فرش إشكالي
لا تزال المقالة الفلسفية تحتل موقعًا مركزيًا في التعليم الثانوي في كثير من الدول التي تمتلك تقاليد فلسفية، بوصفها التمرين الذي يتيح للتلميذ أن ينمّي ملكة الحكم والنقد، وأن يمارس التعبير العقلاني الحر، فيتأهّل بذلك ليكون مثقفًا قادرًا على الالتزام. ولا تزال عبارة فيكتور كوزان، وهو يصف دور الفلسفة في إعداد الرجال والمواطنين الأحرار، صادقة إلى اليوم: «في صف الفلسفة يتعلم الطلاب الحرية من خلال ممارسة التفكير الحر». وقد أكدت كثير من البحوث الأكاديمية أنه: «من واجب الفلسفة الاشتغال على تدريب الذكاء وبناء الشخصية وتنمية حرية الأفراد، فالأمر يتعلق بتعلّم التفكير والاستعداد للاختيار الحر مع تحمّل المسؤولية». لذلك شُبّهت الفلسفة بعمل يانوس، الإله ذي الوجهين في الميثولوجيا الرومانية: وجه ينظر إلى الماضي وتراث الفكر، ووجه ينظر إلى المستقبل وحرية الحكم.
غير أن هذه الغايات النبيلة، التي يستمد منها الفعل الفلسفي مشروعيته، لا تعفينا من ملاحظة ميدانية متكررة يعرفها كل من مارس تقييم وتقويم الدرس الفلسفي، لا سيما في جانبه التطبيقي المتعلق بالمقال الفلسفي؛ فبين النية المُعلنة والإنجاز الفعلي تقع هوّة واسعة. إذ يبدأ أغلب التلاميذ مقالاتهم بمقدمة وأسئلة متشابهة ومكررة، ثم ينهار البناء مباشرة بعدها. وبدل معالجة الإشكال الفلسفي بحجج مرتبة، يسرد الطالب معارف متناثرة وأمثلة متفرقة وحججًا متناقضة، أو يكتفي بعرض «الرأي وضده» دون أن يقيم وزنًا لأي منهما. والسبب في ذلك بسيط في ظاهره، عميق في جذوره: لقد تعلّم كيف يحفظ المقال، في أحسن الأحوال، ولم يتعلم كيف يطرح السؤال ويجادل فيه.
وهذا بالضبط ما يحاول مقالنا معالجته، من خلال الربط بين محورين لا ينفصلان في بنية المقال الفلسفي، رغم أن تدريسهما كثيرًا ما يُفصل بينهما: الأشكلة بوصفها اللحظة التي يُولد فيها التساؤل، والمحاجة بوصفها اللحظة التي يبلغ فيها فعل التفلسف أبعد مداه. وهذان المحوران يتطابقان مع ما تصفه أدبيات تعليم الفلسفة بالكفاءات الفلسفية الثلاث التي تقوم عليها المادة: الأشكلة، والمفهمة، والمحاجة. من هنا نطرح جملة من التساؤلات التي سترسم خريطة هذا المقال:
• ما الذي يميّز الإشكالية الفلسفية عن المشكلة التقنية؟ وكيف نختبر عمليًا وجود إشكال فلسفي حقيقي يستدعي كتابة مقال؟
• ولماذا لا تستطيع الأسئلة الجاهزة والمعدة سلفًا صياغة إشكال فلسفي حقيقي؟ وما الذي يسقط فيه الطالب حين ينتقل من طرح السؤال إلى سرد الأمثلة دون بناء حجاجي؟
• ما طبيعة المحاجة الفلسفية بالتحديد؟ وهل تخضع لمعيار البرهان العلمي، أم إنها تسكن موقعًا وسيطًا بين البرهان الصارم والإقناع الخطابي المحض؟
• وما الأدوات التي يستعملها الفيلسوف في محاجته؟ وما أخطاء الاستدلال الشائعة التي ينبغي الحذر منها؟
• وأخيرًا، كيف تُترجم هذه المحاجة إلى كتابة فعلية متماسكة، من الفقرة الأولى إلى الخاتمة؟
من السؤال إلى الإشكال
قبل الحديث عن المحاجة، لا بد من التذكير بالخطوة السابقة عليها؛ لأن المحاجة تحتاج دومًا إلى شيء نجادل من أجله، وهذا الشيء هو الإشكالية. فثمة فرق جوهري بين ثلاثة أنماط من الأسئلة: سؤال معلوماتي محض، من نوع «متى ولد ابن رشد؟»، له جواب واحد قاطع لا مجادلة فيه؛ ومشكلة تقنية، كحساب مساحة دائرة، وهي سؤال مغلق له حل محدد؛ وإشكالية فلسفية من نوع «هل تقوم السلطة على القوة أم على الرضا المتبادل بين الحاكم والمحكوم؟»، حيث تصطدم كل إجابة بحجج معقولة مضادة، ولا حل نهائي يُغلق النقاش، فهي سؤال مفتوح.
