المغرب بين قوسين (الحلقة 3) - الهجرة خسارة موهوبين أم صمّام أمان؟ - عبد الغفور مغوار

نوع الخط وحجمه
  • أصغر صغير متوسط كبير أكبر
  • نسخ ريدكس برو يمامة أميري شهرزاد

في لغة العرب كلمة لا يقابلها في الإنجليزية ما يوفيها حقها: «الغربة». هي أكثر من بُعد جغرافي عن الوطن، وأبعد منه؛ إنها ذلك الشعور المركب المزدوج الذي يجمع بين الحنين إلى مكان تحبه، والإدراك العميق بأنك مضطر إلى مغادرته. إنها أن تحمل وطنك في داخلك، وتتركه خلف ظهرك في الوقت ذاته.
هذه الكلمة وحدها كافية لوصف ما يعيشه ملايين المغاربة كل يوم، في مطارات أوروبا، ومكاتب كندا، ومستشفيات الخليج: يتذكرون أزقة مدينتهم، ورائحة الكسكس يوم الجمعة، ونداء المؤذن فجرًا، وفي الوقت ذاته لا يملكون إجابة عن السؤال الأصعب: لماذا لم يجدوا هناك ما يجعلهم يبقون؟
خمسة ملايين مغربي يقيمون خارج وطنهم. يحولون سنويًا 12.9 مليار دولار إلى المغرب، ما يعادل أكثر من 8% من الناتج الداخلي الإجمالي. و55% من الشباب المغربي بين 18 و29 عامًا يعبرون عن رغبتهم في الهجرة، و91% من خريجي الجامعات يحلمون بمغادرة البلد للبحث عن فرص مهنية في الخارج. ويغادر المغرب سنويًا ثلاثة آلاف وسبعمئة مهندس وطبيب، كل عام، بلا استثناء.
هذه الأرقام تصف نزيفًا بطيئًا، لكنه منهجي، يفرغ المغرب من أثمن ما يملك: شبابه الأكثر تأهيلًا وطموحًا. والسؤال الذي لا يطرحه الخطاب الرسمي بالصراحة اللازمة هو: هل تحولت الهجرة من ظاهرة إنسانية عارضة إلى سياسة اقتصادية ضمنية يستند إليها الاقتصاد المغربي بديلًا عن الإصلاح الهيكلي؟

1- خمسة ملايين: الحجم الحقيقي لـ«المغرب الخارجي»
حين يعلن المغرب بفخر عن «5 ملايين مغربي مقيم بالخارج»، وفق إحصاءات وزارة الخارجية المغربية، تتصادم في الذهن صورتان متناقضتان: صورة النجاح ـ مغاربة ناجحون في أوروبا وأمريكا وكندا والخليج يجسدون انفتاح المغرب على العالم ـ وصورة الفشل ـ خمسة ملايين شخص رأوا في المغادرة الإجابة الوحيدة عن أسئلتهم حول المستقبل.
هذان الوجهان ليسا متعارضين بالضرورة، لكن إغفال الثاني لصالح الأول هو نوع من الخداع الذاتي الجماعي. فالمغتربون المغاربة يتوزعون على طيف واسع: من العمال غير المهرة الذين هاجروا منذ سبعينيات القرن الماضي وأقاموا في ضواحي باريس ومدريد وأمستردام، إلى الأطباء المتخصصين في مستشفيات بلجيكا، والمهندسين في مراكز التكنولوجيا الكندية، والأكاديميين في الجامعات الأمريكية. والمشترك بينهم جميعًا: المغرب لم يحتجزهم.
وقد تطور تركيب هذه الهجرة بشكل مثير للانتباه خلال العقد الأخير؛ فالموجة الجديدة ليست هجرة المضطر الفقير الفار من العوز، إنها هجرة الكفاءة المكوَّنة التي تفاضل بين عروض العمل وتختار. شاب مغربي حاصل على دكتوراه في علوم الكمبيوتر، يبلغ من العمر ثلاثة وعشرين عامًا، يقارن بين راتب قدره 5000 درهم، أي نحو 500 دولار، في المغرب، وعرض بقيمة 5000 يورو في ميونيخ مثلًا، وليس في حاجة إلى وقت كثير لاتخاذ القرار.

تحليله المنطقي سيكون بهذه الصيغة: «لن أجد أي فرصة في المغرب. بلدي لا يعطيني ما يجعلني أبقى. إذا بقيت، قد أعمل مدرسًا وأتقاضى 7000 درهم شهريًا، ما يعادل 700 دولار، هذا إن أسعفني الحظ». وبهذا تكون المشكلة ليست في المغرب بوصفه وطنًا، بل في ما يتيحه الوطن للشباب.

