب لكي يُسمَع، وهُناك شِعرٌ لا يكتفي بأن يصل إلى القارئ، وإنما يريد أن يراه أمامه وجهًا لوجه. مِن هُنا يمكن أن نقترب من تجربتين شعريتين تبدوان، للوهلة الأُولَى، بعيدتين كُلَّ البُعد، تجربة الشاعر الصومالي محمد إبراهيم وَرْسَمي ( 1943_ 2022 ) المعروف باسم هدراوي ، وتجربة الشاعر الروسي يفغيني يفتوشينكو (1932_ 2017 ). أحدهما خرج من فضاء القرن الأفريقي، حيث للكلمة المنطوقة وزنٌ هائل في الثقافة الشفوية، والآخر خرج من روسيا السوفييتية في زمن كانت فيه القصيدة تستطيع أن تصبح حدثًا عامًّا، وأن يتحوَّل الشاعرُ إلى ظاهرة جماهيرية.
ومعَ ذلك، حين نضع الشاعرَيْن جنبًا إلى جنب، نشعر بأن بينهما قرابة خفيَّة. ليست قرابة في اللغة والتاريخ والجغرافيا، ولا حتى في البنية الفنية المباشرة للقصيدة، وإنما في شيء أعمق، وهو الإيمان بأن الشاعر لا يعيش وحده داخل قصيدته، وأن القصيدة إذا خرجتْ من فم صاحبها تستطيع أن تصبح جزءًا من الوعي الجمعي.
كان محمد إبراهيم ورسمي واحدًا من أبرز شعراء الصومال، حتى عُدَّ من أعلام الشعر الصومالي، ولُقِّبَ أحيانًا بـ " شكسبير الصومالي". أمَّا يفتوشينكو، فقد كان من أبرز أصوات الشعر الروسي في القرن العشرين، وارتبط اسمُه بالجيل الذي وَجد في الشعر وسيلة للتعبير عن أسئلته الأخلاقية والسياسية والإنسانية.
لكن الأهم من السيرة هُنا هو المشهد، حيث يكون الشاعر على منصة، والجمهور أمامه، والقصيدة بينهما. هذا المشهد البسيط يكشف الكثيرَ، ويدل على أنَّ الشاعر لا يريد أن يكون وحده.
وإحدى مشكلات الشعر الحديث أنه انفصل كثيرًا عن صوته الأول. صار النص في الديوان، والديوان على الرف، والرف في مكتبة، والمكتبة في غرفة، والقارئ وحده أمام الورق. لا مشكلة في ذلك طبعًا، فالشعرُ العظيم يستطيع أن يعيش في الصمت، ورُبَّما يحتاج إليه، لكنَّ ثَمَّة شِعْرًا آخَر يفقد شيئًا من طاقته حين يُنْتَزَع من الصوتِ والجمهور والإيقاع الحي.
توطئة لابدّ منها:
(رابعةُ الأثافي) ديوانٌ يعومُ انثيالُه الإبداعيّ داخل مساحةٍ تجنيسيّةٍ إشكاليّةٍ واسعةِ النظر و التنظير و التظهير. و هي مساحةُ قصيدةِ النثر الحداثية الّتي تسعى دائبةً إلى توطينِ ذاتِها خارجَ جدالِ التبعية الشِّعرية الفارِضةِ بعضَ الوصايةِ أو كلّ الوصايةِ على القول الشّعري.
ونحن في هذا السياقِ، سياق مقاربة ديوان (رابعة الأثافي) لا نخوضُ في إشكالية التعريف و التحديد و الماهية، و إشكالية الاختلاف بين رفضِ قصيدة النثر أو قبولها، فهذا بابٌ طُبِخَ درسًا و تمحيصا، و لا نفعَ في زوبَعَتِه الآن... ومع ذلك سنسطّر في هذا الشأن ما يخدم اتّجاه المقاربة في تحليل متنِ الديوان الشعري بهدف الإضاءة لا بهدف المناظرة.
وقصيدة النثر في (رابعة الأثافي) ترقى بالنوعِ النّثري إلى مراقي الشعر وتسمو به إلى سديمه، في تميّزٍ بائنٍ بينونةً كبرى يدرك معه القارئُ تميّزَ الصوغِ الشعريّ البعيد كل البعدِ عن شعر التفعيلة و قصيدة النثر في بدايات تجلّيها. بمعنى أن (رابعة الأثافي) تصنع لذاتِها انخراطًا فنيًّا مسؤولًا يقول بالماهية في حريةِ الإبداع و خصوصيته.
