يعتبر عبد الرحيم التدلاوي من الكتاب المغاربة الذين لم يوفهم النقد الأدبي حقهم من الاعتبارية الواجبة لقلم فذ غزير الإنتاج، حقق تراكما إبداعيا خاصة في الجنس الأدبي المسمى القصة القصيرة جدا والذي أصبح العـــديد من المتـــهافتــــين عـــلى كتابـــة الـــــقــــصة القــــصيرة جــــدا، يســــتسهلون أمــــر كتــــابــــــتها، ويـــــخوضون في بـــحر لا يـــــعرفـــون حــــدود قراره، والنتيجة أن ما ينشرونه لا يرقى إلى المستوى المطلوب، ولا يعدو أن يكون عبارة عن خواطر هي أقرب للإنشــــاءات، وقــــد ســـــاعد على شيــــوع هذه الظاهرة غير الصحية، سهولـــة النشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والمواقع الالكترونية.

عبد الرحيم التدلاوي استطاع أن يُشَكّل الاستثناء إلى جانب مجموعة قليلة من كتاب هذا الجنس الأدبي، على امتداد عقدين من الزمن، ويغني المكتبة المغربية بالعديد من العناوين التي نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر : كأنه حدث، نمارق، سفك الحروف، رنين الانكسار، المشهد الأخير، شفاه الورد، الحافة، هذا دون أن ننسى مساهماته النقدية القيمة لكتابات العديد من المبدعين المغاربة والعرب على السواء، أكانت شعرا أم نثرا.

وقد اخترت مجموعته "...

     تَتميَّز الرُّوحَانِيَّةُ عِندَ الكاتب اللبناني الأمريكي جُبْرَان خَليل جُبْرَان ( 1883_ 1931 ) بِعُمْقِها الفَلسفيِّ، وقُدرتِها عَلى تَجاوزِ الماديَّاتِ ، والتَّعبيرِ عَن الحَنينِ إلى مَا هُوَ أسْمَى وأرْقَى في النَّفْسِ البشرية . وَهُوَ يَرى أنَّ الرُّوحَانِيَّة لَيْسَتْ مُجرَّد شُعورٍ أوْ طُقوسٍ تقليدية ، بَلْ هِيَ حالةُ وَعْيٍ مُتكاملة ، تَجْمَعُ بَيْنَ التَّأمُّلِ والفَهْمِ العَميقِ للذاتِ والتواصلِ معَ العَالَمَيْن الداخليِّ والخارجيِّ .

    يَصِفُ الرُّوحَانِيَّةَ بأنَّها رِحْلة داخلية نَحْوَ مَعرفةِ النَّفْسِ ، واكتشافِ المَعْنى الحقيقيِّ للحَياةِ . وَيُشيرُ إلى أنَّ الإنسانَ يَعيشُ صِرَاعًا دائمًا بَيْنَ الرَّغَبَاتِ الدُّنيويةِ والبَحْثِ عَن السَّلامِ الداخليِّ ، وأنَّ مَنْ يَسْلُكُ طَريقَ الرُّوحَانِيَّةِ يَستطيعُ تَجاوزَ هذه الصِّراعاتِ ، والوُصولَ إلى حالةٍ مِنَ التَّوَازُنِ والصَّفَاءِ النَّفْسِيِّ .

     كَمَا يَرى أنَّ الرُّوحَانِيَّة تَتَجَلَّى في الحُبِّ والعَطَاءِ والتسامحِ ، فَهِيَ لا تَقْتَصِر على الانعزالِ أو التَّأمُّلِ فَقَط ، بَلْ تَتطلَّب أيضًا التواصلَ الإنسانيَّ العميقَ ، والمُشارَكةَ في تَجَارِبِ الآخَرِين . وَوَفْقَ رُؤيته ، فإنَّ الإنسانَ الرُّوحَانِيَّ يَعيشُ في تَنَاغُمٍ معَ...

