إشكالية الحُجَج العامَّة بين الفلسفة والبلاغة ـ شاييم بيرلمان ـ ترجمة: أنوار طاهر*
أسعى في ورقة البحث المقدمة هذه**، إلى الدفاع عن الأطروحة التي تشير إلى أن طبيعة الاستدلال الفلسفي raisonnement philosophique هي في الأصل طبيعة بلاغية rhétorique. وانه بمقدار ما يزعم فيه هذا النوع من الاستدلالات أن براهينه تقوم على مجموعة من المقدمات الخاصة به وحده، فهو يوطد، في واقع الأمر، صلته الوشيجة مع عدد من الافتراضات المتآلف على صحتها بشكل معتاد؛ والتي تتكون من المبادئ principes السائدة؛ والمفاهيم notions الشائعة والحُجَج العامَّة أو المشتركة lieux généraux ou communs.
وآمل أن أتمكن هنا من توضيح أن هذه الأطروحة المتعارضِة إلى حد كبير مع اغلب المزاعم السائدة في التقليد الفلسفي، هي ليست بأطروحة اعتباطية. بل على العكس تماماً، هي أطروحة متوافقة تماماً مع المناخ الفكري في عصرنا؛ وأن محاولتها المتمثلة في إعادة العلاقة بين الفلسفة والبلاغة إنما ستضمن خصوصية الفلسفة من جهة؛ وستحفظ من جهة أخرى مكانة البلاغة. وذلك من خلال إعادة الاعتبار لمفهوم الحُجَج العامَّة باعتبارها تمثل نقطة الارتكاز والانطلاق لكل فلسفة إنسانية ممكنة.
في البدء، ينبغي أن نشير إلى أن القول الذي يزعم لنفسه امتلاك جواب ساريّ المفعول valable وكلي عن سؤال: ما هي الفلسفة ؟ لا يمكن له إلا أن يكون جواباً دوغمائياً ومتضمناً على قصور كبير أيضا. لأنه على مدار التاريخ، لم يكن ينبني تعريف...
" لا مجال للحديث عن شيء من الأشياء إلا بفتح العين على الاختلاف والفرق وعلى العرض والأثر" [1]
" أعترف بأني ولدت وفي نفسي نزعة عقلية تجعلني أجد اللذة القصوى في اكتشاف الحجج بنفسي، لا في الإصغاء لحجج الغير" [1]
من البديهي أن موضوعة العنف تثير اليوم جدلا واسعا بين أهل النظر من الفلاسفة والمفكرين، ولَإن صادروا على واقعيتها، فإن الاختلاف بصدد المصادر التي يمتح منها السلوك العنيف يظل سيد الموقف. وإذا كانت هناك بعض التصورات تؤكد على الطبيعة الطبيعية للسلوك العنيف، فإنه يمكن القول بالمقابل أن للمعطى الثقافي الدور الوازن في بلورة أسس دوافع هذا السلوك، خاصة حينما يصبح هذا المعطى ضمن المسكوتات/المحرمات الاجتماعية المحاطة بهالة من التقديس التي لا يجوز انتهاكها. فكيف إذن تنتج ثقافة التحريم السلوك العنيف؟
" إن الإنسان يكون قيما على نفسه بقدر ما يكون عيشه على مقتضى العقل وبالتالي لأن المدينة تكون أشد بأسا وأكثر استقلالية بقدر ما تقوم على أساس العقل وتحتكم به"[1]
المرام من هذا المقالة المصغرة هو تقديم قراءة في الفصل الرابع من كتاب الماركسية وفلسفة اللغة لصاحبه ميخائيل باخيتن، وهو الفصل الذي يعرض الاتجاهات الفلسفية-اللسانية التي تحدد موضوع فلسفة اللغة، وهو ما يبين لنا أن الإشكال الأصلي لهذا الفصل هو موضوع فلسفة اللغة، إذ أن تحديد هذا الموضوع هو الذي سيبين لنا المنهاج الأصلح لمعالجة هذا الفرع المعرفي، وهو التحديد الذي يمكن أن يقدم عبر تعريفات شاملة للغة والكلمة، كما أنه يمكن القول ولو على سبيل التأويل أن الهدف من عرض باختين لهذه الاتجاهات الفلسفية، هو البحث عن حدود الاتصال والانفصال فيما بينها من أجل ضبط قولها والانتقال إلى نقدها في فصول أخرى.
" يجب إصلاح الذهنيات لفهم القيمة الحيوية للفهم وهذا ما يفترض بطريقة تبادلية إصلاح التربية"[1]
فجأة سقطنا في أطوار المدارات المبهمة، فبعد الإعلانات العلمية الكبرى من كوبرنيكوس وغاليلي والمعرفية من بيكون وديكارت ولوك دخلنا مرحلة جديدة تنزع إلى العودة لأزمنة ما قبل الإنفجار العقلي والعلمي الحديثين، وعلى حد وصف الفذ الفلسفي نيتشه "العائد الأبدي" فهي تكرر صورة من شكلها الماضي في الحاضر والمستقبل، وبالرغم من أن قول نيتشه يصب في تأويل الوجود والكون إلى أنه يرتقي لتفسير حركة التاريخ فيم هو قائم من صراع حاد حول مرجعية البُنى العلمية التي قَدِمت في إعطاء صورة مطلقة صدقتها كل المؤسسات العلمية والدينية حول شكلية الوجود الكوني.
" كل سبل الحياة الفلسفية هي أنماط حياة طباع متعددة حددها العقل والعادة وكلها منعطفة نحو ملذات الحياة ونحو تحقيق الكينونة"1[1]
لم يحظ أي مشروع فكري أو ثقافي مُعرب أو عربي ببلوغ القدر الكافي من الوصول إلى العقل والتعمّق فيه ودراسة أشكال السيطرة عليه ومحاولة تحريره منها؛ بل إن أغلب المساع غرقت في التنظير لأسئلة القيم ومجارات الحركة العلمية الغربية أو الحديث عن الثقافة بمنظور شاحب لا يعطي ملامح التفكير والبناء.
"لو لم تكن هناك موسيقى لكانت الحياة خطأ"