إننا نظلم قصيدة النثر الحداثية عندما نُحاكِمُها من داخل التراث، إنها بحكم تعلّقها بالنثر تفرض علينا قراءتها داخل هذا المنظور. و هذا في نظرنا المتواضع فيصلٌ نقديٌّ جادٌّ لقراءة قصيدة النثر الحداثية بشكلٍ عام، وقراءة (رابعة الأثافي) بشكل خاص، و قراءة ما جرى مجراها، إنصافًا للنوع وتقريبًا للمفاهيم و تنسيبًا للمخرجات.
الديوان:
(رابعةُ الأثافي) إنجازٌ شعريٌّ حداثيٌّ مشتركٌ بين صوتيْنِ متمايزيْنِ على عدّة مستويات:
- مستوى النوع، و فيه يتجلى قول المذكر و قول الأنثى في غير قصديّةٍ أو تخطيط، اللهم سديمُ تجانسٍ روحيٍّ فرض هذا الانثيال الجمالي الوازن.
- مستوى الأرومة... فالديوان منجزٌ شعريٌّ مشتركٌ بين شاعرٍ مغربيٍّ وشاعرة سوريّة. و في هذا التمايز إمكانُ غنىً و ثراءٍ للديوان وللرؤية الشعرية و للرؤيا معا...
و الديوانُ في الأصل بعيدٌ كل البعد عن مفهوم "المُعارضة" كما انطبعتْ في أذهاننا النازحة من التراث و القائمة على التشابه في موضوع القصيدتين وفي وزنهما و قافيتهما و رويّهما... إن الأمر يتعلق بوعيٍ فنيٍّ يرسل فيه الشاعرُ القصيدة و تعطفُ عليه الشاعرةُ بقصيدة أخرى بتواصلٍ فنيٍّ يرومُ نسج الجمالِ في ثوبِ الدهشة أكثر من روْمِهِ خلق تناظرٍ أو تعارضٍ أو تجانس بين القصيدة الفاعلة و بين القصيدة المنفعلة...
و الأمر في هذا النزوع الشعري لا يتعلّق بالمحاكاة بتاتًا، ذاك أن المعارضة في التراث ترتبط أساسًا بالشكل، فيما هي في القصيدة النثرية الحداثية لا تتسمّى بهذا الاسم أوّلًا ، وتتجلى في لبوسات تختلف من قصيدة إلى أخرى ثانيا... إنها تنأى بذاتِها عن فكرة الغرضِ الشعري، و تتعلق أساسًا بالرؤيا والكشف والمحاورة.
ليست الزنوجة كلمةً بريئة تمامًا. وراء هذه الكلمة تاريخٌ طويل مِن الإذلال، والاستعمار، والاقتلاع، وتجارة البشر، وتحويل الإنسان الأسود إلى جسدٍ يُباع ويُشترَى، ولونٍ يُختزَل فيه العقلُ والثقافة والوجود. لذلك حين ظهرت الزنوجة في الأدب الأفريقي والكاريبي لم تكن مُجرَّد اتجاه شِعري أو نزعة جمالية تبحث عن إيقاع خاص، وإنما كانت محاولة لاستعادة شيء سُلِبَ مِن الإنسان قبل أن يُسلَب منه الوطن: اسمه، وصوته، وحقه في أن يرى نفسه بعينيه لا بِعَيْنَي المُستعمِر.
لكن المشكلة تبدأ في اللحظة التي يتحوَّل فيها الرفضُ إلى تعريف، ويتحوَّل الدفاعُ عن الإنسان الأسود إلى بناء هُوية مغلقة حول السواد. هُنا تصبح الزنوجة التي جاءت في الأصل لمقاومة التصنيف العنصري مُعرَّضةً لأن تُنتج تصنيفًا مضادًّا، ولوْ من موقع احتجاجي. وهذه واحدة من أهم المآزق التي يمكن قراءتها في تجربة الشاعر السوداني محمد الفيتوري ( 1936_ 2015)والشاعر المارتينيكي إيميه سيزير ( 1913_ 2008)، كيف يمكن للشاعر أن يستعيد كرامة الأسود من غير أن يُحوِّل السوادَ إلى حتمية نهائية؟، وكيف يمكن أن يحتفي بالهُوية الأفريقية من غير أن يسقط في أسطورة أفريقيا الخالصة البِكْر النقيَّة، التي لم توجد في الواقع بهذه الصورة أصلًا؟. مِن هُنا تبدو المقارنة بين الفيتوري وسيزير ضرورية، ليس لأنهما متشابهان، بلْ لأن الاختلاف بينهما يكشف شيئًا من أزمة الزنوجة نفسها.
