تبدأ السينما المغربية تناول الجنسانية بنقد للمنظور الأخلاقي الضيق الذي يسيطر على فئات عريضة من المجتمع: منظور مبني على الطابوهات الدينية والثقافية (الحشمة، الشرف، الحلال/الحرام)، كما هو واضح بصفة خاصة في فيلم "حب في الدار البيضاء" لعبد القادر لقطع، حيث يُعامل الجنس كعار خارج الزواج، ويُرفض تمثيله خوفاً من "الإفساد". هذا الرفض هو شكل من الرقابة الاجتماعية يُخفي الواقع: تناقض بين المعيار الديني والسلوك الفعلي، مما يولد توتراً عميقاً.
ويطرح هذا التناول أحد الإشكالات الصعبة التي سنحاول الإجابة عنها في مقالتنا هذه: هل تقدم السينما المغربية الجنسانية ككشف لهذا الكبت وتحدٍّ للنظرة الجامدة حوله، أم أن الأمر لا يعدو كونه إثارة رخيصة بدون عمق فني وجمالي حقيقي؟
الجنسانية في التحليل النفسي: الإطار النظري
يعتبر التحليل النفسي أحد أهم الأطر النظرية التي جعلت من الجنسانية محوراً مركزياً لفهم واستيعاب السلوك الإنساني، لا كمجرد سلوك بيولوجي أو اجتماعي، بل كقوة نفسية عميقة تشكل اللاوعي والرغبة والعلاقات الإنسانية.
قبل فرويد، كانت الجنسانية تُختزل غالباً في بعدها البيولوجي أو التناسلي؛ ومع التحليل النفسي، أحدث فرويد قطيعة مفهومية نقلت الجنسانية من مجرد وظيفة جسدية إلى ظاهرة نفسية ولاشعورية عميقة. فلم يعد يتناولها كدافع غريزي محدد بالبلوغ، بل كطاقة أساسية (ليبيدو) تحرك البناء النفسي للفرد وتتشكل عبر تاريخه الخيالي والعاطفي منذ الطفولة المبكرة، وتتمفصل عبر آلية التسامي (أو التصعيد) لتحول الميول اللاشعورية والنزوات إلى نتاجات رمزية وإبداعات ثقافية وفنية.
يقول فرويد: "يُعتقَد عموماً أن الدافع الجنسي يكون غائباً لدى الأطفال، وأنه لا يظهر لديهم للمرة الأولى إلا عند البلوغ، مع نضج الأعضاء الجنسية. وهذا خطأ فادح، تترتب عليه عواقب مهمة، سواء بالنسبة إلى النظرية أو إلى الممارسة. ومن السهل جداً تصحيحه بالملاحظة، حتى إن المرء ليتساءل كيف أمكن الوقوع فيه." (1)
ويضيف في نص آخر قائلاً: "يتميز الدافع الجنسي في البداية بكونه مستقلاً عن الغرض التناسلي، إنه يهدف إلى الحصول على أنواع معينة من اللذة الحسية، وهو ما نسميه بالجنسانية بالمعنى الواسع". (2)
وتتطور الجنسانية عبر مراحل نفسية-جنسية (فمية، شرجية، قضيبية، كمون، جنسية ناضجة)، كل ذلك في ارتباط وثيق بعقدة أوديب وبالصراع بين الرغبة والحظر.
عموماً، لا يدل مفهوم الجنسانية، كما استقر في التحليل النفسي منذ فرويد، على مجرد الأفعال أو العلاقات أو الممارسة الجنسية في معناها الضيق، بل يشمل مجموع التمثلات والرغبات والدوافع وأشكال اللذة التي ترتبط بالجسد والعلاقة مع الآخر. فالجنسانية، وفق هذا المنظور، أوسع من الوظيفة التناسلية، إذ تتجلى في الخيال واللغة والصورة والرمز بقدر ما تتجلى في الممارسة الجسدية المباشرة.
وقد توسع البحث في الجنسانية لاحقاً داخل التحليل النفسي، خصوصاً مع جاك لاكان، كما وسّع وليام رايش الأفق الفرويدي للجنسانية، فنقلها من كونها عنصرًا أساسيًا في الحياة النفسية إلى قضية جسدية واجتماعية وسياسية مرتبطة بالتحرر.