حين يتحول الأديب إلى صدى لذاته أو إلى قربة جوفاء
عادةً يُنظر إلى الكتابة الأدبية، منذ بدايات تشكّلها كفعل رمزي، بوصفها أحد أعمق أشكال تفريغ التجربة الإنسانية. فالكاتب، مهما كانت أدواته، يظلّ ابنًا لآلامه وأفراحه، لصراعاته الداخلية وتموّجات وجدانه. وإذا كان الأدب في جوهره تعبيرًا عن الذات في علاقتها بالعالم، فإن الأديب الذي لا يفرّغ ما يحياه من جراحٍ تستعر أو أنسٍ يتوهّج، يتحوّل إلى كائن يكتب من فراغ، فتغدو كتاباته كما "قربة جوفاء" تُصدر صوتًا ولكنها بلا ماء، وبلا حياة، وبلا روح.
هذه الورقة، من خلال تجربتي المتواضعة، أحاول مساءلة هذا التصوّر، وتفكيك العلاقة بين التجربة الحياتية والإنتاج الأدبي، وبيان كيف يتحوّل الأديب إلى وسيط حقيقي بين الحياة واللغة، أو إلى تمثال باهت يكتب ما لا يعيشه.

- الكتابة كتجسيد للتجربة الإنسانية

لا يمكن فهم فعل الكتابة خارج تجربتها الإنسانية.
الكاتب الحق يُحوّل الألم إلى معنى، ويعيد صياغة الفرح في شكل لغة، ويستدرج الذكريات إلى مساحة قابلة للتأمل.
إن الكتابة الأدبية ليست نسخًا للواقع، بل هي تحويل للمعيش إلى رموز وصور. لذلك فإن من يكتب من خارج تجربته يكتب لغة بلا جذور، خالية من حرارة الطريق، أشواكها وأحجارها التي مرّ منها.

1. الألم كمحرّك...

إنَّ دراسة الشخصيات التي كان لها حضور وازن في الماضي، إيجابيًا كان أم سلبيًا، ليست كما يظن البعض بكاءً على الأطلال أو التفاتًا عاطفيًا إلى زمن ولّى، بل هي استحضارٌ منهجي للماضي في الحاضر قصد استخلاص العبر واستنطاق الدروس. ومن هذا المنظور، يتناول هذا المقال المتواضع إحدى الشخصيات العمومية التي تركت بصمتها بقوة في مجالات منابع زيز، والأطلس الكبير الشرقي، والأطلس المتوسط، وهضبة سايس. يتعلق الأمر بالشيخ عسو، أحد أبرز شعراء القرن الماضي، الذي خلّف تراثًا شعريًا زاخرًا بالحكمة وبالأحداث التي وثّق كثير منها بأسلوب فريد، خاصة في مجال الارتجال الشعري، وهي ملكة لا يتقنها إلا القليل من الشعراء، في زمن كان الشعراء الجوالون يجوبون مناطق المغرب لإمتاع الجمهور وخلق الفرجة في القرى والبوادي ومختلف التجمعات القبلية ؛ في السهل والجبل.

كما أن تفكيك أشعار الشيخ عسو والاشتغال عليها بوصفها وثيقة تاريخية يفتح آفاقًا واسعة لفهم البنيات الذهنية والثقافية للمجتمع المغربي في فترة زمنية مفصلية. فاعتماد مقاربات حديثة في التحليل، مثل السيميائيات وعلم اللسانيات والسيميولوجيا ، وتحليل طبقات اللغة الشعرية ودراسة مضمون الأبيات وبنية الاستعارات والمجازات الموظفة، يتيح لنا استجلاء الخلفيات...

يُعَدُّ الشِّعْرُ الجاهليُّ أحدَ أهَمِّ مَصادرِ مَعرفةِ تاريخِ العَرَبِ قَبْلَ الإسلام ، فَهُوَ سِجِلٌّ للبيئةِ والثقافةِ والقِيَمِ والمِخْيَالِ الجَمْعِيِّ في تِلْكَ الحِقْبَة . وهَذا الشِّعْرُ كانَ ومَا يَزَالُ مِحْوَرَ جَدَلٍ بَيْنَ الباحثين ، خَاصَّةً بَعْدَ صُدورِ كتاب " في الشِّعْرِ الجاهليِّ " ( 1926 ) للدُّكتورِ المِصْرِيِّ طه حُسَيْن ( 1889 _ 1973 )، ومَا تَلاه مِنْ رُدودٍ عِلْمِيَّة ، أبرزُها كِتاب " مصادر الشِّعْرِ الجاهليِّ وقيمتها التاريخية " ( 1956 ) للدُّكتورِ الأُرْدُنِيِّ ناصر الدِّين الأسد ( 1922_ 2015 ) . وَقَدْ مَثَّلَ الكِتابُ مُوَاجَهَةً عِلْمِيَّة مَنْهجية لأُطْرُوحاتِ طه حُسَيْن . وَمِنْ خِلالِ هَذا السِّجَالِ يُمكِن مُقارَبة رُؤيَتَيْن مُخْتَلِفَتَيْن في التعاملِ معَ النَّصِّ الشِّعْرِيِّ الجاهليِّ ، رُؤية تُشكِّك في أصالته ، وأُخْرَى تُدافِع عَنْها بِمَنْهَجٍ نَقْدِيٍّ صارم .
أثارَ طه حُسَيْن جَدَلًا واسعًا حِينَ أعْلَنَ أنَّ مُعْظَمَ الشِّعْرِ الجاهليِّ مَنْحولٌ ، وأنَّه صُنِعَ في صَدْرِ الإسلامِ والقُرونِ اللاحقةِ لأغراضٍ دِينية وسِياسية وَقَبَلِيَّة . وَقَدْ بَنى استنتاجَه على مَنْهَجٍ تأثَّرَ...

