تُعدّ الكتابة الإبداعية فنًا مركّبًا يجمع بين الأصالة والابتكار، فهي عمليةٌ واعية تستند إلى الإلهام والانضباط معاً، وتمثّل تفاعلاً بين الموهبة والمعرفة واللغة، وهو ما يتيح للكاتب تحويل التجربة الإنسانية إلى نصٍّ فنيٍّ ينبض بالحياة. وإذا كان الكاتب يبلغ ذروة تميزه وتجليه الذاتي عندما يبدع نصاً جديداً، فإن هذا التميز يظل مهدداً بالزوال، وهذا التجلي مهدداً بالانطفاء، ما لم يتم نقله للآخرين. ولذلك، فإن نشر خبرات المبدع أو "سر الصنعة" الإبداعية، وتحويلها إلى معرفة قابلة للتداول والتعلم، ينقل المبدع من مجرد صاحب مهارة إبداعية، إلى أيقونة ومُلهم وصاحب أثر في غيره من المبدعين الذين لازالوا يتلمسون طريقهم. 
وعندما يجد هؤلاء المبدعون الجدد ملهماً متمرساً يقاسمهم خبرته ويشاركهم تجاربه وتقنياته ورؤاه الفنية، فإنهم لا يبدأون من الصفر، وإنما من أرضية صلبة تتيح لهم النمو والانطلاق في فضاء الإبداع، مما يرفع سقف الإبداع الجماعي في المجتمع ويحميه من الركود والجمود، ويبني جسراً لاستمرارية المعرفة والتطور الإنساني.
ومن هنا تأتي أهمية كتاب (فنون الكتابة وأسرارها) للكاتب والروائي المبدع الدكتور عبود مصطفى...

     ليست المشكلة في الأعمال الكبيرة أنها كبيرة، ولا في المشاريع الطويلة أنها استغرقتْ سنوات من صاحبها، وإنما المشكلة تبدأ حين تتحول ضخامة العمل إلى حُجَّة ضمنية على صحته، ويصبح اتساع المادة بديلًا عن صرامة السؤال، وتصير كثرة الصفحات بديلًا عن قوة البرهنة.
     من هذه الزاوية تحديدًا ينبغي أن تُقْرَأ موسوعة السرد العربي، للناقد العراقي الدكتور عبد الله إبراهيم ( وُلد 1957 ). نحن أمام مشروع واسع يتعقب السردَ العربي من مراحله القديمة إلى السرد الحديث. والموسوعةُ لم تُكتَب دفعة واحدة، بل نشأتْ من دراسات وبحوث وفصول أُعيد تحريرها وجمعها داخل المشروع النهائي. والسؤال الذي يفرض نفسه: هل نجح هذا التراكم الهائل في إنتاج تاريخ نقدي متماسك للسرد العربي أمْ أنه أنتجَ سردية كبرى عن السرد العربي أكثر مما أنتجَ تاريخًا علميًّا نهائيًّا له؟.
     أول إشكال منهجي يواجه القارئ هو مفهوم الموسوعة. الموسوعةُ، بالمعنى العلمي الصارم، ليست مجرد عمل ضخم، ولا مجموعة من الدراسات المتجاورة التي يجمعها موضوع واحد. الموسوعةُ تفترض نظامًا واضحًا للتصنيف، وتوازنًا نسبيًّا في التغطية، وضبطًا للمصطلحات، وشبكة إحالات دقيقة،...

1ـــ تمهيد افتتاحي قبل الولوج  لمحتوى الكتاب
زُفّ إلي خبرُ أن المكتبة المغربية كان لها شرف احتضان مؤلف جديد تحت عنوان ( العائد من الظل) للشاعر والزجال حسن ميري، عنوان بليغ صارخ ترميزي يحمل في طيه عمقَ الدلالة وغور المعنى، لا أخفيكم  كم  كان بي شوق عارم ليصبح الكتاب بين يدي، والنية ذاتها كانت لصاحبه تتوق بصدق لاهف  إلى إهدائه لي، وذات صدفة عجيبة  تمّ ما أردنا بسهولة.. صدر الكتاب في طبعته الأنيقة ويتألف من 145 صفحة شاملٌ لكل العناصر الفنية والأدبية المطلوبة والتي  سنتحدث عنها بالتفصيل قدر المستطاع..  

2ـــ الغلاف كإطار خارجي للمحتوى 
كلنا ندرك أهمية الغلاف ودوره في إعطاء لمحة عن هوية المضمون، بالإضافة إلى ذلك يعد  ذاك السياج الإسمنتي الحامي لما بداخل دفتيه، كما يمثل  المدخل  البصري  الأول لمساعدة القارئ على الغوص في دغل المحتوى، لذا أي  مبدع لا يضع  غلافه بضربة مقص، بل يقضي لياليَ وأياما بل أسابيعَ وشهورا يخطط وينمق وينسق، لتحتل جميع العناصر أمكنتها المناسبة على سطحِ الغلاف  دون أن تشوش راحة بال القارئ، أو تخلق عبثا يدني من جماليته؛ ومن ضمن العناصر التي يتقاسم فيها  المبدعون  ــ دون استثناء ــ قواسمَها...

