في لغة العرب كلمة لا يقابلها في الإنجليزية ما يوفيها حقها: «الغربة». هي أكثر من بُعد جغرافي عن الوطن، وأبعد منه؛ إنها ذلك الشعور المركب المزدوج الذي يجمع بين الحنين إلى مكان تحبه، والإدراك العميق بأنك مضطر إلى مغادرته. إنها أن تحمل وطنك في داخلك، وتتركه خلف ظهرك في الوقت ذاته.
هذه الكلمة وحدها كافية لوصف ما يعيشه ملايين المغاربة كل يوم، في مطارات أوروبا، ومكاتب كندا، ومستشفيات الخليج: يتذكرون أزقة مدينتهم، ورائحة الكسكس يوم الجمعة، ونداء المؤذن فجرًا، وفي الوقت ذاته لا يملكون إجابة عن السؤال الأصعب: لماذا لم يجدوا هناك ما يجعلهم يبقون؟
خمسة ملايين مغربي يقيمون خارج وطنهم. يحولون سنويًا 12.9 مليار دولار إلى المغرب، ما يعادل أكثر من 8% من الناتج الداخلي الإجمالي. و55% من الشباب المغربي بين 18 و29 عامًا يعبرون عن رغبتهم في الهجرة، و91% من خريجي الجامعات يحلمون بمغادرة البلد للبحث عن فرص مهنية في الخارج. ويغادر المغرب سنويًا ثلاثة آلاف وسبعمئة مهندس وطبيب، كل عام، بلا استثناء.
هذه الأرقام تصف نزيفًا بطيئًا، لكنه منهجي، يفرغ المغرب من أثمن ما يملك: شبابه الأكثر تأهيلًا وطموحًا. والسؤال...

بعد قرابة ستة عقود، لا تزال نظرية جون واتربوري حول السياسة الانقساميةsegmented politics/ أكثر راهنية في تفسير آليات اشتغال الحقل السياسي المغربي من كثير من الأطروحات التي جاءت بعدها. فما بين صدور كتابه المرجعي The Commander of the Faithful عام 1970، ونتائج الانتخابات التشريعية لسنة 2026، لم يتغير الجوهر البنيوي للعبة السياسية إلا في التفاصيل والواجهات. فما زالت الأحزاب تتصرف كفصائل متنافسة ذات ولاءات ظرفية ومتغيرة، وما زال التناوب على الصدارة يتم وفق منطق يمنع أي طرف من الهيمنة المستدامة، وما زال الملك يحتفظ بموقع الحكم الأعلىthe supreme arbiter/ الذي يعيد ترتيب التوازنات بعد كل استحقاق انتخابي. 
إن تتبع مسار المقاعد البرلمانية للأحزاب الرئيسية بين 2011 و2026 يكشف بوضوح عن استمرار هذا المنطق الانقسامي. ويتجلى ذلك عند التمييز بين مجموعتين: المجموعة الأولى تضم الأحزاب الأربعة المتنافسة فعليا على الصدارة (التجمع الوطني للأحرار، والأصالة والمعاصرة، والاستقلال، والعدالة والتنمية)، وقد عرفت تقلبات حادة. إذ انتقل حزب العدالة والتنمية من 107 مقاعد سنة 2011 إلى 125 سنة 2016 قبل أن ينهار إلى 13...

VI- مخاطر الذكاء الاصطناعي
1- التحيزات الخوارزمية والديمقراطية

تأثير التحيزات الخوارزمية في الديمقراطية:
تتمثل مخاطر التحيزات الخوارزمية فيما يلي:
- تضخيم التمييز: تنهض الخوارزميات أحيانًا على معطيات قديمة، منحازة انحيازًا قوميًّا أو «طبقيًّا»، مما يدفع القرارات الآلية إلى زيادة تهميش فئات وجماعات إثنية أو ثقافية محددة.
- إضعاف الثقة في الحقل السياسي: يتم إضعاف الثقة في الحقل السياسي وفي العقد الاجتماعي، من خلال إشاعة اختيارات وتصورات وبيانات ومعطيات غير محايدة.
- تآكل الشفافية: تحل «الخوارزمقراطية» (حكم المعادلات الرياضية)، أحيانًا، محل المؤسسات المنتخبة ديمقراطيًا.
- التأثير السلبي في النقاش العمومي: كثيرًا ما تتحول منصات التواصل الاجتماعي إلى حاضنات رقمية للاستقطاب والانقسام الفكري، بدلًا من أن تكون مساحات أو فضاءات للتفاعل والحوار الإيجابيين؛ ومن المحقق أن يضعف أداء الفاعلين الاجتماعيين والسياسيين، وأن تقل جودة النقاش العمومي في هذه الأحياز الرقمية.

