I- تساؤلات واستشرافات
يوفر الذكاء الاصطناعي إمكانات لتصليب الديمقراطية، مثلما يوفر إمكانات لتعديل الأنساق والمعايير السياسية الديمقراطية.
هل يمكن للتطبيق الأخلاقي والمسؤول للتقنيات الذكية أن يمثل إمكانية لتعضيد الديمقراطية؟ هل يمكن هذا التطبيق من تحسين أداء المؤسسات السياسية، مع الحرص على حماية الخصوصية والحريات الفردية؟
كيف يمكن حماية الديمقراطية وتطويرها في عصر هيمنة الخوارزميات؟ كيف يمكن التوسع في تطوير الذكاء الاصطناعي وتعميق التحولات الرقمية، والمحافظة، في ذات الآن، على المبادئ الأساسية للديمقراطية؟
هل يمكن للمواطن، المنذور للبطالة والعطالة والهدر الاجتماعي والوجودي، بعد تعميم الروبوتات الشبيهة بالبشر وأتمتة الوظائف والمهام اليدوية والمعرفية، أن يشارك في تدبير الشأن العام؟ من سيتحكم في القرار السياسي والسياسات التدبيرية في مجتمعات سيفقد فيها الإنسان العادي ريادته الثقافية والسياسية لفائدة تقنيات الذكاء الاصطناعي؟ ما معنى السياسة والمشاركة الديمقراطية في مجتمعات سيتغلب فيها الذكاء الاصطناعي على الذكاء البشري؟ هل يمكن بناء الوعي السياسي على الإيحاءات العاطفية والتعاطف الوجداني، أم لا مناص، في الواقع، من وعي سياسي معزز بوعي تاريخي ورؤية حضارية قوية وموازية للتفاعل الإبداعي والخلاق مع الإشكاليات الفكرية والحضارية المتوقع مواجهتها بعد تطوير الذكاء الاصطناعي وتغيير بنيات الوعي والتدبير والإنتاج وفهم العالم ومعنى الوجود الإنساني؟
لا بد، في الواقع، من مراعاة سمات وتحولات عصر الذكاء الاصطناعي، المتمثلة في: تراجع التعليم الكلاسيكي، والتشكك في قيمة الدبلومات والدراسات العليا، وتغيير آليات الحراك الاجتماعي، واستفحال الاستقطاب الاجتماعي، وتراجع الوضع الاجتماعي والاقتصادي للشرائح السفلى من الطبقة الوسطى، والمراهنة على الأتمتة وتوظيف الذكاء الاصطناعي.
تكمن خطورة الذكاء الاصطناعي في مفاعيله السياسية والاجتماعية، وآثاره على النموذج والإبدال الديمقراطيين.
هل يمكن تطوير الأداء الديمقراطي للفاعلين السياسيين في عالم ينخره اللايقين السياسي والاجتماعي والحضاري، نتيجة تسارع التحولات الرقمية والتغيرات التكنولوجية، ويوجَّه فيه الإنسان إما إلى التهجين أو إلى الهوامش الحضارية، بعد المراهنة على الذكاء الاصطناعي الفائق أو العام؟
ألا يسهم إضعاف الطبقة الوسطى، من خلال دعم الاستقطابات الاجتماعية، في إفقاد الديمقراطية سندها الاجتماعي؟
هل يمكن تقوية السلوك الديمقراطي في مجتمع يهيمن عليه اللايقين السياسي، والحيرة الوجودية، والتطوح الوجودي، والهدر الرقمي؟
كيف ستتشكل الديمقراطية في عصر التحولات الرقمية المتلاحقة وتطورات الذكاء الاصطناعي المتوالية؟
ما تأثير الذكاء الاصطناعي في الحكامة والحريات والديمقراطية التشاركية؟
كيف ستُفعَّل الديمقراطية إذا غاب السجال والنقاش والجدال والحجاج المباشر، وتحكمت الخوارزميات في التوجيه ومسارات وآليات الإقناع؟
