مقدمة
يشكّل بروز ما سُمّي بـ«الفلاسفة الجدد» في الفضاء الفكري الفرنسي خلال سبعينيات القرن العشرين لحظة فارقة في تحوّل الفلسفة القارية من موقع الالتزام الثوري والشك الجذري في البنى القائمة إلى موقع آخر يرفع شعار نقد الشمولية، ويدافع عن حقوق الإنسان بوصفها أفقًا أخلاقيًا أعلى. وقد جاء هذا البروز في سياق تاريخي مشحون: تداعيات أحداث 1968، وانكشاف جرائم الأنظمة التي كانت تُحسب على المعسكر التقدمي، وتراجع جاذبية السرديات الكبرى اليسارية.
غير أن قراءة هذه اللحظة من زاوية تحررية جذرية تفرض تجاوز السردية السطحية التي تقدم الفلاسفة الجدد بوصفهم محرِّرين للفكر من أسر الأيديولوجيا، لتطرح أسئلة أعمق حول طبيعة التحرر الذي دعوا إليه، وحول ما إذا كانوا قد فتحوا أفقًا جديدًا للانعتاق، أم أعادوا تموضع الفكر داخل توازنات سلطة مغايرة. فمن هم الفلاسفة الجدد؟ وكيف حاولوا مواجهة فلاسفة القارة القديمة؟ وعمّ أسفرت هذه المواجهة بين الفريقين؟ وبأي معنى استفاد الفكر الفلسفي منها؟أولًا: السياق التاريخي وشروط الإمكان
لم ينشأ خطاب الفلاسفة الجدد من فراغ نظري خالص. فقد تزامن صعودهم مع أزمة عميقة في اليسار الأوروبي، ومع تراجع الثقة في النماذج الثورية التي كانت تُقدَّم بوصفها طريقًا للخلاص. وأصبح نقد المعسكر السوفييتي والأنظمة المشابهة ممكنًا علنًا وبحدة غير مسبوقة داخل الأوساط التي كانت سابقًا تتحفظ أو تبرر.
وفي هذا المناخ ظهر جيل يعلن القطيعة مع «الفلاسفة المعلمين»، ومع التراث الذي ربط الفلسفة بالثورة أو بالصراع الطبقي أو بتفكيك البنى بوصف ذلك مهمة سياسية مباشرة.
وتميّز هذا الجيل بقدرته على استخدام الوسائط الإعلامية الجديدة آنذاك، محولًا الفلسفة من شأن أكاديمي أو نضالي نخبوي إلى حدث عمومي. ولم تكن هذه النقلة الإعلامية تفصيلًا شكليًا، بل أعادت تعريف موقع الفيلسوف في الحقل العام، وجعلت من الحضور التلفزيوني والصحافي جزءًا من الشرعية الفكرية. وفي المقابل، بدا فلاسفة القارة الأقدم، بثقلهم النظري وتعقيدهم المفاهيمي، أقل قدرة على منافسة هذا النمط الجديد من التدخل العمومي السريع والحاد.
ثانيًا: موضوعات المواجهة وحدود القطيعة المعلنة
تمحورت مواجهة الفلاسفة الجدد مع التراث القاري السابق حول عدة محاور أساسية. أولها رفض ما اعتبروه تورطًا فلسفيًا في تبرير العنف الثوري، أو الصمت عن الجرائم باسم الغايات الكبرى. وثانيها نقد فكرة المثقف الملتزم الذي ينصّب نفسه ناطقًا باسم الحقيقة التاريخية أو الطبقة أو الشعب. وثالثها الإعلاء من قيمة الفرد وحقوقه في مواجهة السرديات الجماعية التي تبتلعه. ورابعها اتهام جزء كبير من الفلسفة القارية الحديثة بالمساهمة، عن وعي أو غير وعي، في تهيئة التربة الفكرية للاستبداد عبر مفاهيم مثل الإرادة العامة، أو الصراع الحتمي، أو نقد الليبرالية بوصفها وهمًا بورجوازيًا.
