"أجساد فقط"* للقاص الناقد محمد بوشيخة : قـراءة في العتبات والتيمات ـ د. عبد اللطيف حسو
عرفت القصة القصيرة جدا تراكما كبيرا في السنوات الأخيرة بالمغرب والعالم العربي مما يشي بأهميتها من جهة، وبإقبال العديد من المبدعين عليها الذين استهوتهم، وملكت عليهم أفئدتهم ومن المؤكد أنهم ألفوا فيها ذواتهم وضالتهم.
فهذا النمط من الكتابة يعتمد تقنيات جد مدققة ومضبوطة كالتكثيف المتاخم للشعر، لكن القائم على الإيحاء والإيماء، الإحالة والإبهام.
وتعرف الدكتورة سعاد مسكين في "القصة القصيرة جدا إشكالية المصطلح وتطرف الممارسة" هذا الجنس قائلة: "تعتبر القصة القصيرة جدا جنسا أدبيا حديثا عرفه المغرب نتيجة تطور السيرورة التاريخية لفعل الكتابة، نظرا لخضوعها لمتغيرات ومتطلبات الحياة الجديدة التي أضحت تؤمن بالوجبات السريعة، وأكلة في دقائق والسفر بالكبسولة ... لهذا صار هذا الكائن المستحدث في حاجة ماسة وضرورية كشكل تعبيري، يلتقط اللحظات المنفلتة والأحداث الومضة، بكثافة لغوية وبلاغة رمزية، تعبر عن هموم الإنسان العادي والهامشي، ولعل من بين الإشكالات التي تثيرها ق ق ج أنها هي أيضا يصعب الإمساك بها، توحي دون أن تقول كل شيء، تتلون بألف لون، حرباء" (1).
عرفت كتابات الاعتقال السياسي بالمغرب في العقود الأخيرة، مسارات متنوعة، نظرا لاختلاف السياقات التي تتحكم في كل تجربة على حدة (تجربة اليسار الجدري، تجربة تزممارت،...)، وكذا الملابسات والتداعيات المميزة لكل ملف من ملفات الاعتقال.
'شعر محمود درويش.. إيديولوجيا السياسة وإيديولوجيا الشعر' كتاب للباحث شكري عزيز ماضي يحذّر من تحويل الشاعر إلى أسطورة أو اختزاله في مصطلحات.
تلوح لنا الجماليّات الجديدة التي يبدعها الشعر المغربي، منذ ما بعد الثمانينيات وإلى الآن، جديرة بالتأمُّل، لأنها قطعت مع ما سبقها، وكرّست وعياً جديداً بالمسألة الشعرية برُمّتها، بعد أن رفعت عنها السياسي والإيديولوجي، ويمّمت بوجهها شطر المغامرة، حتّى أنّ ما كان مُتخفِّياً ومأمولاً يصبح أكثر حضوراً في تجربة الراهن. لكنّ النقد لم يخض فيها بعد. فإذا كانت تجارب شعرنا السابقة قد أُثيرت حولها نقاشات، واحْتُفي بها من قبل الدارسين بنسبٍ معقولة، مثلما كانت أصواتها مكرَّسة وذات رمزيّة بحكم ارتباطها بمشاريع ومؤسسات كانت تعتبر الموضوع الشعري، الرِّسالي تحديداً، امتداداً لخطابها، فإنّ تجربتنا الشعرية الراهنة تتكلَّم اليُتْم، وتُواجه العماء، مثلما أن كثيراً من أصواتها لم تُسمع، أو لا تُسمع إلا بالكاد. من هنا، يُجهل لحدّ الآن ممّا فيه اعتبار داخل الراهن الشعري.
