الموت بين الأسطورة والفلسفة - عبد السلام المُساوي
إن الموت لا يكتسب فداحة الشعور برهبته إلا في سياق العلاقة بالآخر، ولذلك تكمن في الإنسان "غريزة الموت التي تعبر عن محاولة المرء العودة إلى حالة ما قبل الكينونــة، وهي حالة الكينونة بلا آخــر l'autre أي حالة اللاموضوع". ولربما عبر الانتحار عن عمق هذا الشعور باعتباره فعلا موجها من المنتحر إلى الآخر عقابا له أو تنبيها له عن خطأ كبير ارتكبه في حقه. وقد يكون الانتحار فرارا من ألم ما فيصبح الموت ملاذا ومأوى.
1- الموت والأسطورة:
تزود الأسطورة الإنسان بذاكرة تاريخية تعطيه إحساسا بوجود مبرر لحياته. وبدون هذه الذاكرة يصير الإنسان إلى حالة أشبه بالموت، لأن نسيان الماضي هو نوع من أنواع لموت. فالموت نسيان، والموتى الهابـــطون إلى العالم الأسفل، في الميثولوجيا الإغريقية، يشربون في طريقهم من نبع الـنـسيان لكي يقضوا حياة الآخرة بدون ذاكرة، أي بدون تاريخ. لذلك فإن الإنـسان الذي وجد نفسه في مواجهة الموت ابـتكر نسقا أسطوريا ااعتمادا على ملكاته الوجدانية والعـقلية واللاشعورية، من أجل مواجـهة كل الاحتمالات، فكان أن عالج مجهولية المصير الذي ينتظره بطرح معلوم يمكن من بسط الحقيقة الكونية على نســيج رمزي قادر على الإقناع. وهكذا دأب على التبشير بالخلود المطلق بالرغم من حتمية تعرض الجسد للتحلل ومن ثم إلى الفناء؛ ولهذا وجد نـفسه مدفوعا لإبداع أساطير لها شكل السرد القصـصي، وتصـاغ في غالب الأحيان في...








سمى القدماء الأرض والسماء بما تحتويه من شمس وقمر وكواكب ونجوم ثابتة باسم "العالم" يقول الشريف الجرجاني في التعريفات " العالم لغة: ما يُعلم به الشيء، واصطلاحاً: عبارة عن كل شيء ما سوى الله من الموجودات لأنه يُعلم به الله من حيث أسماؤه وصفاته". وذكر الغزالي مثل هذا فقال " ونعني بالعالم كل موجود سوى الله تعالى ونعني بكل موجود سوى الله تعالى الأجسام كلها وأعراضها" وفي لسان العرب "العالم هو الخلق كله، وقيل هو ما احتواه بطن الفلك" وهذا الاصطلاح مرادف لما نسميه اليوم "الكون" Universe. على أن مصطلح الكون كان يعني عند الفلاسفة والمتكلمين شيئاً آخر. يقول الجرجاني "الكون اسم لما حدث دفعة كانقلاب الماء هواء، فإن الصورة الهوائية كانت ماء بالقوة فخرجت منها إلى الفعل دفعة فإذا كان على التدريج فهو الحركة، وقيل الكون حصول الصورة في المادة بعد أن لم تكن حاصلة فيها"