في إطار فعاليات الدورة الثالثة من المهرجان الوطني للمسـرح التونسي – مواسم الإبداع، احتضنت قاعة فن الرابع، يوم الاثنين 03 نوفمبر 2025، عرض "كيما اليوم" للفنانة المسـرحية التونسية ليلى طوبال التي اختارت هذه المرة أن تدخل عوالم الإخراج، حاملة معها نصوصها المميزة، ورؤيتها السينوغرافية الخاصة، وصوتها المسـرحي الفريد، في عملٍ قام بأدائه كل من مايا سعيدان، وأصالة نجار، ودينا الوسلاتي، وفاتن شرودي، وخديجة المحجوب، وأمان الله التوكابري.

وعلى الرغم من تغير موقع ليلى طوبال من العملية الإبداعية في هذا العمل، من التمثيل إلى الكتابة والإخراج، فإن أول ما يلفت انتباهنا في هذه المسـرحية، هو ما نلمسه من روح الممثلة التي حتى وإن غاب جسدها عن الركح، فقد ظل نفَسها حاضرًا في مختلف الشخصيات التي رسمتها، وفيما تتلفظ به من خطاب، وفي طبيعة الحكاية التي تجمع بينها. ذلك أن طوبال تضعنا منذ البداية أمام حكايةِ بشـريةٍ على حافة الاندثار، حيث لا ينجو من الحادث المروع الذي تتعرض إليه شاحنة تحمل أنابيب السوائل المنوية والبويْضات التي تبرع بها البشـر القليلون المتبقون على الأرض، سوى حيوان منوي وحيد، وبويْضة واحدة، سيحتضنهما باطن الأرض، أين ستنمو شخصية "دنيا" التي ستولَد من رحم الأرض في...

الحسن بن هانئ المَعروف بأبي نُوَاس ( 145 _ 198 ه / 762_ 813 م ) ، شاعر عربي مِنْ أشهرِ شُعَراءِ العصرِ العَبَّاسِي ، وَمِنْ كِبار شُعَراءِ الثَّورةِ التجديدية . أحدثَ انقلابًا في مَضمونِ الشِّعْرِ العربيِّ وأُسلوبِه ، فَقَدْ تجاوزَ الأغراضَ التقليدية كالمَدْحِ والفَخْرِ ، واتَّجَهَ إلى مَواضيع جديدة تُعبِّر عَن التَّرَفِ والتَّحَرُّرِ . وكانَ وَصْفُ الخَمْرِ أبرزَ هذه المواضيع التي ارتبطَ اسْمُه بِها ، وَقَدْ قَدَّمَ رُؤيةً فِكريةً مُتكاملة جعلتْ مِنَ الخمر رمزًا للحياةِ والحُرِّيةِ والتَّمَرُّد .
تَجَلَّى أُسلوبُه الفَنِّي في طريقته في رَسْمِ صُورةِ الخَمْر ، إذ اتَّسَمَتْ بالدِّقَّةِ والتفصيلِ والحيوية ، فَقَد استعارَ مِنْ مُعْجَمِ الضَّوْءِ واللونِ والحركةِ مَا يُضْفي على الصُّورةِ طَابَعًا بَصَريًّا يَكَاد يُحوِّل المَشْهَدَ إلى لَوْحَةٍ فَنِّية ، كما لجأ إلى الأساليبِ البَلاغيَّة مِنْ تَشْبيهٍ واستعارةٍ وكِناية ، لِيَمنحَ الخَمْرَ صِفَاتٍ إنسانيَّة تَجْعلها شَخصيةً حَيَّةً تَتفاعل معَ الشاعر. ولا يَكْتفي بوصفِ مَظْهَرِها أوْ طَعْمِها ، بَلْ يَربِط بَيْنَ لَوْنِها ورائحتها وتأثيرِها النَّفْسِيِّ ، فَيَصْنَع لَوْحَةً...

