نفس سيناريو الأحداث المتعلق بالإمام أبي حنيفة النعمان في علاقته بالسلطة السياسية، نجده يتكرر وبنفس التفاصيل تقريبا في تجربة الإمام مالك بن أنس؛ فهو الآخر سيتعرض لمحنة قاسية من قبل الحاكم بسبب مواقفه المناوئة للسلطة السياسية، لكن ومع ذلك ـ وفي مفارقة غريبة ـ ستتبنى الدولة مذهبه الفقهي، وستجعل منه مذهبا دينيا رسميا.
ولنا أن نطرح نفس الأسئلة التي سبق وأن طرحناها بخصوص علاقة أبي حنيفة النعمان بالسلطة السياسية، لنتساءل إن كان الإمام مالك فقيها مواليا للسلطة أم مناوئا لها؟
وإذا كان اعتماد الدولة العباسية لمذهبه الفقهي ضمن مذاهبها الدينية الرسمية، كاف للقول إن مالكا كان فقيها مواليا للسلطة، فلماذا عاقبته بكل الوحشية والقسوة التي توردها السردية الرسمية؟
إن منطق الأشياء يقضي بأن يكون المكان الطبيعي لفقيه الخليفة هو البلاط لا السجن، وأن يحظى بالتوقير والاحترام من قبل الحاكم، وأن يستفيد من عطاياه وإكرامياته، لا أن يتعرض للسجن والتعذيب. لكن الغريب في الأمر، هو أن تقدم لنا السردية الرسمية الإمام مالك بشخصيتين مختلفتين، بل ومتناقضتين؛ تارة في شخصية فقيه السلطة الموالي للخليفة، الذي يُأتمر بأوامره، ويُنهى بنواهيه، ويستفيد من عطاياه وإكرامياته. وتارة أخرى في شخصية الفقيه المناوئ للسلطة السياسية، والمستنكر لجورها ولظلمها، والمساند لثورة العلويين ضدها.
منطقيا؛ لا يمكن أن يكون مالك فقيها للسلطة، مدافعا عن شرعيتها الدينية والسياسية، وفي الوقت نفسه مناوئا ومعارضا لها، ومؤازرا لثورة محمد النفس الزكية ضدها. فأي الشخصيتين هي الحقيقية؟ وهل كان مالك فقيها للسلطة أم مناوئا لها؟
تقدم لنا السردية الرسمية عددا من الروايات التي تؤكد على أن مالكا كان فقيها مواليا للسلطة العباسية، يشتغل ضمن فريق فقهائها المعتمدين، المدافعين والمنافحين عن شرعيتها الدينية السياسية، وذلك من خلال بسطها لما يلي:
ـ أن مالكا قد ألف كتاب الموطأ بطلب من الخليفة أبي جعفر المنصور؛
ـ أن مالكا كان مناوئا لثورة العلويين، وفي الوقت نفسه مساندا قويا لشرعية بني العباس في تقلد منصب الخلافة؛
ـ أن مالكا كان يقبل بعطايا الخلفاء وإكرامياتهم.
كتاب الموطأ والمحاولات الأولى لتقنين الحقل الديني:
تذكر لنا السردية الرسمية، أن كتاب الموطأ الذي يعتبر الركيزة الأساسية التي بني عليها المذهب المالكي، والذي اعتمدته الخلافة العباسية فيما بعد مذهبا رسميا للدولة، قد أُلف بأمر من الخليفة أبي جعفر المنصور سنة 144 هـ ، فالقاضي عياض يورد في كتابه "ترتيب المدارك وتقريب المسالك" رواية تؤكد على ذلك جاء فيها: " قال له أبو جعفر (قال للإمام مالك) وهو بمكة، اجعل العلم يا أبا عبد الله علما واحدا... فقلت له (أي مالك) إن أهل العراق لا يرضون علمنا، فقال أبو جعفر: يضرب عليه عامتهم بالسيف، وتقطع على ظهورهم بالسياط"..." ولئن بقيت لأكتبن كتابك بماء الذهب ... كما تكتب المصاحف ثم أعلقه في الكعبة وأحمل الناس عليها" (1).
ويورد ابن خلدون رواية أخرى، تتحدث عن بعض من التعليمات والتوجيهات والإرشادات التي وجهها الخليفة أبي جعفر المنصور إلى مالك، وهو يتعاقد معه بشأن تأليف كتاب الموطأ، حيث توجه إليه قائلا: "يا أبا عبد الله، إنه لم يبق على وجه الأرض أعلم مني ومنك، وإني قد شغلتني الخلافة فضع أنت للناس كتابا ينتفعون به، تجنب فيه رخص ابن عباس، وشدائد عمر، ووطئه للناس توطئة. قال مالك: فوالله لقد علمني التصنيف يومئذ". (2)
ما يمكن الخروج به من خلاصات ونحن نعرض لهذه العينة من الروايات هو كالآتي:
ـ أن تأليف كتاب الموطأ كان بأمر مباشر وصريح وواضح من الخليفة أبي جعفر المنصور إلى الإمام مالك، حيث توجه إليه قائلا: (فضَعْ أنت للناس كتاباً ينتفعون به)؛
ـ أن الغاية من وراء تأليف كتاب الموطأ كانت هي استخراج نسخة دينية رسمية للدولة بأن يُجعل من الدين واحدا (اجعل العلم يا أبا عبد الله علما واحدا)؛
ـ أن الغاية من وراء تأليف كتاب الموطأ كانت هي إقرار نسخة دينية رسمية للدولة، يتم فرضها فرضا بالغصب والإكراه على الجميع (أحمل الناس عليه) وكذا (يضرب عليه عامتهم بالسيف، وتقطع على ظهورهم بالسياط)؛
ـ أن درجة الاهتمام التي أبداها الخليفة بكتاب الموطأ حتى قبل أن يكتب (لئن بقيت لأكتبن كتابك بماء الذهب ... كما تكتب المصاحف ثم أعلقه في الكعبة وأحمل الناس عليها)، تؤكد على ما ذهبنا إليه أعلاه من كون الغاية من وراء تأليفه، كانت هي استخراج وإقرار نسخة دينية رسمية للدولة.