الجنسانية في السينما المغربية: توترات وصدمات
تُشكل الجنسانية في السينما المغربية خيطاً ناظماً وشديد التعقيد، يتقاطع فيه الجسد كفضاء رمزي مع كبت المؤسسات، والصدمات التاريخية، والديناميات النفسية اللاشعورية. إن تناول السينما المغربية عبر نظارات التحليل النفسي يُخرج الجسد والجنس من إطارهما الاستعراضي أو الأخلاقي الضيق، ليغدو الخطاب السينمائي مرآة تشريحية تعكس صراعات الأنا، وكبت الدافع الجنسي (ليبيدو)، وهشاشة النرجسية الفردية والجماعية.
تصدى عدد من السينمائيين المغاربة لعوالم الجنسانية، في سياق اهتمامهم برصد تفاصيل الحياة النفسية للإنسان المغربي. تناولوها في أفلامهم، مع أن هذا التناول غالباً ما يكون بطرق غير مباشرة، عن طريق التلميح والإيحاء مثلاً، أو يكون عرضة لهجوم حاد من بعض الفئات الاجتماعية، عبر أدوات الشبكات الاجتماعية أو غيرها من الأدوات الأخرى المتوفرة. ولعل الضجة الكبيرة التي أثارها فيلم "الزين اللي فيك"، تثير قضايا أخرى من قبيل فوبيا الجسد وفوبيا الصورة، والشعور بالذنب وغيرها (3).
التيمات الجنسانية في السينما المغربية
مع أنه يصعب في مقالة واحدة حصر جميع التيمات الجنسانية التي اشتغلت عليها واستثمرتها السينما المغربية بأشكال مختلفة، فإننا نستطيع مع ذلك، من خلال استقرائنا لمجموعة من الأفلام الوطنية تحديد أهم هذه التيمات، نعرض بعضها هنا بعجالة.
1. الدعارة والاستغلال الجنسي للمرأة:
يُعتبر فيلم "الزين اللي فيك" لنبيل عيوش (2015)، أهم نموذج بهذا الخصوص. صَوّر الفيلم حياة عاملات الجنس في مدينة مراكش، علاقاتهن مع زبائن أجانب، والتضامن بينهن كنتيجة للفقر والتفكك الأسري. وكما ذكرنا ذلك سابقاً، فقد أثار الشريط زوبعة لم يعرف أي فيلم مغربي نظيراً لها من قبل، خاصة بعد نشر مقاطع شديدة الإثارة منه على يوتيوب. كما أن الممثلة الرئيسية في الشريط لبنى أبيضار تعرضت بدورها لحملة شرسة دفعتها في الأخير إلى الهجرة إلى فرنسا للإقامة هناك لتنجو بنفسها بعد حملة التشهير الكبيرة التي تعرضت لها، والتي وصلت أحياناً إلى حدود الاعتداء الجسدي والتهديد بالقتل كما صرحت بذلك في مناسبات عدة.
وضمن هذه الفئة التي تناولت ظاهرة الدعارة واستغلال الجسد الأنثوي جنسياً في المجتمع المغربي، نشير أيضاً إلى فيلم "العيون الجافة" (2003) للمخرجة نرجس النجار الذي تدور أحداثه داخل قرية تعاني من غياب الرجال، حيث تجد النساء أنفسهن مضطرات لامتهان الدعارة كسبيل وحيد للعيش مما يخلق بيئة قاسية من المعاناة والعيون التي لا تبكي من شدة الألم.
في شريط "العيون الجافة" ربط واضح بين الدعارة والفقر والتهميش. ويُذكر أن الشريط قوبل بنوع من الاستنكار الحاد من ساكنة المنطقة التي تم تصويره بها، إذ اعتبر ذلك خدشاً واضحاً لكرامتهم وكبريائهم.