فمثلًا، عندما يتعامل الطالب مع هذا السؤال: «هل تقوم السلطة على الإكراه أم على الرضا؟»، يحتاج أولًا إلى ملاحظة منطقية بسيطة يكتسبها بالتمرين لا بالحفظ، وهي الانتباه إلى الروابط المنطقية. فحرف «أو» هنا حصري (إما هذا أو ذاك)، بخلاف سؤال من نوع: «هل هدف الدولة الحفاظ على النظام أم إقامة العدل؟»، حيث تكون «أم» شاملة، إذ يمكن أن يكون الهدف كليهما معًا. ومجرد توضيح هذا الفرق المنطقي البسيط بين الفصل الحصري والفصل الشامل ينقذ الأستاذ والطالب معًا من نصف الأخطاء الشائعة في معالجة هذا النوع من المواضيع.
ويجب أن ننبه هنا إلى عدم كفاية صياغة الإشكالية وحدها؛ لأنه بمجرد أن يُصاغ الإشكال، يقع أغلب الطلاب في خطأ شائع، هو الانتقال المباشر من طرح السؤال إلى ذكر أمثلة متناثرة، دون بناء حجة حقيقية تربط بينها. وكما تلاحظ كاثرين جوين، أستاذة الفلسفة الفرنسية، فإن كثرة الأوراق التي تخلط بين الأمثلة والحجج ليست سوى انعكاس لخلط أعمق بين السرد والمحاجة؛ فالطالب يروي، لكنه لا يجادل.
وما يميّز الخطاب العقلاني، الذي تُبنى عليه المحاجة الفلسفية، عن مجرد السرد أو إبداء الرأي، يمكن تلخيصه في أربعة معايير عملية تستحق أن تُعلَّم صراحة:
1. تحديد ما نتحدث عنه بدقة، عوض استعمال المفاهيم كيفما اتفق.
2. أن يجادل الطالب لصالح فكرته، ويستبق الاعتراضات عليها، ويرد عليها.
3. أن تتسلسل أفكاره منطقيًا، فتُستنبط كل فقرة مما سبقها، لا أن تُصف جنبًا إلى جنب كقائمة تسوق.
4. ألّا يتوقف عند أول جواب مُرضٍ، بل يستمر في السعي إلى تجاوز الحلول المطروحة ومساءلتها من جديد.
وقد صاغت مجموعة بحث فرنسية بقيادة ميشيل توزي هذا المطلب في حده الأدنى الصوري: ألّا تناقض الحجة نفسها، وأن تكون منسجمة مع الأطروحة المدافع عنها، وأن تكون منسجمة أيضًا مع بقية الحجج التي تخدم الأطروحة نفسها. وهو معيار بسيط يمكن للطالب أن يراجع به نصه بنفسه قبل التسليم.
وهناك تمرين عملي نطلب فيه، مثلًا، من تلاميذ قسم الثانية آداب وفلسفة، في مجموعات صغيرة من شخصين أو ثلاثة، أن يخططوا لفقرة واحدة من مقال عبر الحوار والمناقشة، ثم يقارنوا مخططهم بمخطط مجموعة أخرى. وهذا العمل يفترض أن كل مجموعة مطالبة بتبرير موقفها أمام آخرين، وهو سلوك من شأنه أن يصقل الحجة أكثر، وله مردود أكبر من الكتابة الفردية الصامتة. وقد أظهرت تجارب ميدانية في التعليم الثانوي أن التلاميذ الذين اشتغلوا بالمحاجة الحوارية بين الأقران أدوا أداء أفضل، بفارق ملحوظ، في مقال حجاجي نهائي، مقارنة بمجموعات ضابطة درست المحتوى نفسه بالطرائق المعتادة. كما بيّنت دراسات أخرى أن جودة التفاعل داخل المجموعة مرتبطة ارتباطًا مباشرًا بجودة النص المنتج.