2- المهاجرون يمولون دولة لم تُبقِهم
في يونيو 2025، وبمناسبة اليوم الدولي للتحويلات المالية العائلية، أعلن كل من الصندوق الدولي للتنمية الزراعية، وبنك المغرب، وبعثة الاتحاد الأوروبي، أن تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج بلغت 12.9 مليار دولار خلال عام 2024، أي ما يعادل أكثر من 8% من الناتج الداخلي الإجمالي للمغرب. وهو رقم يجعل المغرب من بين الدول الأكثر استفادة من هذه التحويلات على مستوى العالم.
للمقارنة، يفوق هذا الرقم عائدات السياحة البالغة 10.5 مليار دولار سنة 2023، ويتقدم على كثير من قطاعات التصدير التقليدية. وقد باتت هذه التحويلات ـ بكل صراحة ـ المصدر الأول للعملة الصعبة في المملكة. بمعنى آخر: الاقتصاد المغربي يعتمد اعتمادًا جوهريًا على من غادر، لا على من بقي.
هذه الحقيقة تطرح معادلة مقلقة في صميمها: حين تصبح تحويلات المهاجرين ركيزة بنيوية في الاقتصاد الوطني، فإن ذلك يعني ضمنيًا أن الدولة تتلقى عائدًا ماليًا من الكفاءات الإنسانية التي استثمرت فيها عبر التعليم المدعوم، ثم رفضت إعطاءها السياق الملائم للإنتاج محليًا، فهاجرت، فعادت تحويلاتها من الخارج بديلًا عن الدخل الذي كان يمكن توليده داخليًا.
يرصد الخبير الاقتصادي عمر الكتاني هذه الديناميكية ويحذر منها؛ فالتحويلات، وإن كانت رافدًا ماليًا لا غنى عنه في الوقت الراهن، فإن هشاشتها الكامنة تبرز حين تضرب أوروبا أزمة اقتصادية، أو تفرض قيودًا على التحويلات المالية ـ وهو تهديد بات واقعيًا مع السعي الأوروبي إلى إخضاع البنوك الأجنبية العاملة في أراضيه للوائح موحدة أكثر تشددًا ـ فينعكس ذلك مباشرة على ميزانيات الأسر المغربية التي تعيش جزئيًا على هذا الرافد.
هذا، ويُعتبر المغرب من بين أعلى الدول عالميًا في نسبة التحويلات إلى الناتج الداخلي الإجمالي.

3- هجرة الأدمغة
أعلن وزير التعليم العالي السابق عبد اللطيف ميراوي أن ما يقارب 3000 مهندس يغادرون المغرب سنويًا. وحين يضاف إليهم الأطباء والصيادلة والباحثون، يبلغ الرقم الإجمالي للكفاءات الصحية والتقنية الرفيعة نحو 3700 شخص سنويًا. وإذا علمنا أن تكلفة تكوين مهندس واحد في المغرب بلغت، سنة 2007، نحو 32500 دولار ـ ناهيك عن التضخم وارتفاع مستويات التكوين منذ ذلك الحين ـ يتضح أن المغرب يصدر سنويًا استثمارًا بشريًا يقدر بمئات الملايين من الدولارات، لتحصد ثماره أوروبا وأمريكا.
وتجسد أرقام المدرسة الوطنية العليا للإعلاميات وتحليل الأنظمة (ENSIAS)، إحدى أرقى مؤسسات التكوين الهندسي في المغرب، المأساة بأكثر ما يكون وضوحًا: فقد هاجر ما يصل إلى 80% من خريجيها الجدد، وتوظفوا لدى شركات أوروبية. وتفيد الاتحادية المغربية لتقنيات المعلومات والاتصالات والإسناد (APEBI) بأن قطاع تقنية المعلومات في المغرب يخسر خمسين مهندسًا شهريًا، وأن ثلاث شركات أجنبية تأتي كل خمسة عشر يومًا لاستقطاب نحو دزينة من المهندسين المغاربة.
ويمتد النزيف ليطال قطاع الصحة، الذي يرزح أصلًا تحت وطأة عجز مزمن. فقد كشفت دراسة أكاديمية منشورة على منصة ResearchGate أن المغرب لا يملك سوى 0.80 طبيب لكل 1000 نسمة سنة 2023، مقارنة بمعيار منظمة الصحة العالمية البالغ 1.72، أي إن المغرب لا يغطي سوى 46% من الكثافة الطبية الدنيا الموصى بها. ورغم أن هذا الرقم تضاعف منذ سنة 2000، يظل التحدي ضخمًا في ظل استمرار هجرة الأطباء نحو أوروبا، حيث تقدم لهم عروض عمل بمستويات أجرية تفوق عشرة أضعاف ما يتقاضونه في المغرب.
وقد ذهب السياسي والأكاديمي المغربي لحسن الداودي إلى أبعد من ذلك، حين ربط الأرقام بسياقها المؤسسي، مشيرًا إلى أن هجرة 600 مهندس سنويًا تعادل تقريبًا العدد الإجمالي للمهندسين الذين تخرجهم مؤسسات التكوين العليا المرموقة، مما يعني أن الناتج السنوي لأعرق مدارس الهندسة المغربية يتجه في مجمله إلى الخارج، لا إلى الاقتصاد الوطني.

