الخطاب التربوي و أزمة الربط بين المفهوم و السلوك ـ د. محمد الصفاح
لقد حظيت التربية باهتمام كبير من لدن لفيف من الباحثين و المهتمين بمجال التربية. فاختلفت بذلك الاراء و تباينت المواقف فيما يخص مفهوم التربية. و لعله تباين مقبول، يبرزه مجال التربية الواسع، والمعقد، و الذي يزيد من تعقيد شأنه، الشروط الثقافية، و الاجتماعية، و البيئية، و التربوية المتحكمة بشكل أو بآخر في كل اتجاه أو مسلك أو مذهب من المذاهب التربوية. لكن و بعيدا عن هذه الاتجاهات ذات المنحى الفلسفي، و درءا للتعقيدات التي أحاطت و لازالت بمفهوم التربية، يمكن القول بكيفية بسيطة إن التربية هي القيم أو قل، هي تنشئة الفرد على التحلي بالقيم. و من أجل ضبط هذه القيم في بعدها النظري ألمفاهيمي، كان لزاما أن تندرج في سياق إطار مرجعي يسهل تداولها، و فهمها، من خلال عملية تواصلية، و ذلك عبر خطاب اتصالي يسمى الخطاب التربوي، الذي يعد حمالا أو حاملا لهذه القيم كبنية مفهوميه مجردة. و على هذا الأساس و إذا كانت التربية هي اكتساب القيم، فإن الخطاب التربوي يشتغل على هذه القيم و بمعنى أدق، فهو رسالة نصية حاملة للقيم كمادة، إلى مرسل إليه، من قبل مرسل يسعى إلى تحقيق أهداف تربوية مخصوصة.
سنكون بداية متفقين أشد اتفاق حول مقصد مفاده أن سكة تحقيق المراد، ومنافسة اللاعبين الكبار على المستويات الرئيسية من الفكر إلى السياسة مرورا بالاقتصاد، ليست ترتهن إلا بتعليم جيد ينزل في أسس الدولة منزلة الأس من البنيان، كأننا إزاء معادلة طرفها الأول التعليم وطرفها الثاني التقدم والإزدهار، ولسان الحال يتحدث: قل لي كيف هو تعليمك أقول لك من أنت، من ثمة فلا بد من الوعي بهكذا مسألة، ولا بد من النظر نظرة ثاقبة إلى مناهجنا المعمول بها، نقدا وتجديدا ومساءلة، والحال أن أول ما يمكن الحلول به كرهان أول في هذا المقصد، هو إعادة النظر في مادة الفلسفة وما تقدمه، لسبب بسيط هو أن الفلسفة بمثابة مصنع للعقول وطريقة إعمالها إعمالا سديدا يليق وبما نريد، كلنا نعرف أن المدرسة آلية إيديولوجية للدولة حسب ألتوسير أولا ثم بيير بورديو وبول باسرون ثانيا، وكلنا نعرف أن المقررات ما ليست سوى ذلك المراد الذي نريد أن نلوذ إليه لاخراج مبتغانا من القوة إلى الفعل، لكن خذ بنا إلى أمهات النصوص المنظمة، وخطابات السياسيين والقائمين على شؤون تسيير الدولة، والتي لا تختلف فيما بينها على المستوى الظاهري حيث السواد الأعظم يسعى لمغرب حداثي وتكريس روح المواطنة والديمقراطية والتأسيس لمبدأ الاختلاف باسم حقوق الإنسان وهلم جرا......
إن ما يميز الممارسة الفلسفية هو التأمل والتفكير في كل شيء حتى في التفكير نفسه، وما دام الأمر كذلك فسيكون من المشروع أن نفكر في طبيعة التفكير الفلسفي، وبالخصوص "الدرس الفلسفي" وهو ما نروم معالجته من خلال هذه الأسطر. فكيف يتفاعل المتعلم مع هذا الدرس؟ ما طبيعة لقائه الأول مع الفلسفة؟ما هي تمثلاته القبلية حولها؟ ما هي مقومات هذا النوع من التفكير وإلى أي حد تسهم الظروف المحايثة في ممارسته بالشكل اللائق؟وما مدى مساهمة هذا النمط من التفكير في خلخلة الأفكار والمواقف وتصحيحها ومن ثم خلق تلك الشخصية المتأملة،الناقدة،والحائرة والمندهشة بالمعنى الفلسفي؟
كثيراً ما يكون خبرُ تغيب الأستاذ نبأ تنتشي به جماعة الفصل، أو بداية العطلة الدراسية مناسبة تعدُّ أيام اقترابها على رؤوس الأصابع،حيثُ الانتظار على احرِّ من الجمر و كثيرا ما يكون انصرام أيامها جحيماً لايطاقُ حيث السّاعات و الدقائقُ تعدو ثواني تمر بسرعة البرق.علَّ هذا الشعورَ بالتخلص من جو المدرسة أو الفصل يضمرُ وراءه عوامل و مسببات قد يكون الأستاذ و المؤسسة و الأسرة و المجتمعُ قوى فاعلة في تشكيله لدى المتعلم .هل يعني ذلك بأن المدرسة فاقدة للجاذبية المطلوبة؟هل للأستاذ نصيب وافرٌ في نفور المتعلم من المدرسة؟هل المجتمعُ استقلَ من دوره التعبوي والتَّوعَوِي بأدوار ألمدرسة. ماذا عن الأسرة التي جعلت من المدرسة مكاناً للتخلص من أبنائها ،هل فعلا الأسرة تسير في اتجاه ما تريده المدرسة ؟ علّها أسئلة نتاج تجربة متواضعة كتلميذ و كفاعل في الحقل التربوي سأحاول الاجابة عنها واحدة تلوى الاخرى.