غير أن هذه المواجهة لم تكن دائمًا على مستوى الندية النظرية؛ فكثيرًا ما اعتمد الخطاب الجديد على تبسيط خصومه، وتحويل تيارات معقدة ومتباينة إلى صورة واحدة لـ«الفيلسوف المعلم» المسؤول عن الكوارث. وقد سمح هذا التبسيط بسرعة الانتشار وقوة التأثير الإعلامي، لكنه أضعف القدرة على محاورة التراث القاري من داخله، وحوّل النقد، أحيانًا، إلى إدانة أخلاقية شاملة أكثر من كونه تفكيكًا فلسفيًا دقيقًا.
ومن زاوية تحررية جذرية، يُطرح السؤال: هل كان رفض الشمولية كافيًا لتأسيس أفق تحرري حقيقي؟ أم إن التركيز الأحادي على نقد الاستبداد الشرقي والثوري أدى إلى تغييب أشكال أخرى من الهيمنة الناعمة والبنيوية التي تمارسها قوى السوق والأجهزة الإعلامية والدول الديمقراطية ذاتها؟ وهنا يبدأ التوتر الأساسي في مشروع الفلاسفة الجدد.
ثالثًا: التحرر المعلن وازدواجية المحمول السياسي
رفع الفلاسفة الجدد راية التحرر من الأيديولوجيات الكبرى ومن وهم الثورة الخلاصية. وفي ظاهر الأمر، بدا هذا الخطاب تحرريًا؛ لأنه يستعيد حق الفرد في الوجود خارج السرديات المغلقة، ويفتح المجال لنقد الجرائم المرتكبة باسم المثاليات. غير أن القراءة الجذرية تكشف عن ازدواجية عميقة؛ فالتحرر الذي بُشّر به مال، في كثير من الأحيان، إلى التماهي مع الليبرالية السياسية والاقتصادية الصاعدة آنذاك، وإلى اعتبار نقد اليسار الأولوية الأخلاقية شبه الوحيدة.
وجعل هذا الميل بعض أصوات ذلك التيار تبدو أقرب إلى إعادة تموضع داخل الحقل الأيديولوجي الجديد منها إلى مواصلة الشك الجذري في كل أشكال السلطة. فالسلطة لا تُختزل في الدولة الشمولية أو في الحزب الثوري، بل تعمل أيضًا عبر الاقتصاد والعلاقات الاجتماعية والمعرفة والإعلام. وحين يتركز النقد على شكل واحد من أشكال السيطرة، ويتساهل مع أشكال أخرى أو يتجاهلها، يفقد التحرر طابعه الجذري ويتحول إلى تحرر انتقائي.
كما أن الاعتماد الكثيف على الوسائط الإعلامية طرح إشكالية فلسفية حقيقية: هل يمكن لخطاب يدّعي فضح آليات السيطرة أن يستعين بأدوات الصناعة الإعلامية دون أن يخضع لمنطقها ولشروطها في التبسيط والإثارة وصناعة النجومية؟ إن العلاقة بين الفيلسوف والإعلام في حالة الفلاسفة الجدد لم تكن مجرد استخدام ذكي للأداة، بل أسهمت في إعادة تعريف الفلسفة ذاتها بوصفها أداءً عموميًا سريعًا أكثر من كونها فكرًا بطيئًا ومقاومًا للسهولة.
رابعًا: العلاقة مع فلاسفة القارة القديمة وإعادة توزيع الشرعية
لم يكن فلاسفة الجيل السابق كتلة واحدة؛ فمنهم من انخرط في نقد الستالينية مبكرًا، ومنهم من ظل أقرب إلى الالتزام الثوري، ومنهم من طوّر أدوات لتفكيك السلطة والمعرفة بعيدًا عن السرديات الخلاصية. وقد سهّل اختزال هذا التنوع في صورة واحدة للخصم بناء هوية الفلاسفة الجدد بوصفهم البديل الأخلاقي والفكري، غير أنه أضعف إمكان قيام حوار نقدي حقيقي كان يمكن أن يثمر تجاوزًا مركبًا للأزمة.
ومن منظور تحرري جذري، يمكن القول إن بعض إنجازات الفلسفة القارية السابقة، خاصة ما تعلق منها بتحليل آليات السلطة، وتاريخية الحقيقة، وارتباط المعرفة بالمصالح، ظلت أكثر قدرة على فضح الهيمنة في صورها المتعددة مما قدمه الخطاب الجديد، الذي ركز على فضح الشر المطلق في الأنظمة الشمولية.