ثم إن تأليف كتاب تحت طلب من الخليفة وبأمر منه، لا يمكن أن يعني شيئا آخر سوى الآتي:
ـ أن الكتاب سيكون كتابا رسميا، يعبر بالضرورة عن التوجهات الرسمية للدولة، ويدعم بالتالي شرعيتها الدينية والسياسية، وهو ما نجده متضمنا بكتاب الموطأ حين حديثة عن شرعية الإمام المتغلب، وعدم جواز الخروج عن الحاكم الجائر؛
ـ أن مُؤلِفه لن يكون أبدا محايدا ولا مستقلا برأيه، فهو لن تكون له القدرة على تضمين كتابه إلا ما أمر به الخليفة؛
ـ أن مثقفا يقبل بتأليف كتاب تحت طلب من الحاكم، هو مثقف سلطة بالضرورة؛
ـ أن فقيها يتقبل بصدر رحب ودون اعتراض أو ممانعة أوامر الخليفة وتوجيهاته ونواهيه وهو بصدد الإعداد لتأليف كتاب في الحديث والفقه، لا يمكن أن يصنف بغير فقيه موالي للسلطة، ولا يمكن بالتالي أن يتضمن كتابه إلا فكرا دينيا رسميا يُرضي الخليفة.
إن مثقفا مناوئا للسلطة، لا يمكنه أبدا أن يقبل بتأليف كتاب تحت طلب من الحاكم، ولا أن يقبل بتوجيهاته وتنبيهاته بشأن ما سيتضمنه الكتاب من أفكار. لكن مالك وعلى العكس من ذلك تماما، سيعبر عن كامل رضاه، وتمام موافقته على ما أسداه له الخليفة من توجيهات وتنبيهات وإرشادات، وجب أخذها بعين الاعتبار في الكتاب المطلوب تأليفه وهو يقول: "فوالله لقد علمني (أي الخليفة المنصور) التصنيف يومئذ"، وهو ما يعني أن كتاب الموطأ، كان نتاج صفقة تمت بين كاتبه مالك، وبين الخليفة المنصور. وتؤكد الرواية التي أوردها ابن خلدون، على هذه الحقيقة بشكل جلي وواضح، حينما تشير إلى عملية مفاوضة تمت بين مالك والخليفة " حيث يورد ما يلي: "...ولقيه مالك بالمدينة، فأكرمه وفاوضه. وكان فيما فاوضه... (أن) ضع أنت للناس كتابا ينتفعون به" (3). ولا جدال أن المفاوضة لا تكون في العادة، إلا حينما يتعلق الأمر بإعداد صفقة بين طرفين أو أكثر، بغية تدقيق الالتزامات والحقوق.
ـ مالك فقيه السلطة المدافع عن شرعية العباسيين:
تقدم لنا السردية الرسمية مالكا كفقيه سلطة ظل يدافع عن شرعية بني العباس، من خلال ما كان يفتي به بشأن شرعية الخروج عن الحاكم الجائر، وشرعية الحاكم المتغلب.