ألا يوفر الذكاء الاصطناعي دعامة تقنية للخطاب السياسي؟ ألا تضعف هذه الدعامات التقنية السلوك السياسي، بإضعاف قدرة السياسي وكفاءته العملية والتدليلية والتفكيرية، في عالم مقبل على تحولات رقمية وجيوسياسية واقتصادية وتاريخية-حضارية كبرى؟ هل ستتحكم الخوارزميات في القرار السياسي، بعد أن انفردت إرادة الجموع، سواء في الديمقراطيات المباشرة أو في الديمقراطيات التمثيلية، بالقرار السياسي والتحكم في إدارة الحقل السياسي؟
هل يمكن إسناد سلطة اتخاذ القرار، بشكل نسقي، إلى الآلات، مما قد يؤدي إلى إحلال حكم الخوارزميات محل الديمقراطية الكلاسيكية؟ هل يمكن أن تحل الألغوقراطية، أو حكم الخوارزميات algocratie، أو نظام الخوارزميات l’algoarchie، محل الديمقراطية؟
هل تملك الحداثة السياسية، كما كرستها الحداثة الغربية، القدرة على الصمود أمام الثورة الرقمية، وإيجاد صيغ تركيبية لا تفقد الفاعل السياسي والمدني قدرته على المبادرة، أم أن الفاعل الرقمي سيتفرد بالمشهد، وأن المعايير الكلاسيكية للفعل السياسي ستتغير بالكلية، في ظل إخراج الإنسان ــ المتوقع من قبل كثير من الأخصائيين ــ من ميدان الإنتاج والفعل السياسي-التاريخي، وتفرد الذكاء الاصطناعي بالريادة، إنتاجًا وتدبيرًا وتنظيمًا؟
ألا يفضي التعويل على آلات ملتزمة بالتعليمات، في تحديد الاختيارات والتوجهات والتفكير والكتابة، إلى إضعاف الوعي النقدي والالتزام بالمسؤولية الأخلاقية؟ ألا يحملنا هذا التطور على استحضار الحمولة النظرية لمفهوم «ابتذال الشر» la banalité du mal لحنة أرندت؟
ومن المحقق أن الذكاء الاصطناعي يخلق، حسب البعض، فراغًا معرفيًا وفكريًا لدى المستخدمين له، ويولد غيابًا للوعي السياسي والوعي التاريخي والتجذر الوجودي استتباعًا. لا يستحضر البعض هذا الفراغ المعرفي دون استحضار ابتذال الشر كما تصورته الفيلسوفة الألمانية حنة أرندت. فبما أن هذا الفراغ يقترن بـ«لامبالاة» ظاهرة ورغبة كبرى في «التفادي»، كلما تعلق الأمر بالمسائل والمواقف الأخلاقية، فإنه يقترب، في الواقع، من ابتذال الشر. فالواقع أن الشر يتجذر في فراغ الفكر، كما ترى حنة أرندت.
هل غياب الفكر سمة من سمات عصر الذكاء الاصطناعي؟ كيف يمكن تطوير الديمقراطية وتكييفها إذا تعمق عزل الفكر السياسي والفكر الاجتماعي أو تحييدهما، وصار الاعتناء بالتخليق المسؤول مهمة قلة غير مؤثرة، عمقيًا، في مسارات الحضارة؟ كيف سنتفاعل، سياسيًا وأخلاقيًا، مع تحولات عصر الفرادة الكبرى بكل تعقيداته وتلويناته ومتطلباته؟
«....إن الفرادة هي أهم حدث في تاريخ الجنس البشري على الإطلاق، وأن ثلاثة أنواع من التقدم التكنولوجي تهيئ لقيام هذا الحدث-الظاهرة، وتعتبر في الوقت ذاته من أهم ملامحه ومقوماته، وهي التقدم في مجال الذكاء الصناعي، والتقدم في مجالات الآلات المتناهية الصغر أو النانو تكنولوجي الجزيئية، والتقدم في مجال التكنولوجيا الحيوية الجزيئية». -1-
II- الفاعل الرقمي والوعي الرباعي
ظهر الفاعل الرقمي، المتفرد بإدارة الذكاء الاصطناعي والتحكم في تطويره، بمظهر الفاعل المركزي المؤثر، محليًا ودوليًا وكونيًا. إن الفاعل الرقمي مسكون بطوبى رقمية، تحيل الإنسان المسلح بقدرات الآلة والمتحرر من المهام التكرارية ومن ضرورة العمل اليدوي إلى فاعل تاريخي ذي سمات أسطورية، وتعيد تشكيل المشهد السياسي والمشهد الاجتماعي والمشهد الاقتصادي في ذات الآن.
فمن المؤكد أن الديمقراطية التمثيلية ستُظهر قصورها الكبير الناتج عن تولدها عن سياقات وإبدالات ونماذج عقلانية وتاريخية وواقعية بعيدة عن مجاراة عالم يتفرد الذكاء الاصطناعي التوليدي، وربما الذكاء الاصطناعي العام والروبوتات الشبيهة بالبشر، بإدارته.
كيف ستتفاعل ديمقراطية مصممة لواقع اجتماعي-سياسي، يصوغ العقل والمخيال الإنسانيان حقائقه وأشواقه، مع عالم طوباوي من سماته التعويل على الآلات والتهجين وتفوق الذكاء الاصطناعي على الذكاء البشري، وإحالة الجموع المفتقرة إلى الكفاءات والقدرات الرقمية العالية إلى الهوامش والظلال؟
كيف ستتمكن الجموع المعطلة، بعد استتمام أتمتة المهام اليدوية والمعرفية، والمحررة من الاستغلال الاقتصادي، والمنذورة للخمود والهدر الاجتماعي والخمول السياسي، حسب البعض، من الاقتناع بجدوى الإبدال الديمقراطي؟ ألا تنتج التحولات الرقمية الحالية مظاهر استلاب جوهرية، وأشكالًا من «العبودية الرقمية الطوعية» في الغالب، وتفاعلات ثقافية واجتماعية قائمة على التبضيع والتسليع؟
«أما "الليبرالية-التكنولوجية"، فيبدو أنها تخترق كل الحدود، بما فيها الحياة الشخصية، وتعمل بسرعة فائقة على خلق حالات استلاب جديدة، و"عبودية طوعية"، أو لاواعية، للوسائل الرقمية، فضلًا عن مظاهر "تبضيع" للثقافة وللعلاقات الإنسانية». -2-
إن الفاعل الرقمي، المسكون بالتفوق والتفرد، واستعمال كل الموارد الرقمية من أجل بسط رأسماله الرقمي وسلطته الرقمية، لن ينشغل، غالبًا، بالإبدال الديمقراطي المستند إلى مقررات ومواضعات تداولية، مستمدة من اقتصاد واجتماع بشريين، وخلفيات تاريخية وحضارية كلاسيكية.
والحال أن الطوبى الرقمية ستستند إلى إبدال رقمي مختلف، وإلى سنن رقمي، وفاعلين مهجنين وفاعلين آليين، في المقام الأول، وستهمش، تحقيقًا، المواطن العادي ذا القدرات الرقمية المحدودة.
هل يمكن إعادة تشكيل الديمقراطية دون إنشاء فكر سياسي جديد يأخذ بعين الاعتبار التحولات الرقمية والإيكولوجية والجيوسياسية والاقتصادية الجديدة؟ هل يصلح الإبدال الديمقراطي الكلاسيكي، المستند إلى الفكر السياسي لهوبز ولوك وسبينوزا وكانط وروسو ومونتسكيو، لتدبير عالم سيعرف تغيرات جذرية في العمل والتعليم والعلاقات الاجتماعية وتدبير الروابط بين الفاعلين الرقميين وبين الفاعلين العاديين؟
لا تكرس الرقمنة ــ أحيانًا ــ الاستلاب الرقمي فقط، بل الهدر الرقمي كذلك. إن الإنسان المهدور رقميًا عاجز عن فحص المحتويات الرقمية، والتثبت من مضامين ما يقدم له رقميًا، والتحقق من مصداقية ما يخصص له من مواد. صارت الحقائق الرقمية بمثابة مسلمات؛ والحال أن الحقائق الرقمية حقائق في حاجة إلى إسناد فكري، لا يمكن التوافر على آليات دعمها واعتمادها دون التسلح بوعي رباعي: وعي معرفي، ووعي سياسي، ووعي تاريخي، ووعي رقمي.
III- تراجع الفاعل الديمقراطي والمدني
لا جدال في اعتلال الفكر السياسي الليبرالي، وتراجع القوى السياسية الديمقراطية والنقابية، في الغرب وفي الجنوب على السواء. لقد فقد الفاعل السياسي والنقابي ألقه السياسي والإيديولوجي السابق، وأضحى الفعل السياسي فعلًا تدبيريًا، مندرجًا في زمان سياسي محدود، ويُقيَّم، في الغالب، استنادًا إلى معايير براغماتية أو برنامجية.
وبالمقابل، تقوت سلطة الفاعل الرقمي، وصار بإمكانه التأثير، من خلال التقنيات والمحتويات الرقمية، في الجموع. كما تقوت سلطة الفاعل الاقتصادي الرأسمالي-العولمي، بحيث أظهر قدرته الكبيرة على رسم المصائر، اقتصادًا وسياسة وتقنية ورقمنة.
كيف سيتمكن الفاعل السياسي-المدني من منافسة الفاعل الاقتصادي-العولمي والفاعل الرقمي ذي النزعات الكونية، وهو يشهد تراجع الوعي النقدي والوعي السياسي، نتيجة تغليب المخيال السياسي الرقمي على الوعي السياسي-التاريخي-الحضاري الليبرالي؟
هل يمكن استعادة الوعي والبرهنة وإدماجهما ضمن آليات التفاعل الرقمي، تفاديًا لمحدودية المحتويات الرقمية ذات الشحنات العاطفية والإيحاءات الوجدانية؟ هل يمكن عقلنة الرقمنة، وتجاوز التنميط الوجداني للجموع، واستعادة البرهنة العقلانية والاستدلال العقلي المراعي للمصالح على المدى المتوسط وعلى المدى البعيد؟ هل يمكن الارتقاء بالإنسان الرقمي ونقله من نطاق الوجدان إلى نطاق العقل الاستدلالي والبرهاني؟
هل ستحل الديمقراطية الرقمية إشكاليات الديمقراطية التمثيلية، أم إنها ستكرس، على النقيض من ذلك، سلطة الأوليغارشيات الرقمية؟
ومن المعلوم أن اعتلالات الديمقراطية لا تفتأ تتراكم، مما يقتضي استشكالًا عاليًا للفكر السياسي الليبرالي وتجديدًا عمقيًا للمعايير الكلاسيكية للديمقراطية.
«إن الديمقراطية البرلمانية، مهما بلغت أهميتها، غير كافية.
بل إنها أصبحت تعاني من الضعف، حيث يوجد تسطيح عميق في الفكر السياسي، وعدم اكتراث بالشأن السياسي بين المواطنين، وعجز عن مواجهة التحديات الكبرى للعصر الكوكبي». -3-
IV- الذكاء الاصطناعي والديمقراطية
1- التأثيرات الإيجابية
مما لا شك فيه أن للذكاء الاصطناعي مزايا وخاصيات بإمكانها تحسين الشفافية وفعالية الإجراءات الحكومية. فبفضل تحسين معالجة البيانات، تعزز تقنيات الذكاء الاصطناعي شفافية عمليات صنع القرارات. وهكذا تستطيع الخوارزميات تحليل رصيد كبير من البيانات بسرعة مذهلة، وتسهم في تحديد وحصر حالات الفساد.
علاوة على ما سبق، تتجلى إيجابية الذكاء الاصطناعي في تخفيض التكاليف وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين، بعد أتمتة الكثير من المهام الإدارية؛ مما يدعم، جزئيًا، نجاعة وفعالية المؤسسات الديمقراطية، ويدعم شرعيتها وثقة الجموع فيها.
ومن البيّن أن الذكاء الاصطناعي يوفر إمكان فهم القضايا السياسية والمشاركة في المنتديات التفاعلية وفي عمليات صنع القرارات، بفضل ما يوفره من معلومات ثرية وغزيرة. ويمكن حصر مزايا الذكاء الاصطناعي، في هذا السياق، في: تحسين الشفافية والولوج إلى الخدمات العامة، وتوسيع مشاركة المواطنين في الشأن السياسي.
2- التأثيرات السلبية
تشكل المعلومات المضللة، والتلاعبات الجماعية، والتحيزات الخوارزمية les biais algorithmiques، مخاطر محققة على الديمقراطية ومستقبلها.
