أنفاس مـقـدمـة : تميزت الفترة  الممتدة بين أواخر القرن التاسع عشر وما بعد الحرب العالمية الثانية بتراكم كبير في مجال الدراسات اللغوية، واذا كان من الصعب تصنيف هذه الدراسات في خانات معينة ، انطلاقا من معايير محددة ، فانه يمكن أن نميز ، على الأقل ، بين مدرستين فيما يخص المناهج المعتمدة في دراسة وتحليل المواد اللغوية وما يرتبط بها من صيرورات ذهنية وعوامل فيزيولوجية ومؤثرات خارجية.
  في هذا الإطار تندرج محاولة عقد مقارنة بين اتجاهين يعتبران من اكبر الاتجاهات اللسانية الحديثة انتاجا واستهلاكا. ويتعلق الأمر بالمدرستين : البنيوية والتوليدية .
ما هي  اذن الأسس المعرفية والفلسفية لكل منهما ؟ ما هي منطلقاتهما المنهجية ؟ ما هي أساليب تحليلهما للظاهرة اللغوية ؟ وما هي أوجه التشابه والاختلاف بينهما ؟ هذه مجرد أسئلة نحاول الإجابة عنها ونحن نستهدف بالدرجة الأولى المتلقي العادي ،غير المتخصص ، الذي نعتبره في حاجة الى المعرفة اللسانية التمهيدية بطريقة بيداغوجية مبسطة.
1 – تحديدات أولية مفاهيمية
1 -1 : مفهوم المنهج : ان كلمة منهج مستمدة من الكلمة اليونانية (Meta-hodos) ؛ ومعناها الطريق أو النهج الذي يؤدي الى هدف ما. وفي اللغة العربية ،المنهج هو الطريق الواضح. ويبدو أن آرسطو هو أول من استعمل كلمة " منهج "، وأسسه على دعامتين : الأولى منطقية تبدأ...

أنفاس1- تعريف الجنون:
يتميز الجنون كمفهوم عام ، بكونه يعبر عن وظيفة دلالية مركبة، بشكل يجعلها تحيل على مرجعيات مختلفة و متعددة ،ترتبط بطبيعة البيئة الاجتماعية و الثقافية التي ظهرت  فيها . و يتم العامل مع ظاهرة الجنون ، حسب مستوى الوعي الذي وصل إليه كل مجتمع .
1-1الدلالة الدينية
تكتسي هذه الدلالة طابعا دينيا واضحا ، نظرا لتركيزها القوي على التصور الغيبي لمعنى الجنون . فمفرده جني ، و يدل في القرآن الكريم ، على كائن لامرئي ذي طبيعة نارية ، يقول تعالى : (و خلق الجان من مارج من نار )1،لهذا فالجن هو (نوع من العالم ، سموا بذلك لاجتنابهم عن الإبصار )2، أي لاختفائهم عنها .
و يشير لسان العرب في موضع آخر ، إلى دلالة الاختفاء هذه المرتبطة بلفظة الجنون، فيقول : (جن الشيء يجنه جنا : ستره ، و جن عليه الليل : ستره ، و جن الليل و جنونه وجنانه : شدة ظلامه )3.
إن مفهوم الجنون ، من الناحية اللغوية، لا يخرج إذن عن إطار دلالة الغيب و الاختفاء و التستر المطلق بصفة عامة .هذه الدلالة الدينية التي تفرض علينا أن نقول ، في نفس السياق و بتعبير مختلف ، أن المجنون ، و هو الشخص المصاب بالجنون ، في عرف الفهم العربي و الإسلامي ، الذي هو في عمقه و شكله ، فهم تراثي و تقليدي يعكس مستوى الوعي العام الذي يسود في مجتمعه، بحيث يعتبره ذلك الشخص الغائب و المختفي و الدائم التستر ، في واقع مادي محسوس و طبيعي .لكن بأي معنى نفهم دلالة الغياب و الاختفاء المرتبطتين بظاهرة الجنون؟

-2-1الدلالة النفسية

تركز المعاجم اللغوية ، و بعض...

