مظفر النوّاب : تمزّقات ارواح الحروف المدوّية ـ د. حسين سرمك حسن
يبدأ الإفصاح الأنثوي الحيّ في قصيدة "حجام البريس" من خلال ازدحام الخطاب بالمفردات الأمومية وبالعتاب المُحب الأخّاذ .. الذي يتسع كموجات صادمة - وبالمناسبة فإن قصائد مظفر ككائن مائي مفعمة برشاقة اتساع الموجات المائية حين نرمي حجرا في ماء النهر ، لكن ليس في مركزه بل قريبا من شاطئه . وتتكرّر هذه الظاهرة حين يتكرر حرف "الحاء" بحرقته المؤصلة الساخنة التي تلهب حنجرة الروح في عمقها الذي يسخن نياط النفس التي لا تستطيع نسيان جرعة الحليب الوجودية المنعمة .. ولكن الأهم هو أن حرف "العين" كحرف روي يقف من جديد . وهنا تبدو زفرة النقمة مستكملة من خلال نفثة الآه الحارقة كأنها تبغي تحقيق الخلاص . وهذه الحرقة تتأكد من خلال التناوب الخلّاق الذي تشهده الأبيات الأخرى بين حرفين يجمعهما التوليد النغمي الموسيقي ، لكن لم يحصل على يدي أحد من شعراء العامية أن يوظف هذا التناوب لتجسيد المضمون المحتدم "حرفيّا " ، تجد هذا في تناوب حرفي "الحاء" و"الجيم" في كلمات متعاقبة مثل : جرحها والجرح والحليب والحچي :
على عتبة العنوان :
يئس جلجامش وانخذل ولم ييأس مظفر النوّاب من الظفر بعشبة الخلود ، عشبة خلود مظفر هي شعب مظفر العظيم ؛ شعب العراق العظيم - هدية الله للبشرية - أرضه بترابها وحبها وبصلها وشمسها وطينها ، وكلّها مشتقات من الحضور النفسي اللاشعوري المختزن والوجودي الكوني والفردي الفعلي لحضور الأنثى الأسطورية العظيمة : الأم . وعليه فإن عشبة الخلود النوابية هي ليست حچام البريس ولعيبي وسعود وجابر .. و .. و.. من الأبطال الرجال على أهمية حضورهم وفعلهم النضالي المقاوم وكما يحاول مظفر أن يرسخ ذلك في أذهاننا بفعل دور حچام في الحكاية .. بل هي اسعيده وكل النماذج – الأصوات الأنثوية التي تصدت لتبليغ رسالة الشاعر – راجع قصائد حسن الشموس ، مضايف هيل ، عشاير سعود ، مامش مايل ، سفن غيلان ازيرج وغيرها الكثير الكثير - حتى ليمكننا القول بلا تردد أن المنجز النوابي بأكمله قائم على حقيقة اكتشفها من خلال مقومات لاشعوره التي رسمت للصورة الامومية / العشتارية كإلهة منقذة بخلاف الأطروحات المتعسفة التي دامت آلاف السنين . هذا الاكتشاف شيء يتململ في أعماق المبدع ، يعرفه حدسيا ويصوغه شعريا لكنه لا يستطيع وليس من مسؤوليته أن يوصفه " علميا " أو " نظريا " . وكان معلم فيينا يأخذ ضيفه ليريه محتويات مكتبته ، ويشير إلى أوديب ملكا لسوفوكل وهملت لشكسبير والاخوة كرامازوف لدستويفسكي...
هناك مقولة متواترة عبر العصور مؤداها "أهل المشرق أهل إبداع وأهل المغرب أهل فقه وهوامش" مما يفيد أن الإبداع الحق مصدره المشرق في حين ينحصر دور المغاربة في الشرح والتعليق ووضع الهوامش. مع الاعتراف بدروه المهم في تمويل المشرق بالفقهاء والمتصوفة. من الواضح أن هذه المقولة في منطوقها ومفهومها تسعى إلى أن تجعل المغرب تابعا إبداعيا للمشرق. وهو ما تختزله المقولة الذائعة الصيت "بضاعتنا ردت إلينا" التي قالها الصاحب بن عباد عندما وصله كتاب"العقد الفريد" لابن عبد ربه. لقد كان يتوقع أن يجد فيه تعريفا بأدب المغاربة فوجده يضج بأدب المشارقة. وفي ذلك توكيد للرأي الذي يقرر أصحابه أن المغاربة كانوا على الدوام مفتونين بالمشرق ومأخوذين بإنتاجات أعلامه. وقد ألف عبد الله كنون كتابه "النبوغ المغربي" من أجل إبراز الإسهام المغربي في الادب العربي.
