فرش إشكالي
يشغل بول ريكور موقعًا متميزًا في الفلسفة الفرنسية في القرن العشرين؛ فهو من أكثر فلاسفتها عمقًا، وقد وصفته صحيفة لوموند يوم وفاته بعبارة «فيلسوف جميع الحوارات»، وهو وصف يلتقي مع ما رُصد في سيرته الفكرية من دفاعه عن الحوار الكوني مع معظم تيارات عصره. ويلاحظ جان غروندان، أحد أبرز شراحه، أنك لا تجد في أعماله الكتاب الأعظم الواحد، بل كتبًا كثيرة يصلح كل منها لهذا اللقب. ومع ذلك، تلاحقه تهمة متكررة بأنه لا يملك فكرًا خاصًا، وأنه لا يفعل سوى عرض أفكار غيره وتصحيح تجاوزاتها.
يصف ريكور تقليده الفلسفي بثلاث سمات: الانتماء إلى الفلسفة الانعكاسية، والوقوف في دائرة الظاهراتية، وتمثيل نسخة تأويلية منها. وتكاد عبارة واحدة تلخّص مشروعه: «الإنسان هو فرح النَّعَم في حزن المتناهي». وليست هذه العبارة تفاؤلًا ساذجًا ولا يأسًا وجوديًا، بل قدرة على قول «نعم» للحياة من داخل تناهيها نفسه. ومن هذا التوتر انبثقت فلسفة إرادة تعرف حدودها، وتأويل يثق بالرمز ويرتاب فيه معًا، وأخلاق تطلب الحياة الطيبة في مؤسسات عادلة، وذاكرة ترفض أن يبتلعها النسيان أو تستعبدها الضغينة.
من هنا ينطلق مقالنا من سؤال مركزي:...

 توطئة
بعد انهيار المعسكر الشرقي، تعالت أصوات تبشّر بتكريس الديمقراطية الليبرالية كأفق نهائي للتاريخ السياسي للبشرية «فكرة نهاية التاريخ»، وتدّعي قدرة التقدم التقني والرفاه المادي وحدهما على تلبية حاجات الإنسان المعاصر. وعلى امتداد العقود الأخيرة، حاولت أوساط دولية نافذة ــ واجهتها منتدى دافوس ــ فرض التسليم بأن العالم قد حسم اختياراته الفكرية والسياسية لصالح النموذج الليبرالي الحديث؛ نموذج يغرق في الفردانية، ويقوم على العقلانية التوظيفية التي تقارب كل شيء ــ موردًا بشريًا أو أصلًا ماديًا ــ أداتيًا، وتؤلّه علوية السوق، التي انتهت إلى إخراج المقدس الإيماني من المجال العام.
تمادت الأطراف التي تقف وراء هذا التوجه في فرض تصوراتها على المجتمعات، إلى أن أصبح العالم أمام أزمة لا يمكن إنكارها. والأزمة، التي لا يمكن الاكتفاء بردّها إلى اختلال التوازنات الاجتماعية والاقتصادية والأمنية، يرتبط عمقها، بالأساس، باضطراب في تصور الإنسان لمكانه في المجتمع والتاريخ، وبضيق الأفق القيمي والروحي المتاح في سياق سلعنة الحياة. الواقع الجديد اقترن بالعجز عن الإجابة عن سؤال جوهري: ما الدلالة والغاية للوجود،...

مقدمة
يشكّل بروز ما سُمّي بـ«الفلاسفة الجدد» في الفضاء الفكري الفرنسي خلال سبعينيات القرن العشرين لحظة فارقة في تحوّل الفلسفة القارية من موقع الالتزام الثوري والشك الجذري في البنى القائمة إلى موقع آخر يرفع شعار نقد الشمولية، ويدافع عن حقوق الإنسان بوصفها أفقًا أخلاقيًا أعلى. وقد جاء هذا البروز في سياق تاريخي مشحون: تداعيات أحداث 1968، وانكشاف جرائم الأنظمة التي كانت تُحسب على المعسكر التقدمي، وتراجع جاذبية السرديات الكبرى اليسارية.
غير أن قراءة هذه اللحظة من زاوية تحررية جذرية تفرض تجاوز السردية السطحية التي تقدم الفلاسفة الجدد بوصفهم محرِّرين للفكر من أسر الأيديولوجيا، لتطرح أسئلة أعمق حول طبيعة التحرر الذي دعوا إليه، وحول ما إذا كانوا قد فتحوا أفقًا جديدًا للانعتاق، أم أعادوا تموضع الفكر داخل توازنات سلطة مغايرة. فمن هم الفلاسفة الجدد؟ وكيف حاولوا مواجهة فلاسفة القارة القديمة؟ وعمّ أسفرت هذه المواجهة بين الفريقين؟ وبأي معنى استفاد الفكر الفلسفي منها؟

أولًا: السياق التاريخي وشروط الإمكان

لم ينشأ خطاب الفلاسفة الجدد من فراغ نظري خالص. فقد تزامن صعودهم مع أزمة عميقة في اليسار...

