قراءة في كتاب الحداثة وما بعد الحداثة لمحمد سبيلا ـ اسماعيلي علوي يوسف
مقدمـــــــــــــــــــة
يبدو من نافلة القول بأنّ محمد سبيلا من المتفردين بمسألة الاهتمام بالحداثة وما بعد الحداثة، وهذا باد في جلّ كتاباته الفكرية. حيث تطرق بالأساس إلى أسس الحداثة و مخاضاتها، وولادتها ونشوئها، فهو الجامع لمحكياتها، وكاتب مروياتها، لكي يستأنس لها القارئ المغربي ومن ثمّة سبل استيعابها ثم استلهامها أو نقدها، وجعلها من منظورات خاصة، بمثابة إخراج لنا من الخندق الذي غارت فيه مجتمعاتنا العربية. ومن هنا تأتي أهمية كتاب "الحداثة وما بعد الحداثة" كصدى لهذه السياقات العامة، ونموذجا لمقاربتها في السياقين الكوني والخصوصي.
1. القراءة الأفقية
إذا توجهنا بداية إلى المستوى الأفقي- السطحي لهذا الكتاب من جهة، فهو متوسط الحجم، بلغت عدد صفحاته 112 صفحة، في الطبعة الثانية من نشر دار توبقال، سنة 2007، علما أنّ الطبعة الأولى كانت في بداية الألفية الثالثة (2001)، وعلى مستوى فهرسة الكتاب فيمكن تقسيمها إلى خمس مستويات:
استهلال:
شكّلت الفلسفة السياسية في الفترة الحديثة، منطلقا جديدا، من خلال استنادها على الثورة الكوبرنيكية في الفلك، والجاليلية في الفيزياء، والديكارتية في الفلسفة، بحيث نجد منابع الذات في تلك الأسس. امتدّ الأمر في السياسة، من خلال التفكير في إعادة تقليب الأرضية السياسية، وبناء نظم جديدة، فانطلاق هوبز مثلا، من الإنسان في فلسفته السياسية، نابع من خلفية علمية-فلسفية حديثة. الحال كذلك مع جون جاك روسو الذي ناقش مفهوم الإنسان في خطابه عن أسس التفاوت بين الناس. من هنا يشكّل الإنسان الموضوع الرئيسي للسياسة؛ فأي تحديد للإنسان وطبيعته، وعلاقته مع الأفراد، إلا وينعكس على طبيعة النظرية السياسية، فتكون هذه الأخيرة تقعيدا لأسس العلاقات وتدبيرا للشؤون الاجتماعية والاقتصادية وغيرهما. لذلك كانت تأملا داخل الحدود العملية، لا تبرح مصالح الناس وواقعهم وحياتهم، ومنافعهم العامة. ولتحقيق ذلك قام فلاسفة العقد الاجتماعي بافتراض منهجي، يضع واقعهم بمختلف أبعاده بين قوسين، حدّد في حالة الطبيعة، غير أنّ هذه الحالة عند روسو تمثل بعدا تاريخيا، واجرائيا كذلك؛ إذ وضَع الطبيعة الإنسانية في مجرى الزمن، وتلمّس تغيراتها، في علاقتها بالطبيعة وموجوداتها، ومن حيث البعد الإجرائي الذي يحاكم الواقع الراهن، عند إدراك الأسس الحقيقية للمجتمع، ويفتح أفقا نحو العقد الاجتماعي، فكيف...
المنظومة اللغويّة جزء من المنظومات الكونيّة التي نظن أنّنا أحطنا بقوانينها و رسمنا حدود قواعدها نحوا و صرفا و تنظيرا لسانيّا و تمثيلا عرفانيّا بل و حتى تحليلا جينيّا. لكن يبدو أنّ نظريّة الفوضى (الكايوس) قد عصفت بهذه الحقائق كما عصفت بحقائق علميّة راسخة في مجالات أخرى.
قامت فلسفة كانط الترانسندنتالية transcendentale النقدية على نقد ودحض المذهب العقلي (ديكارت) والمذهب التجريبي- الحسي (لوك وهيوم) . باعتبار أن المعرفة المنبثقة عن الاتجاه العقلي لا تقوم على محتويات تجريبية - حسية، بل تنتج عن تفكير منطقي استنباطي. ذلك أن العقليين في عصر التنوير اعتبروا أن العالم منظم حسب قوانين، ويمكن معرفة هذا العالم عبر العقل والاستدلال المنطقي انطلاقا من مقدمات صحيحة ودون اللجوء إلى المعطيات الحسية (ديكارت)، وهذا ما يرفضه كانط.
لا يمكن أن نخوض اليوم في مسألة المقدّس دون أن نشخّص السيرورة التاريخية التي جعلت من هذا المفهوم دون غيره محلّ سؤالنا.فمنذ الثورة الفرنسية و فلسفات العقد الاجتماعي ففلسفة التنوير،عرف العالم ما يسميه مارسال غوشي "حركة نزع السحر عن العالم" و هي حركة تميّزت بانتقال الديني إلى مجال المفارق و استقلالية المحايث الاجتماعي و السياسي عن كل تفسير ديني غيبي ممّا جعل من الإنسان فردا مستقّلا قادرا على تأسيس الحياة العامّة دون الاستناد إلى المرجعيات اللاهوتية بما أنّه لم يعد للمؤسسة الدينية من مبرر لتنظيم و تفسير حياة الإنسان.تجد هذه الحركة جذورها الأولى في الثورة العلمية الحديثة التي تجاوز من خلالها العلم التفسيرات الأنتروبومورفية الأرسطية ليحطم بذلك الكوسموس و يستند إلى الرياضيات وحدها لتفسير ظواهر الطبيعة من خلال الترييض و التكميم و هندسة المكان و إن كانت هذه الثورة علمية فإنها غيّرت من موقع الإنسان في الطبيعة و جعلته بعبارات ديكارت "سيّدا و مالكا لها" كما أنّها غيّرت من معنى العالم بالنسبة للإنسان فأصبح فضاء للتجربة و التحرّر و انقلبت حالة العجز السابقة إلى حالة قدرة فاعلة.وعلى إثر هذه الثورة،أصبح الإنسان قادرا على نقد الأفكار الدينية خاصّة تلك التي تنزع عن الإنسان دور الفعل و تمنعه عن الحريّة و المعرفة العقلية و نجد هذا...
مقدمة
"
إن نظرة أولية إلى تاريخ الأفكار والمعارف تكشف عن كون الممارسات الاجتماعية والفكرية مرتبطة أوثق الارتباط، وإن كان لا يمكن الإقرار بتبعيـة من درجـة ما من اللزوم فيما بين المستويات المختلفة. ويمكن ملاحظة أن وتيرة تطور الأفكار والفنون والتقنيات متناسبة مع درجة التفاعل والتداخل فيما بينها : إذ كلما كان التفاعـل قويا كانت استفادة مختلف الميادين أكبر ؛ وكلما انعزلت عن بعضها البعض، بفعل عوامل عقدية أو سياسية مثلا، ركدت، وربما تراجعت.