الحب والإيمان عند الفيلسوف المؤمن سورن كيركگورد 1813 – 1855 ـ د. عبدالجبار الرفاعي
كيركگورد خارج الأنساق الفلسفية:
في عام 2013 مرَّ قرنان على ولادة الفيلسوف الدانماركي سورن كيركگورد، الذي ولد في 11/11/1813، وتقديراً لمكانته وأهمية منجزه اعتبر بلدُه الدانمارك هذه السنة خاصة بالاحتفاء به وإحياء آثاره، كما أُقيمت ندوات ومؤتمرات حوله في بلده وبلدان أخرى، ولم تهتم أو لم تتنبّه الجامعات العربية، ومراكز البحوث والدراسات، والدوريات الفكرية والدينية لهذه الذكرى. ما خلا مجلة قضايا إسلامية معاصرة التي خصصت العدد المزدوج 55-56 "صيف وخريف 2013"، جريا على تقاليدها؛ بتجاوز تكرار المكررات وشرح الشروح، للاحتفاء بهذا الفيلسوف المختلف، الخارج عن الأنساق الفلسفية، واللاهوتي الخارج على دوغمائية الإيمان الكنسي، والأديب الرؤيوي الخارج على صنعة الشعر والفن، والمفكر المتعدد المتنوع الخارج على الموضوعات الجاهزة إلى ما هو مهمل ومنسي، حين تخطى السياق المتوارث للتفكير الفلسفي، الذي اهتم بدراسة الإنسان من الخارج، فتمحورت كتاباته على دراسة الإنسان من الداخل، وطرح قضايا لم يهتم بها التفكير الفلسفي من قبل، مثل: الحب، الإيمان، المفارقة، الضمير، القلق، اليأس، الموت، وغيرها مما يعتمل في أعماق النفس البشرية. واهتم بإثارة الإشكالات من دون أن ينشغل بجوابها، يكتب: "إن مهمته في هذه الدنيا أن يثير الإشكالات في كل مكان، لا أن يجد لها حلا"[1]....
لقد عرفت الكتابة عند الفلاسفة القدماء ظاهرة الازدواجية أو التناقض، سواء في الكتاب الواحد أو المؤلفات المختلفة لنفس الكاتب. والحق أن هذا التناقض ليس حكرا على الفلسفة فحسب، بل يطال التصوف والكلام، وإن بدرجات أقل. وهذا يعني أن التناقض عند القدماء يشمل قارات التراث المختلفة، بغض النظر عن الأسرة الفكرية التي ينتمي إليها هذا الكاتب، أو ينتسب لها ذاك. وقد شئنا لحديثنا في هذا العرض أن يقتصر على الفلسفة التي سنمثل لظاهرة التناقض فيها بالفارابي وابن رشد دون غيرهما من الفلاسفة المسلمين، حتى لا نثقل على القارئ الكريم، ونطول أنفاسه. فهل هذا التناقض الذي تحبل به الكتابات القديمة، مقصود أن غير مرام؟ كيف يمكن رأب الصدع ومد الجسور وإصلاح ذات البين، بين هذا الكتاب وذاك لنفس المؤلف؟ كيف يمكن فك "طلاسم" هذه الازدواجية، وتقريب الأفكار في ما بينها، وتأويل التناقض عند أصحابها؟ كيف يمكن سد الثلم والخروم، وملء الفجوات والنتوءات التي تقدم لنا هذا الفيلسوف أو ذاك، في صورة رجل "ولاج خراج"؟
يمكن تمديد الفلسفة الهيغلية في اتجاهين متباينين: فلسفة تاريخ تفضي إلى إنسيان (Humanisme) بالمعنى الذي ستحمله عند فيورباخ أو عند ماركس؛ وفلسفة المعرفة المطلقة؛ ولكن أي معنى يبقى لتاريخ البشرية في الحالة الأخيرة هذه؟ إن الهيجلية تنطوي على هذين التطورين الممكنين؛ فهي ملتبسة لأن هيجل وفضلا عن أنه مؤلف علم المنطق – إن اللوغوس اللازماني هو المعرفة المطلقة، وباعتباره توسطا هو أساس الطبيعة والفكر المتناهي بوصفه تاريخا- هو أيضا مؤلف دروس في فلسفة الحق. ولا يبدو أن هيغل نفسه قد اختار على نحو صريح أحد هذين الاتجاهين. غير أنه يفضل المعرفة المطلقة، والحال أن المعرفة المطلقة تتجلى في التاريخ.