     ثَمَّة تاريخ لا ينتهي حين تنتهي الحروب، ولا يهدأ حين تصمت البنادق، ولا ينام حين تُغلق السجونُ أبوابَها، ولا يختفي حين يُدفَن الموتى في التراب. هناك تاريخ آخر، أكثر عنادًا، وأشد التصاقًا بالإنسان، يواصل حياته في الذاكرة، ويعيش في الجسدِ، ويتوهَّج في اللغةِ، ويتدفق في الخوف الذي لا يعرف صاحبُه مصدرَه أحيانًا، ويشتعل في الحنين الذي يأتي مُحَمَّلًا بالألم. ذلك هو التاريخ حين يتحوَّل إلى جُرح مفتوح على كُلِّ الاحتمالاتِ والذكرياتِ والحكايات.
     ولعلَّ الأدب، أكثر من أي خطاب آخر، يعرف كيف يقترب من هذا الجُرح دون أن يدَّعي امتلاكَه أو تفسيرَه بالكامل. الروايةُ لا تستطيع أن تعيد الموتى إلى الحياة، ولا أن تُصلح ما أفسده التاريخ، لكنها تستطيع أن تفعل شيئًا بالغ الأهمية، وهو أن تمنح الذاكرةَ صوتًا، وتجعل الإنسانَ الذي سحقته الأحداثُ الكبرى حاضرًا من جديد، ليس بوصفه رقمًا في سِجل، ولا شاهدًا في وثيقة، وإنما بوصفه روحًا لها وجهٌ وارتباك ورغبة وخوف وحُب، وخسارات لا تنتهي عند حدود الصفحة الأخيرة.
     من هذه المنطقة الموجعة يمكن أن نقرأ تجربة الروائي الإريتري حجي جابر ( وُلد 1976 ) إلى جانب تجربة الروائي...

هُناك شِعرٌ يُكتَب لكي يُقْرَأ، وشِعرٌ آخر يبدو كأنه كُتب لكي يُسمَع، وهُناك شِعرٌ لا يكتفي بأن يصل إلى القارئ، وإنما يريد أن يراه أمامه وجهًا لوجه. مِن هُنا يمكن أن نقترب من تجربتين شعريتين تبدوان، للوهلة الأُولَى، بعيدتين كُلَّ البُعد، تجربة الشاعر الصومالي محمد إبراهيم وَرْسَمي ( 1943_ 2022 ) المعروف باسم هدراوي ، وتجربة الشاعر الروسي يفغيني يفتوشينكو (1932_ 2017 ). أحدهما خرج من فضاء القرن الأفريقي، حيث للكلمة المنطوقة وزنٌ هائل في الثقافة الشفوية، والآخر خرج من روسيا السوفييتية في زمن كانت فيه القصيدة تستطيع أن تصبح حدثًا عامًّا، وأن يتحوَّل الشاعرُ إلى ظاهرة جماهيرية.
     ومعَ ذلك، حين نضع الشاعرَيْن جنبًا إلى جنب، نشعر بأن بينهما قرابة خفيَّة. ليست قرابة في اللغة والتاريخ والجغرافيا، ولا حتى في البنية الفنية المباشرة للقصيدة، وإنما في شيء أعمق، وهو الإيمان بأن الشاعر لا يعيش وحده داخل قصيدته، وأن القصيدة إذا خرجتْ من فم صاحبها تستطيع أن تصبح جزءًا من الوعي الجمعي.
     كان محمد إبراهيم ورسمي واحدًا من أبرز شعراء الصومال، حتى عُدَّ من أعلام الشعر الصومالي، ولُقِّبَ أحيانًا بـ " شكسبير...