طبيعة المحاجة الفلسفية
أغلب سوء الفهم حول المحاجة الفلسفية ينبع من محاولة إخضاعها لمعيار غريب عنها، هو معيار البرهان العلمي. ولضبط المصطلحات، يقترح لالاند في قاموسه الفلسفي تمييزات دقيقة يحسن استحضارها أمام الطلاب: فـ«الحجة» استدلال موجّه لتشريع قضية أو دحضها، و«الدليل» حجة معترف بكونها صالحة ويقينية تحيل إلى وقائع وأحداث ملموسة، أما «البرهنة» فاستنباط يؤكد نتيجة استنادًا إلى مقدمات معترف لها بالصدق، و«المحاجة» أو «الحجاج» هي تلك السلسلة من الحجج التي تنتهي كلها إلى تأكيد نتيجة واحدة، أي طريقة تنظيم الحجج وعرضها.
وتاريخيًا، يمكن الإشارة إلى أرسطو، الذي أرسى في أعمال الأورغانون تمييزًا مبكرًا بين الاستدلال التحليلي البرهاني والاستدلال الجدلي المنطلق من آراء معقولة، لا من حقائق مبرهنة. وقد ميّز أرسطو، في هذا الإطار، ثلاثة مستويات للاستدلال: البرهان العلمي (في التحليلات الأولى والثانية)، والجدل أو فن المناظرة بالسؤال والجواب في Topics، والخطابة. ويشترك الجدل والخطابة في اعتمادهما، في الأغلب، على حجج الاحتمال لا اليقين، وإن اختلفا في موضوعاتهما وصيغتهما الأدبية.
وفي العصور الوسطى الغربية، ترسخ الاعتقاد بأن البرهان وحده هو النموذج الأمثل للاستدلال، فعانى الدرس الحجاجي ركودًا طويلًا في السياق الغربي. وفي المقابل، شهد المجال العربي الإسلامي، منذ القرن الثامن، ازدهارًا حجاجيًا كبيرًا مع ترجمة أعمال أرسطو وتوظيف أدواته في علم الكلام والفقه وأصول الفقه، على يد فلاسفة كالكندي والفارابي وابن سينا وابن رشد، الذين مارسوا الحجاج الفلسفي بدل الاكتفاء بالبرهان الصوري وحده.
ونجد هذا واضحًا في نص ابن رشد من «فصل المقال»، حيث يستند إلى سلطة الشرع نفسه ليبرر مشروعية النظر الفلسفي. وقد حلل الدارسون هذا النص بوصفه عملًا جدليًا بالمعنى الأرسطي، يستعمل تقنيات واردة في الجدل، ولا سيما الحجاج من المشابه، أي الاحتجاج بتشابه موضوعين لنقل محمول من أحدهما إلى الآخر. وقد اعتُبر «فصل المقال» نصًا يقرر، انطلاقًا من منطق أرسطو، ثلاث طبقات للخطاب: البرهان، والجدل، والخطابة، ويتخذ الجدل أداته الخاصة، حتى مع اعتراف ابن رشد بدور الجدل السالب في تهيئة الأرض أمام الخطاب البرهاني الفلسفي.
ولم يستعد هذا الاعتراف الفلسفي بالمحاجة في الغرب المعاصر إلا مع الفيلسوف البلجيكي حاييم بيرلمان، الذي اقترح استبدال الثنائية الحادة بين البرهان والإقناع بنظام ثلاثي أدق: البرهان في طرف، والإقناع العاطفي المحض في الطرف الآخر، والمحاجة في المسافة الصعبة وغير الواضحة بينهما، وهي المسافة التي تسكنها الفلسفة فعليًا. وقد كان هذا التمييز الثلاثي في أصله أرسطيًا (منطق/جدل/خطابة)، ثم أعاد المعاصرون، كتندال وفيغا رينيون، إحياءه.