تقديم : ما أحوجنا اليوم إلى نقاش طويل عريض حول مسألة التسامح، وقبول الاختلاف الديني باسم حق حرية العقيدة، وأيضا ضد محاكمة الأفكار التي لا تحاكم في الأصل، في هاته الرسالة التي نشرت إبان عام 1763 يضع فولتير الأصبع على التعصب الديني الذي كانت تعيشه أوربا، وذلك بمناسبة وفاة جون كالاس، وهو الامر الذي كنا ولا زلنا نعانيه منذ مئات السنوات، حيث يرفض بعضنا البعض بمجرد أنه يختلف معه في الانتماء الديني محلا قتله أو سحله باسم الدين، بل إنه في الدين الواحد عشنا دوما على إيقاع الإبادات التي تعرض لها المتكلمون وباقي الفرق الأخرى من سنة وشيعة وخوارج... بسب الاختلاف في بعض الاشياء الصغيرة، على العموم لا بد من التسليم أولا أن أرجلنا لازالت عالقة في وحل التعصب الديني، وأن الأجيال الحالية لم تعمل إلا على الحفاظ على هذا الإرث المشين، على النقيض من ذلك لا بد من العمل والعمل ضد كل تعصب، مؤمنين بأن الحقائق نسبية مهما كان تشبثنا بها كبيرا، وأن كل تعصب لن يولد إلا التخلف والإرهاب بشتى تلاوينه والفقر وتفشي كل أشكال ومظاهر الخرافة.
مقدمة:
ستتجـلى مهمة هذا المقــال في التطـرق للفكـر الأخلاقي والسياسي لتوماس هوبز وجـون لوك، منظورا إليه من زاوية فلسفية، فالتطـرق للسيـاق الذي تبلور فيه فكر الرجلين يتطلب مقرابا فلسفيا/علميا على اعتبار أن نسقهم ينتمي لحقلي الفلسفة و العلم. و هو الشيء الذي يتم تجـاهله لدى بعض مؤرخي الفلسفة مستعرضين بذلك تاريخ الفلسفة كأنه تاريخ أحداث من إنتاج شخصيات عظيمة أو مجرد كرونولوجيا سطحية، إن السـؤال الذي يجب طرحه بهذا الصدد و الأخذ به في مقاربتنا هو الذي سبق و أن طرحه هيغل في محــاضراته المعنونة بدروس في تاريخ الفلسفة والقائل "إذا كانت هذه التواريخ تعرض سلسلة المنظومات كأنها سلسلة آراء عادية من الأخطاء و ألاعيب الفكر، المبتكرة فعلا بمهارة كبيرة و جهد كبير، مع كل الإطراءات التي أمكن تخيلها بخصوص عنصرها الشكلي، و نظرا لانعدام الروح الفلسفية لدى هؤلاء المؤرخين، فكيف يمكن اكتناه وعرض ماهية التفكير العقلاني؟"[1]، إن هذا العرض لن يكون باستطاعته التطرق لفكر الرجلين على نحو دقيق، إلا أن الوصول لمستوى الدقة هو المهمة الذي يجب أن يتم التأسيس لها في التناولات المستقبلية .