لا ننسى أيضاً بهذا الخصوص فيلم "سرير الأسرار" (2013) للجيلالي فرحاتي المقتبس عن رواية بنفس العنوان للكاتب البشير الدامون، وقبله فيلم "المنسيون" (2010) لحسن بنجلون الذي تناول الظاهرة في علاقتها بهجرة اليد العاملة واستغلالها في بلدان المهجر، من زاوية اقتصادية واجتماعية مختلفة…
ينظر التحليل النفسي لظاهرة الدعارة بوصفها عَرَضاً نفسياً وتصريفاً لديناميات لاشعورية معقدة، لا مجرد ظاهرة أخلاقية أو اقتصادية. فمن جهة البائعة (المومس)، غالباً ما يتحرك السلوك تحت وطأة التكرار القهري للصدمات المبكرة وخيار التماهي مع المعتدي للسيطرة على خوف قديم، مع الاعتماد على آلية الانشطار النفسي للفصل بين الجسد-البضاعة والذات الحقيقية حماية لها من الانهيار، بينما يتحول المال لرمز نرجسي يعوض الخصاء النفسي ويمنح سيطرة بديلة. ومن جهة المشتري (الزبون)، تُعبر الظاهرة عن انقسام الدافع الجنسي (انفصال الحب عن الرغبة) نتيجة ترسبات عقدية تمنعه من التعبير عن دفق الليبيدو كاملاً إلا مع امرأة "مدنسة" خارج أطر المؤسسة، لتغدو الدعارة مسرحاً لاشعورياً تتصادم فيه الرغبة، والسلطة، وآليات الكبت والتسامي.
غير أن البعد السوسيو-اقتصادي يظل بالنسبة للسينما المغربية هو البعد الغالب، ذلك أن معظم الأفلام التي تناولت ظاهرة الدعارة تناولتها من زاوية تأثير الفقر والتفكك الأسري، ولا نجد على العموم رصداً عميقاً للأبعاد السيكولوجية لممتهنات الدعارة إياها فيما خلا استثناءات قليلة.
2. الرغبة المكبوتة والعلاقات قبل الزواج:
التيمة الجنسانية الثانية التي ترد في عدد من الأفلام المغربية هي تيمة الرغبة المكبوتة والعلاقات الجنسانية قبل الزواج. وهذه ظاهرة باتت منتشرة في مجتمعنا المغربي، وهي من أهم الأسباب التي دفعت عالم الاجتماع عبد الصمد الديالمي إلى الحديث عن انفجار جنسي غير مسبوق في المجتمع المغربي، حدث لأسباب عدة يذكرها ويحللها في كتاباته (4).
من نماذج هذه الفئة من الأفلام نشير بداية إلى فيلم "حب في الدار البيضاء" لعبد القادر لقطع (1991). في هذا الشريط الذي اعتبر جريئاً عند صدوره وعرضه بالقاعات المغربية، وحظي بإقبال جماهيري كبير، يصور لقطع مشاهد من علاقة غرامية بين شابين مغربيين، سلوى (منى فتو) ونجيب (محمد زهير)، يعانيان من الحرمان والكبت وسوء الفهم، ويطرح لقطع بوضوح من خلاله أزمة العلاقات الجنسية والعاطفية في مجتمعنا. لكن لقطع يطرح أيضاً في الشريط ما هو أهم من ذلك، من خلال وضع الشابة سلوى في علاقة عاطفية أخرى مع جليل والد الشاب نجيب. بذلك يضعنا لقطع داخل بنية مركبة يمكن اعتبارها بمثابة استحالة العلاقة الجنسية، أو ما يسميه الديالمي بالجنس البئيس، وهو ما سيؤدي في نهاية الشريط إلى انتحار نجيب عندما يكتشف أن أباه متورط بدوره في علاقة مع نفس الفتاة التي أحبها.
من هنا القيمة الكبيرة التي يحتلها هذا الشريط في تاريخ السينما المغربية. فقد طرح لقطع المسألة الجنسانية سينمائياً في تعقدها وارتباطاتها المتشابكة مع عدة مكونات أخرى ضمن بنية أوديبية خانقة. بنية تتداخل بها مستويات الجسد والجنس والعاطفة إلى جانب مستويات التعليم والتربية والثقافة السائدة، وعرف كيف يوازن بذكاء بين منظوره الخاص للجنسانية المغربية في مرحلة تاريخية معينة، وبين المتطلبات الفنية والجمالية للسينما.