أدوات المحاجة
إذا كانت المحاجة الفلسفية موقعًا وسيطًا بين البرهان والإقناع كما رأينا، فإنها تستعمل، مع ذلك، عائلتين مختلفتين من الأدوات، يحسن أن يتعرف عليهما الطالب ليميزهما في النصوص التي يقرأها، وليوظفهما بوعي في كتابته. ويمكن تصنيف هذه الحجج تصنيفين متكاملين: تصنيف عملي قائم على الشكل الظاهر للحجة (جدلي/استدلالي مقابل بلاغي)، وتصنيف نظري أدق اقترحه بيرلمان وأولبريختس-تيتكا.
أولًا: الحجج الاستدلالية الجدلية
1- البرهان بالخلف: يفترض فكرتين متعارضتين، تعمل الثانية على دحض الأولى بإظهار ضعفها أو عدم صلاحيتها، كما نجد في أسلوب أبيقور حين يفكك مخاوف الإنسان من الموت بإظهار تناقضها الداخلي. ويُدرج هذا النمط في نظرية الحجاج الحديثة ضمن الحجج المبنية على النتائج، وخصوصًا الصورة المعروفة باسم البرهان بالخلف أو الاستدلال بالخلف، القائم على مبدأ إظهار ما يلزم عن الأطروحة المنافسة من نتائج غير معقولة. ومؤشره اللغوي صيغ مثل: «لو كان... لكان...، لكن لا يمكن أن يكون... إذن...».
2- الاستدلال الاستنباطي أو البرهان المنطقي: ينتقل من مقدمات إلى نتائج بضرورة منطقية داخلية، ويُعرف من أدوات شرطية كـ«بما أن... فإن... إذن». وهو أقرب الحجج إلى الصورة المنطقية، ولذلك يُصنّف عادة في خانة الحجج شبه المنطقية.
3- الاستقراء: يتدرج من أمثلة واقعية متعددة إلى تعميم يُستخلص منها، ويراعى فيه أن يُبيَّن أساس التعميم حتى لا يتحول إلى قفزة غير مبررة.
4- الحجة بالمثال: تنتقل من حالة جزئية إلى حكم أعم بالنظر إلى كونها حالة ممثلة لنمط. وقد كان المثال (Paradeigma) أحد نوعي الحجة عند أرسطو في الخطابة، إلى جانب القياس الضميري (الانتيميم).
5- الحجة بالمماثلة: تكشف تناسبًا بين علاقتين مختلفتين، فتنقل الحكم من مجال مألوف القبول إلى مجال آخر، وهي من أوسع الحجج استعمالًا في الكتابة الفلسفية المدرسية، لكنها أيضًا أكثرها تعرضًا للاعتراض؛ لأن وجه المماثلة لا يشمل كل الأوجه.
6- حجة المقارنة: تستكشف أوجه التشابه والاختلاف بين حالات متعددة، وتتفرع صورها في تقليد الجدل إلى ثلاثة أنماط على الأقل: آ فورتيوري (بالأحرى أو بالأولى)، وآ مينوري (بالأضعف)، وآ سيميلي (بالمشابه). وقد بُنيت هذه الأنماط في تاريخ الجدل بوصفها قياسات لا تلزم نتيجتها بالخصائص الصورية للحجة، بل بعلاقة مادية بين المقدمات والنتيجة: ما يصدق على الأكثر ينبغي أن يصدق على الأقل. ولذلك فهي من الحجج التي تحتاج إلى تبرير مضاف، لا مجرد العرض.
7- الحجاج بالاستناد إلى سلطة موثوقة: كالاستشهاد بأقوال الفلاسفة الكبار أو سلطة النص الديني، كما نجد بوضوح في نص ابن رشد من «فصل المقال»، حين يستند إلى سلطة الشرع نفسه ليبرر مشروعية النظر الفلسفي. ويُدرج هذا النمط في التصنيفات الحديثة للحجاج تحت اسم «الحجة من رأي الخبير» أو الحجة من السلطة، وشرطه ألّا يُستعمل بديلًا عن الحجة، بل داخل سيرورة حوارية تقيم وزن القول أمام الأقوال المقابلة.