ظهرت الزنوجة في سياق تاريخي كانت فيه صورة أفريقيا والإنسان الأسود قد صُنعت في جزء كبير منها بواسطة خطاب أوروبي استعماري. كان الأفريقي يُقَدَّم باعتباره همجيًّا متخلفًا بدائيًّا بلا تاريخ، ومحتاجًا إلى أن يأتيه الآخر بالحضارة. لذلك كان لا بُد من قلب المعادلة، إذا كان المُستعمِر يقول إن أفريقيا بلا ثقافة، فليكن الرد هو البحث عن الثقافة الأفريقية، وإذا كان يقول إنَّ الأسود بلا تاريخ، فليكن الشعر وسيلةً لإعادة كتابة هذا التاريخ. لكن هذا الرد حمل معه مشكلة فلسفية عميقة، هل نستطيع أن نُحرِّر الإنسانَ من العنصرية بتثبيت هُويته على أساس اللون نفسه الذي اسْتُعْمِلَ لقمعه؟.
هذه المُفارَقة تظلُّ كامنة في الزنوجة، فهي تنطلق من واقع عنصري مفروض من الخارج، ثم تضطر إلى استعمال اللغة نفسها، أي لغة العِرْق واللون، لكي تقاوم ذلك الواقع. الأسودُ هُنا لا يصبح إنسانًا تعرَّض للاضطهاد فَحَسْب، بلْ أيضًا يصبح حاملًا لِهُوية ثقافية كاملة، لها قِيَمها وذاكرتها وموسيقاها وروحانيتها الخاصَّة. وفي هذه النقطة تحديدًا يصبح الخط الفاصل بين استعادة الهُوية وصناعةِ الأسطورة شديد الدقة. فالزنوجةُ تحتاج إلى الأسود لكي تكون خطابًا احتجاجيًّا، لكنَّها تصير مُهدَّدةً حين تجعل من الأسود تعريفًا نهائيًّا للإنسان.
تبدأ السينما المغربية تناول الجنسانية بنقد للمنظور الأخلاقي الضيق الذي يسيطر على فئات عريضة من المجتمع: منظور مبني على الطابوهات الدينية والثقافية (الحشمة، الشرف، الحلال/الحرام)، كما هو واضح بصفة خاصة في فيلم "حب في الدار البيضاء" لعبد القادر لقطع، حيث يُعامل الجنس كعار خارج الزواج، ويُرفض تمثيله خوفاً من "الإفساد". هذا الرفض هو شكل من الرقابة الاجتماعية يُخفي الواقع: تناقض بين المعيار الديني والسلوك الفعلي، مما يولد توتراً عميقاً.
ويطرح هذا التناول أحد الإشكالات الصعبة التي سنحاول الإجابة عنها في مقالتنا هذه: هل تقدم السينما المغربية الجنسانية ككشف لهذا الكبت وتحدٍّ للنظرة الجامدة حوله، أم أن الأمر لا يعدو كونه إثارة رخيصة بدون عمق فني وجمالي حقيقي؟
الجنسانية في التحليل النفسي: الإطار النظري
يعتبر التحليل النفسي أحد أهم الأطر النظرية التي جعلت من الجنسانية محوراً مركزياً لفهم واستيعاب السلوك الإنساني، لا كمجرد سلوك بيولوجي أو اجتماعي، بل كقوة نفسية عميقة تشكل اللاوعي والرغبة والعلاقات الإنسانية.
قبل فرويد، كانت الجنسانية تُختزل غالباً في بعدها البيولوجي أو التناسلي؛ ومع التحليل النفسي، أحدث فرويد قطيعة مفهومية نقلت الجنسانية من مجرد وظيفة جسدية إلى ظاهرة نفسية ولاشعورية عميقة. فلم يعد يتناولها كدافع غريزي محدد بالبلوغ، بل كطاقة أساسية (ليبيدو) تحرك البناء النفسي للفرد وتتشكل عبر تاريخه الخيالي والعاطفي منذ الطفولة المبكرة، وتتمفصل عبر آلية التسامي (أو التصعيد) لتحول الميول اللاشعورية والنزوات إلى نتاجات رمزية وإبداعات ثقافية وفنية.
