جنون الفقر
تنتمي فاطمة إلى أسرة فقيرة تتكون من ستة أفراد. الأب مريض لا يستطيع العمل؛ فقد بُترت يده يومًا حين كان يشتغل بإحدى الشركات، واضطرت الأم إلى العمل في البيوت.
بيت جدّ صغير في أحد الأحياء الشعبية، لا نوافذ فيه، ولا نور يدخل إليه حتى يعيد إليه بهجة الحياة. يظل باب البيت مفتوحًا طوال اليوم حتى تزوره الشمس والرياح، وتنظفه من بقايا النوم. الحياة عند عائلة فاطمة صعبة وشاقة، ولا تُعاش بسهولة.
في يوم غائم، لا شمس فيه ولا مطر، كانت الغيوم والرياح تدق طبولها بقوة، كأنها تعلن حالة حرب على الفقراء. زارهم رجل يطلب الزواج من فاطمة. كانت فرحة كبيرة خيّمت على البيت الغائم، كأمطار الخير بعد سنة جدباء. وحمدوا الله على هذه الفسحة التي أعادت إليهم نور الحياة، ولو قليلًا.
تزوجت فاطمة، ورحلت إلى بيت آخر تسكنه. مرت الأيام تتسارع كشلال في أعالي الجبال. أنجبت فاطمة ولدًا وبنتًا. وكانت تساعد في مصروف البيت بالعمل في البيوت كأمها، فهي لم تستطع إكمال دراستها. خانها التفوق، وتاهت في سراديب الحياة تصارع من أجل البقاء.
جاءت يومًا تبكي حالها لأمها، وتصرخ وتطلب حلًا لمعيشتها. سألتها أمها عن السبب. قالت فاطمة...

انتهى لتوه من كتابة التقرير الصحفي عن زيارة الوزير لقرية تازروت، من أجل تدشين مدرسة ابتدائية، بحضور عشرات التلاميذ والتلميذات بمعية اوليائهم.
جلس ادريس الى مكتبه وتأهب لكتابة التقرير على حاسوبه الشخصي، وهي اول تغطية صحفية بعد التحاقه بالعمل كصحفي متدرب باحدى الجرائد الوطنية. 
وكان حريصا على احترام وتنفيذ ما تعلمه في المعهد، وعلى تسجيل ما رآه في حفل التدشين بدقة واخلاص، واجتهد كي لا يتسرب أي خطأ في التقرير كيفما كان نوعه، قبل أن يسلمه الى رئيس التحرير في أقرب الآجال.
في المكتب وقف الشاب أمام الرجل البدين رئيس التحرير، الذي أمره بالجلوس وأخذ يتصفح أوراق التقرير .. يقرأ ويعيد، وما هي الا لحظات حتى بادره بالكلام بصيغة معلم الى تلميذه موجها ومعاتبا∶«اسمع يا ادريس..لاتكن مخلصا للواقع اكثر من اللازم، أنت وصفت عدد الحاضرين بعشرات التلاميذ والتلميذات برفقة أوليائهم...مهزلة أن يحضر عشرات التلاميذ في تدشين مؤسسة تعليمية باشراف شخصية بارزة بحجم الوزير..».
وفكر ادريس∶

حين دعوت الليل ليستريح على صدري، ويلقي بظلمته الموغلة بالمجهول والغموض بأعماق ليل عمري وعتمة دربي، ضحك، بسخرية واستهزاء، واخرج من أمعائه المغطاة ببياض ناصع يذهل العين ويخطف البصر لسانا متقدا بفوهات بركانية تسيل من أحشائه إلى أحشائه، واندفع يشكل ملامح الساعات ببريق جهنمي الطلعة، وسالت منه روائح نار زكية، روائح حشائش دستها في طفولة عمر تقضى بين أحضان البيارات والجبال والسهول والربى.

قال لي:

 صدرك صغير، غير مكتمل النمو، لا يتسع لفراش السهل، بل لا يتسع لبيت نمل في جبل، ولا يتسع لجذر نرجسة تسكن ربوة من ربى الأرض التي تعرفك ولا تعرفها، وأنا، طويل، ممتد، من حد الكون، إلى حد الكون، كبير، من حد الأرض، إلى حد السماوات، ثقيل، لا تسعني الأرض، ولا تسعني الشمس، والقمر أعلن عجزه منذ الأزل، وصدرك صغير صغير، تنحره حبة عتمة، وتذبحه حبة ظلمة.