ففيما يخص موقفه من الخروج عن الحاكم الجائر، فقد كان متناغما مع ما ظل يدعو إليه فقهاء الخليفة من عدم جواز ذلك، حتى وإن "جلد ظهرك وأخذ مالك". وهو الموقف الذي عبر عنه مالك بكل الوضوح الممكن حين قوله: "سلطان جائر سبعين سنة، خير من أمة سائبة ساعة من نهار" (4)
أما فيما يخص موقفه من شرعية الحاكم المتغلب، فقد كان هو الآخر متطابقا مع ما ظل يضفيه عليه فقهاء البلاط من شرعية دينية وسياسية، وهو الموقف الذي يبدو واضحا فيما أورده الشاطبي حين قوله: "...وما قرره هو أصل مذهب مالك؛ قيل ليحيى بن يحيى: البيعة مكروهة؟ قال لا. فقيل له: وإن كانوا أئمة جور؟ فقال: "قد بايع ابن عمر لعبد الملك بن مروان وبالسيف أخذ الملك. أخبرني بذلك مالك عنه: أنه كتب إليه، وأمر له بالسمع والطاعة على كتاب الله وسنة نبيه" قال يحيى: والبيعة خير من الفرقة" (5). وكان مما أورده مالك بشأن مبايعة ابن عمر للخليفة المتغلب عبد الملك بن مروان ما يلي: "عن عبد الله بن دينار؛ أن عبد الله بن عمر كتب إلى عبد الملك بن مروان يبايعه. فكتب إليه: بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد. لعبد الله عبد الملك بن مروان أمير المؤمنين. سلام عليك. فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو. وأقر لك بالسمع والطاعة. على سنة الله وسنة رسوله. فيما استطعت" (6) ومن المعلوم أن موقف ابن عمر ذاك الذي استند عليه مالك وهو يفتي بشرعية الحاكم المتغلب، كان كما قال: "(نحن مع من غلب) وكذلك: (لا أقاتل في فتنة، وأصلي وراء من غلب). (7)
ـ مالك فقيه السلطة الذي قبل بعطايا الخلفاء وهداياهم:
تورد لنا السردية الرسمية كذلك، صورتين مختلفتين عن علاقة مالك بالجاه والمال، فتارة تقدمه كرجل قانع، متعفف وزاهد، لا يقبل بعطايا السلطان إلا ليعيدها إليه، أو يوزعها على الفقراء وطلبة العلم. وتارة أخرى تقدمه في صورة الرجل المحب للمال، الذي لم يكن يتورع أو يتحرج في طلبه من الأغيار، فالذهبي يورد رواية قد تبدو غريبة بالنسبة للكثيرين، حين يذكر أن مالكا كان يتلقى بصفة منتظمة، المال والعطايا المختلفة من أحد أصدقائه في مصر، بل ويطالبه في كل مرة بالمزيد، من دون أن يتسبب له ذلك في أي نوع من أنواع الإحراج أو التخجيل، حيث يذكر ما يلي: " (عن) محمد بن أحمد بن عياض المفرض، سمعت حرملة يقول: كان الليث بن سعد (إمام مصر) يصل مالكا بمائة دينار في السنة، فكتب مالك إليه: علي دين. فبعث إليه بخمسمائة دينار، فسمعت ابن وهب يقول: كتب مالك إلى الليث: إني أريد أن أدخل بنتي على زوجها، فأحب أن تبعث لي بشيء من عصفر (زعفران). فبعث إليه بثلاثين حملا عصفرا، فباع منه بخمسمائة دينار، وبقي عنده فضلة... و "قال أبو داود: قال قتيبة... وأعطى (الليث بن سعد) مالكا ألف دينار..." (8)
لا يمكن أن نتصور أبدا، رجلا عزيز النفس، قانعا، متعففا، زاهدا في الدنيا... أن يطلب شيئا من أحد مهما كانت طبيعة العلاقة التي تجمعه به. فالصورة التي تقدمها هذه الرواية عن مالك، تختلف كل الاختلاف عن الصورة التي روجتها عنه السردية الرسمية، من كون المال كان آخر ما يهم شيخنا.
إن السردية الرسمية نفسها التي قدمت لنا مالك في صورة الرجل الزاهد، هي نفسها التي تورد بأنه لم يكن يتورع عن قبول هدايا الحكام وإكرامياتهم. فهو كان يرى أن ليس من مانع شرعي يمنعه من ذلك، ما دامت تلك الأعطيات هي من بيت مال المسلمين، ومادام أن للعلماء وللمتفرغين لتعليم الناس ونشر الدين حقا مشروعا فيها، حتى لا ينشغلوا بطلب الرزق عن طلب العلم ونشره.
وتورد عدد من الروايات، أن أبا جعفر المنصور وصل مالكا بصلة كبرى بلغت عشرين ألف دينار، كما تورد أن الخليفة هارون الرشيد أجازه بثلاثة آلاف دينار" وقال ابن أبي زنبر أجازه هارون بثلاثة آلاف، فقال له رجل من الزهاد يا أبا عبد الله، ثلاثة آلاف تأخذها من أمير المؤمنين كأنه يستكثرها. فقال مالك:... لو كان إمام عدل، فأنصف أهل المروءة... لم أر بأسا) (9)
إن السؤال الاستنكاري الذي طرحه ذلك الرجل الزاهد المجهول على الإمام مالك (يا أبا عبد الله، ثلاثة آلاف تأخذها من أمير المؤمنين؟) له أكثر من دلالة. فهو يؤكد على أن السائل استقبح الأمر ولم يستسغه، ففقيه الدين وجب أن يظل محايدا ومستقلا وبعيدا عن السلطة السياسية، وألا يقبل بعطايا السلطان ضمانا لاستقلاليته وحياده. لقد عاب السائل بصيغة سؤاله الاستنكارية تلك، على مالك قبوله من الخليفة ذلك المبلغ الكبير من المال، كون ذلك ينفي عنه صفة الاستقلالية والحياد.
