الخطاب الأدبي ومقتضيات التلقي ـ سليمة محفوظي
يتميز الخطاب الشفوي بفرص ليست متاحة للخطاب المكتوب.
فالشفوي فيه حضور متحدثين ويمكن أن يستعان فيه بالحركات والاشارات ويمكن تبادل الأدوار بين المتكلم ومستمع فضلا عن أنه يمكن التحقق من آثار الخطاب وتصحيحها فورا إن وجب التصحيح.
بينما تعترض القارئ جملة من الصعوبات نحاول أن نتبينها لاحقا.
إن الموضوع نظرية القراءة وآليات التلقي يجعلنا ننصرف مباشرة إلى الخطاب الأدبي بسبب ما يميز الإنتاج الأدبي من خصوصية بلغت درجة من التعقيد تستدعي البحث والمساءلة وقد ذهب "فيني جيرار"إلى أن العلاقة بين المنشئ والمتلقي هي العلاقة مبنية على عدم اليقين، بحيث إن الكاتب وهو ليس متأكد من نوايا القارئ، كما أن القارئ وهو يقرأ ليس متيقنا من مقاصد الكاتب، فالعلاقة بين الطرفين تقوم على الشك والاحتمال أصلا وهذا يعود إلى طبيعة الخطاب الأدبي من جهة ثانية إلى عملية التلقي.
إن الخطاب الأدبي من طبيعته، بل من شروط أدبيته ان يجعل الأشياء المألوفة تبدو وكأنها غير مألوفة، وهذا الفعل الذي يتجه نحو خرق المألوف هو ما يخلق الغرابة وما يغلف العمل الأدبي بهالة من السر قد تستعصي على التفسير ولعل هذه الظاهرة هي التي جعلت قدماء اليونان ينسبون الشعر إلى ألهةالأولمب وقدماء العرب ينسبونه إلى شياطين واد عبقر....
الكتابة الأدبية الراهنة:
هو اقتحام لزمن التمكين....هو ارتحال هامس بالوطن....هو وجع مسيج بالانتظار...أو انتظار مسيج بالوجع...وأنا أصاحب بوحه المفلت من صفة التطابق والباحث عن هويته ضمن مسارات التعدد...قابلني الألم الكامن في حرفه وذلك الحلم بالاسترجاع والتحقق...هذا ما وجدته في نص الشاعر المصري الأستاذ محمد الخولي والموسوم بـ"عيد ميلادي"،فما يقوله النص؟
النقد في عالمنا العربي دائماً مدان ومتهم، و لا تثبت براءته أبداً.. فإن كتب الناقد اتهم بالتحيز حيناً أو المعاداة حيناً آخر، وإن لاذ بالصمت صار متعالياً و إقصائياً.. ويتهم النقاد دوماً بإهمال النصوص الحقيقية، والتركيز على أسماء معينة، حتى تكاد تتخيل أن النقاد يتنافسون في ما بينهم في تناولهم للنص المحتفى به لكاتب لا تنقصه الشهرة ولا جوقة مطبلين، كلما نشر كتاباً جديداً، في حين نجد كتابات وأسماء لا يكتب عنها سطر واحد، والضحية دائماً هو النص...