الحجج البلاغية
التشبيه والمجاز والاستعارة والأسئلة الاستنكارية: وهي أدوات لا تقل قيمة حجاجية عن سابقتها، خلافًا لما يظنه كثير من الطلاب الذين يعتقدون أن «الجدية الفلسفية» تقتضي الاقتصار على المنطق الصرف. والحقيقة أن أغلب النصوص الفلسفية الكبرى، من ديكارت إلى هوسرل، تُمزج فيها هاتان العائلتان بإحكام. فحين يكتب ديكارت مقارنًا التفلسف باستعمال العينين لهداية الخطوات، بدل السير بعينين مغمضتين، فهو يوظف استعارة بصرية لتقوية حجة عقلية، لا مجرد زخرفة أسلوبية منفصلة عن الاستدلال.
إلى جانب التمييز العملي السابق، يقترح بيرلمان وأولبريختس تصنيفًا رباعيًا للحجج، هو الأدق في نظرية الحجاج، ويمكن تقديمه للطلاب المتقدمين بوصفه خريطة للحجج، وهي على النحو التالي:
الحجج شبه المنطقية: لها مظهر البرهان الصوري دون أن تكون نتائجها لازمة منطقيًا؛ ومنها حجج التعدي/التعاقب، والحجج المبنية على صورة القياس، وحجج المقارنة. وسميت «شبه منطقية» لأن استعمال عناصر اللغة العادية في علاقة منطقية يوهم بأن الحجة أقوى، لاعتماد القياس المنطقي والرياضي في الأذهان. ومن حسنات إبراز هذه الخانة أمام الطالب أنه يتعلم أن مظهر الصرامة ليس صرامةً، وأن الشكل الاستنباطي قد يخفي فجوة.
1. الحجج القائمة على بنية الواقع: تستمد قوتها من علاقات يراها الجمهور قائمة فعلًا في الواقع، مثل علاقة السبب/النتيجة، والوسيلة/الغاية، والجزء/الكل، والجماعة/أعضائها، والشيء/صفته؛ فيحاول المحاجّ نقل القبول من إحدى العلاقتين إلى الأخرى. مثالها: «أكل الفواكه يساعد على النحافة»، فهو يقنع بتحويل الموقف الإيجابي من النحافة إلى أكل الفواكه.
2. الحجج المؤسسة لبنية الواقع: تنظم الواقع عن طريق الاستقراء أو المماثلة، فتنتج تعميمات أو منقولات. وتشمل المثال والتوضيح والنموذج، إلى جانب الاستقراء والمماثلة.
3. الحجج التفكيكية (الانفصال): وهي الطبقة الصغرى في التصنيف، وتعمل عكس سابقاتها: تفصل عناصر يراها الجمهور متلازمة، فتُبطل ترابطها. ومن هنا أهميتها الخاصة في المقال الفلسفي المدرسي؛ لأن أشهر مآزق «الرأي وضده» هو أن الطالب يبدأ من التقابل الجاهز بين الرأيين دون أن يفكك عناصر هذا التقابل.
تجنب أخطاء الاستدلال الشائعة
لأجل تفادي الأخطاء المنطقية والارتقاء بجودة الكتابة الفلسفية في بعدها الحجاجي، لا بد من تدريب الطلاب على التمييز بين نوعين من مواقف الكتابة عند التحليل: الحجاج داخل نص فلسفي جاهز، حيث يكون دور الطالب استخراج حجاج الكاتب نفسه عبر تتبع الروابط المنطقية وتحويلها إلى حجج واضحة، دون أن يقحم فيها حجاجه الخاص؛ والحجاج في مواجهة مقولة أو سؤال مفتوح، حيث يبني الطالب حجاجه بنفسه انطلاقًا مما توحي به صيغة القول وتركيبته المنطقية.
ومن أفضل ما يمكن تقديمه للطلاب عمليًا قائمة مبسطة بأشهر مغالطات التفكير، ليستعملوها أداةً لمراجعة نصوصهم الخاصة قبل تسليمها:
• المعضلة الزائفة: تحصر الخيار بين طرفين فقط، بينما توجد خيارات أخرى.
• الخلط بين السبب والنتيجة: كقلب العلاقة السببية بالزعم أن العبيد «خُلقوا للعبودية» لأنهم عبيد فعلًا، بدل تفسير كونهم عبيدًا بظروف تاريخية.