قلت:

في صدري عوالم مفتوحة الآفاق والآماد، تترامى أطرافها إلى اللانهاية، وتمتد جذورها إلى أعماق لم تصلها عتمتك أبدا، ولم تغزوها ظلمتك، وعلى صدري جلد مغطى بشعر، غابة تغص بالغنى، تشعر بالبرد، تنتفض حرا، تتنسم رحيق النسيم المغادر ثرى الأرض لتؤصله بذاتها، في صدري تسكن...

 وعندما تغيب الشمس عن كون الناس كانت سمائي تضيء برسالة منه أو اتصاله الهاتفيّ فتزهر حدائقي بهجة وتينع براعمي وتورق أغصان أشجاري وتتدفق الينابيع في كل جداولي الناضبة. ويعيدني إلى تلك الأحلام العذبة الجميلة وأتمنى أن أظل هناك في تلك العوالم الزاهية. كان جسورا لكن بلا تهور، يحلق بألف ألف جناح يخترق بي مدن العالم في دقائق، يحملني معه بين دفّتي كتاب ويرحل بي.. كان قارئا نهما لا يشبع من التهام الكتب، يغوص بين الصفحات حتى يكاد يغيب عن العالم المحيط به، لا يمل من الغوص بين ثنايا الكتب وتلافيفها. ذكر لي عناوين لا تحصى من الكتب، وحدثني عن كتّاب عالميين لم أسمع يوما أحدا يتحدث عنهم. حدثني عن حنا مينه وهيمنجواي ودي سرفانتس وجورج أورويل وماركيز وساراماغو ودوستويفسكي وغيرهم كثير. وحدثني عن عوالمهم الروائية الضاجة بالغرائب والعجائب والفنتازيا والمشاعر الإنسانية المتداخلة. يحدثني دائما عن قراءاته. طلبت منه مرات كثيرة، عندما كنت أشعر بادْلْهَّام الكون من حولي، أن يلخص لي كتابا قرأه أو رواية طالعها، وكان يستجيب بفرح طفولي غامر. إلى ذلك فقد كان منصتا جيدا يخشع عند الإصغاء إلي وأنا أحدثه فيبدو لي مثل...

الإهداء: إلى كلِّ من كتب حرفًا يريد به معنى آتيًا يهزُّ عرش القلب، لِيُمَكِّن العقلَ أن يدشّن مملكة الإنسان.
1- خلاص الدماغ من الأغلال
"بما أنّك تملك الحياة، فأنا أتوق شوقًا إلى الحياة." - فريد الدين العطار
ما تبقّى من مذكّرات أحمد التي عثرتُ عليها في مخطوطاته المودعة عندي:
لا أريد أن أسمّيه، فماذا سيضيف الاسم إذا لم يكن هو عين ذات المسمّى؟ فقط هو ليس بالرقم الهيّن والتافه: «يأكل القوت وينتظر الموت»، ولا هو من اللامبالين الذين لا يشدّهم العطش إلى الحياة والارتواء منها؛ إذ هو مختلف وطريف. إن مسّته نفحة من قلق انعكف يستجلي الأمر. فالأرصفة تفقه خطاه، فتدفعه إلى مأواه، حيث السكينة تطهّر صخب الروح. والسماء تملؤه بالأعماق، فكان يأتي بغرابة الأفعال، ويخرج على الناس بعد أن يكون قد شبع من حبّ الذات. وهكذا ينفق ممّا عنده، حتى أصبح في قريته محلَّ الأنظار. حين تراه تظنّه يترقّب من يستنصره، وهو يستنصر الناس، ومن يدفع عنه الغربة، وهو يستغيث بمن يستصرخه. وكذا كان يريد أن يكون فعّالًا، خفّاقًا، توّاقًا. وكلّ ذلك بما أضاء دماغَه من سراج التدبّر، وطاقة الفكر، وذائقة الإحساس.

لذلك لا أستطيع أن أسمّيه؛...

العنوان رأيتُه في الحلم، والباقي عشتُه حلما
الكذبة الأكبر قابلية للتصديق هي الحقيقة

تباغتك أفكار السوء، وهي بالمناسبة أشدُّ ضرراً على العقل والقلب من أصدقاء يحملون النعت ذاته. أنت مهزوم، فالمعركة قد انتهت، ولم يبقَ عليك إلا توقيع إعلان الهزيمة واختيار مكانك بين الضحايا، مضطراً لا قانعاً، أو الانتقال إلى صفوف المنتصرين؛ بالطبع ليس كواحد منهم، ولكن خلفهم، تابعاً وذليلاً.

تظنُّ أن النهاية قد حانت. الجثث تُلقى من فوق، يصل بعضها إلى القاع، وتتأرجح أخرى بين طبقات الهواء. ترفض الأرض استقبال الجميع، فتتولى الريح ذروهم حتى تجد كل جثة مكانها.