وتناول فيلم "ماروك" للمخرجة ليلى المراكشي (2005) قصة حب بين فتاة مسلمة وشاب يهودي، مع مشاهد جنسية وسلوكيات مشاغبة قدمتها المخرجة باعتبارها سلوكيات تتمرد علانية على التقاليد والأعراف السائدة. كان هذا الفيلم مستفزاً في بعض مشاهده، لذلك قوبل بدوره بعاصفة من النقد خاصة فيما يخص المواجهة التي حاولت ليلى المراكشي أن تضعها بين نزوات الجسد والطقوس الدينية، كما يتضح ذلك من المقالات والمنشورات حول الفيلم، التي صدرت في تلك الفترة (5).
وندرج ضمن هذه الفئة أيضاً فيلم "حجاب الحب" لعزيز السالمي الذي أثار بدوره ضجة عند صدوره بسبب ما تضمنه من مشاهد جنسية خارج العلاقة الزوجية، وبسبب ما اعتبره البعض مساً بالمقدسات الدينية، ممثلة هنا في الحجاب كظاهرة ذات علاقة وثيقة بالمقدس في التراث العربي الإسلامي السائد.
يدور الفيلم حول قصة حب بطلتها تدعى "بتول" (أدت دورها الممثلة حياة بالحلوفي)، وهي طبيبة شابة من الطبقة المتوسطة المحافظة، تعيش حياة ناجحة وتلتزم بارتداء الحجاب. لكن حياتها ما تلبث أن تأخذ مساراً آخرَ سيقلب حياتها رأساً على عقب، حين ستتعرف على حمزة (يونس ميكري)، وهو رجل مطلق، يكبرها سناً، يعيش وفق مسار يريده متحرراً من الالتزامات والقيود. وتنشأ بين الاثنين قصة حب قوية تتطور إلى علاقة عاطفية وجسدية خارج إطار الزواج الشرعي.
غير أن الملاحظ في هذه الأفلام الثلاثة أنها تنتهي بفشل علاقات الحب بين أبطالها، وأكثر من ذلك بنهايات مأساوية، انتحاراً أو حوادث سير أو ما شابه ذلك، وهو ما يعزز فكرة فوبيا الجسد والجنس في السينما المغربية، حتى في الأفلام التي حاولت اقتحام هذه الظواهر بأشكال أخرى.
3. المثلية الجنسية والرغبة الممنوعة:
قام السينمائي المغربي عبد القادر لقطع سنة 1998 بإخراج فيلمه الروائي المطول الثاني تحت عنوان "الباب المسدود". تضمن هذا الشريط لقطات "صادمة" لتحرش أحد المثليين بزميله في العمل. لكن الرقابة سرعان ما اعترضت على هذه اللقطات، وطلبت حذفها قبل عرض الشريط في القاعات العامة. ويمكن اعتبار شريط لقطع هذا أول فيلم مغربي أقدم على تصوير لقطات من هذا القبيل، مع أن ظاهرة المثلية الجنسية هي من الظواهر التي تقابل عادة باستنكار كبير من الجسد الاجتماعي الشامل، علماً أن عدداً من الباحثين يعتبرونها ظاهرة حاضرة بشكل ما ليس فقط في المجتمع المغربي، إنما أيضاً في مجموع المجتمعات العربية الإسلامية، لكن بطرق مستترة، خفية، باعتبارها من الظواهر المحظورة.
بعد أزيد من عشرين سنة على صدور فيلم لقطع، وعلى إثر ما عرفته الظاهرة من تطورات وانتشار عالمي لعبت فيه التكنولوجيات الجديدة للإعلام والاتصال دوراً كبيراً إلى جانب عوامل أخرى ليس هنا مجال التفصيل فيها، تعود مخرجة مغربية أخرى، ضمن سياق مختلف، هي المخرجة مريم التوزاني، لإخراج شريط يتمحور أيضاً حول المثلية الجنسية، هو فيلم «القفطان الأزرق» (2022)، الذي قامت فيه بتصوير شخص يدعى حليم، وهو رجل مثلي متزوج من سيدة اسمها مينة، يديران معاً متجراً للقفطان المغربي بمدينة سلا، قبل أن تنشأ علاقة عاطفية وجنسية صامتة بين الخياط حليم والشاب يوسف الذي يعمل لديهما.