لمعرفة الحضارة الصينية وتوجهاتها المركزية، لا بد من معرفة حكمتها، ولا سيما الكونفوشيوسية. إن تاريخ الكونفوشيوسية تاريخ استذهان إنساني أفضى إلى تكريس حكيمية الحكيم الكونفوشيوسي، وتأكيد حضوره المعرفي والأخلاقي، وإبراز السمات الدالة على اختلافه، رؤيةً واستبصاراً وحكيميةً، عن الحكيم التاوي أو الموهي أو الشرائعي أو عن الراهب البوذي.

تركز الكونفوشيوسية على الإنسان وجوهره وإمكاناته الوجودية العالية أكثر مما تستقصي عالم الأشياء والظواهر الطبيعية والكونية، خلافاً للتاوية. ولذلك فهي تنشغل بإمكان استجلاء إنسانية الإنسان في مضمار الأخلاق والسياسة. لا يُمحَّص جوهر الإنسان الكونفوشيوسي إلا في ميدان الأخلاق والسياسة، أي في علائق الشخص بذاته وبالآخرين.

اختلاف الكونفوشيوسية عن التاوية والشرائعية والموهية والبوذية مؤكد وثابت؛ ويرجع هذا الاختلاف إلى تمحورها حول الإنسان وإمكان تحقيق المجتمع المنسجم المستند إلى التعليم والتهذيب والتخليق والتسييس والتدبير "العقلاني" والمتوازن للرغائب.

ومن المحقق أن الكونفوشيوسية تمتاز بنزوعها الإنساني، وسعيها إلى التأنسن أو التبشرن والتشخصن في خضم التفاعل مع مشكلات...

مقدمة
يظل سؤال ماهية الفلسفة من أكثر الأسئلة إلحاحاً وإشكالية في الفكر المعاصر، لا لأنه يفتقر إلى إجابات، بل لأن كل إجابة تحمل في طياتها تصوراً مختلفاً عن مهمة الفكر وعلاقته بالوجود والتاريخ والذات والمجتمع. يتقابل في هذا السؤال تقليدان كبيران: التقليد الألماني الذي يتمثل هنا في كارل يسبرس ومارتن هيدغر، حيث تُربط الفلسفة بمسألة الوجود والوجود الإنساني الأصيل والتفكير في الكينونة، والتقليد الفرنسي الذي يتمثل في ميشيل فوكو وجيل دولوز، حيث تُعاد صياغة الفلسفة بوصفها نقداً تاريخياً للمعرفة والسلطة أو بوصفها إبداعاً للمفاهيم وممارسة للفكر المحايث. تسعى هذه الدراسة إلى الاشتغال المقارن على تحديد ماهية الفلسفة عند هؤلاء الأربعة، كاشفة عن نقاط التقارب والتباعد، وعن الكيفية التي يعيد بها كل واحد منهم تأسيس الفلسفة بعد أزمة المثالية والميتافيزيقا التقليدية. فما هي الفوارق بين التقليد الألماني والتقليد الفرنسي في مستوى الاشتغال على تحديد ماهية الفلسفة؟

التقليد الألماني: الفلسفة بما هي تفكير في الوجود والوجود الأصيل

ينطلق كارل يسبرس من تمييز حاسم بين المعرفة العلمية الموضوعية والتفلسف بوصفه...

مقدمة: 

يشكل الدافع إلى الحياة محوراً مركزياً في الفلسفة الحديثة، إذ يتجاوز مجرد البقاء البيولوجي ليصبح مبدأً وجودياً يفسر حركة الكائن الحي وصيرورته وإبداعه. في هذا السياق، يبرز مفهومان فلسفيان عميقان: «إرادة الاقتدار» عند فريدريك نيتشه (15 أكتوبر 1844 - 25 أغسطس 1900)، و«التطور الخلاق» عند هنري برجسون (18 أكتوبر 1859 - 4 يناير 1941). كلاهما يرفضان التفسير الآلي الميكانيكي للحياة، ويؤكدان على ديناميكية داخلية تدفع الوجود نحو تجاوز ذاته. غير أن الاختلاف الجذري يكمن في طبيعة هذا الدافع: فهو عند نيتشه إرادة للسيطرة والتفوق والخلق من خلال الصراع والتأكيد الذاتي، بينما هو عند برجسون اندفاع حيوي أصيل ينبثق من الداخل ويخلق أشكالاً جديدة باستمرار عبر الزمان والمدة. تهدف هذه الدراسة إلى استكشاف هذين المفهومين بعمق، ثم مقارنتهما من حيث الأسس الميتافيزيقية والبيولوجية والأخلاقية والوجودية، للكشف عن أوجه التقارب والتباعد في فهمهما للدافع إلى الحياة. فما المقصود بالدافع إلى الحياة في الفلسفة؟ وكيف يتمثل في إرادة الاقتدار عند نيتشه؟ وما علاقة التطور الخلاق عند برجسون بإرادة الحياة النيتشوية؟ وما هي...