الحظر على الاعمال الادبية التي تتناول تابو الجنس من قبل الادباء المنتمين للعالم الثالث الاسلامي لم يعد ينفع في زمننا الحاضر ، ومع ان هناك شواهد كثيرة خلّفها لنا الارث الثقافي الاسلامي تجاوزت هذا التابو الا ان هذه الشواهد لم تر النور بل وطمرت في صندوق الذاكرة ، عن جهل ، او عن قصد وسوء نية الازمنة المريضة ، اما في زمن الحريات الانسانية فقد انكشفت افاق هذا الموضوع الغريزي وتعدى كل خطر، سواء من قبل بعض الفئات المجتمعية او الدينية والسياسية ، ليس من اجل التحدي ، بل لكشف ممارسات مجتمعية ونخبوية غير سوية ، توظف ارث المحظور بابشع صورة لصالح منافعها الخاصة ، منافع مبطنة بتبريرات جفاها الزمن .
في عشر مقطوعات قصيرة في قصيدة نثرية، تراوحت كل منها ما بين الشطرتين والخمس شطرات، كان أحمد أيوب يبث لواعج ما بين ألم وفلسفة مخاطباً أفروديت، وأفروديت يقال عنها إنها إلهة الحب، بينما وحسب ما وردت في الأساطير اليونانية فهي إلهة الحب والجمال والشهوة والجنس والبغاء، فهي إذاً إلهة الحب الجسدي وليس الرومانسي كما يفهمه البعض، وفي العبادة الوثنية في معبدها في أثينا كان الجنس جزءاً من العبادة، وأفروديت معروفة عند الرومان تحت مسمى فينوس، وعرف بالأساطير المروية عنها أنها كانت تمارس الخيانة كثيراً، وتنسب اللات لدى العرب في الجاهلية أيضاً أنها نسخة أخرى من أفروديت أو فينوس.
اصطلح النقاد على تسمية عنوان النص بالعتبة التي من خلالها يتم الولوج إلى رحابه، أما أن تظل العتبة هي المهين الأول على تفاصيل النص فهذا ما نجده في رواية "جدار" الصادرة عن مطبعة الجسور لمحمد مباركي.
· عتبة أولى ..
يمثل عمل أميل. حبيبي(1) تيارا أساسيا في الرواية العربية المعاصرة, نوعا من تهجين الشكل الروائي الأوروبي بعناصر سردية, وغير سردية, مجتلبة من التراث العربي و الحكايات الشعبية وأشكال السرد الشفوي، وسيلته للخروج من قبضة الشكل السردي الخطي الذي استطاع نجيب محفوظ في ثلاثيته, وعدد آخر من رواياته التي تنتمي الى الخمسينات أن يعتصره ويقيم منه عمارته الروائية. لكن إميل حبيبي،على قلة ما أنتج من أعمال روائية, استطاع منذ كتب عمله شبه الروائي الأول «سداسية الأيام الستة " أن يقيم بناء عمله الروائي عل مواد متنوعة متغايرة وان يشكل عادته السردية في دوائر متقاطعة: حكاية تجر الى حكاية بحيث ينسى القاريء الحكاية الأولى إذ ينجرف مع سيل الحكايات التي تذكر بأسلوب الف ليلة وليلة في الافضاء بقارئها الى سلسلة الحكايات التي تؤدي الواحدة منها الى الأخرى. والمتابع لأعمال إميل حبيبي عل مدار الأعوام العشرين الماضية سيجد أن الكاتب الفلسطيني الكبير لم يتخل في أي عمل من أعماله عن أسلوبه الذي بلغ ذروته في "المتشائل" والذي استطاع من خلاله شق طريق جديدة للرواية العربية.
قلت كثيرا أن المبدع الجبار هو من يمسك بإحكام بالإجابة الشافية على سؤالين حاسمين : الأول هو الرؤية (بالتاء المربوطة) ، أما الثاني فهو الرؤيا ( بالألف الممدودة) . الرؤية تتعلق بسؤال مركزي هو : كيف أكتب ؟ أي ( التقنية )، أما الرؤيا فتتعلق بالسؤال المركزي الآخر وهو : لماذا أكتب ؟ (الفلسفة أو الموقف الوجودي من الابداع أو ببساطة الجدوى من كتابة الشعر) ، ووسط الأزبال التي كتمت أنفاس الحبيب يقف مظفر فوق أطروحات الرؤية والرؤيا على حد سواء ، يجمعهما في تعبير بسيط ومركب وشديد الأذى :