وقبل هذا الشريط كان المخرج محمد الشريف الطريبق قد تطرق بدوره في شريطه المطول الثاني "أفراح صغيرة" (2015) لمشاهد حميمية نسائية، حتى لا نقول مثلية جنسية نسائية. لكنه تطرق لها بأسلوبه الخاص تماشياً مع منظوره الجمالي والفني الذي يميل إلى التلميح والرمز أكثر مما يقتحم بشكل مباشر. لكن المخرج هنا لا يتناول هذه الحميمية في حد ذاتها، وإنما كتعبير عن علاقة منسجمة ومتكاملة مع فضاء معماري محدد في فترة تاريخية معينة هي فترة بداية الاستقلال في المغرب، بوصفها فترة انتقالية جمعت بداخلها عناصر من الماضي وتوقاً نحو المستقبل (6).
واللافت في هذه الأفلام الثلاثة أنها لا تقدم المثلية الجنسية من منظور إدانة أخلاقية مباشرة، وإنما تتعامل معها بوصفها تجربة إنسانية وشكلاً من أشكال الرغبة، وإن اختلفت طريقة تناولها من فيلم إلى آخر.
ومن منظور التحليل النفسي، لا تُختزل الجنسانية الإنسانية في نموذج واحد من الرغبة؛ فقد نظر فرويد إلى الحياة الجنسية باعتبارها أكثر تعقيداً وتعدداً، واعتبر أن الرغبة الجنسية في مراحلها الأولى لا تتخذ اتجاهاً واحداً ثابتاً، بل تتسم بتعدد مصادر اللذة وموضوعات الرغبة، قبل أن تأخذ الحياة الجنسية شكلاً أكثر استقراراً. من هذه الزاوية، أسهم التحليل النفسي في زعزعة التصورات التي تختزل الجنسانية الإنسانية في نموذج واحد.
وفي السينما المغربية، تكتسب الشخصيات المثلية أهمية خاصة عندما توضع رغبتها في مواجهة الكتمان والوصم الاجتماعي ونظرة الآخر، بما يجعل تمثيل المثلية مجالاً للتوتر بين الرغبة الفردية والمعايير الاجتماعية التي تحيط بها.
4. البيدوفيليا، الاغتصاب، وزنا المحارم:
أفلام مغربية أخرى كانت لها جرأة اقتحام وتناول ظواهر وعوالم وممارسات جنسية عنيفة تخلف جراحاً لا تندمل في أعماق النفسية الإنسانية، كالبيدوفيليا أو اغتصاب الأطفال، وبارتباط معها ظاهرة زنا المحارم، أخص بالذكر هنا على سبيل المثال ثلاثة أفلام هي فيلم "البراق" (2010) لمحمد مفتكر، و"فجر 19 فبراير" (2013) لأنور معتصم، و"صمت الفراشات" (2018) لحميد باسكيط. كل فيلم من هذه الأفلام تطرق لهذه الظواهر من زاويته الخاصة، وبأسلوبه الخاص.
يُغرِقُ فيلم "البراق" المشاهد في لجة عنف جنسي صارخ يتداخل به زنا المحارم واغتصاب الطفولة وقتل الأنوثة ومسخها ضمن أجواء رهيبة من الأمراض النفسية المستفحلة بسبب تلك الممارسات اللاإنسانية الرهيبة. ومن المعلوم أن العديد من الدراسات والأبحاث أكدت وجود تأثيرات وخيمة على نفسيات الضحايا، مما يجعل من التصدي لهذه الظواهر سينمائياً مهمة إنسانية نبيلة، لكن دون إغفال البعد الفني الذي يظل بعداً أساسياً في السينما، باعتبارها فناً مركباً يضم بداخله عدة فنون أخرى.
يشكل العنف الجنسي بالنسبة للطفل صدمة نفسية هيكلية تتجاوز قدرة جهازه النفسي النامي على الترميز والاستيعاب، مما يحدث تصدّعاً حاداً في جداره الدفاعي وتماسك أناه. يتخذ البناء النفسي للضحية مساراً محكوماً بالانشطار والاندماج التفككي، حيث يفصل الطفل وعيه عن جسده المعتدى عليه كدرع دفاعي أخير للنجاة من الانهيار الكامل. ينجم عن ذلك فقدان مأساوي للثقة الأساسية في العالم الخارجي؛ إذ يتحول البالغ المفترض فيه الحماية إلى مصدر تهديد، مما يورث الضحية اضطرابات عميقة في الاستثمار الجسدي، وشعوراً دائماً بالغربة عن الذات، وقلقاً ارتيابياً يلقي بظلاله على علاقاته المستقبلية.