 توطئة لابدّ منها:
(رابعةُ الأثافي) ديوانٌ يعومُ انثيالُه الإبداعيّ داخل مساحةٍ تجنيسيّةٍ إشكاليّةٍ واسعةِ النظر و التنظير و التظهير. و هي مساحةُ قصيدةِ النثر الحداثية الّتي تسعى دائبةً إلى توطينِ ذاتِها خارجَ جدالِ التبعية الشِّعرية الفارِضةِ بعضَ الوصايةِ أو كلّ الوصايةِ على القول الشّعري.
ونحن في هذا السياقِ، سياق مقاربة ديوان (رابعة الأثافي) لا نخوضُ في إشكالية التعريف و التحديد و الماهية، و إشكالية الاختلاف بين رفضِ قصيدة النثر أو قبولها، فهذا بابٌ طُبِخَ درسًا و تمحيصا، و لا نفعَ في زوبَعَتِه الآن...  ومع ذلك سنسطّر في هذا الشأن ما يخدم اتّجاه المقاربة في تحليل متنِ الديوان الشعري بهدف الإضاءة لا بهدف المناظرة.
وقصيدة النثر في (رابعة الأثافي) ترقى بالنوعِ النّثري إلى مراقي الشعر وتسمو به إلى سديمه، في تميّزٍ بائنٍ بينونةً كبرى يدرك معه القارئُ تميّزَ الصوغِ الشعريّ البعيد كل البعدِ عن شعر التفعيلة و قصيدة النثر في بدايات تجلّيها. بمعنى أن (رابعة الأثافي) تصنع لذاتِها انخراطًا فنيًّا مسؤولًا يقول بالماهية في حريةِ الإبداع و خصوصيته.
إننا نظلم قصيدة النثر الحداثية عندما نُحاكِمُها...

     ليست الزنوجة كلمةً بريئة تمامًا. وراء هذه الكلمة تاريخٌ طويل مِن الإذلال، والاستعمار، والاقتلاع، وتجارة البشر، وتحويل الإنسان الأسود إلى جسدٍ يُباع ويُشترَى، ولونٍ يُختزَل فيه العقلُ والثقافة والوجود. لذلك حين ظهرت الزنوجة في الأدب الأفريقي والكاريبي لم تكن مُجرَّد اتجاه شِعري أو نزعة جمالية تبحث عن إيقاع خاص، وإنما كانت محاولة لاستعادة شيء سُلِبَ مِن الإنسان قبل أن يُسلَب منه الوطن: اسمه، وصوته، وحقه في أن يرى نفسه بعينيه لا بِعَيْنَي المُستعمِر.
     لكن المشكلة تبدأ في اللحظة التي يتحوَّل فيها الرفضُ إلى تعريف، ويتحوَّل الدفاعُ عن الإنسان الأسود إلى بناء هُوية مغلقة حول السواد. هُنا تصبح الزنوجة التي جاءت في الأصل لمقاومة التصنيف العنصري مُعرَّضةً لأن تُنتج تصنيفًا مضادًّا، ولوْ من موقع احتجاجي. وهذه واحدة من أهم المآزق التي يمكن قراءتها في تجربة الشاعر السوداني محمد الفيتوري ( 1936_ 2015)والشاعر المارتينيكي إيميه سيزير ( 1913_ 2008)، كيف يمكن للشاعر أن يستعيد كرامة الأسود من غير أن يُحوِّل السوادَ إلى حتمية نهائية؟، وكيف يمكن أن يحتفي بالهُوية الأفريقية من غير أن يسقط في أسطورة...

تبدأ السينما المغربية تناول الجنسانية بنقد للمنظور الأخلاقي الضيق الذي يسيطر على فئات عريضة من المجتمع: منظور مبني على الطابوهات الدينية والثقافية (الحشمة، الشرف، الحلال/الحرام)، كما هو واضح بصفة خاصة في فيلم "حب في الدار البيضاء" لعبد القادر لقطع، حيث يُعامل الجنس كعار خارج الزواج، ويُرفض تمثيله خوفاً من "الإفساد". هذا الرفض هو شكل من الرقابة الاجتماعية يُخفي الواقع: تناقض بين المعيار الديني والسلوك الفعلي، مما يولد توتراً عميقاً.

ويطرح هذا التناول أحد الإشكالات الصعبة التي سنحاول الإجابة عنها في مقالتنا هذه: هل تقدم السينما المغربية الجنسانية ككشف لهذا الكبت وتحدٍّ للنظرة الجامدة حوله، أم أن الأمر لا يعدو كونه إثارة رخيصة بدون عمق فني وجمالي حقيقي؟

الجنسانية في التحليل النفسي: الإطار النظري

يعتبر التحليل النفسي أحد أهم الأطر النظرية التي جعلت من الجنسانية محوراً مركزياً لفهم واستيعاب السلوك الإنساني، لا كمجرد سلوك بيولوجي أو اجتماعي، بل كقوة نفسية عميقة تشكل اللاوعي والرغبة والعلاقات الإنسانية.

قبل فرويد، كانت الجنسانية تُختزل غالباً في بعدها البيولوجي أو التناسلي؛ ومع التحليل...