يقول فرويد: "يُعتقَد عموماً أن الدافع الجنسي يكون غائباً لدى الأطفال، وأنه لا يظهر لديهم للمرة الأولى إلا عند البلوغ، مع نضج الأعضاء الجنسية. وهذا خطأ فادح، تترتب عليه عواقب مهمة، سواء بالنسبة إلى النظرية أو إلى الممارسة. ومن السهل جداً تصحيحه بالملاحظة، حتى إن المرء ليتساءل كيف أمكن الوقوع فيه." (1)
ويضيف في نص آخر قائلاً: "يتميز الدافع الجنسي في البداية بكونه مستقلاً عن الغرض التناسلي، إنه يهدف إلى الحصول على أنواع معينة من اللذة الحسية، وهو ما نسميه بالجنسانية بالمعنى الواسع". (2)
وتتطور الجنسانية عبر مراحل نفسية-جنسية (فمية، شرجية، قضيبية، كمون، جنسية ناضجة)، كل ذلك في ارتباط وثيق بعقدة أوديب وبالصراع بين الرغبة والحظر.
عموماً، لا يدل مفهوم الجنسانية، كما استقر في التحليل النفسي منذ فرويد، على مجرد الأفعال أو العلاقات أو الممارسة الجنسية في معناها الضيق، بل يشمل مجموع التمثلات والرغبات والدوافع وأشكال اللذة التي ترتبط بالجسد والعلاقة مع الآخر. فالجنسانية، وفق هذا المنظور، أوسع من الوظيفة التناسلية، إذ تتجلى في الخيال واللغة والصورة والرمز بقدر ما تتجلى في الممارسة الجسدية المباشرة.
وقد توسع البحث في الجنسانية لاحقاً داخل التحليل النفسي، خصوصاً مع جاك لاكان، كما وسّع وليام رايش الأفق الفرويدي للجنسانية، فنقلها من كونها عنصرًا أساسيًا في الحياة النفسية إلى قضية جسدية واجتماعية وسياسية مرتبطة بالتحرر.
يبدأ الألمُ في اللحظة التي يتعلَّم فيها الإنسانُ أن يعيش وهو يَعرف أنَّ صوته لن يُغَيِّر شيئًا. القهرُ في جَوهره ليس فِعلًا خارجيًّا يقع على الجسد فقط، وإنما عملية طويلة تتسلَّل إلى الداخل، وطريقةِ التفكير، واللغةِ، والعلاقاتِ بين الناس.
مِن هذه المنطقة المظلمة يمكن أن نقرأ عالَمَ الروائي المصري علاء الأسواني ( وُلد 1957 ) إلى جانب عالَم الروائي الروسي فاسيلي غروسمان ( 1905_ 1964 ). المسافةُ بين الكاتبَيْن هائلة، زمن مختلف، وبَلَدَان مختلفان، وتجربتان تاريخيتان لا تتطابقان، وأنظمة سياسية واجتماعية لا يمكن وضعها في قالب واحد.
الأسواني يكتب من قلب مصر الحديثة، من المدينةِ والشارع والبيت والجامعة والمقهى والمؤسسة الأمنية والسياسية، ومن التجربة اليومية لمواطن يجد نَفْسَه مُحَاصَرًا بين سُلطة الدولة، وضغطِ المجتمع، والخوفِ، والامتيازِ، والطبقة.
أمَّا غروسمان فيكتب من القرن العشرين الروسي، من قلب التجربة السوفييتية والحرب العالمية الثانية، ومِن عالَم بلغ فيه العنف السياسي والعسكري مستويات تجعل حياةَ الفرد قابلة للمحو باسمِ التاريخ والدولة والحزب والعقيدة.
ومعَ ذلك، فإن المقارنة بينهما تصبح ممكنة حين نتوقف عن النظر إلى القهر باعتباره مُجرَّد موضوع سياسي، ونراه سؤالًا عن الإنسان، ماذا يحدث للفرد حين يصبح عاجزًا عن الدفاع عن نفسه؟، وكيف تتغير شخصيته حين يعرف أنَّ الآخرين أقوى منه؟، وماذا يفعل الخوفُ بالعلاقات الإنسانية؟، وهل يستطيع الفردُ أن يحتفظ بِقَدْرٍ من حريته الداخلية حين تُسلَب منه الحرية في الخارج؟. هُنا تحديدًا يلتقي الأسواني وغروسمان.
في الأعمال الروائية التي تتناول الاستبدادَ، هناك خطر دائم يتمثل في تحويل القهر إلى ديكور سياسي، لكن القهر الحقيقي في الأدب أعمق من ذلك. يبدأ الإنسانُ في حساب كلماته قبل أن ينطق بها، ويختار أصدقاءه بناءً على درجة الأمان، ويتعلَّم متى يصمت، ويكذب على نفسه كي يستطيع الاستمرارَ، ويرى الظلمَ ولا يتدخل لأنَّه يعرف ثمنَ التدخُّل، ويصل في النهاية إلى مرحلة يصبح فيها الخوفُ جزءًا من شخصيته، وليس مُجرَّد رد فِعل مؤقت على خطر محدد.