لذلك تتمرد مليكة (سعيدة باعدي) في فيلم "صمت الفراشات"، على زوجها المتورط في اغتصاب ابنتيها الطفلتين، ويكون مآلها الأخير هو مستشفى الأمراض العقلية، بعدما سقطت عرضة اكتئاب حاد من جراء الصدمات القوية التي عانت منها داخل بيتها الأسري. هذا التركيز على الارتباط بين العنف الجنسي والصمت والانهيار أو المرض النفسي هو بمثابة بنية متكاملة نجدها في عدد من الأعمال السينمائية المغربية التي تناولت هذه الظواهر.
في "فجر 19 فبراير" لأنور معتصم لا تظهر الجنسانية بوصفها مجرد ممارسة أو رغبة، وإنما باعتبارها منطقة تتقاطع فيها الرغبة مع العنف والعار والنبذ الاجتماعي. ومن منظور التحليل النفسي تبدو شخصيات الشريط وكأنها تحمل في أجسادها آثار ماضٍ لم يتمكن من الانتهاء، فالجسد يتحول إلى ذاكرة حية للجرح والصراع بين ما عاشته الشخصية وما يسمح لها المجتمع بأن تكونه. هنا يصبح الوصم الاجتماعي امتداداً لنظرة الآخر، وقد يتحول تدريجياً إلى نظرة داخلية تجعل الذات ترى نفسها من خلال أحكام المجتمع عليها. لذلك لا تكمن أهمية الفيلم في عرضه للدعارة أو العنف الجنسي فحسب، بل في كشفه عن الآثار النفسية التي تتركها هذه التجارب على علاقة الإنسان بجسده ورغبته وذاته. إن الجنسانية بهذا المعنى تظهر في الفيلم كفضاء للصراع بين الرغبة والذنب، الجسد والعار، والذات ونظرة الآخر.
5. التحرش الجنسي واستغلال السلطة:
تناول المخرج محمد عهد بنسودة ظاهرة التحرش الجنسي في فيلمه «خلف الأبواب المغلقة» (2014)، من خلال قصة موظفة تتعرض لضغوط ومضايقات جنسية من مديرها، بعد أن يصطدم برفضها، قبل أن ينتقل إلى ابتزازها واستغلال موقعه المهني. ويقدم الفيلم، بالتوازي مع ذلك، نموذجاً آخر للتحرش من خلال شخصية حارس عمارة يستغل موقعه لمضايقة عاملات النظافة. وهكذا لا يظهر التحرش في الفيلم باعتباره مجرد تعبير عن رغبة جنسية، وإنما باعتباره سلوكاً تتداخل فيه الرغبة مع السلطة والإكراه واستغلال موقع القوة. وقد لقي الفيلم إقبالاً جماهيرياً لافتاً، في حين أثار أيضاً نقاشاً نقدياً حول مباشرته وخطابه الوعظي.
ومن زاوية التحليل النفسي، يطرح التحرش سؤالاً مختلفاً عن سؤال الرغبة المتبادلة، لأنه يكشف عن رغبة لا تعترف بحدود الآخر، وتتحول، حين تقترن بالسلطة، إلى محاولة لفرض الرغبة على موضوعها بالقوة أو الابتزاز.
قبلات.. نزوات.. واستيهامات:
عدد من الأفلام المغربية الأخرى قدمت مشاهد جنسانية مختلفة لا تقل أهمية كظاهرة العجز الجنسي في فيلم "سميرة في الضيعة" للطيف لحلو، أو ظاهرة الأمهات العازبات في فيلم "صوفيا" (2018) لمريم بن مبارك، وفيلم "آدم" (2019) لمريم التوزاني، وهذان الفيلمان الأخيران شاركا في مهرجان كان العالمي، وتمكنا من الفوز بجوائز عربية وعالمية.