التلاعب بالمعلومات والاستقطاب:

تنتشر المعلومات الزائفة والمضللة بسرعة مذهلة، وتسهم الخوارزميات في نشرها على أوسع نطاق. ويسهم التلاعب...

I- تساؤلات واستشرافات
يوفر الذكاء الاصطناعي إمكانات لتصليب الديمقراطية، مثلما يوفر إمكانات لتعديل الأنساق والمعايير السياسية الديمقراطية.
هل يمكن للتطبيق الأخلاقي والمسؤول للتقنيات الذكية أن يمثل إمكانية لتعضيد الديمقراطية؟ هل يمكن هذا التطبيق من تحسين أداء المؤسسات السياسية، مع الحرص على حماية الخصوصية والحريات الفردية؟
كيف يمكن حماية الديمقراطية وتطويرها في عصر هيمنة الخوارزميات؟ كيف يمكن التوسع في تطوير الذكاء الاصطناعي وتعميق التحولات الرقمية، والمحافظة، في ذات الآن، على المبادئ الأساسية للديمقراطية؟
هل يمكن للمواطن، المنذور للبطالة والعطالة والهدر الاجتماعي والوجودي، بعد تعميم الروبوتات الشبيهة بالبشر وأتمتة الوظائف والمهام اليدوية والمعرفية، أن يشارك في تدبير الشأن العام؟ من سيتحكم في القرار السياسي والسياسات التدبيرية في مجتمعات سيفقد فيها الإنسان العادي ريادته الثقافية والسياسية لفائدة تقنيات الذكاء الاصطناعي؟ ما معنى السياسة والمشاركة الديمقراطية في مجتمعات سيتغلب فيها الذكاء الاصطناعي على الذكاء البشري؟ هل يمكن بناء الوعي السياسي على الإيحاءات العاطفية والتعاطف الوجداني، أم...

مقدمة
كان يفترض أن يكون التعليم هو الجسر، الجسر الذي يعبر عليه ابن الفقير ليصل إلى ضفة الكفاءة والاستقرار. هكذا رسمته الدولة في خطابها الرسمي منذ الاستقلال، وهكذا آمن به الملايين من الآباء والأولياء الذين قضوا سنوات في بناء هذا الجسر شهادة شهادة، وأجرة مدرسة خاصة دفعها من لقمة أسرته.

لكن ماذا يحدث حين يُنجَز الجسر ويُكتشف أنه لا يوصل إلى أي ضفة؟ هذا ما تقوله الأرقام بين السطور:

  • بطالة تبلغ 19.6% في صفوف حاملي الشهادات العليا.
  • تلاميذ يحتلون المرتبة 79 من 81 دولة في القراءة وفق برنامج PISA.
  • أسر تنفق ما لا تملك على مدارس خاصة هرباً من تعليم عمومي لا تثق فيه.
    أما المفارقة القاتلة فهي أن البلد ينفق على التعليم ما يعادل 6.02% من ناتجه الداخلي الإجمالي -أي أكثر من المعدل العالمي- ويحصد نتائج في حضيض السلم الدولي. فهل المشكلة في حجم الإنفاق أم في طبيعة ما يُشترى به؟

I - ميزانية ضخمة بمردود هزيل

حين يقف وزير التربية الوطنية أمام البرلمان ليعلن أن ميزانية القطاع لسنة 2024 بلغت 74 مليار درهم - بزيادة تناهز 7% عن السنة السابقة - فإن الرقم يبدو مبهجاً للوهلة الأولى. لكن الانتباه يستوجب قراءة...

     هناك أدبٌ يكتب عن الديكتاتورية بوصفها موضوعًا سياسيًّا، ثم تنتهي الحكاية. وهناك أدبٌ آخَر يفعل شيئًا أكثر قسوة وأعمق أثرًا، يَجعل القارئ يكتشف أن الديكتاتورية تتسلل ببطء إلى اللغةِ، والذاكرةِ، وطريقةِ الأم في النظر إلى ابنها، وارتباكِ الأب وهو يتحدث، والصمتِ الذي يسبق جُملة عادية في غرفة مغلقة.
     في هذا النوع الثاني من الأدب يمكن أن نضع، مِن موقعَيْن مختلفين تمامًا، تجربة الروائي الليبي البريطاني هشام مطر ( وُلد 1970) ، وتجربة الروائي الألباني إسماعيل كاداريه ( 1936_ 2024 ). كلاهما جاء من بلدٍ عاش تحت نظام سُلطوي طويل، وكلاهما عَرَفَ بصورة مباشرة أو غير مباشرة، كيف يمكن للسياسة أن تتجاوز حدود الدولة لتصبح جزءًا من المصير الشخصي.
     لكن التشابه بينهما لا يعني التطابق، فلكلِّ واحد منهما طريقته الخاصة في الاقتراب من الوحش. يقترب مطر منه عبر الجرح الشخصي، والغياب، والذاكرة، والعائلة، والحُب، وتلك المسافة الموجعة بين الإنسان وما يمكن أن تكون عليه حياته لو لم تتدخل السُّلطة في مصيره. بينما كاداريه يقترب منه عبر الأسطورة والتاريخ والسخرية والرمز والمتاهة.
     وهُنا تحديدًا تكمن قوة المفارقة بينهما،...