ثم إن التبرير الذي سيقدمه مالك لقبوله هدية الخليفة وهو يقول: "لو كان إمام عدل فأنصف أهل المروءة لم أر بأساً" يؤكد على موقفه المؤيد والداعم لشرعية بني العباس (على عكس ما تورده السردية الرسمية)، فهو قد قبل بهدية الخليفة، لسبب واحد ووحيد، وهو أن الخليفة إمام عدل. ويحق لنا التساؤل: هل كانت شهادة مالك تلك في حق الخليفة هارون الرشيد صادقة أم شهادة زور؟ وهل كان الرشيد حقا إمام عدل؟
يبدو هنا أن مفعول هدية الخليفة كان مباشرا وسريعا، وبكونها قد حققت الغاية التي كانت محددة لها بأسرع ما يكون. ففقيهنا لم يتأخر للحظة واحدة في استصدار شهادة زور في حق الخليفة هارون الرشيد، وهو يصفه بالإمام العدل، مع أنه كان أكثر من يعرف سيرته الملطخة بالدماء والجور والطغيان، وبأنه كان أبعد ما يكون عن القسط والإنصاف والعدل؛ فالسردية الرسمية، متخمة بالروايات التي تذكر لنا جزء من الأفعال الشنيعة والقبيحة، التي قام بها الخليفة هارون الرشيد في حق كل من ساقه القدر في طريقه.
ولعله من البديهي القول فيما يخص علاقة مالك بعطايا الخليفة بما يلي:
ـ إنه لا يمكن أبدا القبول بكون حاكم مستبد، يمكنه أن يقدم شيئا من العطايا والهدايا والإكراميات لمثقف من خارج النسق الفكري الرسمي؛
ـ إنه لا يمكن أبدا القبول بكون ما تمنحه السلطة السياسية للمثقف من إكراميات، يبقى دون أي مقابل؛
ـ إنه لا يمكن أبدا القبول بتصنيف مثقف ما يقبل بعطايا السلطة السياسية وإكرامياتها ضمن فئة المثقفين المناوئين والمعارضين لها.
لذلك واستنادا على ما سبق؛ فإنه يصعب علينا مجاراة السردية الرسمية فيما ذهبت إليه، وهي تتحدث عن المحنة الشديدة التي تعرض لها مالك، وتقدمه لنا في صورة الفقيه المشاكس والمناهض للسلطة السياسية، بل والداعم لثورة محمد النفس الزكية ضدها.
فكيف قدمت لنا السردية الرسمية صورة مالك الفقيه الثائر، المقابلة لصورته كفقيه سلطة؟
ـ مالك الفقيه المناوئ للسلطة:
إذا كانت السردية السنية الرسمية ـ كما أوردنا أعلاه ـ قدمت لنا مالكا كفقيه سلطة ظل يأتمر بأوامرها، ويُنهى بنواهيها، فإن نفس السردية ستقدمه لنا في صورة مغايرة تماما؛ صورة الفقيه الصلب الشجاع الذي لا يخشى في قول الحق لومة لائم، حتى وإن كان اللائم هو الخليفة نفسه.
ـ مالك يرفض اعتماد الموطأ كتابا رسميا للدولة:
إذا كانت السردية الرسمية، قد أوردت ما يفيد أن الغاية من تأليف كتاب الموطأ، كانت هي استخراج وإقرار مذهب ديني رسمي للدولة، حتى أنها تذكر أن الخليفة هو من أوحى لمالك بعنوان الكتاب الذي سيؤلفه لاحقا، حين توجه إليه قائلا: "ووطِّئْهُ للناس توطئة"، فكان أن اختار مالك لكتابه عنوان الموطأ. كما أوردت ما يفيد أن مالكا كان في غاية الرضى والسرور بمضامين الصفقة التي تمت بينه وبين الخليفة بشأن تأليف الموطأ وهو يقول: "فوالله لقد علَّمني التصنيف يومئذ". فإن السردية نفسها، تأتي بعد ذلك، لتورد عددا من الروايات المتناقضة وغير المتطابقة مع ما سبق وأن أوردته. فهي تذكر أن المنصور قد عرض على مالك نسخ كتاب الموطأ بعد تأليفه، وتوزيع نسخه على كل أقطار الدولة الإسلامية، وإجبار الناس على اعتماده، لكن مالكا رفض مقترحه، فكان أن استجاب الخليفة ـ بكل بساطة ـ لرغبته. لكن هل يمكن القبول بصحة هذه الرواية؟ وهل كان المنصور ملزما بأخذ موافقة مالك على اعتماد الكتاب؟ وهل كان بإمكان مالك الاعتراض على رغبة خليفة طاغية ومستبد؟
لقد كانت الغاية الرئيسية من وراء تأليف كتاب الموطأ، والتي عبر عليها الخليفة أبي جعفر المنصور بكل وضوح، هي إحداث مذهب رسمي للدولة، وهو ما لم يعترض عليه مالك أبدا، بل يمكن القول دون تردد، بأن الكتاب قد تم تأليفه في إطار صفقة واضحة المعالم بين الخليفة والفقيه، ذلك أن الخليفة أوضح منذ البداية، ماذا كانت الغاية الحقيقة من وراء تأليفه حين توجه إلى مالك قائلا: (اجعل العلم يا أبا عبد الله علما واحدا) و (لئن بقيت لأكتبن كتابك بماء الذهب ... كما تكتب المصاحف ثم أعلقه في الكعبة وأحمل الناس عليها)، وهو ما يعني أن الخليفة كان يبغي من وراء كتاب الموطأ، إحداث مذهب ديني رسمي للدولة، وهي الغاية التي لم يعترض عليها مالك أبدا، بل وعبر عن رضاه التام عن مضمون الصفقة، وهو يقول بعد أن استمع لتوجيهات الخليفة:" فوالله لقد علَّمني التصنيف يومئذ".