هذا فضلاً عن تناول ظواهر جنسانية أخرى بشكل جزئي في أفلام أخرى أو ضمن سياقات مختلفة، من قبيل مشاهد القبلات كما في فيلم "على الهامش" (2023) لجيهان البحار، أو مشاهد العادة السرية كما في فيلم "كازانيغرا" لنور الدين لخماري، أو فيلم "سميرة في الضيعة" للطيف لحلو، حيث تلجأ سميرة بطلة الفيلم (أدت دورها الممثلة سناء موزيان) لممارسة العادة السرية مكرهة كرد فعل منها على الإحباط الناتج عن العجز الجنسي لزوجها، في ارتباط برغبتها المكبوتة من جراء زواجها غير المتكافئ. والجدير بالذكر أن فيلم "سميرة في الضيعة" هذا هو من أكثر الأفلام جرأة وعمقاً في السينما المغربية، لأنه وضع الأصبع على ظاهرة مؤرقة وغامضة ومسكوت عنها في نفس الوقت، هي ظاهرة العجز الجنسي للرجل في المجتمع المغربي.
هناك كذلك العديد من مشاهد عري الجسد والعلاقات الجنسية الحميمية كما في أفلام "لحظة ظلام" لنبيل عيوش، أو "موشومة" للحسن زينون، أو "ريزوس.. دم الآخر" لمحمد لطفي وغيرها. وكل فيلم من هذه الأفلام بحاجة إلى وقفة خاصة وتحليل خاص انطلاقاً من رؤية السينمائي الثقافية والفنية والجمالية.
لكن الحياة الجنسانية لا تقف عند هذا الحد. إنها ترتبط أيضاً بالأحلام والاستيهامات والنزوات التي تحضر بدورها بقوة في السينما المغربية، كما في فيلم "قفطان الحب" لمومن السميحي، أو "عاشقة من الريف" لنرجس النجار، وقبلهما فيلم "وشمة" لحميد بناني الذي تألق في التعبير عن النزوة الجنسية للطفل مسعود بكثير من الإيحاء والرمز، من خلال نظراته وصمته وحركاته في تفاعل مع الأشياء المحيطة به، مما جعله من أهم الأفلام المغربية على هذا المستوى، في بدايات السينما المغربية. وهو ما نجده بأساليب مختلفة في أفلام أخرى سعت إلى رصد الطفولة في أحلامها ونزواتها الحميمية كما في "علي زاوا" لنبيل عيوش، أو "وداعاً كارمن" لمحمد أمين بنعمراوي أو "أكادير بومباي" لمريم بكير.
ولا يفوتنا أن نسجل، في معرض حديثنا عن الجنسانية في السينما المغربية، تعبير عدد من الممثلات المغربيات عن تخوفهن ورفضهن المشاركة في مشاهد ولقطات جنسية، بسبب ما تتعرضن له من انتقادات وهجمات حادة من فئات اجتماعية عريضة، مما جعل عدداً من المخرجين المغاربة يستعينون بممثلات أجنبيات، وهو ما قد يؤثر سلباً على المستوى الفني والجمالي للفيلم المغربي.
في جمالية السينما:
في حديثه عن الانفجار الجنسي في المجتمع المغربي، يرصد عبد الصمد الديالمي مفارقة كبيرة تتمثل في التزايد الهائل للممارسات والسلوكيات الجنسية، وبالمقابل هناك تراجع كبير في المعايير الجنسية التي تظل مرتبطة بالتقليد واجترار التراث.
ومن زاوية التحليل النفسي، تُعد ردود الفعل المجتمعية العنيفة تجاه مشاهد الجنس على الشاشة ظاهرة عيادية قائمة بذاتها:
يُحدث عرض الجسد جرحاً في آليات الكبت التي يحتمي بها المجتمع، مما يولد قلقاً هستيرياً يتجلى في الرفض والمنع لحماية الأنا الجمعي من الانهيار.
يضع المشهد السينمائي الجمهور في موقع "المتلصص"؛ وللتخلص من شعور الذنب اللاواعي بالمشاهدة، يمارس المجتمع آلية الإسقاط عبر مهاجمة المخرج أو الممثلين (وخاصة الممثلات) واتهامهم بالإخلال بالآداب لتطهير ذاته.