قصة خريف يحكيها رجل قتلته الوحدة وشاخ قبل الأوان
الثقافة هي المدخل والمعول لكل التحولات السياسية والاجتماعية وغيرها
ثمة آفات كثيرة تنخر في المشهد الثقافي جلها معلل بمستوى الوعي العام والجهل بماهية الأدب، وهي من الماهيات العليا التي لا ينبغي جرها الى الدرك الأسفل. وفي هذا المقام سنقف على تخوم آفة خطيرة، وهي تقييم شكل النص الشعري بفعل المضمون وما ينطوي عليه من انزياح فكري أو عقائدي أو توجه قد لا يستحبه المتلقي سواء كان قارئا عاديا أو ناقدا. أو قد يُستفز به أيديولوجيا فيصب جام غضبه على الشكل الشعري مبخسا اياه ومتجنبا الخوض في المضمون لعلة ما. إنما الأنكى في الموضوع هو إغتيال الشاعر أدبيا بفعل الأيديولوجيا أو الإنتماء بشتى صنوفه، فإذا كان المتلقي أديبا او ناقدا قد يلجأ الى تسفيه نصوص الشاعر أو النيل منها إشباعا لعدائيته أو اهمالها. وثمة تعصب ايديولوجي قد يصيب صاحبه بالعماء فلا يرى إلاّ شعراء محيطه الأيديولوجي وربما ممن لا يتقاطع معهم نفسيا أو مزاجيا فقط أو اخلاقيا. والجدير بالذكر أن المعروف عن الشاعر محمود درويش الذي يلقب بشاعر القضية الفلسطينية تشبعه بالأدب العبري، ولم تعفه نفسه عن قراءته لأسباب سياسية أو عقائدية أو عدوانية. وهذا نهج سليم فالأدب لغة عالمية وليس دينا أو حزبا أو تيار....
لا يسعني، هنا إلا أن أضمّ صوتي إلى أصوات كثيرين غيري ممن طالبوا، من دون تردّد، بإيقاف عرض مسلسل «في حضرة الغياب»، الذي يجسّد حياة وتجربة الشاعر الراحل محمود درويش، بعد وصلات الابتذال التي طالعتنا بها الحلقات الأولى من هذا العمل الدرامي الباهت، مضمّناً صوتي إلى صوت الكثيرين ممن يجأرون: أنقذوا محمود درويش..
لقد وجد الإنسان نفسه في الكون يرتبط به وجوديا، فأدرك عقب تراكم الخيرات لديه أن مجاله البيئي الإيكولوجي المحتضن له، ينتج ظواهر معقدة، يصعب قراءتها. فظلت بالنسبة إليه سرا عصيا، ولغزا مغلقا، يستفزانه بمفاجئاتهما ويقلقانه، إذ تتولد لديه أسئلة عديدة. إلا أنه لا يستطيع في ضوء ما يحمله من زاد ضعيف على مستوى التجارب والخيرات الحياتية والقدرات الفكرية، صياغة أجوبة نطفئ عطشه النفسي. ونظرا لطبيعة المرحلة التي وجد فيها، أي مرحلة الذكاء الفطري، أو مرحلة ما قبل النضج الفكري، وفي غياب آلية التفكير المرتبطة بالإمكانات العقلية والقدرات التأملية التي لا زالت جنينية، جنح نحو تفسير ما يلاحظه أو يعيشه من أحداث وظواهر اعتمادا على مبدأ الغيب. وبمعنى أدق، فإن التفسير يتم بطريقة ميتافيزيقية ما ورائية، باعتبارها السبيل الأقرب والأيسر، الكفيل بإخراج الإنسان من حيرته، وتسكب الإحساس بالطمأنينة النفسية في كيانه المشتت، تشتت علاقته بالوجود. لأنه كان يعيش بأحاسيسه وغرائزه، لا بعقله الذي كان غائبا وقتئذ عن مسرح التفاعل مع العالم الخارجي.وذلك لأن طبيعة التفاعل كانت نفسية إلى حد كبير. وعليه، يمكن القول أن القاعدة المرجعية للتفسير، اعتمدت وبشكل أساس على الغيبيات، الغير مدركة الخارجة عن حدود المنطق المتمردة على العقل، وهي ما اصطلح عليه بالأسطورة. والأسطورة لغة، كل ما يسطر أو يكتب والجمع أساطير وفي المعاجم : الأساطير، الأباطيل والأكاذيب والأحاديث لا ناظم لها. ومنه قوله تعالى في سورة المؤمنين الآية
هذه المادة بثلاثة أجزاء تحت سقف العنوان أعلاه وسترد تباعا، وهي: