بعد قرابة ستة عقود، لا تزال نظرية جون واتربوري حول السياسة الانقساميةsegmented politics/ أكثر راهنية في تفسير آليات اشتغال الحقل السياسي المغربي من كثير من الأطروحات التي جاءت بعدها. فما بين صدور كتابه المرجعي The Commander of the Faithful عام 1970، ونتائج الانتخابات التشريعية لسنة 2026، لم يتغير الجوهر البنيوي للعبة السياسية إلا في التفاصيل والواجهات. فما زالت الأحزاب تتصرف كفصائل متنافسة ذات ولاءات ظرفية ومتغيرة، وما زال التناوب على الصدارة يتم وفق منطق يمنع أي طرف من الهيمنة المستدامة، وما زال الملك يحتفظ بموقع الحكم الأعلىthe supreme arbiter/ الذي يعيد ترتيب التوازنات بعد كل استحقاق انتخابي.
إن تتبع مسار المقاعد البرلمانية للأحزاب الرئيسية بين 2011 و2026 يكشف بوضوح عن استمرار هذا المنطق الانقسامي. ويتجلى ذلك عند التمييز بين مجموعتين: المجموعة الأولى تضم الأحزاب الأربعة المتنافسة فعليا على الصدارة (التجمع الوطني للأحرار، والأصالة والمعاصرة، والاستقلال، والعدالة والتنمية)، وقد عرفت تقلبات حادة. إذ انتقل حزب العدالة والتنمية من 107 مقاعد سنة 2011 إلى 125 سنة 2016 قبل أن ينهار إلى 13 مقعدا سنة 2021 ثم يستعيد جزئيا 54 مقعدا سنة 2026، بينما صعد حزب الأصالة والمعاصرة من 47 مقعدا إلى 97 مقعدا محتلا الصدارة أخيرا، وعرف التجمع الوطني للأحرار قفزة استثنائية إلى 102 مقعد سنة 2021 قبل أن يتراجع إلى 66، فيما حافظ حزب الاستقلال على حضور مستقر نسبيا تراوح بين 46 و81 مقعدا. أما المجموعة الثانية فتضم الأحزاب الأربعة المكملة (الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، والتقدم والاشتراكية، والحركة الشعبية، والاتحاد الدستوري)، والتي تميزت باستقرار ملحوظ في نتائجها دون قفزات دراماتيكية أو انهيارات كبرى.

ويظهر هذا التباين جوهر النظرية الانقسامية. فالأحزاب الأربعة الكبرى تتصرف كـفصائل رئيسية تتنافس بشراسة على القرب من المركز وإعادة توزيع الموارد والمناصب، فتأتي نتائجها متقلبة وتعكس منطق الانشطار والانصهار حسب الظرفية، في حين تبقى أحزاب المجموعة الثانية أقرب إلى فصائل ثانوية مستقرة نسبيا، تؤدي وظيفة تكميلية ولا تهدد التوازن العام. وهكذا يمكن القول إن التقلبات الحادة ليست تعبيرا عن دينامية ديمقراطية حقيقية بقدر ما هي آلية بنيوية تحول دون تشكل أغلبية مستقرة أو قطب مهيمن، مما يعيد إنتاج الحاجة الدائمة إلى تحالفات ظرفية ويكرس موقع الملك كحكم أعلى.

ويتعزز هذا التشخيص حين نضع المسارات الحزبية في سياق نسب المشاركة الانتخابية. فقد بلغت المشاركة 45.4% سنة 2011 التي عرفت حراكا شعبيا واسعا وانخراطا لمختلف الشرائح الاجتماعية، ثم تراجعت قليلا إلى 42.3% سنة 2016، قبل أن ترتفع نسبيا إلى حوالي 50.5% سنة 2021، لتسجل أدنى مستوياتها منذ أكثر من عقدين سنة 2026 بنسبة تقارب 38%. هذا التراجع الحاد، خاصة مع تصدر حزب إداري كالأصالة والمعاصرة، يمكن تفسيره على أن التقلبات الكبرى لم تكن تعبيرا عن تعبئة مجتمعية واسعة أو تحولات إيديولوجية عميقة، بقدر ما كانت إعادة ترتيب داخلية للنخب داخل حقل سياسي مغلق نسبيا.
وبالتوازي مع ذلك، مر المشهد الحزبي بثلاث محطات بارزة: اكتساح الإسلاميين المعتدلين بين 2011 و2016، ثم انهيارهم وصعود الليبراليين (التجمع والأصالة والمعاصرة) سنة 2021، وصولا إلى تصدر حزب الأصالة والمعاصرة سنة 2026 مع عودة جزئية لحزب العدالة والتنمية، في ظل استمرار الطابع المجزأ للنظام الحزبي وغياب أي أغلبية مطلقة. وقد عرف حزب العدالة والتنمية صعودا تاريخيا مستفيدا من موجة الربيع العربي ودستور 2011، قبل أن يشهد انهيارا مدويا سنة 2021 نتيجة الاستياء الشعبي من أدائه الحكومي وتوقيعه على اتفاقية ابراهام، ليعود جزئياً سنة 2026 بقيادة عبد الإله بنكيران دون أن يتمكن من العودة إلى السلطة. في المقابل تصدر حزب الأصالة والمعاصرة لأول مرة سنة 2026 مستفيدا من تراجع التجمع الوطني للأحرار، بينما حقق الأخير أكبر قفزة انتخابية سنة 2021 بقيادة عزيز أخنوش قبل أن يفقد الصدارة. وظل حزب الاستقلال الأكثر استقرارا على المدى الطويل.
وتتقاطع هذه المسارات مع عامل القيادة الحزبية. ففي حزب العدالة والتنمية ارتبط الصعود والعودة الجزئية بقيادة بنكيران الكاريزمية، بينما تزامن الانهيار مع فترة سعد الدين العثماني. وبالمثل ارتبطت قفزة التجمع الوطني للأحرار بقيادة أخنوش، في حين تزامن تراجعه مع خروجه من الأمانة العامة. أما حزب الأصالة والمعاصرة فقد نجح في تعزيز موقعه رغم تعاقب القيادات، خاصة مع الانتقال إلى صيغة قيادية جماعية، بينما استفاد حزب الاستقلال من الاستقرار النسبي تحت قيادة نزار بركة. وهكذا يتبين أن التغييرات في القيادات، وإن لم تكن العامل الحاسم الوحيد، لعبت دورا بارزا في تضخيم التقلبات داخل الفصائل الرئيسية، بما يتوافق مع الطابع الشخصي والظرفي للسياسة الانقسامية.
غير أن نظرية واتربوري لوحدها، تظل غير كافية لفهم أعمق لطبيعة السلطة داخل الأحزاب ولعلاقة المواطنين بها. وهنا تبرز أهمية أطروحة عبد الله حمودي في كتابه "الشيخ والمريد"Master and Disciple/ كمكمل ضروري وناقد جزئي للنظرية الانقسامية. فحمودي يكشف عن النموذج الثقافي العميق المتمثل في علاقة التبعية الشخصية والولاء والطاعة المستمدة من التراث الصوفي. ومن هذا المنطلق يمكن فهم لماذا تبقى الأحزاب ضعيفة مؤسساتيا حتى في لحظات قوتها الانتخابية، ولماذا تهيمن شبكات الأعيان والمال السياسي والولاءات الشخصية، ولماذا يرى جزء كبير من المواطنين في العمل الحزبي امتداداً لمنطق الزبونية، مما يغذي أزمة الثقة والعزوف الانتخابي. وهكذا فإن الجمع بين منطق الانشطار والانصهار عند واتربوري والنموذج التراتبي-الشخصيpatronage/ عند حمودي يتيح قراءة أشمل تتجاوز رصد التقلبات السطحية إلى فهم البنية الثقافية التي تعيد إنتاجها.