الملخص
يقترح هذا المقال قراءة فلسفية للمحاضرة الافتتاحية التي ألقاها موريس ميرلوبونتي في الكوليج دو فرانس سنة 1953، ونشرت بعنوان مديح الفلسفة. وينطلق من تحليل الشواهد الأساسية التي يحدد فيها ميرلوبونتي التفلسف بوصفه حركة مستمرة بين المعرفة واللامعرفة، ويجعل من الغموض والانخراط السابق في العالم واللااكتمال شروطا بنيوية للفكر الفلسفي.

ويبين المقال أن الفلسفة، وفق هذا التصور، لا تبدأ من امتلاك معرفة موسوعية مكتملة، ولا من بلوغ تحول جواني يمنح صاحبه امتيازا معرفيا خاصا، بل تنشأ من وضع الإنسان داخل عالم لا يقدم معناه دفعة واحدة. فالإنسان يجد نفسه متورطا في الوجود، معرضا لما يداهم فهمه، ومضطرا إلى الفعل قبل أن يستنفد شروط المعرفة واليقين.

وانطلاقا من ذلك، يقيم المقال صلة بين تصور ميرلوبونتي وبعض مفاهيم فلسفة الصيرورة الأصيلة، ولا سيما الاشتكال الوجودي، ومداهمات الاختلاج، والتورط الحافي، واللااكتمال البنيوي للوجود. وتظهر ضرورة التفلسف هنا بوصفها نتيجة لانخراط المتواجد في صيرورة لا تتوقف، وللمسافة القائمة بين الوجود وأشكال ظهوره المتعينة.

غير أن هذه الضرورة لا تعني تساوي جميع الأقوال...

مقدمة
يُعد كتاب «الذات تصف نفسها» أحد النصوص الأساسية في الفكر الفلسفي المعاصر الذي يعيد مساءلة مفهوم الذات من زاوية أخلاقية وسردية في آن واحد. ينطلق الكتاب من سؤال مركزي يبدو بسيطاً في ظاهره عميقاً في باطنه: هل تستطيع الذات أن تقدم وصفاً كاملاً وشفافاً لنفسها؟ ومن خلال هذا السؤال يفتح أفقاً واسعاً لإعادة التفكير في العلاقة بين السرد والذاتية والمسؤولية والآخر. والمقاربة السردية ما بعد الحديثة التي نعتمدها هنا لا تكتفي بعرض مضامين الكتاب، بل تسعى إلى قراءة بنيته بوصفها ممارسة سردية تفكك أوهام الحداثة عن الذات السيادية الشفافة، وتكشف عن الطابع العلائقي والمعتم والمشروط لكل محاولة سردية للذات. فمن هي جوديت بتلر؟ وماذا يتضمن كتابها الشهير الذات تصف نفسها؟

الإطار العام للكتاب وموقعه في التحول ما بعد الحديث

يندرج الكتاب ضمن تحول فلسفي واسع شهدته العقود الأخيرة، تحول ينتقل من الثقة الحديثة بالذات العاقلة المستقلة القادرة على معرفة نفسها معرفة كاملة، إلى إدراك ما بعد حديث بأن الذات تتشكل داخل شبكات من المعايير الاجتماعية واللغوية والعلاقات مع الآخرين، وأنها تظل جزئياً غريبة عن نفسها. السرد...

"تَكْشِفُ القِرَاءَةُ النَّقْدِيَّةُ لِمَفْهُومِ البَرْبَرِيَّةِ عِنْدَ هُورْكْهَايْمَر وَأَدُورْنُو أَنَّ أَخْطَرَ مَا يُمَيِّزُ البَرْبَرِيَّةَ الحَدِيثَةَ أَنَّهَا لَمْ تَعُدْ نَقِيضًا خَارِجِيًّا لِلْحَضَارَةِ، وَلَا بَقَايَا لِمَرْحَلَةٍ بِدَائِيَّةٍ تَجَاوَزَهَا التَّارِيخُ، بَلْ أَصْبَحَتْ وجودا كَامِنًا فِي صَمِيمِ الحَضَارَةِ الحَدِيثَةِ ذَاتِهَا"

