ما الفلسفة؟ ـ فوزية ضيف الله
إنّ سؤال "ما الفلسفة؟" هو سؤال يطرحه العاميّ كما يطرحه الفيلسوف. إلاّ أنّه سؤال عنيد، متكرّر الطرح، فغياب الإجابة يحيّر العامّي كما يحيّر الفيلسوف. غير أنّ الفلسفة لا تقدر على مواجهة ارتباكها إزاء هذا السؤال أو إزاء مداراته لكأنّ الفلسفة إنّما تنتهي إلى حدّ الصّمت إذا تعلّق الأمر بذاتها[1]. فسؤال "ما الفلسفة؟" هو السؤال الذي لم تقدر الفلسفة لا على دفعه ولا على الاجابة عنه[2]. فما الفلسفة؟ وهل من تعريف لها؟
إنّ هذا السؤال الماهويّ إنّما هو سؤال يبقي على المسافة، بينما الهدف من السؤال الإقامة داخلها[3]، فسؤال ما الفلسفة- ضمن المنظورية الهيدغرية- إنّما يترصّدها ويجعلنا أمام تلمذة لا نهائية لفلاسفة قدامى. فأن نستعيد التعريف الأرسطي للفلسفة، فإنّ ذلك يعني فيما يعني، الإبقاء على أرسطو وصيّا يفكّر عوضا عنّا. فأيّ سؤال يمكن أن يجعلنا داخل الفلسفة؟
إنّ تهافت سؤال "ما الفلسفة؟" يجعلنا نستعيض عنه بسؤال "ما التفلسف؟"[4] فهو سؤال قادر على أن ينفتح على أفق الفلسفة ليجعل للذات إقامة أبدية في ربوع التفكير الفلسفي؟ هل أنّ سؤال "ما التفلسف؟" هو سؤال يدعونا للإقامة لديه أم أنّه يدعونا إلى معاودة التفكير في معنى الإقامة من أجل التفكير(هيدغر)؟
ليس لدينا دلالة واضحة عن التفلسف فلماذا يصمت هيدغر عن سؤال "ما التفلسف؟" رغم أنّه ينبّه إلى أنّ الاهتداء إلى...
لا أحد من المشتغلين بالحقل الفلسفي سواء كان طالبا أو مدرسا أو مفكرا ينكر أن الفسلفة ذات طابع نقدي، وأنها قد تتخلى عن القيام بالشغب والبناء الفكري الذي تأسست من أجل القيام به. هذا الشغب الفكري ينبني على عدم القبول بالجاهز غير الواضح، وعدم قبول ما هو متستر وراء خلفيات وادعاءات تقدم نفسها على أنها فكر ونقد لوضع قائم، في حين أنها في الغالب مجرد أفكار لا ترى إلا نفسها تنطلق منها لتعود إليها في غياب تام للعقل، فهي إذن بمعنى من المعاني ذات صبغة مرضية لا ترى الآخر وفكره. من اجل مواجهة هذا النوع من "التفكير" تأسس الفكر الفلسفي باعتباره ثورة أو على الأقل دعوة إلى الثورة على التسطيح الفكري وعلى عدم الالتزام النقدي اتجاه مختلف القضايا كيفما كانت طبيعتها، فلا يمكن للنقد أن يكون بوجه من الوجوه نقدا انتقائيا، نقدا لليمين دون اليسار أو نقدا للأعلى دون الأسفل...
تُمثل دراسة الأستاذ الدكتور حسن مجيد العبيدي (تأويل النص القرآني الفلسفي العراقي المعاصر – عرفان عبد الحميد فتاح انموذجا)** واحدة من الدراسات الفلسفية التي تضمنت على كبرى اشكالات خطابنا الفلسفي قديما وحديثا. حيث نجحت الدراسة في تسليط الضوء على اشكالات فلسفية وانطولوجية وانطو-ثيولوجية/كلامية ولاهوتية، وعلى طبيعة التداخل بين جدل لاهوت المقدس الصاعد من جهة، وجدل لغة انطولوجيا الذات النازل من جهة اخرى. من هنا، ستحاول قراءتنا الولوج بين ثنايا تلك الاشكالات الفلسفية العويصة والشائكة والمعقدة إلى حد كبير، سيما وان دراسة الاستاذ العبيدي تجعلنا نقف امام محنة فلسفية كبيرة في الفكر الفلسفي الإسلامي، ألا وهي: محنة تأويل النص القرآني وعلاقته بالخطاب اللغوي و"الدراسات اللسانية" المتداخلة مع نسق اللاهوت الميتافيزيقي من جانب؛ والقيميّن على استمرارية "لغة وبلاغة وعلم نحو اللغة المقدسة" من فلاسفة ومتكلمين ومتصوفة من جانب اخر.
إلى ميشيل فوكو بعد انقضاء ثلاثة عقود عن رحيل جسده وديمومة فكره
استهلال:
كُتب و مقالات عديدة دبجت في التواضع في معناه المعرفي و ليس الأخلاقي و إن كانت الحدود بين المعنيين رقيقة و رفيعة إلى درجة أن أغلبيتنا ربما لا ترى أي فارق يذكر بينهما، من منطلق أن التواضع تواضع و كفى، فهو حكم معياري يصدر في حق الفرد جملة واحدة دون تمييز فيه بين ما ينتمي إلى هذا الجانب أو ذاك. و مع ذلك نحن نقصد بالتواضع المعرفي إدراك المرء و إقراره بأنه لا يُحصل من المعرفة و من العلم على وجه التحديد إلا النزر اليسير بل حتى ذلك النزر لا يصل فيه مطلقا درجة اليقين و إن بلغ مرتبة الصحة، و بين الصحة و اليقين فرق لا ينبغي إغفاله يعادل الفرق بين النسبي و المطلق أو بين المؤقت و الدائم.
في أفق هذه المقاربة الإبستيمولوجية الأولية، يمكن إستحضار الأطروحة التي تقول: "ان فلسفة المعرفة العلمية فلسفة مفتوحة. إنها وعي فكر وهو يؤسس ذاته في خضم كشفه عن المجهول، وبحثه في الواقع عما يتعارض مع المعارف السابقة."(غاستون باشلار)أجل، لقد بلغت الفلسفة إلى الذروة في قطعها لمسافات معرفية كبيرة لا تخلو من التأمل والطرح المستمر للسؤال، وذلك باعتمادها على مقوم العقل والمعرفة والتفكير، في سبيل إدراك مسار العلوم وما يخلفه من نظريات علمية نظرية وتجريبية ومسائل مركبة حول الوجود، هذا هو حال الفلسفة كبحث مستمر عن تجليات الوجود في رمته، فهي تجرد من نفسها صورة ثانية لكي تتأملها وتناقش معاني الحياة البشرية. فتحوجها الضرورة فتضطر إلى إبداء ما توصلت إليه من تأملات وإستنباطات حول موضوعات متعددة كالعلم، الطبيعة،المنهج، القيم، السياسة... فالفلسفة تسمو عن محاولة إعتبارها علما من العلوم الطبيعية أو كونها نظرية من النظريات، فهي تفكير عقلي مستمر لا متناهي في مختلف حيثيات الوجود البشري المتغير بإستمرار.
لم يَعُد مُمْكِناً ربْط هذا المفهوم بشريحَةٍ من المُتَعَلِّمين، أو العاملين في حَقْلٍ من حُقول العلم والمعرفة، دون غيرها من الشَّرائح الأخرى العاملة في إحدى هذه الحقول. ثمَّةَ من يعتبر كُلّ مُتَعَلِّمٍ، يُجيد القراءةَ والكتابةَ، ويَمْتَلِك قَدْراً من المعرفةِ، أو بَلَغَ مُسْتَوًى من التَّعَلُّم يسمح له بمُواصَلَة المعرفة والتَّعَلُّم والبحث أو الاطلاع وتوسيع مَدَارِكِه، مُثَقَّفاً، ويُدْخِلُ ضمن هذا المعنى العام والواسع، المُوَظَّفِين في مختلف القطاعات، والمُعَلِّمين والأساتذة، والعاملين في قطاع الإعلام، والأطباء والمهندسين، والتقنيين، والطلبة ممن يُتابِعون دراساتهم في الأسلاك العالية من التعليم، في مختلف الشُّعَب والتَّخَصُّصات. كما أنَّ هُناك من ضَيَّقَ المفهومَ وحَصَرهُ في فِئَة من الناس، أو نُخْبَةٍ منهُم، وهي تلك النُّخبة من المفكرين والكُتَّاب والمبدعين، التي تعمل في حقل الفكر والفن والإبداع، ممن يُنْتِجُون الرُّموزَ والدَّلالاتِ، ولم يسمح لغير هؤلاء بِحَمْل هذه الصِّفَةِ، أو ادِّعائها، تفادياً للتَّعميم، أو لِتَعْتِيم المفهوم وتَمْيِيعِه.
يجمع عدد كبيرمن الباحثين في العلوم الانسانية على أن مصطلح الايديولوجيا لا يتجاوز في نشأته واستخدامه المائتي عام، على اعتبار انه ظهر لأول مرة في مؤلفات المفكر الفرنسي إنطوان دي ترسي (Antoine Destutt de Tracy) في نهاية القرن الثامن عشر. لكن على الرغم من ذلك شغل المصطلح اهتمام عدد كبير من الباحثين والمفكرين في مختلف مجالات العلم والفكر، الأمر الذي تطور بمرور الزمن مما ساعد على "تعويم" استخدام المصطلح بل التعسف أحيانا كثيرة في طرحه وتناوله، يطرح هذا المقال نقطة أساسية تتعلق بمصطلح الأيديولوجيا في نشأته الأولى من المنظورين الغربي والعربي وتلك التطورات، أو لنقل نقاط التحول أو التحوير التي مر بها المصطلح.
“الويل للمفكر الذي بدل أن يغدو بستاني نباتاته، بقي مجرد تربة لها” نتشه