تحليل الخطاب الأدبي : الشكلانيون الروس نموذجا ـ مراد ليمام
تأسست عام 1916 جمعية روسية لدراسة اللغة الشعرية، سيطلق عليها الشكلانية الروسية. ومن الضروري وصل هذه الأخيرة، بكيفية متسعة الأفق بازدهار اللسانيات البنيوية وخاصة أعمال حلقة براك. لإبراز ذاك التوجه الأدبي والجمالي الذي نشأ في العقود الثلاثة الأولى للقرن العشرين،"والذي يلح على إبراز قوانين الخطاب الأدبي الداخلية ويرفض المشهد التاريخي الذي هيمن آنذاك في حقل النقد"[1].
فلقد شغف الشكلانيون الروس بالبحث عن القوانين الداخلية التي تمكننا من القبض على العمل الأدبي ، ما دام "المنطلق الطبيعي والمعقول للعمل في البحث الأدبي هو تفسير الأعمال الأدبية ذاتها وتحليلها. فبعد كل شيء، نجد أن الأعمال الأدبية ذاتها هي التنوع التي تسوغ كل اهتمام نبديه بحياة الأديب وبمحيطه الاجتماعي وبعملية التأليف الأدبي كلها[2]. لهذا تعتبر الشكلانية الروسية انعطافا في الفكر الغربي ، تظافرت مع جهود متزامنة ومتماثلة كالتكعيبية في التشكيل واللانصونية في الأدب. وغدت اتجاهات متعددة كان لها نفس المنبع – أي إعطاء الأولوية بدءا أو ختاما للشكل الأدبي- حول نظرية اللغة الشعرية.
بين الثلاثي، توفيق زياد (1929-ـ1994)، وسميح القاسم (1938-2014)، ومحمود درويش (1941-2008)؛ الذين نُسبت إليهم، وبالتالي تحوّلوا إلى مرجعية نصّية ودراسية لتعريف، الحركة الشعرية التي سيطلق عليها العالم العربي مسمّى «شعر المقاومة الفلسطينية» تارة، و«شعراء الأرض المحتلة» طوراً؛ كان القاسم هو الأغزر نتاجاً: بالكاد بلغ الثلاثين، حين كان قد أصدر ستة أعمال شعرية، أوّلها «مواكب الشمس»، 1958، المجموعة التي ستطلق سيرورة تأليف جارفة جاوزت السبعين عملاً، بين شعر ونثر ومسرح و«سرديات».
قد يكون من باب المغالطة والتعسف تقويض المسار العلمي لعبد السلام ياسين حين اتهامه بأن كان يسعى بطريقة سياسية – دينية إلى قلب نظام الحكم الذي عانى منه كثيرا. وتتنوع صور معاناته في جهات شتى، لعل أبرزها التنكر لإنجازاته في مضمار الكتابة التي نحت منحنى التحدي لعالم كامل، من خلال الكشف المستمر عن رعب الدوغمائيات (العربية والغربية) في المحيط الاجتماعي والسياسي والتاريخي...
تكشف النماذج النسائية كما جسدها الصوغ الروائي في "زمن الأخطاء" عن صورة ثقافية يمكن أن نقرأ فيها وعبرها صورة المجتمع بكل ما يموج فيه من أعطاب نفسية واختلالات اجتماعية. لقد قدم شكري في هذه الرواية صورة للمرأة باعتبارها بنية ثقافية تخدم منطق السرد في تركيزه على عالم الغرائز الذي مثل في سياق الرواية طبقة سردية توخى المؤلف من خلال الحفر فيها بعمق الكشف عن وضع المرأة في ظل مجتمع ذكوري لا يسمح لها سوى بحضور شاحب وباهت. فالمرأة، كما تصورها الرواية، تابعة للرجل وخاضعة له. إنها موضوع لمغامراته الجنسية ومجال لتحقيق نزواته وإشباع غرائزه واستيهاماته. لقد مثلت المرأة أداة لرصد تحولات المجتمع المغربي وكتابة تاريخه السري في الفترة التي أعقبت مرحلة الاستقلال. الأمر الذي جعل من صورة المرأة في هذه الرواية مرآة حساسة وشفافة تنعكس عليها الأخطاء الكبرى التي ارتكبها المجتمع في حق أبنائه.
إن ديوان "تأتي بقبض الجمر" أفرغ علينا ثلاثاً وأربعين قصيدة أشبه بالطلقات، كل طلقة بوقع جمرة، تحترق فينا دون أن تشتعل، جوهر هذه الطلقات بسيط في نبعه ورؤياه، لكنه عميق أيما عمق في لفحه وحفره، يحفر فينا، وفي الزمن والتاريخ والوجود. ومضمون هذه الرؤيا أن الشاعر يناجي القصيدة في زمن عز فيه القصيدُ، وقامت الكلمة حائرة ومترددة ومسائلة للهوية. هكذا ينفتح الديوان على سياق إنساني أرحب يمتد ليلامس الوجود. فكيف عرَّت القصيدة مجاهل هذا الوجود؟
1 ـ التحويل الدلالي والاشتغال الصوتي الغريزي
إذا كان التحليل التوزيعي لهاريس قد حظي بقصب السبق في تمطيط مجال البحث اللساني ليشمل ضمن موضوعاته الخطاب. فإن إميل بنفنست يقدم طرحا منهجيا ستستوحي من منجزه تصورات لاحقة سيكون لها بالغ الأثر في الدراسات الأدبية، التي تنهض على المرتكزات اللسانية.
يشكل كتاب "ثورة اللغة الشعرية" مصدرا هاما للوقوف على مسار الاتجاه السيميائي عند الناقدة أو ما اصطلحت على تسميته بالتحليل الدلاليLa symanalyse. .فبعد كتابها "نص الرواية”Le texte du Romanالذي يمثل أطروحتها للحصول على الدكتوراه سنة 1967 تحت إشراف لوسيان غولدمانLucien Goldman وبعد نشرها لمجموعة من المقالات التي جمعتها في كتابها "التحليل الدلالي" الذي يمكن اعتباره الثمرة الأولى لمشروعها السيميائي المتميز، تصدر هذا الكتاب سنة 1974 لتقدم موقفها النظري والتحليلي بشكل أكثر توسعا، من هذا المشروع الكبير.
قبل الشروع في تقديم هذه القراءة التحليلية لمفارقات المغرب العميق كما يتمثلها ، إبداعيا و فنيا ، فيلم " أندرومان من دم و فحم " لمخرجه عز العرب العلوي ، أود أن أشير أن هذا الشريط السينمائي الرائع يتناول قضايا الاقصاء و التهميش في أبعادهما الإنسانية و الروحية بطريقة تتحاشى الابتذال ، غايتها هو أن تسلك طريق التعبير الجمالي البسيط الذي ينفذ خطابه في القلوب دونما حاجة إلى تكلف في التعبير الدرامي ، مدفوعا برؤية المخرج الخاصة لظواهر و كوامن الأشياء .
سؤال الشعري توليف دلالي بين سؤالين مبدئيين، يشفان عن شفافية العلامة في تراصفها النصي، وكثافتها الإيحائية في تراحبها التأويلي، عن الكتابة ومسرب حركية صيرورتها الاختلافية، عن اللغة الشعرية وتنائيها عن ذاتها في استيعاء ترميزاتها.