فكيف يمكن القبول بعد ذلك بكون مالك سيرفض اعتماد كتابه الموطأ من قبل الخليفة؟ وكيف يمكن القبول بأن المنصور ـ وهو الحاكم الطاغية ـ سيدعن لرغبة مالك؟
ـ مالك: الفقيه المناهض لشرعية بني العباس:
وعلى عكس ما تم تبيانه أعلاه، بالاعتماد على روايات السردية الرسمية، من كون مالك كان فقيها خانعا وخاضعا لسلطة بني العباس، ومدافعا عن شرعيتهم الدينية والسياسية، فإن نفس السردية تورد صنفا آخر من الروايات، تختلف كل الاختلاف عن سابقاتها، وهي تقدم لنا مالكا كفقيه معارض للسلطة السياسية تارة، وكفقيه مستقل عنها تارة أخرى.
ففيما يتعلق بشرعية بني العباس، يورد هذا الصنف من الروايات أن مالكا لم يكن يرى في بني العباس غير مغتصبين للسلطة، وبكون الخروج عن الحاكم المتغلب يعتبر أمرا شرعيا، بل وتورد بأنه كان داعما ومساندا لثورة محمد بن عبد الله بن الحسن (النفس الزكية) في المدينة المنورة. فقد أورد الطبري رواية يقول فيها: "وحدثتني سعيد بن عبد الحميد بن جعفر بن عبد الله بن الحكم ابن سنان الحكمي أخو الأنصار، قال: أخبرني غير واحد أن مالك بن أنس استفتي في الخروج مع محمد، وقيل له: إن في أعناقنا بيعة لأبي جعفر، فقال: إنما بايعتم مكرهين، وليس على مكره يمين، فأسرع الناس إلى محمد، ولزم مالك بيته". (10)
تورد هذه الفتوى، موقفا مغايرا لمالك من قضية الحاكم المتغلب، فهو يعتبر هنا بيعة المنصور غير شرعية، كونها أُخذت بالقوة والإكراه، وهي تبعا لذلك غير ملزمة للمبايعين له، ويمكنهم بالتالي الخروج عنها شرعا. وتشير السردية الرسمية أن هذه الفتوى هي ما كان من وراء محنة مالك، ذلك أن والي المدينة جعفر بن سليمان، أمر باعتقاله وضربه وجلده ضربا مبرحا حتى انخلعت كتفه. ويورد الذهبي رواية في ذلك فيقول: "وروى البيهقي بإسناده عن حرملة قال سمعت الشافعي يقول: "كان على المدينة الهاشمي فأرسل إلى مالك، فقال له: أنت الذي تفتي في الإكراه وإبطال البيعة؟ فضربه مجردا ثيابه حتى أصاب كتفه خلع. وكان من بأسه ـ رحمه الله ـ أنه حمل على بعير وقيل له ناد على نفسك تشهيرا به، نادى: ألا من عرفني فقد عرفني، أنا مالك بن أنس، أقول: طلاق المكره ليس بشيء، فقال جعفر: أدركوه أنزلوه" (11)
وتورد لنا السردية الرسمية كذلك، عددا من الروايات التي تقدم لنا مالكا كفقيه مستقل عن السلطة السياسية، له من الشجاعة والثقة في النفس، ما يجعله يتجرأ على الحكام، فيسديهم النصح والموعظة من دون أن يخشى في قول الحق لومة لائم. فهي تذكر لنا مثلا أن مالكا عارض رغبة الخليفة في جعل كتاب الموطأ مرجعا دينيا لمذهب الدولة الرسمي، وأن المنصور سيضطر أمام موقف مالك الحاسم إلى التخلي عن الفكرة. كما تورد لنا أن مالكا ناظر الخليفة أبي جعفر المنصور في المسجد النبوي، بل وطلب منه خفض صوته بداخل المسجد وهو يناظره (كذا).
كما تقدم لنا عددا من الأحداث التي جمعته بالخليفة الدموي هارون الرشيد، فهي تذكر أن مالكا رفض الامتثال لأمر الخليفة بشأن تعليم أبنائه. كما تورد أن فقيهنا رفض كذلك الاستجابة لأمره للمثول أمامه، حيث أجاب رسله بمقولته المشهورة (العلم يزار ولا يزور، والعلم يُؤتى أهله ولا يَأتي) (كذا). ويزداد الرواة حماسة، ويزداد خيالهم جموحا، وتزداد القصة تشويقا حينما سيذكرون أن الخليفة هارون الرشيد ـ بجلالة قدره ـ سيضطر اضطرارا ـ أمام امتناع مالك ـ إلى زيارته ببيته، وبأن الخليفة وحين وصوله استأذن للدخول (كذا)، لكن الإمام وحرصا منه على تحديد المقامات، سيتأخر في الاستجابة لاستئذانه لفترة قبل أن يسمح له بذلك (كذا).