أصدرت وزارة التربية الوطنية بالمغرب بلاغا صحفيا، تحث عنوان ‹‹مشروع المؤسسة خطوة نحو إرساء المقاربة التشاركية والتدبير بالنتائج وتحسين جودة التعلمات››. ويشير هذا البلاغ إلى أن الوزارة أعطت الانطلاقة الرسمية يوم 20 فبراير 2014 لأجرأة الاستراتيجية الوطنية لمشروع المؤسسة. اعتمدت إذن الوزارة مشروع المؤسسة كخيار استراتيجي يجعل من المؤسسة التعليمية نقطة ارتكاز المنظومة التربوية. ‹‹ويهدف مشروع المؤسسة إلى إرساء أسس الحكامة الجيدة وسياسة القرب والمقاربة التشاركية والتدبير بالنتائج›› (البلاغ). ما هو مشروع المؤسسة؟ ما هي المقاربة التشاركية؟ وما هو التدبير بالنتائج؟
لم يخل مسار الفكر البشري من إشارات دالة بشأن قابلية الدماغ للنمو والتعديل والإثراء,وإن ظلت هذه الإشارات حبيسة التخمين والحدس الذي تعوزه وسائل التحقق المخبري.لقد دافع سقراط عن فكرة أن الإنسان يمكنه أن يدرب عقله كما يدرب الرياضي عضلاته,وهو ينطلق من التصور السائد لدى الإغريق آنذاك بأن الطبيعة كائن حي ضخم. وفي سنة 1762 تصدى الفيلسوف السويسري جان جاك روسو للنزعة الميكانيكية التي اعتبرت أجهزتنا العصبية آلات رائعة تقوم بوظائف استثنائية لكنها غير قابلة للتغيير أو الاستبدال,وتمسك بمقولة أن الطبيعة حية وتتغير مع الزمن, وبأن بالإمكان تمرين حواسنا وقدراتنا العقلية تماما كما نفعل بالنسبة لعضلاتنا:" ينبغي علينا أن نعنى برياضة جميع الحواس التي توجه قوانا وتهديها,ويجب أن نستخلص من كل حاسة من حواسنا أقصى ما تستطيعه, ثم نُقوم تأثير كل حاسة في الحواس الأخرى.ولا ينبغي أن نستخدم قوة من قوانا من غير حساب دقيق للمقاومة وللمجهود,وليكن رائدنا أن يسبق تقدير الأثر استخدام الوسيلة"(1).
التكوين مطلب مجتمعي ومقوم من مقومات التنمية الاجتماعية، يروم تأهيل الإنسان وإحداث تغييرات إيجابية على مستوى معارف ومهارت واتجاهات فرد أو مؤسسة. ولما باتت مسألة أهمية العنصر البشري في كل مشروع تنموي في حكم المؤكد البديهي، فإن تأهيل هذا العنصر والرفع من أدائه باستمرار لن يتأتى إلا بفضل ممارسة التكوين ممارسة عملية وموجهة لتلبية حاجات المؤسسة المدرسية والاستجابة لخصوصيتها في ظل محيط يتسم بالديناميكية والتطور.
لم تفِ البيداغوجيات البديلة دائما بوعودها،غير أنه بتأكيدها على دور التحفيز واللذة في فعل التعلم،قد أثارت،واستبقت عددا مهما من الأبحاث الحالية.
"لَوْلاَ الموسيقى ، لَغَدَتِ الحياةُ خطأ" نتشه
ينحصر دور مدرستنا في اكتساب مجموعة من المعارف في مجالات متعددة انطلاقا من الاعتقاد أن امتلاك هذه المعرفة المجردة يمكن الأفراد من النجاح في الحياة. غير أن هذا المنظور قد تعرض منذ مدة لانتقادات متعددة ... وتتمثل أهم هذه الانتقادات في كون التلاميذ لا يدركون العلاقة بين ما يتعلمونه في المدرسة وما سيقومون به في الحياة بعد تخرجهم من النظام التعليمي. كما لا يجدون مغزى لوجودهم في المدرسة، ولا معنى للدروس التي تعطى لهم، كونها غير مرتبطة بحاجاتهم إلى فهم ذواتهم ومحيطهم والمآل، وبالتالي فإنها غير جديرة بالاهتمام وغير محفزة على التعلم.
يقترح الباحثون مجموعة من المفاهيم نستطيع من خلالها الربط بين تعاريف المصطلحات والمجال البيداغوجي الذي تتأسس عليه كل مقاربة للتقويم التكويني تستهدف إشراك المتعلم بجعله فاعلا في سيرورة التقويم . "فالمعارف الموجودة بمجال معطى تنتظم وتصطف انطلاقا من رصيد اصطلاحي يغطي مجموع المفاهيم المرتبطة" (1) . لذلك كان الوعي بهذه المقاربة يقتضي التحكم بالرصيد الاصطلاحي والفهم الجيد له والتوظيف المفاهيمي الخاص بالمقاربة . من هنا ركزنا على أهم المصطلحات التي بدت لنا ضرورية لتعميق فهمنا ووعينا بهذه المقاربة: