دولوز وسؤال الديمقراطية ـ ادريس شرود
"حاول فقط مرة واحدة أن تلمس صنم الديمقراطية، وسترى ماذا سيحدث" سلافوي جيجيك
تزايد الإهتمام بالديمقراطية مع تفكك الإتحاد السوفياتي وانهيار المنظومة الإشتراكية ، وسيادة القطب الوحيد ممثلا في الولايات المتحدة الأمريكية، وإحساس الغرب الأوربي/الأمريكي بانتصار منظومته الرأسمالية الليبرالية وقيمها، ودخوله في مرحلة تاريخية جديدة أطلق عليها إسم"العولمة". يؤكد الفيلسوف النمساوي فريتس فالنر أن العولمة هي فكرة عتيقة في حلة قشيبية جديدة، فهي توزع الوعود الجميلة بحل المشاكل الإقتصادية والإجتماعية وبدوام السلم الإجتماعي. لكن كل هذا مجرد تدليس وعواء بدون مضمون فعلي. من بين هذه الوعود الجميلة التي صارت عنوانا لكل الخطابات، وحلا لجميع المشاكل:الديمقراطية. لم تعد الإشتراكية مفتاح التخلف السياسي والإقتصادي والإجتماعي، بل أصبحت الديمقراطية غاية السياسة، ومحور شعاراتها: الديمقراطية أولا ، الديمقراطية أخيرا، الديمقراطية هي الحل. لكن الخبر اليقين يقول: لا يكفي رفع شعار الديمقراطية حتى تتحقق دلالاتها الخلاصية في الواقع، بل يجب أن يقرن كل ديمقراطي أفعاله وأقواله دوما بالإعتراف بأنه في مجتمع غير ديمقراطي، كما أكد جاك دريدا. يثير موقف دريدا هذا، مواقف مفكرين غربيين آخرين من الديمقراطية، ومن بينهم موقف الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز، موضوع مقالتنا....
يشير مصطلح الهرمينوطيقا " Hermeneutics " إلى التأويل والتفسير معاً ، وفي حين أن للتأويل مفردة مستقلة خاصة هي " Exegesis" التي تشير إلى التفسير أيضاً ، إلا أن الثقافة الغربية آثرت العودة للمفردة هيرمينوطيقا [516] التي تتميز بأنها منهج هذا التفسير وأصوله وأحكامه ، فإذا كان التفسير وقفاً على الشرح أو التعليق الفعلي ، فإن الهرمينوطيقا هي قواعد هذا التفسير أو مناهجه أو النظرية التى تحكمه [68] واللفظة " Hermeneutics " تعود جذورها للتراث الإغريقي ، الذي كان قد أحال نسبتها لرسول الآلهة ( هرمس ) الذي يتوسط عالم الآلهة الخالدة وعالم البشر الفانين ، يرافق أرواح الموتى إلى مملكة هاديس السفلى ، حامي الرحالة الذي أصبح بعد تطور التجارة في اليونان حامي التجارة ، من ثم إله الغش والخداع والسرقة [516] وهو آلهة الفواصل ، الفجوات ، التخوم ، وأعتاب كل شئ ، وهو كائنا متقلباً ، وغامضاً ، فقد كان أباً لكل الفنون ، ورباً لكل اللصوص في الوقت ذاته [33] وفي أسطورة هرمس هذا نعثر على نفي لمبدأ الهوية ومبدأ عدم التناقض ، وكذا لمبدأ الثالث المرفوع ، وفيها أيضا تنكفئ السلاسل المنطقية على نفسها لتشكل هرما حلزونياً : فالــ(( ما بعد )) يسبق الـ(( ما قبل )) ، والله لا يعترف بأي حدود فضائية ، ويمكنه أن يكون على هيئات متنوعة ، في أماكن متعددة في وقت واحد [29] وهرمسية القرن الثاني تبحث عن...