للذكاء الاصطناعي تأثيرات سلبية تتمثل في التلاعب وتضليل الرأي العام من خلال المعلومات المضللة. ومن الممكن استغلال الخوارزميات في بث ونشر معلومات غير دقيقة على نطاق واسع، والتأثير، استتباعًا، في العملية الانتخابية. ولا بد، إذن، من تنظيم الذكاء الاصطناعي، تلافيًا للتلاعبات وتوجيه الاختيارات الانتخابية توجيهًا رقميًا، وضمان انتخابات حرة ونزيهة، واختيارات نابعة من إرادة جموع المواطنين.
علاوة على ما سبق، فإن تطور الذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى ممارسة مراقبة متطفلة على الأفراد نتيجة سوء استعمال البيانات الشخصية. فالواقع أن التطفل على أنشطة الأفراد يمس، عمقيًا، بجوهر الحرية الفردية، وهي، كما هو معلوم، ركيزة من ركائز النظام الديمقراطي. إن التطفل والمراقبة الجماعية للأفراد يتعارضان جوهريًا مع الخصوصية ومع الحرية الفردية.
والواقع أن الذكاء الاصطناعي ينتهك ــ أحيانًا ــ الخصوصية عبر ما يلي:
- جمع البيانات الضخمة: تلتقط خوارزميات التعلم الآلي les algorithmes d’apprentissage automatique، بدقة متناهية، تفاصيل دقيقة عن سلوك الأفراد وتوجهاتهم وانشغالاتهم وأولوياتهم: المواقع الإلكترونية، وعمليات الشراء... إلخ.
- الانتهاك الاستنتاجي attaque par inférence: تُمكّن الأنظمة المعلوماتية من استنتاج معلومات دقيقة وشخصية خاصة بالتوجهات السياسية أو الميولات الإيديولوجية أو الوضع الصحي، من بيانات ومعطيات عادية ظاهرًا.
تطرح التحيزات الخوارزمية إشكاليات كبرى، إذ يمكن لأنظمة الذكاء الاصطناعي إعادة إنتاج الصور النمطية الاجتماعية المهيمنة، وتكريسها في الوعي السياسي الجماعي، مما سيولد مواقف وقرارات تمييزية بعيدة عن الإنصاف والعدل. ومن المؤكد أن غياب التمثيل والإنصاف في عمليات صنع القرارات يضعف التوازنات السياسية والاستقرار السياسي.
تأثير التطفل الرقمي في الديمقراطية
- التلاعب بالناخبين: تتم الاستعانة بالخوارزميات، أحيانًا، لتوجيه آراء الناخبين والتحكم في توجهاتهم وقراراتهم السياسية، من خلال محتويات منتقاة بعناية رقمية متناهية، دون علمهم.
- تزييف الحقيقة: تُمكّن تقنيات «التزييف العميق» من بث وتعميم ونشر معلومات مشوشة وغير دقيقة ومشكوك في مصداقيتها وتماسكها، مما يؤدي إلى إضعاف ثقة المواطنين في المواضعات والمقررات وكفاءة المؤسسات السياسية. وهكذا يقود الفشل في حماية البيانات الرقمية، إذن، إلى إضعاف الثقة في قدرات المؤسسات والشركات.
- خنق حرية التعبير: يؤثر الخوف من المراقبة في سلوك الأفراد وردود أفعالهم، ويحفزهم على التريث والتحوط والرقابة الذاتية، وتفادي كل السجالات أو النقاشات أو التفاعلات الفكرية أو السياسية المتحررة.
V- الذكاء الاصطناعي والسياسة
1- الانتخابات
يمكن استخدام قدرات الذكاء الاصطناعي المتمثلة فيما يلي: الترجمة، والتركيب، والتيسير، والمواكبة، في الانتخابات.
تستخدم شريحة من المواطنين الذكاء الاصطناعي من أجل الاطلاع على برامج المرشحين واختيار مرشحهم.
2- المسار التشريعي
يؤثر الذكاء الاصطناعي في الحياة التشريعية عن طريق تحسين صياغة القوانين والتحليل البرلماني.