يُعْتَبَرُ الكاتبُ المِصْري نجيب محفوظ ( 1911 _ 2006 / نوبل 1988 ) أعظمَ روائي في الأدبِ العربي على الإطلاقِ . تُعَدُّ أعمالهُ سِجِلًّا حَيًّا للتَّحَوُّلات الاجتماعية في مِصْر .
كَتَبَ في فَترةِ التَّحَوُّلاتِ السِّياسية والاجتماعية العَميقة في المُجتمعِ المِصْرِيِّ ، مِنَ الاحتلالِ البريطاني إلى ثَورة 1919 ثُمَّ ثَورة يوليو 1952 ، ومَا تَبِعَها مِنْ تَغْييرات في البُنْيَةِ الطَّبَقِيَّة . وانطلقَ مِنْ واقعٍ اجتماعي مُضطرِب ، فَجَعَلَ مِنَ الأدبِ وسيلةً لكشفِ أزَمَاتِ العَدالةِ الاجتماعية ، وعاشَ مَراحلَ الصِّراعِ بَيْنَ الطَّبَقَاتِ الاجتماعية ، حَيْثُ كانت الطَّبَقَةُ الكادحة ( العُمَّال ، الفُقَراء ، صِغَار المُوظَّفين ، سُكَّان الحَارَاتِ الشَّعْبية ) في مُواجَهةِ الفَقْرِ والسُّلطةِ والبيروقراطية . وَقَدْ كانتْ مِصْر تَمُرُّ بِمَرحلةِ انتقالٍ مِنَ الإقطاع إلى نَوْعٍ مِنَ الاشتراكية ، فانعكسَ ذلك في أدبِه كَصِرَاعٍ بَيْنَ القَديمِ والجديد، وصارَ مَادَّةً خِصْبَةً في كِتَاباته التي رَصَدَتْ حَركةَ المُجتمعِ بَيْنَ القَهْرِ والأملِ .
قَدَّمَ تَصويرًا دقيقًا لِعَالَمِ الكادحين في الحَارَاتِ الشَّعْبية ، حَيْثُ...

النص: قراءة حرة
القصة الومضة تستدعي مفارقة
هاك مثالًا:
(كنتُ إنسانًا…)
أتُراه يصلح مثالًا؟
لم تتضح الفكرة، أليس كذلك؟
هاك فكرة أوضح
(كنتُ إنسانًا مع وغد)
هنا تكتشف حقيقة:
الإنسان لا يَهزمه الموت،
الخطر لا يكمن في.. كنت
بل في سقوط الكينونة عند مسّ الوضاعة.
تأمّل…
إن النبل لا يُعرَف إلا بظلّه
جوهر الإنسان لا يُفصح عن ذاته.......
........
.........
حسنًا،
فلنختصر الدرس
إليكَ مفارقة أكثر حبكة:
كنتُ إنسانًا أتى من خواء؛
فأجاد الوغد معزوفته من طنين. تمت!
المقدمة
تمثل الومضة الأدبية أحد أبرز التحولات التي عرفها الأدب العربي المعاصر، بوصفها شكلا تعبيريا جديدا يقوم على التكثيف والاختزال، ويعيد تعريف العلاقة بين اللغة والفكرة، وبين القارئ والنص. فهي أكثر من مجرد قصة قصيرة جدا أو بيت شعري نثري، إنها تجربة لغوية متوترة تشعل المعنى دفعة واحدة، وتدع القارئ أمام أثر رمزي يفوق حجمها النصي. من هذا المنطلق، تندرج تجربة الدكتورة منال رضوان في نصها "قراءة حرة" ضمن هذا المسار التجريبي الواعي، إذ تنحت بالاقتصاد اللغوي عالما دلاليا مكثفا، وتستثمر المفارقة والسكوت لتصوغ نصا يقرأ على أكثر من مستوى: تعليمي، فلسفي، ووجودي في آن واحد.
يهدف هذا المقال إلى مقاربة نص "قراءة حرة" باعتباره نموذجا فريدا للكتابة الومضية التي تتجاوز حدود التجنيس الأدبي...