• حجة المنحدر الزلق: تتنبأ بأن أي إجراء جديد سيؤدي حتمًا إلى أسوأ العواقب، دون تبرير لهذا التسلسل.
• الهجوم الشخصي: يفنّد الفكرة بالتشكيك في صاحبها بدل مناقشة مضمونها.
وهذه المغالطات الأربع من أكثر المغالطات التي يُعمل عليها في تدريس التفكير النقدي. وتندرج معها، في تصنيفات المنطق غير الصوري، مغالطات أخرى مثل: رجل القش، والاحتكام إلى سلطة غير ذات صلة، والتوسل بالجهل، والاستدلال الدائري، والمنحدر الزلق، والالتباس بين الارتباط والسببية.
وقد لاحظ دارسو هذا المجال أن مغالطات من نوع المعضلة الزائفة، والمنحدر الزلق، والهجوم الشخصي، لها وظيفة خاصة في تحليل الخطاب السياسي، حيث إن تعدد وجهات النظر جزء من طبيعة الخطاب نفسه.
ومن الناحية العملية، يُفضّل بعد كل مقال يكتبه الطلاب تخصيص خمس دقائق لتبادل الأوراق بين زميلين، وليبحث كل طالب عن مغالطة واحدة محتملة في نص زميله مستعملًا هذه القائمة. فهذا التمرين ينمّي «النظافة الفكرية»، بتعبير أندريه سينيك، أكثر من أي محاضرة نظرية عن المنطق.
ويُستحسن أن يُعرض التمرين في صيغة حوار مؤدّى، لا في صيغة قائمة مغلقة؛ لأن العرض الحواري للمغالطات يقدمها للطلاب في سياقها الطبيعي، مع إبقاء الأمثلة التقليدية للواجبات والمناقشة. وللسبب نفسه، تُوجّه اليوم انتقادات إلى جداول المغالطات المغلقة، من قبيل اتهامها بالتقادم والتبسيط والانفصال عن السياق والصيغة العدائية، فتُقترح بدائل تدمج المغالطة في سياق واقعي وفي اشتغال تعاوني بين الطلاب.
ويمكن هنا أن نقدم مخططًا عمليًا يمكن توزيعه على الطلاب:
1. صغ السؤال بصيغة تقبل جوابين معقولين ومتعارضين، لتختبر وجود إشكالية حقيقية.
2. عرّف المفاهيم الأساسية الواردة فيه بدقة قبل أي محاجة.
3. اختر الجواب الأول وابنِ له حجتين أو ثلاثًا مرتبة منطقيًا، لا أمثلة معزولة، مستعينًا عند الحاجة بحجة استقرائية أو حجة مماثلة أو استشهاد بسلطة فلسفية موثوقة.
4. استبق أقوى اعتراض ممكن عليه واعرضه بأمانة.
5. انتقل بعدها إلى الجواب المقابل بالطريقة نفسها.
6. لا تكتفِ بالقول إن كلا الرأيين صحيحان، بل أظهر أين يبقى التوتر قائمًا رغم كل الحجج، وما الذي تكشفه هذه الصعوبة ذاتها عن طبيعة السؤال نفسه.
7. راجع نصك بحثًا عن مغالطة واحدة على الأقل قبل التسليم، متسائلًا عما إذا وقعت في معضلة زائفة أو هجوم شخصي أو منحدر زلق دون أن تشعر.
من المحاجة إلى الكتابة
قد تكون لدى الطالب حجة جيدة في ذهنه، لكنها تضيع عند الكتابة. وهنا تنصح كاثرين جوين بجعل الكتابة ذاتها موضوعًا للتعلم، لا مجرد أداة تقييم نهائية، عبر ثلاثة تمارين رئيسية:
1. تدريب الطلاب على تحويل قصة أو مثال شخصي إلى مَثَل عام، يجرّد الفكرة من حادثتها الجزئية لتصبح قابلة للنقاش الفلسفي العام.
2. ممارسة الحوار الفلسفي المكتوب بأنواعه التوضيحي والجدلي والتعليمي؛ فتنوع هذه الأنواع يظهر للطلاب أن أسلوب الكتابة نفسه اختيار حجاجي، لا زخرفة شكلية.