4- عندما يريد الشباب المغادرة
الأرقام الدولية لا تترك مجالًا للتأويل المريح: يكشف الباروميتر العربي، في موجته الثامنة لعام 2024، أن 55% من الشباب المغاربة بين 18 و29 عامًا يعبرون عن رغبتهم في الهجرة. وفي سنة 2023، تجاوز هذا الرقم 70% وفق مصادر متعددة. وتفيد دراسة موقع «ريكروت»، إحدى أبرز منصات التوظيف، بأن 91% من خريجي الجامعات المغاربة يحلمون بالمغادرة بحثًا عن فرص مهنية.
هذه الأرقام تكتسب ثقلها الأكبر حين ندرك أنها تصف الشرائح الأكثر حرمانًا، وبالأساس الشرائح الأكثر تأهيلًا. فقد كشف الباروميتر العربي أن المتعلمين ـ في المغرب وسائر دول المنطقة ـ أكثر ميلًا إلى الهجرة من غير المتعلمين، وأن ثلث المغاربة في العينة أفادوا بأن الفرص التعليمية والمهنية تشكل عاملًا رئيسيًا في قراراتهم.
ويحذر المرصد الأوروبي لمهارات الهجرة (ETF)، في ضوء هذه الإحصائيات، من منعكساتها الهيكلية: «العامل الرئيسي في هجرة الكفاءات المغربية يتمثل في غياب الفرص المهنية الملائمة في المغرب، وغياب الشفافية في التوظيف والترقية». ويضيف أن فرنسا لا تزال الوجهة الأولى للمهندسين المغاربة وفق الاتحادية المغربية لتقنيات المعلومات (APEBI)، تليها كندا وألمانيا ودول الخليج.
ويُضفي موقع Morocco World News، في تحقيقه «كيف يتحرك مستقبل المغرب نحو الخارج» (ديسمبر 2025)، طابعًا إنسانيًا على هذه الأرقام المجردة، من خلال شهادات شباب متعلمين يصفون ما يسمى «الغربة قبل الرحيل»: شعور بأن البلد لا يوفر لهم المكان اللائق بطموحاتهم، حتى قبل أن يغادروه فعليًا. إنهم يهاجرون من داخلهم أولًا.

5- الهجرة غير النظامية: الجرح المفتوح على الشاطئ
لا يكتمل المشهد دون استحضار وجهه الأكثر قسوة: الهجرة غير النظامية. فبينما يُوظَّف المهندسون والأطباء في دول الاستقبال عبر إجراءات قانونية رسمية، يجازف آلاف آخرون بحياتهم عبر البحر أو الأسلاك الشائكة، أملًا في الوصول إلى ضفة أخرى.
في عام 2024، أعلنت وزارة الداخلية المغربية إحباط أكثر من 78 ألف محاولة للهجرة غير النظامية. وقد أُنقذ 18 ألفًا و645 مهاجرًا في عرض البحر. كما شهدت ضواحي سبتة ومليلية المحتلتين 14 عملية اقتحام أو محاولة اقتحام، شارك فيها أكثر من 4290 شخصًا. وفي خضم ذلك، لقي عشرات حتفهم في مياه البحر الأبيض المتوسط.
ويتعلق جزء كبير من هذه الهجرة بمواطنين من دول أفريقيا جنوب الصحراء يتخذون من المغرب بلد عبور نحو أوروبا. لكن نسبة من المغاربة أنفسهم ـ خاصة من مناطق الهامش والريف ـ تشكل ذات البعد المأساوي للظاهرة. وهنا يتقاطع محور الهجرة مع محاور التفاوت الاقتصادي، وضعف التعليم، والتهميش الجغرافي: حين تُقفل كل الأبواب أمام شاب في قرية نائية بإقليم الحسيمة أو زاكورة، لا تبقى أمامه سوى تلك القوارب التي يعرف أنها قد تودي بحياته.
يحاول مهاجرون من عدة دول الهجرة بطريقة غير نظامية عبر المغرب نحو أوروبا، بحثًا عن حياة أفضل، في ظل أزمات اقتصادية ونزاعات مسلحة في بلادهم. وينضم إليهم مغاربة لم تقدم لهم بلادهم ما يكفي للبقاء. (عن وكالة الأناضول، يناير 2025).
المفارقة الصارخة هنا هي أن المغرب يدير مؤتمرات دولية لحوكمة الهجرة، ويترأس لجانًا أممية في هذا الملف، بينما تتكرر على شواطئه الشمالية، كل ليلة، مشاهد اليأس البشري الذي لا يجد في بلده ما يقنعه بالبقاء.