لذلك، لكي يحافظ النص السينمائي المغربي على قيمته الفنية دون السقوط في المباشرة أو الاستسهال، يجب أن يتأسس على صياغة رمزية فنية راقية. ذلك أن السقوط في المباشرة يُفرغ الجسد من مجازه، ويختزله في مجرد "موضوع" للاستهلاك البصري، وهو ما يعكس عجزاً تعبيرياً لدى المبدع يشبه "العبور إلى الفعل".
لا تكمن القوة الجمالية والتحليلية للسينما في العرض الفوتوغرافي العاري، بل في التلميح، والإزاحة، والتأطير؛ فالفن الحقيقي هو الذي يخاطب اللاشعور عبر الرمز، ويترك للمشاهد مساحة التأويل النفسي بدلاً من الاستثارة المباشرة.
هوامش:
1 - Sigmund Freud, « Les explications sexuelles données aux enfants » (1907), trad. Denise Berger, in La Vie sexuelle, Paris, PUF, 1982, p. 11. 2 – S.Freud, Introduction à la psychanalyse, Payot, Paris, 1961, P323 . 3 – نور الدين بوخصيبي، الجسد .. الجنس وفوبيا الصورة في السينما المغربية، ضمن الكتاب الجماعي "السينما والطابو" منشورات مهرجان الأطلس للفيلم الدولي، إيموزار 2025، ص78. 4 - عبد الصمد الديالمي، الانتقال الجنسي في المغرب: نحو الحق في الجنس، في النسب وفي الإجهاض، الرباط، دار الأمان، 2015. ويمكن أيضاً بهذا الخصوص الاطلاع على مقالة الدكتور ناصر السوسي: "الجنس في مجتمع متحول: دراسة في نظرية الانتقال الجنسي عند عبد الصمد الديالمي" - موقع أنفاس للثقافة والإنسان، 20 نيسان/أبريل 2023. 5 - من هذه المقالات نذكر مقالة في موقع "العربية" بعنوان "مخرجة فيلم ماروك تثير حالة استياء في الأوساط الفنية المغربية" بتاريخ 4 يناير 2006، وفي موقع جريدة الراية في نفس السنة نقرأ هذا العنوان: "...فيلم مثير للجدل يسيء للإسلام..." حيث يقدم المقال مجموعة من ردود الأفعال تتفق على التمويل الفرنسي للفيلم، واعتماد الفيلم على الاستفزاز واحتقار بعض أركان العقيدة لدى المغاربة كالصلاة والصيام وغيرهما.. ويتضح من مقالة الراية هذه أن الموقف الرافض للفيلم هو أيضاً موقف عدد من السينمائيين والنقاد المغاربة كمحمد إسماعيل ومحمد العسلي ومحمد الدهان ونبيل لحلو والناقد السينمائي مصطفى المسناوي الذي قدم استقالته حسب مقالة الراية من موقع أفلام بسبب منح فيلم "ماروك" جائزة الصحافة. 6 – وقد انتبه عدد من النقاد والباحثين إلى ذلك. يقول مثلاً الناقد السينمائي سليمان الحقيوي: "أما مسألة العلاقة التي جمعت نفيسة وفطومة فقد بالغ الفيلم في التعبير عنها إيحاءً. ربما للمخرج منطقه في ذلك في ظل رد الفعل المتوقع للكثير من جمهور السينما في المغرب الذي لا يزال عاجزاً عن فهم حدود الحرية في العمل الفني. احتراز المخرج أدّى به إلى اختيار حل فني جميل تمثل في وصلات غنائية أندلسية للفنانة زينب أفيلال كان مضمونها كتكملة لما عجزت عن قوله الصورة والحوار معاً." (سليمان الحقيوي، أفراح صغيرة .. قصص متلعثمة بالحذر – العربي الجديد، 17 أبريل 2016). وكتب محمد باكريم: "يعالج الفيلم هذه العلاقة، غنية بالإشارات وغموضها، بالحساسية والحياء. تجعل من النص الفيلمي نصاً "مفتوحاً"، يستدعي "تعاون" المتلقي واستثماره في السرد." (محمد بكريم، أفراح صغيرة لمحمد الشريف الطريبق.. نغم في حياتهن، موقع دابا بريس، 12/07/2025).
إضافة تعليق