     يُعْتَبَرُ طَرَفَة بن العَبْد ( تقريبًا 543 م _ 569 م ) مِنْ أبرزِ شُعراءِ الجاهليَّة . عاشَ في بيئةٍ بَدَوِيَّةٍ صَحْراوية قاسية ، تَنْتشر فيها الصِّرَاعاتُ القَبَلِيَّة ، والمَوْتُ مَوجودٌ في كُلِّ لَحظة ، وَلَهُ حُضُورٌ دائم في الوَعْي الجَمْعِيِّ ، والحياة قصيرة ، فانعكسَ هَذا عَلى رُؤيته للحَياةِ والشَّبَابِ . وَهُوَ يَرى أنَّ الشَّباب مَرحلة عابرة لا تَسْتحق التَّقَشُّفَ أو الادِّخار ، وَيَدْعُو إلى استغلالِها في المُتعةِ واللذةِ قَبْلَ أنْ يُداهِم المَوْتُ الإنسانَ، وفي هَذا إشارةٌ إلى نِهايةِ الإنسانِ ، وحَتميةِ المَوْتِ، وضَياعِ الشَّبابِ . لذلك كانتْ نَزْعَتُهُ شَهْوَانِيَّةً لَذائذيَّة ، ورُؤيته العَامَّة عبثية وماديَّة ومُتمردة ، تَدْعُو إلى اغتنامِ المُتعةِ واللذة، لأنَّ الحياةَ قصيرة ، والشَّباب لا يَدُوم ، والمَوْت لا مَفَر مِنْه ، خاصَّةً في ظِلِّ شُعوره بِقِصَرِ عُمْرِه ، حَيْثُ قُتِلَ في رَيْعَانِ شبابه .

     نَظَرَ إلى الشَّبَابِ باعتباره مرحلةً قصيرة ، يَنْبغي أنْ تَقُومَ على الاستمتاعِ والتَّمَرُّد ، وَرَفْضِ الانصياعِ للمُجتمعِ أو القُيودِ الاجتماعية ، فَهِيَ فُرصة وحيدة لِتَذَوُّقِ اللذةِ قَبْلَ الفَنَاءِ السريع الذي يُمثِّله المَوْتُ . وَهُوَ يَرى أنَّ الشَّبابَ ضائعٌ بالضَّرُورة ،...

     يُعْتَبَرُ المُتَنَبِّي ( 303 ه _ 354 ه / 915 م _ 965 م ) أعظمَ شُعَراءِ اللغةِ العربيةِ على الإطلاق . تَدُورُ مُعْظَمُ قَصائدِه حَوْلَ نَفْسِه ومَدْحِ المُلوكِ ، وأفضلُ شِعْرِه في الحِكمةِ وَفَلسفةِ الحَياةِ وَوَصْفِ المَعاركِ والحُروبِ . لَمْ يَصِف الحَرْبَ كَحَدَثٍ دَمَوِيٍّ فَحَسْب ، بَلْ جَعَلَها مِرْآةً للمَجدِ والبُطولةِ والكَرامةِ ، وَصَوَّرَهَا بِعَيْنِ الفارسِ الذي يَرى في المَعركةِ مَيدانَ الاختبارِ والخُلودِ . وَرَغْمَ تَمجيدِه للحربِ ، لَمْ يَكُنْ غافلًا عَنْ قَسوتها ، فَهُوَ يُدْرِكُ آلامَها ، لكنَّه يَرى فِيها قَدَرًا لا مَفَرَّ مِنْهُ لِمَنْ طَلَبَ العُلا ، فالمَجدُ لا يُنالُ إلا بالتَّضحية ، ولا يُصَانُ إلا بالقُوَّةِ .

     والحَرْبُ في شِعْرِهِ لَيْسَتْ صِرَاعًا بَيْنَ الجُيوشِ فَحَسْب ، بَلْ هِيَ أيضًا رَمْزٌ للحَياةِ التي لا تَسْتَحِقُّ أنْ تُعاش مِنْ غَيْرِ مَجْدٍ أوْ شجاعة، وَهِيَ التي تَكْشِفُ حَقيقةَ الرِّجالِ، وَتُظْهِرُ طَبيعةَ البَشَرِ، وتُميِّز الأبطالَ مِنَ الجُبَناءِ ، فالشَّريفُ يَزداد شَرَفًا ، والوَضِيعُ يَظْهَرُ جُبْنُه وخِيانته ، وَهِيَ الطريقُ إلى المَجْدِ الذي لا يُنال بالرَّاحةِ أو التَمَنِّي ، وَهِيَ امتحانُ الإرادةِ الإنسانيَّة . لذلك كانت الحربُ في نَظَرِه مِيزانًا...

مفضلات الشهر من القصص القصيرة

مفضلات الشهر من الدراسات الأدبية