من الشخصانية الواقعية إلى الشخصانية الإسلامية في فلسفة محمد عزيز الحبابي ـ الاعرج بوجمعة
تمهيد:
يعتبر مفهوم الشخصانية الإسلامية من بين المفاهيم الأساسية التي شكلت صرح الفكر الفلسفي عند الحبابي، وهو ما جعله ينفرد بميزة أول من قدّم نسقا فلسفيا متكاملا. مما جعل عدد المعجبين بهذا النسق يتزايد. كما نجد كذلك من لا يعترف بانتماء هذه الفلسفة إلى الخطاب العربي المعاصر. فمثلا الدكتور محمد عابد الجابري لم يدمج في كتابه "الخطاب العربي المعاصر، دراسة تحليلية نقدية" فلسفة الحبابي لأنها في نظره كُتبت بلغة أجنبية، وبالتالي فهي "لا تنتمي إلى الخطاب العربي المعاصر. أما بالنسبة للأستاذ كمال عبد اللطيف فإن انتقاده لا يقل جذرية عن انتقاد الجابري بحيث نجده في بحثه "طبيعة الحضور الفلسفي العربي في الفكر العربي المعاصر"، يصف الفلسفة العربية المعاصرة بأنها تتصف بالهامشية والانتقائية[1]. مضيفا بأن "مؤلفات الحبابي لا يمكن وصفها بالهامشية وحسب، بل إنها أيضا درجة أعلى من الهامشية، لأنها في نظره غريبة عن واقع المغرب المعاصر.
مدخل عام :
برزت العولمة قوية منيعة مع الولادة المزدوجة للأسواق العالمية و الشبكة العنكبوتية ٬ ابتداء من النصف الثاني من القرن العشرين . فتحت وطأة مبدأ التنافسية التي قام عليها الاقتصاد ٬ تم الكشف الخارق عما تعنيه العولمة عندما تستخدم من أجل تجفيف الينابيع العميقة التي يستقي منها الٳنسان وعيه بذاته و للعالم المعروض فيه .
في سياق قراءته للحقل الفلسفي والعلمي والإبستمولوجي (المعرفي) المعاصر، يقر الفيلسوف الفرنسي إدغار موران بهيمنة منظومة التبسيط والاختزال إلى الوحدات الأولية لمختلف الحقول المعرفية كالذرة في الفيزياء، والخلية في علوم الحياة، والتركيب (Structure) في قواعد اللغة على أساس أن الوحدة غير قابلة للتفكيك، ووحدها القابلة للضبط والقياس، فقامت منظومة التبسيط بتنظيم الكون عن طريق اختزاله في كيانات وجواهر مغلقة وثابتة، عذرية وخالدة، لا تعرف التناقض والاختلال. وبذلك شكلت لاوعي الفكر الغربي، وحكمت نظرياته وخطاباته.
كثيرة هي النقاشات التي كتبت أو قيلت حول فكرة الإلحاد، وكثيرة أيضا هي المقاربات المهتمة بها، سواء بقول فلسفي هدفه الرئيسي أشكلة ومساءلة منطق الإلحاد، أو بميزان ديني غرضه الحكم على هذا المنطق، أو انطلاقا من عين سوسيوثقافية فضولها يسعى إلى تفسير هذه الظاهرة عبر التاريخ من جهة، وداخل المجتمع من جهة ثانية، ناهيك عن السيكولوجيا التي لها من التفاسير هي الأخرى حول الفرد انطلاقا من طفولته وما عاشها، تأثير ليس بالهين كذلك على فكرة الإلحاد، دون نسيان البيولوجيا التي يرى بعض المهتمين بها، أن في دماغ الإنسان باحة أطلقوا عليها باحة الإلحاد، إذ في البدء كان الإنسان بمعزل عن كل القوى، وما الإيمان بإله أو آلهة متعددة سوى تأثير تمارسه الثقافة، سنعود للدين بداية حيث سنرى بأنه عدو لدود للإلحاد والملحدين، إذ كلما غاب الدين كثر الإلحاد، وكلما غاب الإلحاد تقوى الدين، هي قاعدة ثابتة منبعها النص الديني حيث لا غبار عليها ولا نقاش فيها، الدين يخاف من فكرة الإلحاد لأنها تجهز على مبدأه وأُسِّهِ، إنه صراع من أجل البقاء لم ينحصر في المستوى النظري المحض فحسب، بل تعداه إلى ماهو مادي صرف، وهو سبب البلاء والحروب التي نزلت في حقب غابرة أتت على الأخضر واليابس، طامسة هوية لصالح أخرى، وهكذا دواليك إلى يومنا هذا....
