قراءة في مقالة: ما التوجه في التفكير؟ لإمانويل كانط (1786) ـ مريم المفرج
بادئ ذي بدئ وقبل الخوض في تحليل وتلخيص هذه المقالة التي بين أيدينا، لابد لنا من إعطاء لمحة موجزة عن هذا الفيلسوف العظيم إيمانويل كانط Emmanuel Kant (1724-1804) فيلسوف وعالم ألماني، مؤسس المثالية الكلاسيكية الألمانية، ولد وتعلم وعمل في كونيجسبرغ حيث كان محاضرا ثم أستاذا ما بين سنة 1770 و 1796 بنفس الجامعة.
يعتبر كانط واضع ومؤسس المثالية "النقدية" أو "المتعالية"، وقد صاغ في المرحلة المسماة بالمرحلة "قبل النقدية" أي قبل سنة 1770 فرضيته الكونية حول مفهوم "السديم"، حيث يذهب فيه إلى أن نظام الكواكب نشأ وتطور عن "غيمة سديمية".
وفي الوقت نفسه الذي قدم فيه كانط فرضيته هاته عن وجود "عالم أكبر" من المجرات خارج مجرتنا، طور نظريات تقهقر دوران الأرض بفعل التمزق الجذري ونسبية الحركة والسكون، حيث لعبت هذه الدراسات والتي كانت توحدها الفكرة المادية عن التطور الطبيعي للعالم والأرض، لعبت دورا هاما في تشكيل الجدل.
كما وقد صمم كانط في أعماله الفلسفية في المرحلة قبل النقدية، وتحت تأثير النزعة التجريبية والشكية عند هيوم، صمم الاختلاف بين الأسس الواقعية والأسس المنطقية، وأدخل إلى الفلسفة مفهوم الأجسام السالبة، ففي كل هذه الأعمال يتقيد دور المناهج الاستنباطية الشكلية في التفكير لصالح التجربة....
" السعادة شيء مستحيل قطعا، لأن الجسد مثقل بعديد الآلام، والروح التي تتشارك والجسد في نفس الآلام تعاني هي الأخرى، وفي نهاية المطاف تمنع الثروة من تحقيق آمالنا المتعددة، من ثمة وانطلاقا من هاته الأسباب ليس للسعادة أي وجود حقيقي."
" نحن في حاجة أكيدة إلى الجمال لكي نوسع...حقل قيمنا الممكنة ولكي نفكر على نحو مختلف..."1[1]
استطاع الفيلسوف الفرنسي إدغار موران Edgar Morin ( 1928) اختزال التساؤلات التي تشغل بال كل مفكر و فيلسوف معاصر، ويصوغها في تساؤل واحد و الذي هو عنوان المؤلف (هل نسير إلى الهاوية؟).
مما لا شك فيه أن الفلسفة اليوم باتت ضرورية في ظل التحديات الراهنة، وخاصة في عالمنا العربي والاسلامي، نظرا لاستشراء الانغلاق الهوياتي والاقتتالات الطائفية والفوضى التي تشهدها العديد من الدول؛ ليبيا اليمن سوريا العراق الصومال....الخ. لهذه الأسباب وغيرها نحن في حاجة ماسة الى قراءة متأنية لما يحدث في واقعنا، و هذا المقال المتواضع التي أقدم تحت عنوان: "في علاقة الهوية بالعنف" تصور أمارتيا كومار صن نموذجا، لا يدعي الإجابة عن كل القضايا والإشكالات، فواهم من يدعي ذلك. إنه فقط أرضية للنقاش وقابل للتكذيب والتزييف والتطوير. إنه مساهمة في الحل الممكن "فمن يصنع الحرب بإمكانه أن يصنع السلام". هكذا تكلم أمارتيا صن.
الدين فكرة أوجدها الإنسان كإجابة عن غموض الطبيعة، والدولة كذلك فكرة صنعها نفس الإنسان، درءا لشره وابتعادا عن جشعه لصالح المصلحة العامة، بيد أن العلاقة بيم الإثنين تكاد تنفصل كي تتصل والعكس بالعكس، فلنتأمل مثلا أهم الحروب التي عرفتها الإنسانية، وأيضا أهم الكوارث التي بصمت تاريخ الإنسان، كي نستخلص أن من بين مسبباتها الكبرى إثنان لا ثالث لهما: الدين والدولة، وهو ما يبرز بالملموس غرابة هذا الكائن، مادامت رسالة كل من الدين والدولة، رسالة تروم إلى التسامح والعدالة والإنصاف، ومعاقبة كل من تتطاول يده على الآخر أو على ما يملك شرعا...