1 - مُقَدِّمَةٌ:
إِنَّ السُّؤَالَ المَرْكَزِيَّ الإِشْكَالِيَّ الَّذِي يَطْرَحُهُ مَاكْس هُورْكْهَايْمَر (Max Horkheimer) وَثِيُودُور أَدُورْنُو (Theodor Adorno) فِي كِتَابِهِمَا المَشْهُورِ “جَدَلُ التَّنْوِيرِ” (Dialectic of Enlightenment) هُوَ: “لِمَاذَا تَغْرَقُ الإِنْسَانِيَّةُ فِي نَمَطٍ جَدِيدٍ مِنَ البَرْبَرِيَّةِ، بَيْنَمَا كَانَ يُفْتَرَضُ بِهَا أَنْ تُحَقِّقَ فِي ضَوْءِ العَقْلَانِيَّةِ وَالتَّنْوِيرِ حَالَةً إِنْسَانِيَّةً حَضَارِيَّةً أَكْثَرَ نُبْلًا؟”([1]). وَفِي هَذَا العَمَلِ يَجْرِي تَوْصِيفُ البَرْبَرِيَّةِ الحَادِثَةِ فِي صُلْبِ الحَضَارَةِ الرَّأْسْمَالِيَّةِ بِأَنَّهَا بَرْبَرِيَّةٌ مِنْ نَوْعٍ جَدِيدٍ،...

مقدمة
شكل مفهوم الفلسفة في الأزمنة الحديثة أحد أكثر المفاهيم تعرضاً لإعادة البناء الجذري في تاريخ الفكر الغربي. لم يعد الأمر مقتصراً على تعريف تقليدي موروث من التراث اليوناني والوسيط يرى في الفلسفة «محبة الحكمة» أو «العلم بالعلل الأولى»، بل أصبح المفهوم نفسه موضوعاً لتأمل منهجي وترمينولوجي دقيق يهدف إلى تحديد طبيعة النشاط الفلسفي وحدوده ومهمته.  في هذه الدراسة نتبع الاشتغال الترمينولوجي على مفهوم الفلسفة عبر محطتين مركزيتين: الأولى تربط ديكارت بسبينوزا، والثانية تربط لايبنتز بكانط. نركز على كيفية إعادة صياغة المصطلحات الأساسية التي تحدد ماهية الفلسفة: العقل، المنهج، الجوهر، المعرفة، النقد، النسق، والحدود. لا نسعى إلى سرد تاريخي للمذاهب، بل إلى تحليل كيفية اشتغال كل فيلسوف على اللغة المفاهيمية التي تجعل من «الفلسفة» نشاطاً ممكناً ومشروعاً ومتميزاً عن غيره من أشكال المعرفة. كيف اختلف تعريف الفلسفة بين ديكارت وسبينوزا وبين لايبنتز وكانط؟

 القسم الأول: من الشك المنهجي إلى النسق الهندسي: ديكارت وسبينوزا

 يبدأ التحول الحديث في مفهوم الفلسفة مع ديكارت بعملية ترمينولوجية حاسمة: تحويل الفلسفة من...

مقدمة
استئناف القول الأنطولوجي هو أحد ملامح المشروع الفلسفي لألان باديو، الذي يسعى منذ أعماله الكبرى إلى إعادة تأسيس الفلسفة على أساس أنطولوجي صارم بعد عقود من الإعلان عن نهاية الميتافيزيقا أو اختزالها في اللغة أو التأويل أو التجربة الوجودية. يرى باديو أن الفلسفة فقدت قدرتها على قول الوجود بما هو وجود عندما استسلمت إما للنزعة الشعرية التي تجعل اللغة الشعرية مأوى الوجود، أو للنزعات التحليلية واللغوية التي تردّ كل شيء إلى الخطاب، أو للنزعات التاريخية التي تذيب الوجود في الصيرورة. وفي مواجهة هذه الاتجاهات، يستأنف باديو القول الأنطولوجي من خلال تقاطع ثلاثي حاسم: عودة مجددة إلى الأفلاطونية، ونقد جذري للأنطولوجيا الشعرية، وتأكيد أن الرياضيات هي الأنطولوجيا ذاتها.تسعى هذه الدراسة إلى استجلاء هذا الاستئناف في أبعاده المتشابكة، مبرزة كيف يبني باديو أنطولوجيا المفرد المتعدد عبر الرياضيات، وكيف يستعيد الأفلاطونية دون الوقوع في مثالية مفارقة تقليدية، وكيف يرفض اختزال الوجود في القول الشعري مع الاعتراف بمكانة الفن ضمن إجراءات الحقيقة. وتنطلق المقاربة الفلسفية من فهم باديو للفلسفة بوصفها فكرًا للأحداث والحقائق، لا بوصفها تأملًا وجوديًا أو تحليلًا لغويًا....

مفضلات الشهر من التربية

مفضلات الشهر من الفلسفة