بنفس السنة التي تعرّف فيها الفيلسوف الألماني نيتشه على الشابة الروسية لو سالومي (ربيع 1882)، كتب نيتشه لهذه الروسية التي فتنته، بعض التوضيحات الأساسية حول الذكورة والأنوثة وذلك فيما يتعلق بمفهوم الحب. علاقة نيتشه بسالومي علاقة مضطربة نوعا ما وكان لها تأثير على كلي الطرفين ـ خاصة نيتشه. فسالومي العشرينية الحالمة والمؤمنة بالعلاقات المتحررة والصداقات المثيرة انبهرت بمجاز نيتشه وطريقة إلقائه، الأمر الذي جعله في نظرها رمزا ثقافيا : فارس أسطوري أقرب للخيال منه للواقع بنعومته المفرطة وسعيه المتكرر لإضفاء طابع فلسفي على حضورها وشكلها. من جهة نيتشه فسالومي بالنسبة له هي النقص الذي يكمله، الغياب الذي يلزمه لتعزيز وتقوية حضوره، سالومي في نظره هي الجمال والرفعة والشباب والحيوية وكل ما كان يراهن عليه نيتشه الأربعيني لتجاوز ذاته المحبطة والمحرومة حسيا. سالومي المندفعة بحماس الشباب والمتعطشة للعظمة التي تتكشف في تعلّقها بأي قامة فكرية ظاهرة بالوسط، رفضت الخضوع لارتباط تقليدي مع الفيلسوف الذي استيقظت فيه روحانية حميمية نتيجة الحضور الإلهي لسالومي ـ كما أحسّه. أثر هذا المنعطف بمسيرة الفيلسوف حيث انقلبت مفاهيمه ومازجت بين التناقض والإختلال والحدس أحيانا، قسوة الطرح لديه ووضوح الرؤى خالف تدهوره السلوكي وانتكاسه العاطفي الطفولي. فيلسوف...
يمثّل كتاب "الاختلاف و التكرار" موقفا صارما ضدّ نظام منطقي بأسره.لم ينخرط دولوز في هذا الكتاب في تلك المفاهيم التي هيمنت على تاريخ الفلسفة كالممكن و الكلّي و المجرّد بل إنّه راهن على تقديم رؤية جديدة و مغايرة لتلك المفاهيم.إنّ ما يرومه جيل دولوز هو تحطيم ذلك التمثّل الكلاسيكي للعلاقات بين المفاهيم,ذلك التمثّل النابع عن صورة محددة للفكر تلك الصورة التي ينقدها في الفصل الثالث الحامل لعنوان "صورة الفكر".إنّ صورة الفكر هذه هي من ظلّت تحرّك تاريخ الفلسفة جاعلة من الاختلاف ذلك المفهوم الذي لا يظهر إلاّ من جهة منطق الهوية.يبيّن دولوز في مقدمة الترجمة الإنقليزية للاختلاف و التكرار علاقة صورة الفكر هذه بغياب مفهوم الاختلاف المحض (أو المستقّل) عن تاريخ الفلسفة فبالنسبة لدولوز نحن لا نفكرّ إنطلاقا من منهجية محددة فحسب بل إنّ صورة ضمنية و قبلية للفكر توّجه عملية تفكيرنا. إنّ صورة الفكر هذه تشّكلت عبر تاريخ الفلسفة كبحث عن استنتاجات بغاية الوصول إلى أجوبة و حلول. فصورة الفكر القديمة كانت منحصرة في البحث عن الحقيقة من جهة كونها صوابا يقدّم حلاّ لمشكل ما محاربا بذلك الخطأ حتى أنّ اختلاف السفسطائي في مواجهة هوية الفيلسوف لم تظهر إلاّ في شكل خطأ لا في شكل اختلاف محض....
عاش الدين على مر التاريخ علاقة غير متكافئة والمجتمع، والشاهد على ذلك هو أنه بقدر ما توجب أن تنبث بينهما شيمة وحيدة من شيم التكامل، كان الدين يُنظر إليه كمحرك إبستيمولوجي، بينما اعتبر المجتمع مفعولا به وتابعا له، هذا وإن تمكن العقل من مراجعة كيفية تمثله العالم مفرزا لنا إصلاحا دينيا، ومفهوما جديدا للدولة المدنية بدل الدولة الدينية في أوربا، فإنه لا زال وللأسف لم يكتسب جرأة السؤال وضرورة الانعتاق من دائرة الدين الضيقة التي لازالت تبسط يدها على كل شيء عندنا.