     يبدأ الألمُ في اللحظة التي يتعلَّم فيها الإنسانُ أن يعيش وهو يَعرف أنَّ صوته لن يُغَيِّر شيئًا. القهرُ في جَوهره ليس فِعلًا خارجيًّا يقع على الجسد فقط، وإنما عملية طويلة تتسلَّل إلى الداخل، وطريقةِ التفكير، واللغةِ، والعلاقاتِ بين الناس.
     مِن هذه المنطقة المظلمة يمكن أن نقرأ عالَمَ الروائي المصري علاء الأسواني ( وُلد 1957 ) إلى جانب عالَم الروائي الروسي فاسيلي غروسمان ( 1905_ 1964 ). المسافةُ بين الكاتبَيْن هائلة، زمن مختلف، وبَلَدَان مختلفان، وتجربتان تاريخيتان لا تتطابقان، وأنظمة سياسية واجتماعية لا يمكن وضعها في قالب واحد.
     الأسواني يكتب من قلب مصر الحديثة، من المدينةِ والشارع والبيت والجامعة والمقهى والمؤسسة الأمنية والسياسية، ومن التجربة اليومية لمواطن يجد نَفْسَه مُحَاصَرًا بين سُلطة الدولة، وضغطِ المجتمع، والخوفِ، والامتيازِ، والطبقة.
     أمَّا غروسمان فيكتب من القرن العشرين الروسي، من قلب التجربة السوفييتية والحرب العالمية الثانية، ومِن عالَم بلغ فيه العنف السياسي والعسكري مستويات تجعل حياةَ الفرد قابلة للمحو باسمِ التاريخ والدولة والحزب والعقيدة.
     ومعَ ذلك، فإن المقارنة بينهما تصبح...

تبدو المدينة في الشعر الحديث رديفة الضياع والاغتراب، والآلية الجوفاء، والجغرافيا القاسية التي جردت الإنسان من أصالة الريف ودفئه. غير أن مدنا بعينها وطّدت علاقتها مع الأدب، لما احتضنته من عبق التاريخ والذكريات، أو لانبعاثها كعنقاء من موجات الخراب التي يُحدثها غزاة أو سياسة رعناء.
تصبح المدينة رديفة للخلود حين تصمد في وجه الكراهية، وحين تشذب أساطيرها لتمنح الكُتاب من أبنائها أحوالا شعورية، تسري في كتاباتهم كالنسغ الذي يفيض حياة في جذور النبات. ومدينة براغ هي إحدى هذي المدن التي حفرت اسمها في الأدب التشيكي والعالمي، وأنضجت حكاياتها وأسرارها مخيلة أدباء بارزين، كميلان كونديرا، وفرانز كافكا، وفاتسلاف هافل، وإيفان كليما، وياروسلاف سيفرت أحد أبرز أصواتها الشعرية، والذي انحاز إلى أوجاعها بعد الاجتياح السوفياتي.
لمدينة براغ طابعها الفريد والمثير لكوامن الغيرة؛ فهي ساحرة بشوارعها المرصوفة بالحصى، وكاتدرائياتها ذات الطراز القوطي الغامض، وقلاعها التي تحرس ذاكرة الأمة التشيكية. فهي الغنية بمخلوقاتها الأسطورية، وحكاياتها الشعبية المستوحاة من تاريخ ممتد لآلاف السنين. حين يُسأل سكان العاصمة عن قصة...

مقدمة: الرواية السينمائية كأداة لنقد المجتمع التكنولوجي المعاصر:
تعتبر الرواية، بوصفها الشكل الأدبي الأبرز للحداثة، ساحة تتصارع فيها الأيديولوجيات، وتُختبر فيها القيم، وتُعرّى فيها تناقضات المجتمع. ومع تطور وسائل التعبير وانتقالنا إلى عصر الصورة، برزت الرواية السينمائية كأداة جماهيرية تمتلك قدرة نقدية فائقة على تفكيك أمراض المجتمع، وخاصة المجتمع التكنولوجي المعاصر الذي يعاني من الاغتراب والتشيؤ.

والرواية السينمائية تمثل نموذجاً أدبياً يجمع بين طاقة السرد وتقنيات الكتابة السينمائية من حيث الشكل والحوار. وهي نتاج للتداخل الفني بين الرواية والسينما؛ حيث يتحول النص الروائي إلى مخطط إخراجي ووعاء بصري هجين يكسر الأطر التقليدية بين الكلمة والصورة، ويُبنى في مخيلة المتلقي كفعل سينمائي مكتمل الأركان. إنها نص أدبي مكتوب يحمل كل طاقات اللغة السردية على الورق، ولكنه يُبنى بآليات الفيلم السينمائي البصرية وتقنياته (التقطيع السريع، المونتاج، التركيز على المشهدية، المزج... الخ). حيث يقوم الكاتب بالسرد والوصف وكأنه يتجول بكاميرا داخل الصفحات، مما يترك للقارئ مهمة إخراج هذا المُتَخيل السردي بصرياً في...

مفضلات الشهر من القصص القصيرة

مفضلات الشهر من الدراسات الأدبية