رغم أننا نجهل الكثير عن كتاب ومفكري إسبانيا، فنحن نعرف صاحب العمل الأدبي الرائع، دون كيخوت دولامنشا، لميغيل دي سرفانتيس. في كتابه "حياة دون كيخوته وسانتشو" يستعيد ميغيل ده أونامومنو أسطورة ذلك الرجل الفارس والمغامر، دون كيخوته، تلك الشخصية التراجيدية على الشكل الكوميدي، شخصية ترى فيها الكوميديا البشرية في عمقها المأساوي(1). يؤكد أونامونو عند استعادة هذا العمل الأدبي على أن طموحه هو بث الحياة في عمل كان وما يزال يعده الكثيرون حرفا ميتا، وتقفى أثر فلسفة بلده إسبانيا. ويشير إلى أنه ازداد اقتناعا أكثر بأن الفلسفة الإسبانية، سارية ومنبثة في الأدب والحياة والعمل والتصوف، وليس في مذاهب فلسفية، إذ أن الرواية والشعر والمسرح الإسباني، كلها أعمال تنطوي على حدس في العالم وتصور للحياة. وحتى اللغة الإسبانية، يرى أونامونو أنها تتضمن في ذاتها فلسفة. يبدو لي هذا الإعتزاز بالذات مشروع، لكن أونامونو، سيقرنه بتوق كبير في خلود النفس والحياة الأبدية، وبعملية نفي وحط من ملكة العقل وقيمة العديد من الفلاسفة، وأذكر بالأخص باروخ سبينوزا وفريديريك نيتشه وآخرين. أتوخى من هذه المتابعة، الإقامة وسط نص "فلسفي"، يعتبر من أحسن أعمال أونامونو، حسب الموسوعة الحرة ويكيبيديا، وذلك من أجل بسط مواقف هذا الكاتب من العقل وخلود النفس، ودفع القراء إلى الإنتباه إلى بعض التأويلات...
إن الحديث عن الفيلسوف الألماني "جوتفريد فيلهلم ليبنتز" (1646-1716م) ليس سهلا، خصوصا وأنه خصب الإنتاج ومتعدد الاهتمامات، بين ما هو سياسي وما هو رياضي وما هو قانوني وما هو فلسفي... ظهرت فلسفته في سياق الصراع الفلسفي للفلسفة الحديثة بين الاتجاه العقلاني القاري والاتجاه التجريبي الانجليزي، واختلاف منظورهما للجوهر والعقل والمعرفة.
" إذا ما أراد المرء أن يتجدد فما عليه إلا أن يغترب، أن يبدل مقامه، أي يغرب كما تغرب الشمس..."
من الأمراض التي تعاني منها أوساطنا الثقافية والفكرية، شيوع لامبالاة مفرطة تجاه ما يكتب ويعرض، وانتشار سلوكات ملؤها الإزدراء والتحقير لكل ماهو فكري وفلسفي. بل يقف المرء مذهولا أمام تنامي عداوات بين ممتهني الكتابة، قد تصل إلى تحاشي اللقاء والحوار، وسوء التقدير والإعتراف، ومقاطعة مشاريع فكرية وثقافية وفنية. ينتج عن هذا التقوقع على الذات، ارتباط الشأن الثقافي بانتماءات وأخويات ومصالح. لكن هناك خطوط انفلات تخترق الساحة الثقافية، تنشأ فوقها حركات إبداعية وابتكارات، وكذلك مشاكل وأخطار. ذلك ما يفرض مساءلة دور الفلسفة ومهمتها في عالم محكوم بمنطق الصورة وسطوة الإعلام، وانتشار طرق سافلة للتفكير. من أهم مظاهر هذه السفالة، تزايد ما يسمى بالكتابة الصحفية التي تريد أن تسود، بحكم احتكارها لقنوات النشر والبث والتوزيع. لكن ما يعاب على هذا النوع من الكتابة هو خضوعها لأشكال مدروسة من المراقبة والتوجيه، وضعف مساهمتها في تغيير صورة الفكر. لهذا لابد من اقحام الفلسفة في مواجهة معضلات العصر الفكرية والثقافية. فعمل الفكر ليس هو إدانة الشر الذي قد يسكن، كل ما يوجد، بل أن يستشعر الخطر الذي يكمن في كل ما هو مألوف، وأن يجعل كل ما هو راسخ موضع إشكال(1)....
بداية البدايات رسمت لنا أعمق تجليات بناء الحضارة الإنسانية انطلاقا من مخاض عسير في الصراع الإنساني، الذي حدث في الواقع اليومي للإنسان، رغبة منه وبحثا عن البقاء وتوفير حياة كريمة، هكذا وجد أول البشر نفسه في مجال صارعه وقاومه وتحداه، فذاته تعاني، تقاتل، تكدح وتعمل ثم تحارب لتحقيق نفسها وحماية مصالحها. فالحضارة بنيت على أكتاف المقاتلين وتصادم الذوات، مما ولد انفتاح المنغلقين عنوة وجلب أسس قوم لبناء ذات قوم آخرين ، فكانت الأمم بهذا تتسابق حول امتلاك أنجع الوسائل الحديثة في التفوق والعلو والإحساس بالقوة، غير أن صراع "الإنسان ألأول" مَهّد لمنطلقات ومسلمات إنسانية وفطرية طبعت ذات الدماغ الذي تأمل لأول مرة ليخطط ويتحضر ويتجاوز طبيعته الأولى ويحاول أن يتقدم، فتشكلت لنا معالم الوعي الدماغية للإنسان الأول وترسبت في عروق دماغه لتطابق فيما بعد ماهية ما نصطلح عليه "بالفطرة"، التي تشكل عليها الدماغ، لتصل الفطرة لتُميز أدوار الناس ووظائفهم في الحياة تحقيقا للاستمرارية والوجود وتجنبا للقتل والإبادة والتوحش، غير أن تطور البشرية في امتدادها التاريخي خلق لنا صراعا عكس لنا بداية تحلل الفطرة وأوجد معضلة "الإنفصام" في الذات البشرية، وهو "صراع الفطرة الدماغية مع العقل المبدع"، كما نعلم جميعا أن العقل الوضعي بنى نفسه وفق صيرورة طويلة، كانت ملامحها الأولى من أوروبا في...