لا نهاية لعذابك، هكذا اعتقدت جازماً، لولا أن ريحانة بدأت تنثر عطرها. تذكرت أنها رحمة للميت، ولكنك لم تمت بعد. استرحت لفكرة الابتعاد، وتذكرت المدرسة الابتدائية؛ طلاب الصف السادس المحظوظون الشجعان يُختارون لإحضار أعواد الريحان المزهرة لتزيين المدرسة يوم الاحتفال بعيد الجلاء. لم تكن يوماً معهم، لم يدعُك أحد، ولم تدعُ نفسك. تدرك الآن، بعد هذه السنوات، أن المشهد كان مذهلاً في عبثيته: فمن يحتفلُ بعيد وطني بتقاليد جنائزية؟ هل يعشق الشوامُ الموتَ فعلاً؟ وهل حب...

 تبدأ القصة من ساحة جامع الفنا، الوقت أصيل والشمس قد بدأت تتشح بلون الاصفرار فتصبغ السماء بلون ذهبي يتماهى مع سحر المكان. كان قد ركن سيارته بعيداً عن زحام الساحة، واختار المشي بتؤدة وتأنٍّ حتى وجد نفسه بين جموع متدفقة في اتجاهات متعددة، وأخرى مجتمعة في زمر حول حلقات مروضي الأفاعي، والبهلوانيين، والحكواتيين، والمغنين الشعبيين، في حين اختار آخرون الجلوس إلى طاولات المطاعم ومحلات العصائر، إما لتناول وجبات تقليدية أو شرب عصائر متنوعة. اختار هو في البدء شرب عصير "زعزع"، ثم انضم إلى لمة كانت ملتئمة حول حكواتي مراكشي معروف بسرده الذي يشد الانتباه ويحفز على التتبع. أدرك اللمة والحكواتي قد بدأ قصة "التاعس والناعس" مستعملاً كل وسائل التشويق التي خبّرَها، وتقنيات الحكي المتاحة لشد انتباه الحضور. اندمج في جو الحكاية، ولم يتأخر في نفح الحكواتي ببعض الدراهم كلما توقف ليطلب من المستمعين دعمه بما يستطيعون .

أنهى الحكواتي الحكاية الأولى، وبدأ حكاية ثانية، فانسحب بهدوء واختار التجوال في أحضان الساحة؛ الناس في حلّ وترحال، وهو منصهر بينهم يحاول أن يتبيّن محله من الإعراب في زمن ضاع فيه المبنى وغاب المعنى. ...

كنت على يقين – بحكم الخبرة التي اكتسبتها – أنها ليست غيبوبة السكر التي تداهمه من وقت لآخر، وأن أبي كان بالفعل قد مات..تلك الحدقتان المفتوحتان والبصر الذي يشخص الى اللاشيء..برودة الجسد، والنبض الذي لا يبين.. تؤكد أن أبي قد مات.
خمس دقائق التي غادرتك فيها يا أبي..أصنع لي كوبا من الشاي، وقهوتك الزيادة التي طلبتها مني..فهل آثرت أن تستقبل رسول الموت وحدك لتجنبني لحظة القبض وانسحاب الروح من بدنك الضعيف..؟
أغلقت التليفزيون على نشرة التاسعة التي لم تكملها..حملتك بين يديّ خفيفا رقيقا كطفل..وضعتك في فراشك، أسبلت جفنيك وقعدت الى جوار جسدك المسجى أنظر آية الموت جلية في وجهك المبتسم، ورائحته التي تملأ المكان من حولي.
خمسون عاما لم أغادرك يا أبي يوما..زيجتان فاشلتان، وأربعة أبناء لا أرى أحدا منهم إلا أول كل شهر ليأخذ مظروفا مغلقا ثم يرحل..رحلت أمي ذات صباح وتركتك لثلاث بنات وولد يكبرهم..كنت تناديني بالأخ الذي لم تلده أمي..قاسمتك الهم والتربية وعبء زواجهن الذي قصم ظهرك وأوجع روحك.
لمن تتركني يا أبي..؟ للوحدة تنخر عظامي..؟ أكلم حيطان البيت وأثاثه..أم للحزن المقيم معنا منذ رحلت أمي..؟ يطبق على صدري...