6- الهجرة كسياسة اجتماعية غير معلنة
هنا يكمن أخطر ما في هذا الملف: الهجرة في المغرب لم تعد مجرد ظاهرة ديموغرافية طبيعية؛ لقد تحولت ـ بقصد أو بغير قصد ـ إلى صمام أمان اجتماعي غير رسمي يخفف الضغط عن سوق شغل عاجز، وعن منظومة اجتماعية تنوء بثقلها.
المنطق بسيط ومقلق: لو لم تغادر سنويًا آلاف الكفاءات المغربية، لتراكمت في سوق العمل الداخلي كتلة ضخمة من الطاقات البشرية المؤهلة العاطلة، مما كان سيولد ضغطًا اجتماعيًا وسياسيًا متصاعدًا. والهجرة، بهذا المعنى، تصدّر «الأزمة المحتملة» إلى الخارج بدلًا من معالجتها في الداخل.
ولا يعلن أحد هذا صراحة ـ فسيكون ذلك إقرارًا مدمرًا بفشل السياسات التنموية ـ لكن المؤشرات العملية تشير في هذا الاتجاه: ميزانيات تدبير الهجرة ضخمة وممولة أوروبيًا جزئيًا، ومؤسسات «مغاربة العالم» تحظى باهتمام دبلوماسي وافر، وعملية «مرحبا» السنوية لاستقبال المهاجرين في الصيف تُقام بضخامة احتفالية، كأن المغرب يستثمر في العلاقة العاطفية بمغتربيه لضمان استمرار التحويلات المالية، لا في الشروط الموضوعية التي كانت ستجعلهم يبقون.
يربط الباحثون هذه المعادلة بواقع مفاده أن غياب العدالة في التوظيف، وغياب الشفافية في الترقية، وانعدام الثقة في النظام التعليمي، هي الأسباب الحقيقية التي تدفع المغاربة نحو الهجرة. وما لم يُعالج هذا الجذر، ستبقى الهجرة منفذ التهوية الوحيد في منزل اقتصادي يختنق.

7- الفرصة الضائعة: ماذا لو بقوا؟
يبقى حساب تكلفة الفرصة الناجمة عن نزيف الأدمغة تقديرًا نظريًا، لكنه بالغ الدلالة: لو أن الـ3700 مهندس وطبيب الذين يغادرون سنويًا بقوا في المغرب وعملوا بإنتاجية معيارية، فما الذي كانوا سيضيفونه إلى الاقتصاد الوطني؟ وكم كانت ستوفر هذه الطاقات البشرية على قطاع الصحة الذي يرزح تحت عجز طبي حاد؟
تقدر دراسة حول تأثير هجرة الأدمغة، منشورة على ResearchGate، أن الخسارة في رأس المال البشري تمثل تكلفة فرصة ضائعة لا يستطيع المغرب تحملها، لا سيما في ظل سعيه الحثيث إلى ترسيخ مكانته قائدًا في الأسواق الإقليمية والعالمية. وتشير إلى أن المبالغ المحولة من المهاجرين ـ رغم قيمتها ـ لا يمكنها تعويض الإمكانات الضائعة في مجال رأس المال البشري.
قطاع الصحة نموذج صارخ: المغرب ينفق على تكوين طبيب سنوات طويلة، ثم يجد نفسه بنسبة أطباء تبلغ نصف المعيار الدولي، لأن أطباء كثيرين اختاروا ممارسة مهنتهم في مكان آخر. والنتيجة؟ يُستقبل المواطن المغربي في المستشفى العمومي بعد انتظار مضن، لأن العرض الطبي أقل بكثير مما تحتاجه البلاد.
وقطاع التكنولوجيا نموذج موازٍ: المغرب يحتضن GITEX، ويروج لنفسه مركزًا رقميًا ناشئًا في إفريقيا، لكن قطاع تقنية المعلومات يخسر 50 مهندسًا شهريًا، وثلاث شركات أجنبية تأتي كل أسبوعين لتجنيدهم مباشرة من المغرب. كيف يمكن بناء اقتصاد معرفي، ومحرك الاستدامة البشرية فيه يعمل بأقصى طاقته عكس الاتجاه؟