3. توظيف كتابة الرسائل كتمرين يُطالب فيه الطالب بالدفاع عن فكرة فلسفية موجهة إلى شخص محدد، لا إلى قارئ مجرد، فيتدرب مباشرة على ما وصفه بيرلمان بخاصية المحاجة الثالثة، وهي مخاطبة جمهور محدد طمعًا في صحة كونية.
ويمكن تنظيم هذا كله عبر تمارين متدرجة اقترحتها مجموعة بحث ميشيل توزي: تمرين المحاججة على الشك، وينطلق فيه الطالب من رأي شائع، ثم يبحث عن اعتراضات عقلية عليه ليحوّله إلى سؤال مفتوح؛ وتمرين إيجاد أطروحات متعددة للمحاجة عليها انطلاقًا من سؤال واحد، مع تنويع محتوى المفهوم المركزي بحسب المعنى المقصود منه؛ وأخيرًا، تمرين الاشتغال على الحجج ذاتها، بإيجاد تناقض داخلي فيها، أو مناقضتها بحجة من نوع مختلف تمامًا، كمناقضة حجة اقتصادية بحجة أخلاقية، أو تغيير إطارها المرجعي من الفردي إلى الجماعي، ومن النفسي إلى الأخلاقي.
ويُسند هذا التدرج بما أظهرته أبحاث الكتابة الفلسفية من أن جودة تفاعل الطلاب داخل المجموعة مرتبطة بجودة النصوص، وأن الاشتغال التعاوني يساعد على تحويل الأفكار المجردة إلى مفاهيم فلسفية عملية، وعلى استخدام هذه المفاهيم في خطاب الطالب نفسه، وعلى أشكلة أفكاره وتقديم حجج لإسنادها. كما يسنده التوجه إلى جعل الكتابة الفلسفية المبنية على مصادر موضوعًا لتعليم استراتيجيات كتابة خاصة بالمادة، وإلى تدريب الطالب على إنتاج أمثلة مضادة للأطروحة بوصفها مدخلًا إلى تقويضها وتقويمها.
الخاتمة
يخطئ من يظن أن الأشكلة والمحاجة مرحلتان منفصلتان، الأولى في المقدمة والثانية في العرض. الحقيقة أن المقال الفلسفي الناجح هو الذي تبقى فيه الإشكالية حاضرة وموجهة في كل خطوة من المحاجة؛ فكل حجة يجب أن تعيد إنتاج التوتر الذي افتتحته المقدمة، وتتقدم بنا خطوة نحو تجاوزه، لا حلّه نهائيًا. وهذا يتسق تمامًا مع طبيعة الاستدلال الفلسفي كما وصفها غرانجي: معرفة لا تقود إلى حقيقة يقينية مغلقة، بل إلى إظهار وإفصاح متجدد.
فالإشكال يفتح الباب، والمحاجة تسير بنا داخل الغرفة خطوة بخطوة، دون أن تغلق الباب أبدًا خلفنا؛ وهذا بالضبط ما يمنح المقال الفلسفي، خلافًا للبرهان الرياضي المغلق على نفسه، قدرته على أن يبقى حيًا حتى بعد انتهاء القارئ من قراءته. وهو ما يفسر أيضًا، كما رأينا في المقدمة، لماذا ظلت هذه الغاية التربوية العميقة ـ تعلّم التفكير الحر بدل تلقين إجابات جاهزة ـ هي نفسها منذ تعليمات 1925 إلى اليوم.
المراجع
أرسطو، الأورغانون (التحليلات الأولى والثانية، الطوبيقا)، ترجمة وتحقيق عبد الرحمن بدوي، منطق أرسطو، دار القلم، بيروت.
• أرسطو، الخطابة، ترجمة عبد الرحمن بدوي.
• ابن رشد، فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال، تحقيق محمد عمارة، دار المعارف، القاهرة.
• ديكارت، مبادئ الفلسفة.
• روسو، العقد الاجتماعي، الكتاب الأول، الفصل الثاني (مأخذه الأرجح في مثال «العبيد خُلقوا للعبودية»).
• أبيقور، رسالة إلى مينيسي.
إضافة تعليق