بحثت عن نفسي في حياتك المزدحمة، بمحاولات النجاة، فلا أجد لي فيها أثرًا. ولا يحتاج الأمر إلى كثير من التمعّن لأفهم أن كياني ما هو إلا ثِقَلٌ إضافيّ في يومك.
حقيقةً، لا أريد أن أستعجل الحكم على هذا النمط؛ وأعذرك، لأنني أعرف أن الحياة لم تكن سهلة عليك، ولا عادلةً معك. لم تكن حياتك لك وحدك يومًا، وكما يبدو، أنها لن تكون كذلك.
كنتُ أتأمل، هذه الظهيرة، غبارًا تصاعد خلف بَجّاجٍ مستعجل. هذه العربات التي لطالما نجحتْ في إخافتي في مدينة مقديشو؛ العاصمة المتقلّبة، المُقبلة على ألوان شتّى من الأنماط المعيشيّة.
وجدتُ نفسي وقد اعتدتُ ـ نوعًا ما ـ على اللامبالاة الممزوجة بالشحوب. ولا أخفيك سرًّا، يا عزيزي، لقد اشتقتُ إليك إلى الدرجة التي اعتدتُ فيها غيابك.
وهذه آليةُ بقاءٍ طوّرها عقلي مع قلبي، حفاظًا على سلامي الوجداني.
الشمس هنا حنونة جدًا، بعد جرعاتٍ متفرقة من المطر. ولا ينظر العابرون حولهم حتى حين يقطعون الشارع؛ العيون لا تلتقي كثيرًا، وإن فعلتْ، فعلى سبيل السخرية أو الفضول.
ثلاثون يومًا يزيد معها أسبوع.

كان مساء الجمعة يهبط على الفنيدق ببطء، كأن النهار نفسه يخجل من النظر في وجوه العائدين. البحر، الذي بدا من بعيد كصفحة زرقاء هادئة، كان في الحقيقة وحشًا أليفًا؛ لا يبتلع الأجساد دائمًا، لكنه يلتهم الأحلام بصبر صياد عجوز.
هناك، على رصيف بارد يشبه مقعدًا في محطة للمنسيين، التقيت به.
أشعل سيجارة، ثم أطلق جملة خرجت من فمه كأنها قطعة من روحه:
"ناس مبلية بالزطلة... وأنا مبلّي بالغربة."
كان في الأربعين، لكن الزمن مرّ فوق وجهه مثل قطيع خيل هائج. عيناه لم تكونا تنظران إلى البحر، بل إلى شيء أبعد من البحر، إلى عمر ضاع وهو يركض خلف سراب اسمه "الضفة الأخرى".
قال بهدوء رجلٍ انتهى من البكاء منذ سنوات:
"هذه رابع مرة نحاول فيها الحريك."
ثم سكت قليلًا، وأضاف:
"الغربة ما خلاتنيش نتزوج. كنت كل مرة نأجل حياتي. أقول: غدًا سأصل... وغدًا صار عشرين سنة."

استيقظ جمال للمرة الثالثة على التوالي، يتصبب عرقاً كأنه يركض في صحراء بلا حدود. لكنه لم يكن يركض؛ كان يقف في بقعة دائريّة من العشب الأخضر النضر. دائرة تتآكل أطرافها ببطء في البداية، ثم تنكمش بضراوة، حتى لا يبقى تحت قدميه الحافيتين سوى تراب عارٍ وعتمة مطلقة.تكرر هذا الحلم اكثر من ثلاث مرات.
غير أن الذعر الذي أفقده أنفاسه لم يكن وليد هذه الليلة؛ كان خبيئاً في صدره منذ سنوات. كان جمال يمارس حياةً دقيقةً كعقارب الساعة: يستيقظ في السادسة، يتناول فطوره الصامت بينما زوجته غارقة في نومها، يقطع الشوارع إلى مكتبه دون أن يتأخر دقيقة واحدة، ينجز مهامه بكفاءة آلية صماء، ثم يعود ليعالج عشاءً بارداً أمام شاشة التلفزيون، ويغفو في الحادية عشرة. حتى حديثه مع زوجته تحول إلى مجرد تبادل للخدمات اليومية: "هل أحضرت الحليب؟"، "سنزور أمي الجمعة". لم يكن ثمة شجار، ولا خيانة، بل فراغٌ هادئ ومريح تغطيه طبقة سميكة من الروتين.
في اليوم السابق، وبينما كان يحدق في شاشة الحاسوب المضيئة، شعر فجأة بأن جدران الغرفة تتقدم نحوه، تتنفس في وجهه وتضيق عليه، تماماً كالدائرة في حلمه. نهض، احتسى القهوة، وتظاهر بأن شيئاً لم يكن. كان متقناً لفن التظاهر.
لكن...

مفضلات الشهر من القصص القصيرة

مفضلات الشهر من الدراسات الأدبية