وهكذا يُستخدم الذكاء الاصطناعي في الحياة البرلمانية من أجل إنجاز ما يلي:
- المساعدة على صياغة أو تعديل مشاريع القوانين:** يساعد الذكاء الاصطناعي على صياغة أو تعديل مشاريع القوانين.
- التركيب والتحليل: يساعد على المعالجة السريعة لرصيد كبير من الوثائق والبيانات والمعطيات واستشارات المواطنين.
- الرصد والتأثير: ويقتضي الرصد تقييم آثار التشريعات ومتابعة تحقق المطابقة القانونية.
3- بلورة وتقييم السياسات العمومية
يُمكّن الذكاء الاصطناعي من صياغة وبلورة السياسات العمومية، وذلك من خلال:
- التحليل السريع للبيانات والمعطيات الرقمية الضخمة؛
- اتخاذ القرارات التنبئية؛
- تحسين تقييم القوانين.
4- دورة السياسات العمومية
- المساعدة على وضع التصورات: ويتم ذلك عبر معالجة البيانات الضخمة من أجل تحديد وتعيين الحاجيات الفعلية. يُمكّن الذكاء الاصطناعي من رصد الاتجاهات المجتمعية الكبرى، واستقصاء المطالب الجماعية الملحة من خلال فحص وتحليل البيانات والمعطيات والشكاوى الرقمية.
- المحاكاة والتنبؤ: ويتم ذلك عبر نمذجة تأثير أو مفعول قانون قبل اعتماده. تُمكّن الرؤى الاستشرافية من التقليل من نسبة المخاطر.
- التقييم القبلي والبعدي: ويتم ذلك من خلال وضع تركيب سريع للدراسات والسياسات السابقة من أجل قياس فعاليتها.
- المشاركة المواطنة: يتم ذلك عبر التحليل الآلي لآراء الجمهور أثناء الاستشارات الوطنية.
يُمكّن الذكاء الاصطناعي من تقييم فعال للسياسات العمومية، من خلال:
- تسريع معالجة البيانات والمعطيات المجمعة والضخمة؛
- تركيب وصياغة تقارير معقدة؛
- محاكاة سيناريوهات التأثير.
5- مساهمات الذكاء الاصطناعي في التقييم
- معالجة البيانات الضخمة: ويتم ذلك من خلال المعالجة السريعة لرصيد ضخم من البيانات والمعطيات النصية والرقمية: الاستبيانات، والقوانين، وآراء المواطنين واقتراحاتهم وتوجيهاتهم.
- التركيب والاستشراف: يتم من خلال إنجاز ملخصات للسياسات العمومية السابقة، ووضع سيناريوهات مستقبلية أو استشرافية أو توقعية.
- المتابعة الآنية: يتم ذلك من خلال التعديل الديناميكي للبرامج العمومية بفضل المؤشرات المحيّنة باستمرار.
6- الذكاء الاصطناعي والانتخابات
يتم تصميم أو تحسين محتويات رقمية: مقاطع فيديو قصيرة، وشعارات مصاغة بعناية فائقة، ووعود موجهة، باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، وتُوجَّه إلى الناخبين في مواقع التواصل الاجتماعي، كما في الانتخابات الأوروبية المجراة في يونيو 2024.
لقد حل الإقناع الفردي غير المرئي محل المواجهة المرئية والجماعية والسجال الفكري المباشر في الساحة السياسية.
ولئن كان الناخب فردًا مفكرًا في التجارب الديمقراطية الكلاسيكية، فإنه أضحى، في زمن التحول الرقمي، هدفًا يُتوخى تحريكه من خلال المحفزات العاطفية لا غير.
يفرض استعمال تقنيات الذكاء الاصطناعي إحداث تحول جوهري في آليات تدبير النقاش العمومي. فبدلًا من تبادل الأفكار وتقديم الحجج والأدلة الداعمة لها، وتفنيد حجج المتنافسين السياسيين في الساحة العمومية، غاب النقاش المباشر والمرئي في الغالب، واستحال «النقاش» إلى سلسلة من الحوارات غير المرئية بين الآلات وبين المواطنين.