يعتقد السواد الأعظم من الناس وهو الأمر الشائع، أن لكل لون دلالته وأثره النفسي على المتلقي،فالألوان عوالم روحية تقتحم اختيارات الفرد عبر العين، وقوى خفيفة جدا تسمو بكيانه ووجدانه، لكن بين هاته الألوان تباينات جمة واختلافات متعددة، من الصعب فك شيفراتها إلا بالنسبة إلى أهل الاختصاص، والذي لن يكون إلا الرسام، هذا ويتفق أيضا السواد الأعظم أن اللون الأسود من بين الألوان حضورا منذ القديم ،غير أنه أخذ للأسف دلاله سلبية ربما يبدو من الجهل بمكان ربط ما نعتقده حول الأسود بماهية الأسود نفسه، فأية علاقة يا ترى يلبس فيها اللون الأسود هاته الدلالة السلبية التي أعطيناها إياه؟
لعل ما يُساهم اليوم في تكريس دوغمائية العقل الإسلامي، وتدعيم السياج المُطبق عليه هو الاستمرار في اجترارِ قِراءةٍ حَرفيةٍ لِلنصِ الديني، ويكفي المرء هنا للوقوف على هذه المسألة العودة إلى المعيش اليومي لِيرى الكم الهائل من السورٍ و الآيات التي يستشهد بها المسلمون في حياتهم اليومية، وهي آيات غالباً ما تأتي مبتورةً من سياقها الاجتماعي والسياسي والاقتصادي الذي ولدها، وبالتالي مُستعملةً دون أدنى وعي تاريخي؛ فالذي يستشهد بها يُسقط شرطها التاريخي، ويذهل عنه أن هذه الأخيرة جد مُتصلةٍ باللحظة التاريخية التي أنتجتها. هذا في ما خَصَّ الوعي التاريخي، أما الوعي اللغوي فهو الأهم والأخطر؛ فنعلم جيدا أن اللغة القرآنية شديدة الارتباطِ بالبيئة الجاهلية التي سبقتها، من هنا فالمعنى الذي نعطيه لبعض المصطلحات القرآنية اليوم قد يكون هو النقيض الموضوعي لما كانت تحمله سابقا، والذي لا مِرية فيه أن هذا التَخَارج على مستوى المعنى سَينعكس لا محالة على فهمنا لِمضامين النص الديني. وليس غريبا أن نجد نفر من المسلمين المعاصرين ما يزالون يرغبون في الدفاعِ عن الإسلامِ بالسيفِ والعنف، نظرا لِما قد يُحدثه التأويل اللاتاريخي أو اللالغوي للنص الديني من شحنٍ للأنفس وتعبِئةٍ للعقول على ضرورة الجهاد، وإرجاع غير المُسلم عُنوةً إلى دينِ الحقِ. كل هذه الإشكالات تدفعنا إلى...
يقدم الدكتور هـ.شرابي أطروحته الموسومة : "مشكلة القيم في فلسفة هارتمان* ولويس كلرنس*" لينال بها شهادة الماجستير سنة 1948 بجامعة شيكاغو. وهي الرسالة الأولى فيما اعتقد...نظرا للاهتمام القليل بنظرية القيمة في فكرنا العربي المعاصر ، اللهم إلا ما يعد اليوم على الأصابع...فهي تعد إضافة علمية للمكتبة العربية في هذا المجال.
"إن فن الرسم يقحم صعوبة: فهناك فكر يرى ويمكن أن يوصف بشكل مرئـي. هكذا فإن لوحة "الوصيفات" هي صورة مرئية لتفكير بيلاسكيث اللامرئي. فهل معنى هذا إذن أن اللامرئي يمكن أن يكون أحيانا مرئيا؟ نعم، شريطة أن يكون الفكر مكونا فقط من أشكال مرئية" روني ماجريت (René Magritte)(1)
لقد أخذ تأريخ فوكو للحقيقة اسم جينيالوجيا(1) فهذه الأخيرة تعد الأداة التي تسمح للفلسفة بأن تلتقي بالتاريخ؛ بجعل الفلسفة تتخلى عن منطلقاتها الميتافيزيقية، والدفع بالتاريخ إلى أن يكون اهتماما بما يحدث فعلا في جميع مستوياته المختلفة. من هنا تظهر الجنيالوجيا وسيلة لتقويض الميتافيزيقا باعتبارها إنتاجا للحقيقة، من خلال نقد لمنطلقاتها، وإعادة النظر في الأساس المفاهيمي الذي تستند إلى الأزواج. ولعل أهمية البحث الجنيالوجي، كتقويض للميتافيزيقا، تظهر في وصفه للواقع الإنساني، كواقع يتشكل من الصراعات والمصالح، ومن ثمة الهيمنة، والرغبة في التملك(2)، إذ لا مجال للقفز على هذا الواقع من خلال إنشاء مفاهيم مجردة تنشئ عالما ينوب عن العالم الواقعي، عالما تنتفي فيه الصراعات والمصالح. إضافة إلى أن الجينيالوجيا على خلاف الميتافيزيقا، لا تهتم بالبحث في الأصل الأول الذي صدرت عنه الموجودات، باعتباره ما يحددها، ما يعطيها نمطا من الوجود تتشكل منه هويتها الثابتة(3). إن ما تظهره الجنيالوجيا هو أن الأصول -إذ ليس هناك أصل بالمفرد- حصيلة الصراع، وبالتالي فهي تتلون بطبيعته، وما يرتبط به من مصالح ومنافع, من هنا فالجنيالوجيا هي تاريخ للحقيقة؛ وهذا يعني أن التأريخ الذي يريد الجنيالوجي القيام به، يهدف إلى بيان أن الأحداث التاريخية تجد تفسيرها...