الكتابة الرقمية وجماليات المكاشفة: قراءة في شذرات عبد الحق الديوري - رشيد الهاشمي
في زمنِ الرقمنة الجارفة، حيثُ يصبحُ العالمُ الافتراضيُّ فضاءً خصبًا للتعبير عن أفراح الذات وأتراحها، عن همومها وتوجساتها، عن آمالها وآلامها، يبرزُ اسمُ عبد الحق الديوري كواحدٍ من روَّادِ الإبداعِ الذين اختاروا الفضاءَ الرقميَّ المفتوحَ لينثروا فيهِ أجملَ ما جادت به قريحتهم من لآلئ الكلمات، وكنوز المعاني، وجواهر البديع والبيان. وكيف لا يكونُ كذلكَ وهو ابنُ واحة زيز؟ ترعرعَ في أحضانِها، ونشأَ تحتَ ظلال نخيلها، وتربَّى بينَ جدران بيوتها الطينية. فتشبَّعَ بثقافتها الأصيلة، وتفاعلَ مع طبيعتها المتأرجحة بين الجمال والقسوة، ومع أبنائها الذينَ صاغتهم تجاربُ الحياةِ العميقة. عاشقٌ للحياةِ والفنِّ والسفر، مُولَعٌ بالجمالِ والكلمة والحكمة، جعلَ من الكتابةِ وَطَنًا للروح ومرآة للذات، ومن الإنسانِ قضيةً وجوديةً لا تفارقُ وجدانَه.
في نصوصِه الشذرية، ينسابُ حنينٌ صافٍ كجدولِ الواحة الخضراء والمثمرة، حاملاً بين سطورِه وجه الإنسان الصافي، والملهم والمشاكس أحياناً، وبذورَ الأملِ والسلام. اختارَ الديوري أن يركب الغيمة المستحيلة، فيُزيِّنَ جسدَ الكلمةِ في الفضاءِ الأزرق، الذي صارَ لهُ موطئَ روحٍ ودارًا. لم يبخلْ على القارئِ بجزءٍ من ذاتِه، ففتحَ نوافذَ قلبهِ على مصراعيها، يُشرِكُهُ...