" نفهم من خلال هذه الشروط لماذا لا يختص نشاط التأويل فقط بملازمة المنهج كما وصفه هيدغر. فما يقتضيه ليس شيئا آخر سوى تجذير الفهم كما يمارسه كل من يفهم."
" ضمن أية شروط يجد الفيلسوف ، في هذا الوضع، الاشارات لمشكلة جديدة ، لفكر جديد؟....أي وضع هو ذاك الذي يكون ، فعليا، وضعا فلسفيا ، وضعا للفكر الفلسفي؟"1[1]
سنفكر في هذا العنوان مع دريدا Derrida وبنصوصه، معتبرين ذلك محاولة للاقتراب من الأفق الفكري الذي عقد حوارات مع الميتافيزيقا(*) من أجل مجاوزتها.
لم تكن الدولة موجودة دوما على هذه الصورة التي نعرفها اليوم. ونحن مطالبون بدون شك بابتكار أشكال جديدة للتنظيم السياسي مستقبلا. وحين سنلبي الطلب سيتعين علينا أن نأخذ بعين الاعتبار مختلف الحوافز الأنتروبولوجية التي راهنت عليها الدولة الحديثة دوما. وسيكون من الخطر بمكان تجاهل أو تناس هذه الحوافز الأنتروبولوجية التي راهنت عليها الدولة الحديثة دوما. وسيكون من الخطر بمكان تجاهل أو تناس هذه الحوافز بدعوى مسايرة النزعة العلموية. إن هذه الحواجز ما كان لها أن تختفي، ولن يستقيم أي تحول في شكل الدولة إن لم يعتمدها وفق قواعد جديدة.
لقد صرخ بعض المتعصبين المنتمين للدهماء، كون ان جون كالاس هو الذي قام بشنق ابنه مارك أنطوان، والحال أن ما تفوه به ذلك الشخص ما فتئ أن تم ترديده بعد ذلك، بل إن البعض أضافوا أن المتوفى كان قد قرر إعلان جحوده خلال يوم غذ، مما أيقظ حقد أسرته والشاب لافيس ضد الديانة الكاثوليكية، بعدها وفي غضون لحظة صغيرة لم نعد نشك أبدا كون أن المدينة برمتها اقتنعت أن هناك نقطة دينية عند البروتستانت أدت بأب وأم إلى قتل ابنهما فور قرار إعلان رغبته في تغيير انتماءه الديني.
بول ريكور المعروف بصمته وشحه بالاعترافات والنصوص البيوغرافية قبل في النهاية اقتراح كل من فرانسوا أزوفي ومارك دولوني مساعديه في الإشراف على تسيير مجلة الميتافيزيقا والأخلاق، بسرد مساره الشخصي والفكري على شكل حوار مطول يستعرض فيه مختلف محطات حياته. حصيلة هذا الحوار الذي استغرق عدة شهور شكلت مادة كتاب النقد والقناعة الذي يحسن أن لا ينظر إليه كمدخل وأعمال بول ريكور فحسب، باعتبار أنه يقدم فيه مسحا عاما لكل الحقول ذات الأهمية الفلسفية، من الميتافيزيقا إلى التحليل النفسي ومن الهيرمينوطيقا إلى تاريخ الفلسفة والثيولوجيا، بل أيضا كتفكير عميق حول أسئلة لم يسبق له أن عالجها في تآليفه المنشورة وكدرس في قدرته الفائقة على الربط بمهارة قل نظيرها بين المعارف والثقافات المتباعدة. الجزء الذي نقدمه معربا فيما يلي يمثل الفصل الثالث من الكتاب الذي يشتمل على ثمانية فصول أنجزت مادتها الحوارية بين أكتوبر ونونبر 1994، ثم ماي وشتنبر 1995 في بلدة شاتيني-مالابري Châtenay-Malabry بمكتب بول ريكور.