أنفاسمن دون شك بأن بطل رواية (العطر) البديعة لـ(باتريك زوسكيند) هي شخصية متخيلة، مخترعة، ولا يمكن أن تكون حقيقية، بالرغم من أنها عاشت بيننا، وما كساها مؤلفها إلا لحماً ودماً وموقفا، فصرنا لن ننسها أبداً، لأنها شخصية فاعلة، وخارقة قد أسبغ عليها المؤلف أوصافا لا يمكن أن تنطبق على إنسان، (وإذا كان اسمه اليوم قد طواه النسيان، على نقيض أسماء نوابغ أوغاد آخرين، مثل دوساد، سانت جوست، فوشيه، أو بونابرت[1])، لأجل أن تبقى تعيش بيننا تتحدى النسيان، وتتحول إلى كائن قد عاش على هذه الأرض وترك أرثا عظيماً، بأفعاله، كما أي شخص حقيقي قد ولد ومن بعد حياة حافلة قد مات. (أنا الوحيد الذي أدرك مدى جماله الحقيقي، لأنني أنا من أبدعه- الرواية[2]) شخصية بقيت تثير الإعجاب، وت مضي بقارئها كأنها تأخذه مسحورا، وبقيت كشخصية روائية بقيت مكتسية بثقافة المؤلّف الذي ولد عام 1949م، حيث بدأ موسيقيا فاشلا، وأصبح فيما بعد صحافيا ناجحا، درس التاريخ في جامعة ميونخ 1968-1974م، كتب مسرحية (عازف الكونترباس) مونودراما في فصل واحد في عام 1981م اصدر رواية العطر عام 1985م، وفاز عام 1987م بجائزة غوتنبرغ، (يعيش حاليا في باريس متفرغا لكتابة السيناريوهات السينمية)، و (العطر) رواية مشوقة لا يمكن لقارئ ما تركها، أو نسيانها، واغلب أحداثها تحلل...

  1- عرف الفكر الأدبي العربي منذ بدايات الثمانينات تحولا كبيرا سواء على مستوى مرجعياته أو طرائق تعامله مع النص الأدبي، أو تفكيره في مجمل القضايا المتعلقة بالابداع. وبرز ذلك بصورة جلية على صعيد لغته وما صارت تزخر به من حمولات تختلف عن اللغات السابقة. نجد أهم ملامح هذه التحولات الطارئة على صعيد اللغة من خلال:
أ - توظيف مصطلحات ومفاهيم عديدة وجديدة سواء من حيث بنيتها أو تركيبها أو دلالتها.
ب - إدراج الأشكال والتخطيطات والجداول ضمن التحليل.
ولا يمكن للقاريء، أيا كان نوعه، إلا أن يجد في أغلب الدراسات التي ظهرت منذ هذا الوقت ميلا واضحا نحو توظيف أكبر عدد من المسطحات، وقدرا لا بأس به من الأشكال والتخطيطات. ونجم عن هذا التحول الذي يتجلى للوهلة الأول على صعيد اللغة ببعديها الاصطلاحي ( اللفظي) والتخطيطي ( الصوري) أن وقع التسليم بصعوبة هذا المنحى النقدي الجديد لدى البعض، أو التأكيد على لا جدواه عند البعض الآخر. وتوالت ردود الفعل المتهمة لهذا التوجه، أو لقدرته على تحويل رؤية فكرنا الأدبي أو تجديد مساره.
2- بدأت تتواتر الدراسات والترجمات، رغم الصعوبات والعراقيل التي يصطدم بها أي جديد عادة، وكثر المشتغلون في نطاق هذا التوجه النقدي الجديد. وهنا بدأت تتراكم المشاكل وتتفاقم الاشكالات، إذ لم تبق الخلافات مقتصرة على الطرفين التقليديين:...