خلاصة
الهجرة في ذاتها ليست مشكلة؛ فحركة الأفراد بين البلدان سمة إنسانية خالدة، وظاهرة اقتصادية مشروعة تُثري الجانبين. المشكلة تبدأ حين تصبح الهجرة الخيار الأوحد لمن يحمل طموحًا، والإجابة الوحيدة عن سؤال الكفاءة حول مستقبلها في وطنها.
يواجه المغرب في هذا الملف معادلة صعبة من ثلاثة أضلاع: اقتصاد يعجز عن استيعاب الكفاءات التي ينتجها، وتعليم عال ينتج خريجين يحلمون بالخارج، وسوق عمل يفتقر إلى الشفافية والعدالة، مما ينفر حتى أولئك الذين يريدون البقاء. وهذه المعادلة لن تتوازن بمزيد من مؤتمرات حوكمة الهجرة، ولا بعمليات «مرحبا» الاحتفالية؛ وربما تتوازن باستحقاق تنموي داخلي حقيقي.
يقول المفكر الاقتصادي Dani Rodrik ما مضمونه إن ما لا يقدمه البلد لمواطنيه الأكثر تأهيلًا يقدمه لهم بلد آخر، والفارق الوحيد هو من يحصد النتاج. وبهذا المعيار، يحصد الغرب والخليج ما بذر المغرب بذوره على مدار سنوات من الاستثمار في التعليم، ويُكتفى في المقابل بالفخر بأن هؤلاء «نجحوا في الخارج».
لكن الأكثر إيلامًا ليس رحيل من رحل. الأكثر إيلامًا هو ذلك الشاب الذي لم يغادر بعد، ويحمل في داخله تلك الغربة المضاعفة: غريب في وطنه لأنه لا يجد مكانه، وغريب في حلمه بالرحيل لأنه يحب مكانه. الغربة قبل الهجرة، هذه هي الكلمة الحقيقية التي تصف جيلًا يريد أن يبني هنا ولا يجد ما يؤازره لذلك.
والسؤال الذي لا مفر من مواجهته أخيرًا: متى يصبح احتفاظ المغرب بأبنائه أولوية سياسية حقيقية، تُترجم في ظروف العمل والأجور والشفافية والفرص، لا مجرد خطابات عاطفية تُلقى في افتتاح برامج «استقطاب الكفاءات» التي لا تغري أحدًا بالعودة؟

المصادر والمراجع
1- مكتب الصرف المغربي، بيانات تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج 2024. (oc.gov.ma)
2- الصندوق الدولي للتنمية الزراعية، وبنك المغرب، والاتحاد الأوروبي، بيان اليوم الدولي للتحويلات المالية، يونيو 2025. (kech24.com)
3- وزارة الخارجية المغربية، إحصاءات المغاربة المقيمين بالخارج، 2024.
4- الباروميتر العربي: الموجة الثامنة، تقرير المغرب 2024. (arabbarometer.org)
5- الجزيرة نت، «تحويلات المهاجرين المغاربة: قوة اقتصادية وقيود أوروبية»، فبراير 2025. (aljazeera.net)
6- Morocco World News, “How Morocco's Future is Moving Abroad”, ديسمبر 2025. (moroccoworldnews.com)
7- Al Majalla, “The West is Benefiting from Morocco's Brain Drain”, سبتمبر 2023. (majalla.com)
8- هشام مطاهر، The Arab Weekly, “Heated Debate in Morocco over Brain Drain”, 2019. (thearabweekly.com)
9- مؤسسة التدريب الأوروبية (ETF), “Skills and Migration Country Fiche: Morocco”, سبتمبر 2021. (etf.europa.eu)
10- بلبريس، «هجرة الأدمغة في المغرب: قلق متزايد بشأن مستقبل الوطن»، مايو 2025. (belpresse.com)
11- ResearchGate, “The Impact of Brain Drain on Development: A Case Study of Morocco”, 2022. (researchgate.net)
12- وكالة الأناضول، «المغرب: إحباط أزيد من 78 ألف محاولة للهجرة غير النظامية في 2024»، يناير 2025. (aa.com.tr)
13- Barlaman Today, “Migration and Brain Drain Hold Back Morocco's Potential for Tech Stardom”, يناير 2025. (barlamantoday.com)

إضافة تعليق

Security code تحديث

إرسال التعليق

مفضلات الشهر من الترجمة

مفضلات الشهر من السياسة