فالتحرر الجذري لا يكتفي بإدانة المعسكر المقابل، بل يسعى إلى تعرية الشروط التي تجعل السيطرة ممكنة في كل معسكر، بما في ذلك المعسكر الذي يرفع شعارات الحرية وحقوق الإنسان.
خامسًا: حدود الأفق التحرري وإمكانات الاستعادة النقدية
تكمن أهمية لحظة الفلاسفة الجدد في كونها كسرت صمتًا أو ترددًا طويلًا بشأن جرائم ارتُكبت باسم المثل العليا، وأعادت إلى الواجهة سؤال المسؤولية الأخلاقية للمثقف. وهذا مكسب لا يمكن إنكاره.
غير أن حدود الأفق الذي فتحوه تظهر على عدة مستويات: الميل إلى الأخلاقية المجردة على حساب التحليل البنيوي، والاعتماد على الإدانة أكثر من إعادة البناء المفاهيمي، والتحول السريع من نقد الثورة إلى نوع من المصالحة مع النظام الليبرالي القائم بوصفه الأقل سوءًا أو الإطار الوحيد الممكن للحرية.
ولا ترفض المقاربة التحررية الجذرية نقد الشمولية، بل ترفض أن يكون هذا النقد نهاية المطاف. فهي تطالب بمواصلة الحفر في أشكال الهيمنة الاقتصادية والثقافية والإعلامية والجنسية والعرقية التي لا تأخذ دائمًا صورة المعسكر أو الحزب الواحد.
كما تطالب بالحفاظ على مسافة نقدية تجاه كل خطاب يدّعي تمثيل الحرية، وهو متورط في شبكات السلطة الرمزية والمادية لعصره. وفي ضوء ذلك، يمكن إعادة قراءة المواجهة بين الفلاسفة الجدد وفلاسفة القارة القديمة، لا بوصفها انتصارًا للحرية على الأيديولوجيا، بل بوصفها إعادة توزيع لمواقع الشرعية داخل الحقل الفكري والسياسي الأوروبي في مرحلة تحوّل رأسمالي وأيديولوجي عميق.
لقد كانت بعض عناصر النقد الذي وجهه الفلاسفة الجدد ضرورية ومشروعة، لكن تحويلها إلى سردية خلاصية جديدة أضعف إمكان بناء فكر تحرري مركب قادر على مواجهة تعدد وجوه السيطرة.
خاتمة
تفضي القراءة الجذرية إلى ضرورة تجاوز الثنائية التي فرضتها تلك المرحلة: إما فلاسفة ملتزمون بثورة تحمل بذور الاستبداد، وإما فلاسفة جدد يدافعون عن حقوق الإنسان في إطار ليبرالي يتجاهل كثيرًا من أشكال اللامساواة والسيطرة.
والأفق التحرري الأعمق هو الذي يستفيد من نقد الأوهام الثورية دون أن يسقط في أوهام الحرية الشكلية، ويستفيد من أدوات تفكيك السلطة التي طورتها الفلسفة القارية دون أن يبرر الصمت عن الجرائم، ويحفظ للفكر قدرته على الانتماء إلى معسكر الضحايا أينما كانوا، دون أن يتحول إلى أداة في صراع الدول أو المعسكرات.
لقد كان بروز الفلاسفة الجدد علامة على أزمة حقيقية، وعلى حاجة ملحة إلى إعادة النظر في علاقة الفلسفة بالسياسة والعنف والمثالية. غير أن قيمة هذه اللحظة اليوم لا تكمن في تكرار سرديتها، بل في مساءلتها جذريًا: أي تحرر كانت تبشر به حقًا؟ وأي أشكال من السلطة أسهمت في إخفائها أو تطبيعها؟
وفقط عبر هذه المساءلة يمكن استعادة ما كان فيها من جرأة نقدية، وتجاوز ما انطوت عليه من اختزال وتحالفات غير معلنة مع روح العصر الجديد آنذاك. فالتحرر الجذري لا يكتفي بتغيير الخصم، بل يغيّر طريقة فهم الخصومة ذاتها، ويرفض أن يستبدل سيدًا بسيد آخر، حتى لو رفع الراية المضادة.
فكيف يمكن السير نحو أفق تحرري يتجاوز هذه الثنائية؟
كاتب فلسفي
إضافة تعليق