7- الذكاء الاصطناعي والتواصل السياسي
يوفر الذكاء الاصطناعي التوليدي إمكانات هامة فيما يخص التواصل السياسي والإقناع.
يُمكّن الذكاء الاصطناعي من تحقيق ما يلي:
- التحليل الفوري للرأي العام؛
- أتمتة إنشاء المحتويات؛
- استهداف الناخبين بدقة.
8- استعمال الذكاء الاصطناعي في السياسة
يفيد الذكاء الاصطناعي في إنجاز المهام التالية:
تحليل البيانات والمعطيات: ويتم ذلك عن طريق معالجة رصيد كبير من ردود الأفعال على وسائل التواصل الاجتماعي لقياس الرأي العام.
تخصيص أو شخصنة الرسائل: ويتم ذلك عبر تصميم المحتويات والخطابات والحملات الميدانية، بحيث تتناسب مع قطاعات وفئات محددة من المواطنين.
الإنشاء الآلي la création automatisée: يُمكّن الذكاء الاصطناعي من كتابة الخطابات، وإعداد المحتويات المرئية، أو استعمال برامج الدردشة الآلية chatbots، من أجل التواصل والتفاعل مع المواطنين؛ وتُمكّن هذه البرامج الحاسوبية المستخدمين من التفاعل مع الأجهزة الرقمية كما لو أنهم يتفاعلون مع أشخاص حقيقيين.
9- المخاطر الجوهرية
التحيز المنهجي: لا تعتمد الخوارزميات دومًا على بيانات محيّنة وراهنة، بل تعتمد أحيانًا على بيانات قديمة أو جزئية، مما يسهم في اعتماد قرارات رقمية جزئية وقديمة، تكرس ــ أحيانًا ــ التمييز الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والثقافي.
توجيه الناخبين: يُمكّن تحليل بيانات الأفراد من استهدافهم برسائل سياسية ذات تأثير بيّن في اختياراتهم السياسية والإيديولوجية.
تآكل السيادة الديمقراطية: يؤثر التعويل الكبير على الأنظمة التقنية، في صياغة وتوجيه الرأي العام أو بلورة وإنتاج السياسات العمومية، في عمل المؤسسات الديمقراطية، وفي قدرات الفاعل السياسي على إنتاج الحلول والبدائل، وعلى استقصاء إمكانات الحقل السياسي.
القسر المعرفي: ويتجلى ذلك في استخدام النماذج التحاورية والتفاعلية من أجل توجيه التمثلات والتصورات وجذب انتباه الناخبين.
- غياب الضبط والتقنين: من البيّن أن ثمة غيابًا ــ أحيانًا، أو في سياقات محددة تدقيقًا ــ لقواعد ضبطية وتقنينية لاستخدام هذه التقنيات استخدامًا مسؤولًا وعقلانيًا وأخلاقيًا.
قرارات خوارزمية: يتم أحيانًا التأكيد على قرارات سياسية أو إدارية اعتمادًا على أنظمة معلوماتية معقدة، لا يتوصل المهندسون أنفسهم، أحيانًا، إلى تفسير طرائق أو آليات أو أساليب عملها.
ضياع المسؤولية: يصعب أحيانًا، أو في سياقات محددة للدقة، تحديد الجهات أو الأطراف المسؤولة عن قرارات غير صائبة، أو غير ملائمة للوضعيات أو لطبيعة المشكلات أو التحديات المواجهة، أو متحيزة ناتجة عن الخوارزميات.
تراجع المصادر الموثوقة: ليس من السهل دومًا العثور على معلومات دقيقة وموضوعية وموثوقة في فضاءات رقمية مشوشة ومزدانة بمحتويات اصطناعية رقمية مضطربة.
الهوامش
1- أحمد أبو زيد، «مستقبليات»، كتاب العربي، العدد 80، أبريل 2010، ص 46-47.
2- محمد نور الدين أفاية، «النهضة المعلقة»، المركز الثقافي للكتاب، الدار البيضاء/بيروت، الطبعة الأولى، 2020، ص 408.
3- Edgar Morin, *La voie, Pour l’avenir de l’humanité*, Fayard/Pluriel, 2012, p. 104.
إبراهيم أزروال
أكادير – المغرب
إضافة تعليق