يُطلب منا أن نصدق هذا الصنف من الروايات، وأن نأخذ بها من دون شك أو تمحيص، وأن نعتمدها في أعمال البحث والتأليف، كما حقائق يقينية لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، وإلا فإن تهمة الخروج عن صحيح الدين جاهزة لتُلصق بكل من يشكك في صحتها. فالإمام مالك كما غيره من أئمة المذاهب الرسمية للدولة، اكتسبوا نفس هالة التقديس التي ألبسوها للنسخة الدينية الرسمية للدولة والتي جعلوا منها الدين الصحيح، فأصبح تبعا لذلك كل اختلاف معهم، هو بالضرورة اختلاف مع الدين الصحيح.
يُطلب منا أن نصدق كل المرويات التي حيكت حول شخص الإمام مالك، والتي تقدمه لنا في صورة الفقيه الجريء والشجاع الذي ظل يتحدى السلطة السياسية، ويواجه الخليفة بكل ثبات وثقة في النفس ومن دون خوف أو وجل، وبأن نصدق مثلا، أنه ناظر المنصور في المسجد، وأن جرأته بلغت حد مطالبته بخفض صوته. فأي وازع يا ترى ذاك الذي يجعل من خليفة اشتهر ببطشه وجبروته وظلمه وطغيانه، وبتاريخه الدموي المفزع، أن يقبل وأمام العامة، بإهانة مذلة كتلك التي صدرت عن مالك؟
السردية الرسمية، تحاول أن تقنعنا بأن ذلك كان عائدا ببساطة إلى ما كان يحظى به الفقهاء من مكانة اعتبارية كبيرة لدى الخليفة، تبلغ حد التبجيل والتعظيم والتمجيد. ولنا أن نتساءل: إذا كان حفدة النبي أنفسهم، لم يكونوا ليحضوا بأي مكانة اعتبارية لدى الخليفة أبي جعفر المنصور، وهو الذي نَكَّل بهم أشد ما يكون التنكيل، فكيف يمكن لمجرد فقيه سلطة أن يحظى بما حظي به مالك من مكانة اعتبارية، تحصنه من غضب الخليفة وعقابه وهو يتجرأ عليه وينهره أمام العامة؟
لقد سجل لنا التاريخ، عددا من الأحداث في علاقة المنصور بالعلويين من حفدة النبي، وكيف أنه لم تكن لتأخذه بهم رحمة ولا شفقة، وكيف أنه قام بحملة اعتقالات واسعة في صفوفهم، وكيف تم اقتيادهم إلى سجون الكوفة مكبلين بالأغلال، وكيف أن العديد منهم قضوا تحت التعذيب، فيما قضى من ظلوا أحياء منهم تحت ركام السجن، بعد أن أمر المنصور بهدمه فوق رؤوسهم.
وإذا كان ذلك هو المصير الذي لاقاه حفدة النبي، وهم الذين لم يجنبهم لا نسبهم الشريف، ولا مكانتهم الاعتبارية عند عامة الناس، ولا عدد أنصارهم وتابعيهم الكُثر، غضب الخليفة المنصور وبطشه، فكيف يمكن القبول بكون جرأة مالك تلك، إنما كان يستمدها مما كان يحظى به الفقهاء من مكانة اعتبارية لدى الخليفة؟ ثم ألا يمكن لما أوردته السردية الرسمية من تفاصيل بشأن محنة مالك، أن تفند هي نفسها كل ما تحدثت عنه بشأن المكانة الاعتبارية، والمقام الرفيع الذي كان يحظى به الفقهاء لدى الخلفاء؟ إذ كيف يمكن التصديق، بكون مالك كان فقيها يحظى بتقدير الخليفة شخصيا، وقد عرضه والي المدينة لمحنة شديدة وقاسية، أهين فيها أشد ما تكون الإهانة، وحُط فيها من قدره وكرامته بذلك الشكل المذل والمخز الذي تحدثت عنه السردية الرسمية وهي تذكر "أنه حُمل على بعير وقيل له ناد على نفسك تشهيرا به"؟
لم يكن الخليفة أبي جعفر المنصور، من صِنف الخلفاء المحكومين بأي وازع ديني أو أخلاقي، من شأنه أن يهذب سلوكه، أو يحد من هوايته في سفك الدماء، حتى أنه ـ وهو الذي كان يعتبر نفسه خليفة للنبي ـ لم يتردد للحظة واحدة في التنكيل بأحفاده، فقتل من قتل منهم، وسجن من سجن، وعذب من عذب... فكيف يمكن بعد ذلك، أن نقبل بروايات تدعي أن مجرد فقيه سلطة كمالك تجرأ عليه، ونهره أمام الجمهور، منبها إياه إلى ضرورة تخفيض صوته؟
كما لا يمكن أبدا القبول بكل ما تضمنته السردية الرسمية، من مرويات تخص علاقة مالك بالخليفة السفاح هارون الرشيد، ولا بتلك المكانة الاعتبارية المزعومة، والتي ظلت تحصنه من غضب الخليفة وجبروته، حتى وهو يرفض الاستجابة لعدد من أوامره.