أنفاس مقدمة:
اشتهر عبد الله العروي بكتاباته عن أزمة المثقف العربي . رآها انعكاسا لأزمة المجتمع , ولكنه اعترف بوجود « أزمة ذاتية تهمه هو ويلهي بها ذهنه وأذهان قارئيه » ، وهي أزمة تجعل أزمة المجتمع أعمق وأخطر , خصص لها مقالة في المؤلف المشار إليه أسفله، تناول فيها بالدراسة والتحليل أسبابها التي حصرها في عاملين أساسيين وهما . ازدواجية التكوين وضعف استيعاب العلوم الاجتماعية, واستخلص منها سمات المثقف العربي ، وجعل في مقدمتها البؤس الذي « يقود كثيرا من المثقفين إلى اليأس من إصلاح شؤون المجتمع » ( ) ، . نجد في « أوراق » معلومات دقيقة حول سمات شخصية المثقف المغربي والعوامل المؤثرة فيها , المعطيات التي تزخر بها « أوراق " يمكن استغلالها في دراسة الحالة"  .
صرح المؤلف في مقدمة الطبعة الثانية ( ) بأن الأمر يتعلق بوصف شخصية إدريس حيث قال : « من وراء التساؤلات حول الموضوع والأسلوب … توجد شخصية إدريس » ودعا القارئ إلى الكشف عنها , قالها بنوع من التحدي كمن يدعوك إلى حل لغز من الألغاز المستعصية , قدم لنا شخصية ملفوفة محجوبة ، تتوارا خلف تقنيات السرد الروائي وأشكاله التعبيرية التي يمتزج فيها الصدق بالتمويه , واعتبر محك الفهم هو القدرة على خرق الحجاب للوقوف على عناصر الشخصية وإعادة بنائها , ولا يستقيم البناء إلا بالاعتماد على الخيال لاستنباط الحلقات المفقودة التي تعمد المؤلف انتزاعها من السلسلة , ذلك ما عبر عنه بقوله:...

أنفاساقترن اسم ناظم حكمت بالنضال ومقاومة السجن والأمل، ولعل هذا الاقتران غطى على شعره، وجعله في درجة تالية.‏
بداية لابد من الاعتراف بأن ترجمة الشعر تلاقي ردود فعل متنوعة، ويخضع الشعر نتيجة الترجمة لتغيير وتبديل ورؤى لا نجدها في ترجمة النثر. لذلك فإن أي رأي حول ترجمة ناظم حكمت إلى العربية لابد وأن يؤخذ على أنه مجرد وجهة نظر في ترجمة الشعر. ولكن الحقيقة تتجاوز هذا الأمر، وتتعلق بعوامل موضوعية لعملية الترجمة من التركية إلى العربية (أو العكس). فقد حمل قضية الترجمة عن هذه اللغة أناس لاشك في إخلاصهم وصدقهم ممن يجيد العثمانية أو التركمانية. وعلى الرغم من قرب هاتين اللغتين (أو اللهجتين) من التركية إلا أن هنالك فروقاً كبيرة جداً في بعض الأحيان، وانعكست هذه الفروق في الترجمة، وبرزت في ترجمة الشعر أكثر من غيره. الأمثلة كثيرة، أهمها أن المفردة العربية في التركمانية أو العثمانية تحمل دلالتها العربية فقط، وليس بالضرورة أن تحمل هذه الدلالة وحدها في التركية مثلاً "إلهي Ilahi" تحمل دلالة أخرى وهي "قصيدة صوفية"،وكذلك كلمة "سير Seyir" تحمل دلالة أخرى هي "الفرجة" وهنالك عشرات المفردات من هذا النوع أثرت بشكل مباشر في ترجمة ناظم حكمت إضافة إلى أمور من نوع آخر جعلت الأمثلة الشعرية المقدمة تدخل قوالب وتراكيب...

أنفاسقراءة عاشقة لنصوص "أنطولوجيا الحب"
تمهيد: 
"الحاءات الثلاث" مشروع إبداعي وتنظيري يهدف إلى التعريف بالقصة المغربية القصيرة عبر ترجمتها للغة الإنجليزية ثم نشرها ورقيا باللغتين العربية والإنجليزية، كما  يتقصد التأسيس لمدرسة مغربية قادمة للقصة القصيرة من خلال المشترك المضاميني والجمالي المُجَمَّعِ  بين النصوص الخميسين للكاتبات والكتاب الخمسين المشاركين في المشروع الأنطولوجي والموزعين على ثلاثة أجزاء:"أنطولوجيا الحلم المغربي" و"أنطولوجيا الحب"  و"أنطولوجيا الحرية ".
ومواكبةً لنصوص الكتاب المحتفل بهم، أسَّسْنَا وواظبنا على تقليد أدبي انطلق مع الجزء الأول "أنطولوجيا الحلم المغربي" وذلك بإعداد قراءة " عاشقة"  للنصوص المشاركة توضح المنظور الذي على ضوئه ستترجم النصوص كما تعمل على تقريب النص للقارئ من خلال تسليط الضوء على المشترك الجمالي والمضامين الذي يبحث بين شتات النصوص الخمسين عن الخيط الرفيع القادر على المساهمة في تصميم النموذج القصصي للكتابة الغدوية ولكتاب الغد.
ولأن هدف المشروع الأنطولوجي الحالي هو التأسيس لقصة قصيرة مغايرة، فقد كان من باب الانسجام مع الخطاب أن تكون القراءة الموازية له قراءة "عاشقة"  وليس قراءة "نقدية"  نظرا لارتباط الأولى، القراءة "العاشقة"،    بالانتماء للنص بينما تلتزم الثانية، القراءة " النقدية"،  المسافة اتجاه النص. ولذلك تبقى...

