جدلية الهوية في السياق المعاصر: من الهوية المأزومة إلى الهوية الجامعة – د. حسن العاصي
تبرز الهوية في عصرنا الحالي بوصفها أكثر القضايا إلحاحًا وإرباكًا في آن واحد. لم تعد الهوية مجرد تعريف بسيط للانتماء أو إطار ثقافي يحدد ملامح الجماعة، بل تحولت إلى معضلة حضارية تهدد استقرار الدول وتضع المجتمعات أمام امتحان وجودي. فحين تتنازع الهويات الدينية والعرقية والطائفية على المجال العام، وحين تُستخدم الهوية أداةً سياسية لإقصاء الآخر أو فرض نموذج أحادي، يصبح الوطن نفسه ساحة تفخيخ قابلة للانفجار في أي لحظة. لقد انتهى زمن الصراعات الطبقية التي كانت تُعرّف المجتمعات في القرن الماضي، وحلّت محلها حروب الهويات، حيث لم يعد السؤال "من يملك السلطة الاقتصادية؟" بل "من يملك الحق في تعريف الانتماء؟". هذا التحول جعل الهوية الوطنية في مواجهة مباشرة مع قوى داخلية وخارجية، من جماعات فرعية تبحث عن التمايز، إلى إمبراطوريات عالمية تعيد رسم الخرائط وتذيب الحدود. ومع صعود التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، باتت الهوية مهددة بفقدان معناها التقليدي، إذ أصبح المستقبل يُبنى على برمجة رقمية لا على إرث تاريخي. إن الهوية اليوم ليست مجرد قضية ثقافية أو اجتماعية، بل هي معركة حضارية تحدد مصير الشعوب في القرن...