ففي ضوء نموذج الشيخ والمريد، يتبدى المشهد الحزبي كامتداد معاصر لخطاطة ثقافية تقوم على السلطة الشخصية والخضوع الولائي. ففي حزب العدالة والتنمية تجسدت العلاقة بأوضح صورها مع بنكيران، الذي قاد الحزب إلى ذروته ثم أدى غيابه إلى الانهيار، ليعود الانتعاش مع عودته، مما يؤكد ارتباط مصير التنظيم بشخص الزعيم. أما التجمع الوطني للأحرار فقد شهد تحولا مماثلا تحت قيادة أخنوش بفضل شبكة ولاءات شخصية ومنافع موزعة، قبل أن يتراجع مع خروجه من القيادة. وفي حزب الأصالة والمعاصرة تجلت الخطاطة عبر تتابع “الشيوخ” ثم القيادة الجماعية، حيث بقيت الولاءات الشخصية والشبكات هي المحرك الأساسي، ويبرز ذلك في قرارات مثل إقالة صلاح الدين أبو الغالي وتجميد عضويته. وحتى حزب الاستقلال لم يفلت من هذا النموذج، فقد برز نزار بركة كـ”شيخ” رئيسي تميل الآليات الداخلية إلى تأكيد الولاء له، مع الحفاظ على طابع عائلي-تاريخي جزئي. هكذا تكشف هذه المعطيات أن الأحزاب المغربية الرئيسية تعيد إنتاج السلطوية الثقافية داخل بنياتها، فتظل رهينة شخصيات فردية وشبكات خضوع، مما يحد من تحولها إلى مؤسسات حديثة ويبقي السياسة المغربية أسيرة منطق الشيخ والمريد أكثر مما هي خاضعة لمنطق البرامج والمؤسسات.
وإلى جانب هذا المشهد الذي تهيمن عليه آليات الانشطار والانصهار من جهة، ومنطق الشيخ والمريد من جهة أخرى، يبرز تحالف اليسار (فيدرالية اليسار الديمقراطي والحزب الاشتراكي الموحد) كأفق مغاير يستحق التوقف عنده في خاتمة هذا التحليل. فقد ظل هذا التيار هامشيا لسنوات طويلة بمقعدين فقط في 2016 و2021، قبل أن يحقق قفزة نوعية سنة 2026 بحصوله على ثمانية مقاعد، مع اختياره الواعي البقاء في المعارضة ورفض منطق التوافق والمشاركة الحكومية. ويضاف إلى هذا كون أغلب هذه المقاعد من نصيب النساء، مما يمنح التجربة بعدا رمزيا إضافيا يشير إلى محاولة نسبية لتجاوز النموذج الذكوري-الشخصي التقليدي. هذا المسار، رغم محدوديته العددية، يشكل تحديا مزدوجا للنظريتين. فهو يحاول الإفلات من اللعبة الانقسامية التي تدور حول القرب من المركز، كما يسعى إلى بناء تنظيم لا يقوم أساسا على الولاء الشخصي لشيخ كاريزمي، بل على أفق إيديولوجي ومطلب ديمقراطي جذري (التمسك بالملكية البرلمانية). وفي الوقت نفسه، يمكن قراءته كمحاولة للعودة الجزئية إلى سياق المواجهة الذي تحدث عنه محمد ضريف، بعد عقود من هيمنة منطق التوافق. غير أن السؤال يظل مفتوحا: إلى أي مدى يستطيع هذا التحالف أن يحافظ على مسافة نقدية حقيقية من قواعد اللعبة، وأن يتجاوز الاعتماد على الرموز الفردية نحو بناء مؤسسة يسارية حديثة؟ وهل سينجح خطابه الجذري في التحول إلى ممارسة سياسية مستدامة، أم أنه سيعيد، بأشكال جديدة، إنتاج بعض آليات الاحتواء التي طبعت التجربة الحزبية المغربية منذ عقود؟ وبذلك يبقى تحالف اليسار، في حدود تجربته الراهنة (ما دام التحالف متماسكا)، أفقا محتملا أكثر مما هو بديل مكتمل، وموضع تساؤل مستمر أكثر مما هو خلاصة نهائية.
إضافة تعليق