لا تبدو تلك الروايات منطقية بالمرة، خصوصا حينما نعلم بعضا من تفاصيل شخصية هارون الرشيد السيكوباتية، فهو كما جده أبا جعفر المنصور، لم يكن ليحد من جبروته وهمجيته أي رادع ديني أو أخلاقي، حتى أنه لم يتردد للحظة واحدة، في العبور على جثة أخيه موسى الهادي لبلوغ منصب الخلافة، كما لم يتردد في الانقلاب على أقرب حلفائه من عائلة البرامكة، وهم الذين كانت لهم عليه أفضال لا حصر لها؛ فهم من كانوا من وراء بلوغه منصب الخلافة بعد أن كان الهادي ينوي إزاحته من ولاية العهد التي أوصى له بها والده محمد المهدي، لولا أن استمات جعفر البرمكي في الدفاع عن حقه ذاك، ما سيعرضه للسجن. وهم من ساهموا في تثبيت أركان حكمه وصناعة "مجده الشخصي"، من خلال ما قدموه لدولته من دعم سياسي وإداري وعسكري، لكن جزاءهم كان هو النكران والجحود، فنكل بهم أشد ما يكون التنكيل، وقتل من قتل منهم، وسجن من سجن ونفى من نفى...
يذكر لنا الطبري بعضا من التفاصيل المفزعة والمرعبة لمحنة البرامكة، فيقول: "كتب (أي هارون الرشيد) إلى السندي الحرشي بتوجيه جيفة جعفر إلى مدينة السلام، ونصب رأسه على الجسر الأوسط وقطع جثته، وصلب قطعة منها على الجسر الأعلى والجسر الأسفل، ففعل السندي ذلك...". (12)
إن ما تبسطه أمامنا الروايات التاريخية بشأن ما تعرض له البرامكة، لتعطينا صورة حقيقة عن شخصية الخليفة هارون الرشيد المرضية، فهو لم يكتف بقتل صديقه المقرب جعفر بن يحيى البرمكي، بل ومَثَّل بجثته تمثيلا، بأن قسمها إلى أجزاء، وعلق كل جزء منها بناحية من جسر مدينة بغداد. ولم يقف مسلسل الانتقام المرعب عند هذا الحد، ذلك أن جثة صديقه جعفر البرمكي، ظلت معلقة بالجسر لثلاث سنوات كاملة، قبل أن يأمر الخليفة بإنزالها وإحراقها عوض دفنها.
وجدير بالذكر أن جعفر البرمكي، والذي لم يتردد الخليفة هارون الرشيد للحظة واحدة في قتله والتمثيل بجثته، كان هو صديقه المقرب، ونذيمه في المجالس الخاصة، وصهره الذي تزوج أخته العباسة، والمكلف بتربية أبناءه، ووزيره الأول، ومدير دواوين دولته، والمؤتمن على ختم السلطة الرسمي، حتى أنه كانت له صلاحية التوقيع نيابة عن الخليفة، وقد عين واليا على عدة أقاليم كبرى مثل دمشق ومصر.
لم يكن ما أوردته السردية الرسمية عن شخصية الرشيد السيكوباتية، لتتوافق وما تذكره عن علاقته بمالك، فهو لم يكن ليضع أي اعتبار لأحد مهما كان مقامه، ومهما كان الدور الذي يقوم به داخل جهاز الدولة، ومهما كانت درجة القرابة التي تجمعه به، حتى أن ابن كثير يذكر لنا في "البداية والنهاية"، رواية غريبة عجيبة، كاد فيها الخليفة هارون الرشيد، أن يجز رأس عمه سليمان بن أبي جعفر المنصور في لحظة غضب، بسبب مزحة صدرت عنه في جلسة ترفيه كانت تجمعهما، لولا أن تدخل عدد من الحاضرين الذين لم يتمكنوا من إقناع الخليفة بالعدول عن قتل عمه، إلا بصعوبة بالغة.
هذه بعض من ملامح شخصية الخليفة هارون الرشيد الدموية، وهي الشخصية التي لم تكن لتردد للحظة واحدة في جز رؤوس الحلفاء والموالين والأقارب قبل غيرهم ولأتفه الأسباب، من دون أن يحرك فيها ذلك شعرة ندم واحدة. فهل يمكن القبول بعد هذا الذي أوردناه، بصحة الروايات التي تضمنتها السردية الرسمية بشأن علاقته بمالك؟
لا يمكن لعقل سليم أن يقبل بصحة مثل هذه الروايات، ولا لباحث موضوعي ونزيه أن يعتمدها، لما تتضمنه من أحداث يستحيل تصديقها. فالسردية الرسمية نفسها، بما تتضمنه من معلومات عن الطبيعة الاستبدادية لنظام الخلافة، وعن شخصيات عدد من الخلفاء السادية المرضية، هي نفسها تدحض ما تذكره من مرويات بشأن علاقة الخلفاء بالفقهاء، وبعلاقة مالك على وجه التحديد بهم.
