هموم نسائية -قصة: أمينة شرادي

نوع الخط وحجمه
  • أصغر صغير متوسط كبير أكبر
  • نسخ ريدكس برو يمامة أميري شهرزاد

جنون الفقر
تنتمي فاطمة إلى أسرة فقيرة تتكون من ستة أفراد. الأب مريض لا يستطيع العمل؛ فقد بُترت يده يومًا حين كان يشتغل بإحدى الشركات، واضطرت الأم إلى العمل في البيوت.
بيت جدّ صغير في أحد الأحياء الشعبية، لا نوافذ فيه، ولا نور يدخل إليه حتى يعيد إليه بهجة الحياة. يظل باب البيت مفتوحًا طوال اليوم حتى تزوره الشمس والرياح، وتنظفه من بقايا النوم. الحياة عند عائلة فاطمة صعبة وشاقة، ولا تُعاش بسهولة.
في يوم غائم، لا شمس فيه ولا مطر، كانت الغيوم والرياح تدق طبولها بقوة، كأنها تعلن حالة حرب على الفقراء. زارهم رجل يطلب الزواج من فاطمة. كانت فرحة كبيرة خيّمت على البيت الغائم، كأمطار الخير بعد سنة جدباء. وحمدوا الله على هذه الفسحة التي أعادت إليهم نور الحياة، ولو قليلًا.
تزوجت فاطمة، ورحلت إلى بيت آخر تسكنه. مرت الأيام تتسارع كشلال في أعالي الجبال. أنجبت فاطمة ولدًا وبنتًا. وكانت تساعد في مصروف البيت بالعمل في البيوت كأمها، فهي لم تستطع إكمال دراستها. خانها التفوق، وتاهت في سراديب الحياة تصارع من أجل البقاء.
جاءت يومًا تبكي حالها لأمها، وتصرخ وتطلب حلًا لمعيشتها. سألتها أمها عن السبب. قالت فاطمة وهي تصرخ:
«زوجي رجل أحمق. يحتاج إلى طبيب».

حاولت الأم أن تهدئ من روعها، وأن تشرح لها أن كل الرجال يشبه بعضهم بعضًا، وأضافت:
«انظري إلى أبيك، هل تعتقدين أنه رجل سوي؟ ومع ذلك أنا صبرت».
انتفضت فاطمة، وصرخت بكل القوة الكامنة في جسدها وروحها، وقالت:
«إنه مجنون يا أمي. صرت أخاف منه. لا أستطيع العيش معه».
حاول والدها أن يضع حدًا لحالتها، لأنه يعلم أنه لم يعد لها مكان في البيت؛ فقد احتلت أختها الصغيرة مكانها. قال لها بصوت صارم:
«ممنوع الطلاق يا فاطمة. يجب عليك أن تساعدي زوجك حتى يعود إلى حالته الطبيعية».
ثارت ثائرتها، وانزوت في ركن من الغرفة، وقالت لهما بصوت حزين:
«إذا عدت إلى البيت، سيقتلني...».
استوطن البيت صمت ثقيل كصمت الكهوف، وتدفقت من عيني أمها وأبيها نظرات خائفة، تائهة ومترددة. فقامت فاطمة وخرجت، لكنها لم تعد.

الجفاف

كان يومًا حارًا شديد الحرارة، رغم أن فصل الصيف غادرنا منذ شهور. لقد أصاب الجنون فصول السنة. عطشت الأرض، وقل الزرع، وانتشرت الريح في كل حي من الأحياء، كأنها سيد من أسياد الزمن البعيد.
استيقظت أمل كعادتها باكرًا. هي من عشاق الصباح الباكر، وتقول دائمًا لمن يسألها: لماذا تنهضين باكرًا؟
«إنني أعشق نقاء هواء الصباح وصفاءه الخالي من كل الشوائب. أشعر بأنني أتجدد به، وأن روحي تستعيد شبابها رغم تراكم السنين على جسدي».
لكن هذا الصباح لم يكن ككل الصباحات. ورغم جفاف الجو وقلة المطر، كانت تمنّي النفس بأمل قريب؛ إذ غاب زوجها عن البيت دون سابق إنذار. خرج بالأمس دون أن يخبرها.
حاولت أن تتصل بأصحابه، لكنها تراجعت عن الفكرة. فمنذ مدة وهو متغير؛ حديثه قليل، وحضوره باهت، ويغضب لأتفه الأسباب. حاولت أن تتمالك أعصابها، وترتب أفكارها، وتكلمه، لكن حائط الصمت الذي أقامه حول نفسه منعها من التواصل معه.
اكتفت بذكريات الأمس القريب، حين كان حنونًا معها، ويمطرها بكلام الهوى كلما أتيحت له فرصة. وكانت تمزح معه وتقول له:
«أخاف من كلامك هذا، فربما أُصاب بالغرور».
تمضي الأيام، وتتبدل الفصول، ويرحل حنانه تمامًا، ويرفض أن يُخرج الكلمات من فمه كلما عاد إلى البيت. تحول إلى غريب. لم تفهم، ولم تدرك أن عاطفته قد تحولت عنها.
بعينين حزينتين غائرتين، ظلت يومها معلقة بالنافذة، تنتظر هطول الأمطار التي تحدثوا عنها في كل الأخبار، كأنها ضيف عزيز طال غيابه، والكل مشتاق إلى رؤيته. وكانت تنتظر أيضًا أمسها القريب، الذي كان يملأ عليها حياتها.

دموع المساء
جلست والحزن يعصر كل جزء من جسدها، كأنه لعنة آتية من زمن بعيد. ابتسمت بشكل آلي، وعدلت من قميصها، ووضعت حقيبة اليد جانبًا، ونظرت بعيدًا أمامها.
أطلقت زفرات متتالية، وسقطت دمعات على خدها المتورم من شدة البرد. قالت دون سابق إنذار:
«لقد تحولت حياتي إلى جحيم. لم أعد أحتمل. الابن والأب معًا. حياة مستحيلة».
انحبس الكلام في حنجرتها، وكانت تدفعه دفعًا حتى يخفف عنها آلام الآهات والدموع.
سألتها بشكل عفوي:
«ماذا حصل؟».
صمتت كأنها دهر، وتجولت بعينيها بلا هدف، ثم قالت:
«أنت تعلمين كل الحكاية، لكن الجديد هو أن الابن، الذي هو حياتي، قال لي اليوم، وبكل ثقة، إنني أنا السبب في فشله في حياته، وعدم استقراره في عمله...».
ذهلت من كلام كبير كهذا. لم أستطع فعل أي شيء سوى طلب قهوتين، لعلّهما تفعلان مفعولهما وتلطّفان الجو المشحون.
سألتها من جديد، وكلّي توتر:
«لماذا سمحت له أن يكلمك هكذا؟ لقد تجاوز معك كل الحدود».
اختبأت وراء دموعها، وتاه منها صوتها. حتى قهوتها تركتها دون أن ترتشف منها رشفة واحدة. قامت دون أن تسلّم عليّ، ولم تلتفت، ولم أفهم سبب ذهابها ولا سبب حضورها.

أمينة شرادي

 

إضافة تعليق

Security code تحديث

إرسال التعليق

مفضلات الشهر من القصص القصيرة

مفضلات الشهر من الدراسات الأدبية