أنفاسأ- الدلالات اللغوية والاصطلاحية:
لم تظهر لفظة بيكاريسكاPICARESCA  باعتبارها لفظة إسبانية إلا في نهاية الربع الأول من القرن السادس عشر، قبيل ظهور الرواية الشطارية الأولى في الأدب الإسباني للروائي المجهول ألا وهي:La vida de Lazarillo de Tormes y sus fortunas y adversidad[1]( حياة لاثاريو دي طورميس وحظوظه ومحنه).
وتدل هذه اللفظة على جنس أدبي جديد تشكل في إسبانيا لأول مرة. ثم، انتقل بعد ذلك إلى فرنسا وألمانيا وانجلترا وأمريكا. و تعني هذه الرواية ذلك المتن السردي الذي يرصد حياة البيكارو أو الشطاري المهمش؛ لذلك تنسب هذه الرواية إلى بطلها بيكاروPicaro ) الشاطر) أو(المغامر) الذي يقول عنه قاموس الأكاديمية الإسبانية:" نموذج شخصية خالعة و حذرة وشيطانية وهزلية، تحيا حياة غير هنيئة كما تبدو في عيون المؤلفات الأدبية الإسبانية"، أو أنه:" بطل مغامر شطاري مهمش صعلوك محتال ومتسول"[2]. وتعتقد الأكاديمية الإسبانية أن لفظةPicaro مشتقة من فعلPicar في معناه الشعبي المجازي، وهو الارتحال والصيد واللسع.
وتعني picaresque في اللغة الفرنسية الأعمال التي تصف الفقراء والمعوزين والمعدمين والصعالكة والمتسولين والأنذال أو قيم المتشردين والمحتالين واللصوص في القرون الوسطى.
والبيكارو باعتباره بطل الرواية البيكارسكية ليس بمقترف جرائم في معنى الجرائم الحقيقي، ولكنه ينتمي إلى طائفة المتسولين، لايبالي كثيرا بالقيم ومسائل الأخلاق مادام الواقع الذي يعيش فيه منحطا وزائفا...

أنفاسمحمود أمين العالم رائد فذ من رواد الحداثة والنقد الأدبي النظري والتطبيقي, ينفلش عطاؤه على مساحة زمنية واسعة, حيث بدأت منذ أواخر الحرب الكونية الثانية وظلت تتدفق حتى وفاته عام (2009) العالم يعتبر أستاذا للعديد من الدارسين والأكاديميين والمهتمين في مجال الفكر والأدب, وعلما تذيع صيته واخترق العالم العربي من المحيط إلى المحيط, وذلك لما له من إضافات نظرية ومن جديد دائم في عالم الأدب والنقد والفكر, ونحن نجلّ هذا العطاء ونكبره لدوره الريادي والكبير في صقل معرفتنا وتوجيهها وترشيدها.
"العالم" ركيزة أساسية وعمود شامخ طالما شحذنا عليه المناقير في بداية حياتنا الأدبية وخلال مسيرتها الشاقة, قد أنار أحداقنا بما لديه من قدرة تنظيرية وتحليلية سليمة وبما قدمه من رؤى ثورية صحيحة خاصة في مجال الأدب التخييلي- القصة الرواية\ المسرحية- وكل ذلك بلغة بسيطة تخلو من البهرجة والتقعر والتعقيد- آفة المنظرين عادة- حيث يقدم منظوره بلا مكيجة ولا أصباغ- وبلا لف أو دوران, يشدك إليه بكلمات دافقة دافئة مأنوسة يجعلها رافعة لتتبناها أو على الأقل لتتفق معه في الكثير الكثير من الطروحات.
كانت طلقة العالم النقدية الأولى عام (1955), حين أصدر مع صديقه عبد العظيم أنيس كتاب في الثقافة المصرية, الكتاب الذي جاء لينقد النظريات الغائمة والغيبية...

مفضلات الشهر من القصص القصيرة

مفضلات الشهر من الدراسات الأدبية