مشهد قصر الشعب، نهاية تجربة وبداية سؤال
في الخامس والعشرين من آب/أغسطس 2026، أعلن مظلوم عبدي من قصر الشعب في دمشق انتهاء مهمة قوات سوريا الديمقراطية «قسد» وحلها كقوة عسكرية مستقلة، إلى جانب حل الإدارة الذاتية والتشكيلات العسكرية والمدنية التابعة لها واندماجها في مؤسسات الدولة السورية. جاء الإعلان بعد العملية العسكرية الواسعة التي شنتها القوات الحكومية في كانون الثاني/يناير 2026، والتي أدت إلى خسارة «قسد» مساحات واسعة من مناطق نفوذها، ومهدت لمسار تفاوضي انتهى باتفاق على دمج قواتها ومؤسساتها ضمن الدولة السورية.
وأرى أن ذلك أمر إيجابي، لأنه يقلل احتمالات اندلاع حروب قومية مدمرة، يكون العمال والكادحون من مختلف القوميات أول ضحاياها. وعلى الرغم من أن الاتفاقات المتتالية، من آذار/مارس 2025 إلى الاتفاق الشامل في كانون الثاني/يناير 2026، وصولاً إلى إعلان الحل، قللت احتمالات الحرب وجنبت جماهير المنطقة مزيداً من الدمار، فإنها لم تتضمن أي بنود بشأن القضايا التي نناضل من أجلها كقوى يسارية وتقدمية، مثل حقوق المرأة، وعلمانية الدولة، ووقف الخصخصة، وحماية القطاع العام، وضمان حقوق شغيلات وشغيلة اليد...

مقدمة
حين تقرأ بيانات البنك الدولي عن المغرب، تظن للوهلة الأولى أنك أمام نموذج ناجح: نمو اقتصادي بلغ 3.8% سنة 2024، ومن المتوقع أن يتجاوز 4.7% في 2025، ميناء طنجة المتوسط الأكبر على ضفاف البحر الأبيض المتوسط، صناعات سيارات وطائرات تستقطب عواصم الاستثمار الأجنبي، وطاقة متجددة تتصدر المشهد العالمي. ثم تغلق التقرير وتخرج إلى الشارع.
تخرج إلى شارع حيث شاب جامعي يبيع الخضر بجانب أبيه على الرصيف أو عند باب جامع في حي شعبي، وامرأة في الخمسين لم تدخل سوق الشغل قط، وخريج هندسة ينتظر منذ ثلاث سنوات وظيفة لا تأتي، والرقم الرسمي للبطالة الذي تُعلنه الحكومة - 13% - لا يعكس ما تراه عيناك في مقاهي الدار البيضاء وفاس ومراكش. ثمة شيء ما لا تقوله الأرقام. أو بالأحرى: ثمة شيء تقوله الأرقام بشرط أن تحسن قراءتها.
I- أرقام تغش بعضها
لنبدأ من أكثر ما يُستشهد به: معدل النمو الاقتصادي. يُعلن المسؤولون بفخر عن نسب نمو الناتج المحلي الإجمالي، كأنها الدليل القاطع على أن المغرب يسير في الاتجاه الصحيح. غير أن معدل النمو - في حد ذاته حسبما يعكسه الشارع- لا يخبرك بشيء دون أن تسأل: نمو لمن؟ ونمو أين؟
حين تقرأ أن معدل الفقر انخفض إلى 3.9% سنة 2022 وفق البنك الدولي، يبدو الرقم مبشرا....

تمهيد: أزمة المناهج التقليدية في زمن الخوارزميات
من الصعب خوض معركة التحرر الاشتراكي في القرن الحادي والعشرين بأدوات القرن الماضي. ففي زمن تهيمن فيه الخوارزميات، ويتسع فيه تأثير الرقمنة والذكاء الاصطناعي على الإعلام والثقافة والتعليم والعمل والحياة اليومية، وتصاغ السياسات والاستراتيجيات الاقتصادية عبر تحليل البيانات الضخمة وحوسبة القرار السياسي والاقتصادي، يجد اليسار نفسه أمام تساؤل وجودي: كيف يمكن لحركات ما زالت تعمل وتنظم نفسها بمنطق تقليدي أن تصمد أمام رأسمالية رقمية بلغت من التقدم التكنولوجي حداً غير مسبوق؟
إن استمرار التنظيمات اليسارية في الاعتماد على أساليب تقليدية في الخطاب والتنظيم والعمل يضعها أمام تحدٍ كبير في مواجهتها مع الرأسمالية. فنحن نواجه خصماً يمتلك ترسانة متطورة من الأدوات الرقمية والاقتصادية والسياسية والعسكرية والإعلامية، ويتطور على مدار الدقيقة في كافة المجالات، ويتكيف مع أزماته رغم عمقها، ويتحالف طبقياً مع بعضه رغم الصراعات بين كتله، في حين لا يزال جزء غير قليل من اليسار يعتمد على منهجيات ووسائل قديمة لم تعد تواكب متطلبات هذه المواجهة المتجددة. وهذا ما نشهده اليوم على أرض الواقع، وهو ما يجعل الحاجة إلى تطويرها وتجديدها...

لعل ما يمكن أن نقيس به مؤشرات نضج الدولة اجتماعيا وسياسيا، هي عند اقتراب الانتخابات بارتفاع النقاش المجتمعي، وبامتلاء الساحات بالوعود وباحتدام المنافسة بين البرامج والرؤى. لكن هناك أوطان أخرى، تقاس فيها حرارة الاستحقاقات بعدد الذين يغادرونها وهم يحملون ما تبقى من أعمارهم فوق أكتافهم، متجهين به نحو بحر لا يمنح أحدا وعدا بالنجاة.
في السياق المغربي، وبينما تستعد الأحزاب السياسية لخوض انتخابات شتنبر المقبل حيث يدخل الفاعلون السياسيون سباق استمالة الناخبين، كان مشهد آخر يكتب على شاطئ مدينة الفنيدق بشمال المملكة. لم تكن هناك منصات خطابة ولا شعارات انتخابية ولا صناديق اقتراع، لكن كان هناك أكثر من ألف شاب مغربي يندفعون دفعة واحدة نحو البحر، متجهين إلى مدينة سبتة المغربية، الخاضعة للإدارة الإسبانية، في واحدة من أكبر موجات الهجرة الجماعية خلال السنوات الأخيرة.
لسنا هنا بصدد إقامة علاقة سببية بين الانتخابات والهجرة، وإن بدت الصورة وكأنها مشهدان متوازيان داخل الوطن نفسه؛ فالهجرة ظاهرة معقدة تتشابك فيها العوامل الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والنفسية والقانونية. فهنا على اليابسة من يتنافسون على إقناع المواطنين بالبقاء داخل المشروع السياسي،...

في قلب كل مجتمع، تتصارع الهويات بين الانتماء الطائفي والهوية الوطنية، وكأنها خيوط متشابكة في نسيج واحد يصعب فكه. من منظور أنثروبولوجي، لا تُفهم الهوية باعتبارها مجرد بطاقة تعريف أو انتماء شكلي، بل هي منظومة معقدة من الرموز والطقوس والذاكرة الجمعية التي تحدد كيف يرى الفرد نفسه وكيف يراه الآخرون. الطائفة تمنح الإنسان شعورًا بالدفء والانتماء إلى جماعة صغيرة متماسكة، بينما الوطن يفتح أمامه أفقًا أوسع للانتماء إلى جماعة سياسية وثقافية أكبر. لكن هذا التداخل ليس دائمًا متناغمًا؛ ففي كثير من الأحيان يتحول إلى توتر وصراع، حيث يشعر الفرد أنه ممزق بين ولاءاته الطائفية وواجباته الوطنية.
الأنثروبولوجيا، كعلم يدرس الإنسان في سياقاته الثقافية والاجتماعية، تكشف لنا أن الهوية ليست ثابتة، بل هي عملية مستمرة من التفاوض وإعادة البناء. في المجتمعات المتعددة الطوائف، يصبح سؤال الهوية سؤالًا سياسيًا بامتياز: هل يُعرّف الفرد نفسه أولًا كعضو في طائفة أم كمواطن في دولة؟ وكيف تؤثر الدولة في إعادة تشكيل هذا التوازن عبر سياسات الدمج أو الإقصاء؟ إن دراسة هذه العلاقة لا تقتصر على الشرق الأوسط وحده، بل تمتد إلى البلقان، إفريقيا، وحتى أوروبا، حيث...

مفضلات الشهر من الترجمة

مفضلات الشهر من السياسة