التلميذ و"المعنى" - نور الدين العمارتي
1 – المعرفي والمعنى:
في كتابه التربية الوظيفية كان إدوار كلاباريد قد أكد بأنه لا يكفي القول بأن مهمة المربي تتمثل في تنمية ذكاء مرباه، لأن السؤال الأساسي يبقى هو "إلى أي حد يمكن القول بأن اكتساب المعارف يستجيب لهذا الهدف؟" وفي نفس الاتجاه سار ديوي عندما اعتبر أن "كل درس ينبغي أن يكون جوابا"، والجواب لا يمكن أن يكون إلا نتيجة تحريك لحاجة معرفية سبق وأن طرحت بشكل صحيح وبدرجة كافية من الإدهاش والتساؤل. وتوالت النظريات والتجارب بين مغال في نزعته المعرفية (العقلية) المغرقة في شكليتها والمتقوقعة حول الطابع المنطقي/المجرد للأفكار وبين من ينظر إلى المعارف لا كوسائط شكلية، نهائية وجاهزة، بل كحياة متجددة تحرك الإنسان ويبدعها الإنسان في مغامرة لا تنقطع وتفاعل لا يفتر.
إن المقاربة المعرفية/العقلية (Le Cognitif) تعرف اليوم تجدرا وتحولا يسير نحو إعادة الاعتبار للبعد الثقافي لفعل التعلم. فحتى لدى أكثر البنائيين صرامة بدأنا نسمع عن شيء اسمه "سيكولوجيا ثقافية"، وعن أهمية أن يكون لما يتعلمه الفرد معنى يحرك الرغبة في الدخول إلى المعرفة وتمثلها انطلاقا من خلفية ثقافية موجودة سبقا. إن المعرفي (العقلي) بدأ يتجه اليوم إلى ما يصطلح عليه بما وراء المعرفي (العقلي) Le Metacognitif، أي التحليل الذي تقوم به الذات المتعلمة لوظيفتها الثقافية الخاصة قصد إيجاد نسق تفسيري...

في سنة 1958 اقترح الدكتور جون أوري مصطلح "البيداغوجيا المؤسسية" La pédagogie institutionnelle معلنا بذلك إمكانية استفادة الحقل البيداغوجي من منجزات علم النفس العلاجي La psychothérapie(1). وفي سنة 1965 أصبح الاقتراح رسميا(2) ليعبر عن تيار ظل على امتداد الستينات وما بعدها توجها جديدا في مسار "التربية الجديدة" في فرنسا خاصة. وقد تحكمت الخلفيات المعرفية في تقسيم هذا التيار إلى توجهين: الأول تبنى المقاربة اللاتوجيهية Nondirective والسيكوسوسيولوجيا، وتزعمه لوبرو Lobrot ولا باساد Lapassad والثاني تبنى المقاربة الفرويدية ومساهمة علم النفس العلاجي المؤسسي "La psychothérapie institutionnelle" وتزعمه فرنوند أوري F.Oury وعايدة فاسكيز A.Vasques(3). في هذا المقال سنتوقف عند التوجه الثاني لمعرفة مكوناته البيداغوجية وخلفياته، المعرفية.
قضية التعليم وقضية العدل قضيتان مطروحتان في المغرب منذ الثلاثينات من هذا القرن، أي منذ أن جعلتهما الحركة الوطنية المغربية على رأس مطالبها الإصلاحية التي واجهت بها الحماية الفرنسية، قبل أن تنتقل إلى مطلب الاستقلال. وموضوعنا هنا قضية التعليم وحدها، وقد خصصنا لها ملفا غنيا في هذا العدد.