التفكير في زمن الكوليرا ـ هادي معزوز
لماذا نفكر؟ بل لماذا يجب أن نفكر؟ التفكير سمة إنسانية محضة جادت بها الطبيعة على هذا الكائن، بيد أننا سنقف حائرين أمام هذا الكرم وهذا السخاء الطبيعي علينا، حيث للتفكير حدان لا يمكن أن يلتقيا، مثلما للإنسان وجهان ليس بإمكانهما العيش معا في نفس الحين، من ثمة وبقدر ما يساعدنا التفكير على حل معضلاتنا، بقدر ما يعيدنا إلى تخلف كبير، فنغدو معلقين بين السماء والأرض مصابين بلعنة التيه والفراغ.
إننا نفكر ظاهريا من أجل الانفلات من تلك التي نعتبرها مشكلات وعوائق تحد من إرادة الإنسان سعيا للتقدم الإيجابي، في نفس الوقت يأخذ هذا التفكير إرادته السلبية الساعية إلى الهيمنة واستعباد الآخرين، وعليه فمن الواجب الأخذ بعين الاعتبار أن الإنسان ينحدر من الطبيعة، والحال أن هذا الانحدار يجعلنا نقف أمام جوهر الإنسان المؤمن بالبقاء للأقوى، وهذه هي باختصار قصة العلاقة بين الإنسان والعالم، لكن ما موقع التفكير من كل هذا؟
عندما نفكر نربط علاقة ثنائية، الأولى مع العالم والثانية مع الآخرين، إننا نفكر إذن سعيا في تكريس الحضور على الغياب، كما أننا نفكر طمعا في ترميم قراءاتنا السابقة حول العالم نحو الإنسان، التفكير شرط أساسي لكل تقدم سديد، ومحرك إبستيمولوجي لكل إرادات الحياة، لكن هذا الحلم ينقلب بدوره إلى كابوس عندما ترافق كل أشكال التفكير أمراضا خبيثة تحوله...
تعُدُ فينومينولوجيا إدموند هوسرل " 1859- 1938 " إحدى أهم التيارات الفلسفية التي كان لها بالغ الأثر على الفكر الأوربي بمختلف مشاربه واتجاهاته الفلسفية , ذلك لما وجهته من سهام نقد جذري للموروث الفلسفي والعلمي للقارة الأوربية . ابتداء من تأسيس الوعي على الأنا أفكر " الكوجيتو " الديكارتي . وصولاً للعلوم الطبيعية التي أخذت تنسي عالم العيش و أفق الحياة , وليس انتهاءاً بالعلوم الإنسانية التي جعلت من الإنسان ووعيه موضوعا متماثلا و موضوعات التجربة العلمية رغم البون الشاسع ما بين الظواهر الطبيعية والإنسانية , تمايز آليات ومناهج البحث بينهما . ما حمل " هوسرل " على رفع معاول نقده عالياً في وجه هذه المعرفة " الطبيعية والنفسية " التي كانت قد بلغت أزمة حادة , جعلتها عاجزة عن أن تقدم نفسها كعلم يتسم بالبداهة واليقين , الثبات والثقة , خاصة بعد أن تناقضت العلوم المنتشرة في عصره مع بعضها البعض , وتعددت أفكار وأراء الفلاسفة دون أن ترتكز على منطلقات معرفية واحدة تجعلها تبلغ الحقيقة الكلية والوعي الماهوي للذات .
I - إيتيمولوجيا الكلمة:
ليس من شك في أن العلم والتقنية أصبحا أملا واعدا للبشرية بالإزدهار ،والتقدم والرقي ،وهي نتيجة لتطبيق اكتشافات علمية كبرى ،والتقنية كمفهوم شمولي كما عرفها لالاند هي مجموعة من العمليات والإجراءات المحددة تحديدا دقيقا، والقابلة للنقل والتحويل والرامية إلى تحقيق بعض النتائج التي تعتبر نافعة.
تعتبر كلمة الحرية من بين الكلمات الأكثر إستعمالا اليوم ، في واقعنا خصوصا العربي . و التي تكون ملتصقة في غالب الأحيان مع الديمقراطية و التعددية والإستقلالية. سنركز على مفهوم الحرية بكونه شعارا يرفعه الفرد في فضاءات متعدة : الاسرة ، العمل ، الدولة...و بالتالي فشعار الحرية يخفي أهدافا متابينة .
إن هذا المقال حدد لنفسه هدفا هو استخراج مضامين القسم الثاني من كتاب النقد المزدوج/Double Critique، و بها وعليها سنسير لاكتشاف المحتوى الفلسفي لفكر عبد الكبير الخطيبي، الذي وبالرغم من تصنيفه في عداد السوسيولوجيين، إلا أن فلسفــته تقوم على مرتكزات فلسفية صلبة، وبذلك سنسعى إلى تفكيك خطابه من أجل تبين هذه الأسس كما فعل هو ذاته من خلال تفكيك التراث الذي انطلق منه معظم المفكرين العرب عموما والمغاربة خصوصا من أجل الكشف عن أسسه الميتافيزيقية واللاهوتية، وعليــه فإن محـاور هذا العرض ستعرض بشكـل مقتضب ومركز فيما يخص أهم الأفكــار الواردة في القسم الثاني "علاقة ماركس باليهود، الماركسية ضد الصهيونية، وسوسيولوجيا المغرب والعالم العربي".
I – حول الصور المتعددة للفكر التأويلي الرشدي.
سنحاول في هذا المقـــال التطرق لمفهوم "الانخـراط/ L’implication"، بالاعتماد على الدراسة التي أنجزها البيداغوجي الفرنسي Patrick BOUMARD ، فعرضنا سيكون بمثابة قراءة في قراءة، أي قراءة للدراسة التي أقامها باتريك بومار لمفهوم الانخراط بمنهجها و إشكالاتها و كذا مفاهيمها. بالتالي و من الناحيـة المنهجيـة كان لابد لنا من الإحاطـة بمفهوم الانخراط من الناحية الدلالية/اللغوية لا لشيء إلا من أجل تقريب الصورة و من تم الانفتاح على الدلالة الفلسفية و التربوية التي يحملها، من هنا سيأتي مقالنا على مجموعة من المحطـات النظرية و التي هي كالآتي:
تقديم الكتاب :
من الملاحظ أن المقالات والكتب التي نشرت حول فلسفة هيوم (1711-1776) كثيرة جدا. لكن هذه الكتب والمقالات في أغلبها ذات طابع عام[i].
بين المقدس والمدنس أحكام قلما انتبهنا إليها، ونحن نعتقد أنهما يتضادان تضاد النار والماء، مثلما ينتصر أغلبنا للمقدس على حساب المدنس، ويعتقد البعض الآخر أن الحياة تقوم على المدنس، بينما في الأمر لغز آخر وسيرة أخرى للعلاقة بين الإثنين، عالم المدنس ظل وظلام واستجابة لطبيعة الإنسان وحاجاته الحقيقية والدفينة، والحال أن كل إقبار له هو بمثابة تحدٍ جديد للإنسان كإرادة، وقتل غير منطقي لجوهر ثابت أبدا، أما المقدس فإنه يعدو تفوق للأيقونة فينا، للهوية المنغلقة ولإجبار التغيير على الركون وحيدا دون تغيير.