ويرجع جانب من السردية الرسمية، محنة مالك إلى مساندته لثورة محمد النفس الزكية ضدا عن العباسيين، حين أفتى بـ "أن ليس على مستكره يمين"، ولنا أن نتساءل: هل دعم مالك حقا ثورة العلويين وهو القائل: "سلطان جائر سبعين سنة، خير من أمة سائبة ساعة من نهار"؟
يذهب عدد من الباحثين والمؤرخين، في محاولة لإيجاد تفسير مقبول لتناقض الروايات المتعلقة بالإمام مالك، إلى القول أن علاقته ببني العباس مرت بمرحلتين مختلفتين، وبتحول جدري؛ حيث بدأ الفقيه معارضا لهم ولشرعيتهم، من خلال مساندته لثورة العلويين ضدهم، وانتهت بالمهادنة والتأييد الفقهي والسياسي. فهل يمكن الأخذ بهذا الطرح؟
كان لقاء الخليفة المنصور بمالك أول مرة بالمدينة المنورة سنة 144 هـ، وقد كان في رحلة حج. وهو اللقاء الذي عُقدت فيه صفقة تأليف كتاب الموطأ التي أشرنا إلى بعض تفاصيلها أعلاه، فيما ثورة محمد النفس الزكية قامت في السنة الموالية أي سنة 145 هـ. فكيف يمكن القبول بأن مالكا كان مساندا لثورة العلويين وهو يعقد ـ وبكامل رضاه ـ صفقة مع الخليفة العباسي بشأن تأليف كتاب رسمي في الفقه والحديث، بل ويقبل بهداياه وإكرامياته (ثياب فاخرة وألف دينار ذهبية)؟
إن مالك بن أنس لم يكن بأكثر من مثقف وفقيه سلطة، ظل يدافع عن شرعية بني العباس الدينية والسياسية. ولم يكن ما ضمنه في كتابه الموطأ إلا ترجمة حرفية وصريحة لأوامر السلطة السياسية ولتوجيهاتها. وليس من دليل أقوى لتوكيد ذلك، من أن يتخذ بنو العباس مذهبه ـ فيما بعد ـ مذهبا دينيا رسميا للدولة.
إن التاريخ يكتبه المنتصرون، وقد دأبت الأنظمة الاستبدادية على إعادة إنتاج وتشكيل سير عدد من الشخصيات التاريخية من مثقفي السلطة خصوصا، لتقدمهم في صورة المثقفين العضويين المستقلين عنها، والمناهضين والمعارضين لتوجهاتها، وذلك لتحقيق غاية محددة، ألا وهي إضفاء طابع الاستقلالية والمصداقية عليهم، حتى يحظى منتوجهم الفكري برضى وقبول عامة الناس. وهكذا؛ فإن السردية السنية الرسمية ـ وكما بلغتنا ـ كانت من تأليف العباسيين وإخراجهم بما هم المنتصرين. ولم يكن اختلاقها لمحن مؤسسي المذاهب الرسمية للدولة، وتقديمهم في صورة المثقفين الأبطال، المناهضين والمعارضين للسلطة السياسية، عبثا ومن دون أهداف خفية. ويبدو أن الغاية الرئيسية التي كانت من وراء ذلك؛ هي نفي صفة "فقهاء الخليفة" عنهم، حتى يحظى منتوجهم الفقهي برضى وقبول العامة من الناس.
لقد تبنى بنو العباس، مذهب مالك الديني مذهبا رسميا للدولة، وهو المذهب الذي ظل يضفي عليهم الشرعية الدينية والسياسية، وينفيها في الوقت نفسه عن باقي خصومهم السياسيين، فكان وحتى يتقبل عامة الناس كل ما جاء به الفقه المالكي من تشريعات، وخصوصا ما تعلق ببعض الأحكام السلطانية الشاذة والغريبة، من قبيل تلك التي تدعو إلى طاعة الحاكم الجائر والمتغلب، حتى و "إن جلد ظهرك وأخذ مالك"، من استخراج مرويات تقدمه في صورة الفقيه المشاكس والمعارض للسلطة السياسية.
الهوامش:
1 ـ القاضي عياض: "ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك" نسخة بالموقع الإلكتروني للمكتبة الشاملة الجزء الأول. صفحة 192.
2 ـ عبد الرحمان ابن خلدون: كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر" نسخة بالموقع الإلكتروني للمكتبة الشاملة الجزء الأول، صفحة 24.
3 ـ المرجع نفسه الجزء السابع، صفحة 683.
4 ـ ترتيب المدارك الجزء الثاني الصفحة 493.
5 ـ الشاطبي: "الاعتصام" نسخة بالموقع الإلكتروني للمكتبة الشاملة، الجزء الثالث، الصفحة 33.
6 ـ مالك بن أنس: "الموطأ" نسخة بالموقع الإلكتروني للمكتبة الشاملة الجزء الخامس، الصفحة 1431.
7 ـ محمد بن سعد: "الطبقات الكبرى" نسخة بالموقع الإلكتروني للمكتبة الشاملة، الجزء الرابع، الصفحة 139.
8 ـ شمس الدين الذهبي: "سير أعلام النبلاء" نسخة بالموقع الإلكتروني للمكتبة الشاملة الجزء السابع، الصفحة 211.
9 ـ ترتيب المدارك: الجزء الأول الصفحة 217
10 ـ بن جرير الطبري: "تاريخ الطبري: تاريخ الرسل والملوك" نسخة بالموقع الإلكتروني للمكتبة الشاملة الجزء 7 الصفحة 560.
11ـ شمس الدين الذهبي: "تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام" نسخة بالموقع الإلكتروني للمكتبة الشاملة الجزء الرابع ص 729.
12ـ تاريخ الرسل والملوك الجزء 8 الصفحة 296.
إضافة تعليق