" لقد ولَت كلَ الأنساق الفلسفيَة و هاهم الإغريق يضيئون دربنا و خاصَة منهم إغريق ما قبل سقراط"
مدخل عام
"أنا ببساطة نيتشوي أحاول بقدر الإمكان أن أرى بخصوص عدد من النقاط – بمساعدة نصوص نيتشه- ولكن مع ذلك مع أطروحات مضادة لنيتشه (وإن كانت مع ذلك نيتشوية) ماذا يمكن أن نعمل في هذا المجال أو ذاك. لا أبحث عن أي شيء آخر، ولكني أبحث عن هذا بحق" (ميشيل فوكو)
ألف إيريك فروم "ثورة الأمل. نحو تكنولوجيا مؤنسنة" عام 1968، و أعيد طبعة في المجلد الرابع من أعماله الكاملة: "النظرية الإجتماعية"، سنة 1989 بمدينة ميونيخ الألمانية؛ إلى جانب أحد أهم كتبه الأخرى: "سبل الخروج من مجتمع مريض" (1955). و الكتاب هو رد فعل منه على وضع أمريكا عام 1968، اقتناعا منه بأن الإنسانية توجد في مفترق الطرق: الأول يقود إلى مجتمع آلي تقني، يكون فيه الإنسان جزء من آلة و يكون القضاء عليه وارد و واقعي. أما الثاني فيتتوق إلى بعث النزعة الإنسانية والأمل في الحياة، بوعي كون التقنية لابد أن تكون في خدمة رفاهية الإنسان و ليس العكس. و هدف الكتاب هو التنبيه إلى المنعطف الخطير الذي تمشي الإنسانية فيه و ضرورة الفعل في المجتمعات الإنسانية، و بالخصوص المصنعة منها، من أجل إيجاد بدائل تقوم على العقل و حب الحياة، عوض اللاوع و اللامعقول حيث يسبح العالم الحالي، المليئ بالكراهية و الإقصاء و التدمير. و الكتاب موجه لجمهور عريض بغض النظر عن المواقف السياسية المختلفة لهذا الجمهور و انتماءاته العقائدية و الثقافية و الجغرافية، من أجل تحقيق حدا أدنى من الكرامة الإنسانية للجميع و العيش معا في سلام.
نشر فروم هذا الكتاب، و هو أهم كتاب مبكر له، عام 1955، و أعيد نشره في أعماله الكاملة بميونيخ سنة 1989، المجلد الرابع: "النظرية الإجتماعية" إلى جانب كتابه الشهير الآخر: "ثورة الأمل. من أجل أنسنة التقنية".
بين سؤال الموت ولعبة الحياة تفاصيل كثيرة، لكن السر الأساسي الذي تميز بالحضور غيابيا، هو العلاقة التي تربط بين الإثنين، والتي عادة ما يتم تصنيفها ووضعها موضع نقيضين ومتضادين، فنقول من حيث لا ندري بأن الموت نقيض الحياة والعكس صحيح. فَحْوى هذا السر هو أن الحياة لم نكن لنحس بها لولا وجود الموت، إن الحياة هي التي تقتل نفسها كي تتحول لِموتٍ ما، وإلا فلماذا نقتل الآخر كي نحيا نحن على أنقاضه؟ قد يكون هذا القتل رمزيا، مثلما يكون ماديا وهو ما يحصل في الحروب، حيث يصبح المنطق الحاكم هو : أقتل خصمك كي تضمن لنفسك استمرارا في الحياة، وهو ما يؤسس لحياة جديدة ــ كادت أن تكون موتا ــ على حساب موت الآخر، أي أن الموت تنحدر من الحياة دون أن تُناقِضها. لكن ثمة في هذا الأمر خَطبًا آخر غريبا كل الغرابة، حتى يكاد المرء لا يختلف مع نظيره بأن الإنسان كائن مجنون، أو حيوان مريض بلغة نيتشه، فحوى هذه الغرابة هو محاولة زرع الإنسان للحياة مرة أخرى داخل مجال الموت، والحال أن الإسكاتولوجيا تثبت شِقّاً مما ذكرناه الآن، حيث سنأخذ طقوس الدفن على سبيل المثال، إذ بعدما كان الميت يُرمى في البحر، وبعدما أصبح يوضع وراء النهر لأن الأرواح الشريرة لا تستطيع عبور الأنهار، أصبح الإنسان، أو قُل جسد الإنسان، يُحنّطُ بغية إدخاله الحياة، لكن الأمر الأخطر التي تتحدث عنه...