يبدو عالم كمال الرياحي الروائي متجذّرا في واقعه إلى درجة التماهي وقد برز ذلك واضحا منذ روايته الأولى " المشرط" ، لقد بدت رؤيته للعالم و الوجود متماهية مع المعيش اليومي الذي تمثله فئة المهمَّشين والمَقْصِيّين رغم تَمظهر بعض التجليات التخييلية ولكن هذا العالم الروائي تكامَل و توضَّح في الغوريلا رؤيةً واضحة متكاملة للإنسان والوجود و كأن ملامح هذه الرؤية هي أشبه بلعبة "بازل" تتكون أحجارها شيئا فشيئا لتجعل القارئ يجول في الحيز و يلاحق الحدث ليكتشف المسكوت عنه المتواري خلف لغة مشحونة متقنة . لقد تناولت عديد الدراسات النقدية الناحية الدلالية الأكثر حضورا في الرواية أعني بذلك صورة المهمَّشين وأبعادها السياسية غير أن الذي يجعل الرواية علامة فارقة في الحركة الأدبية التونسية المعاصرة ليس جدة الحدث أو طرافة الموضوع فحسب بل إن ما ميزها هو تنوع الأدوات السيميائية الفنية التي وُظفت لكشف و تكثيف الدلالة مما أجبر العنصر الميتاسردي على البروز في نهاية الرواية وكأنه كان على مدى الأحداث يحرك شخوصه و سارِدِيه من وراء حجاب أو بالأحرى من وراء حيّز هذا الحيز الذي بدا في الظاهر متواريا في فعله السردي ولكنه حاد عن دلالاته الكلاسيكية بان أصبح فاعلا رئيسا في شحذ المعاني و إصابة الحاف منها...
لا يمكننا الحديث اليوم عن الرواية دون أن تداهِمنا عبارة ( موت الرواية) المعتمدة في توصيف أزمة هذا الصّنف من الأدب أُسْوة بمقولة موت الشعر الشهيرة. أما السرّ في إطلاق تلك المقولة فكان في الأصل موصولا منذ عقود بانقراض بعض الأشكال المهملة من الرواية وتعويضها بأنساق جديدة من المخيال تتنامى وتتفاعل عبر الصّيرورة، من خلال ما تم التوافق عليه بمسمّى الرواية الجديدة التي دأبت على تكسير أنساق الحكي القديمة، وتعويضها بمخيال دينامي يتحرك من خلال مرايا السرد وبؤر التأمل الداخلية، وعبر حوارية النماذج والأشكال التي يتسع لها صدر الرواية. وهذا ما قصده (باختين) من التأكيد على الطابع النمائي للرواية باعتبار أنّها الجنسُ الوحيد الذي يوجد في صيرورةٍ ومازال غيرَ مكتمل.)(1)
- الفعل القرائي للفضاء السردي:
إن ما دفعني لمشاهدة فيلم "عاشقة من الريف" لمخرجته السيدة نرجس النجار هو عنوان الفيلم، خاصة وأن السيدة المخرجة جمعت بين اصطلاحين: العشق، باعتباره سموا عاطفيا، من جهة، والريف، كمنطقة تقع في شمال المغرب، من ناحية ثانية، إذ يكفي أن يتلفظ المرء بلفظة "الريف" حتى تتفجر أمامه ينابيع شتى: معركة أنوال، محمد بن عبد الكريم الخطابي، جمهورية الريف، الغازات السامة، ملحمة 1958...، كيف لا والمخرجة قد جمعت بين الحسنيين (العشق- الريف) في شخص امرأة عاشقة تَنْتَسِبُ لمنطقة الريف.
مقدمة:
تحيلنا المعاجم العربية في مادة’’رحل’’التي اشتق منها اسم ’’الرحلة’’على معنى السير والمضي،ففي معجم لسان العرب’’الرحلة اسم للارتحال ،للمسير.يقال دنت رحلتنا،ورحل فلان وارتحل وترحل’’1،وهو نفس المعنى الذي نجده في معاجم كثيرة آخرها المعجم الوسيط.فرحل عن المكان،رحلا,ورحيلا،وترحالا،ورحلة,سار ومضى,،.وبالتالي فان المعنى اللغوي الذي يتم الخلوص إليه من التعريفين السالفين،هو أن الرحلة تعني السير والتنقل من مكان إلى آخر.