إلى أين تسير قاطرة إصلاح التعليم؟ : تفكيك خطاب الحكومة حول الاصلاحات التعليمية. بوبكر بوعزة
إن المتتبع للشأن التعليمي سيرى أن الإصلاحات المتتالية للمنظومة التعليمية المغربية تستهدف حق أبناء الشعب في مجانية التعليم، وهذا ما أوضحناه في مقال سابق منشور على موقع أنفاس بعنوان"إلى أين يرمي إصلاح التعليم". أما مقالنا هذا فسيتوقف عند الاصلاحات التي تستهدف الفكر الحر والنقدي، والتي تهدف خلق مجتمع هجين مروض تقني لا يعرف سوى العمل التقني دون أن يكون ملما بالفكر النقدي والحس الاجتماعي والمعرفي والثقافي الواسع.
لقد ذكرنا في مقالنا السابق أن ما يحدث الآن في مراكز التربية والتكوين ليس وليد الصدفة، ولا اليوم، بل هو تصريف لبنود الميثاق الوطني للتربية والتكوين ومواده. لهذا فالانطلاق من الميثاق يبقى ضرورة ملحة باعتبار ان كل ما جاء بعده سواء تعلق الأمر ب"المخطط الاستعجالي" أو ب"الرؤية الاستراتيجية لإصلاح المدرسة المغربية" ليس سوى تصريف له ولبنوده. كما أن الميثاق نفسه هو استمرارية لسياسة الاصلاحات التي بدأت من ستينيات القرن الماضي ك"مشروع بلعباس" سنة 65، و"مشروع إصلاح التعليم" لسنة 75. لكن وتيرة استهداف التعليم ستزيد من حدتها مع ثمانينيات القرن الماضي، حيث طرحت عدة مشاريع إصلاحية، منها "مشروع إصلاح بيداغوجي يعتمد نظام والوحدات والمسالك كطريقة للتدريس" والذي طُبق في الكليات التقنية، في حين ثم التصدي له في باقي الكليات وبعد تعديل طفيف ثم...
نظم مختبر المواد الاجتماعية (التاريخ والجغرافية) وتدريسها بمركز تكوين مفتشي التعليم بالرباط يوم الأربعاء 4 ماي2016 يوما دراسيا حول "قضايا في ديداكتيكية التاريخ و الجغرافية". عرف حضورا قويا للمهتمين بالموضوع من أساتذة وطلبة المركز، مفتشين تربويين ممارسين – تخصص اجتماعيات وأساتذة مادة الاجتماعيات، إضافة إلى طلبة ماستر تدريسية العلوم الاجتماعية والتنمية بكلية علوم التربية بالرباط وطلبة الإجازة المهنية بالمدارس العليا للأساتذة.
-القراءة المنهجية وبناء الفكر النقدي :
"التعليم ان لم يكن تحويلا اصبح موتا للعقل و السلوك و الابداع " ( هكذا تكلم عبد الله القصيمي ، ع اللطيف الصديقي)
يحكي الروائي الكولومبي غابرييل غارثيا ماركيز في مذكراته الشخصية أنه سأل جده في الصغر عن معنى كلمة "بحر"،غير أن هذا الأخير لم يعثر على صورة له في قاموسه المهترئ القديم فحاول أن يشرحها له من خلال عبارة تستحق التسجيل،قال " هناك كلمات لا يحتويها القاموس،لأن الناس جميعا تعرف معناها ".ويبدو الأمر كذلك حين نتحدث عن الاضطهاد والتحرر كما ترددا في كتابات المفكر و التربوي البرازيلي باولو فريري (1997-1921)، فللمفردتين معا دلالات خلاقة لا يمكن أن تستشفها من التعريفات المبثوثة في القواميس و المعاجم.وحده باولو فريري من خلال رؤيته الإنسانية والتناقضات التي ضج بها واقعه يمكنه أن يضعك أمام ضراوة القهر المطمور تحت ثقافة الصمت,وآلية تفجيره من الداخل لبلوغ التحرر الفعال.
وقْفةٌ مع المنهاج:
يطرح صاحب هذه المقالة من منظور لا يقصد، ارتهانا لموقف عدمي، إلى تسويد الأفق، بل إلى مساءلة-لا تنكر الحماس-راهن واقع تعليمي ثقيل التكلفة بطيء المردودية هزيل الفائدة، في مجتمع سريع التحول كثير المطالب بالغ التذمر، في سياق دولي غير مسبوق ينذر بالابتلاء والابتلاع؛ يعتمد المنظور مدخل القيم بما هي أساسا ما يجعل أي فعل إنساني ذا معنى؛ لأنها مبدأ لتعليله وشرعيته، ولأنها ما يجعل الحياة قابلة أو جديرة بأن تعاش.
عرف التوجيه، كمجال معرفي قائم بذاته، تطورا مطردا منذ بداية القرن العشرين، خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث وضع الباحثون في هذه البلاد الأسس والمفاهيم التي تأسست عليها أدبيات التوجيه والتي سعت إلى تفسير الاختيار واتخاذ القرار في التوجيه. وقد تحقق هذا التطور تحث تأثير تطور العلوم المرتبطة بالتوجيه وتطور المجتمع، وشمل هذا التطور كل الجوانب سواء على مستوى المنظور أو على مستوى المفاهيم أو على مستوى الممارسة، وذلك للاستجابة إلى الحاجات المتجددة والملحة لمجتمع يعرف ثورة صناعية ومعرفية واجتماعية.
لعل الهاجس الذي يسيطر علينا و نحن نتناول تمثلات المتعلمين باعتبارها ذات أهمية في بناء المفاهيم الفلسفية، و كذلك الطرق الكفيلة بالكشف عنها و معالجتها و تجاوزها نحو تأسيس تمثلات عالمة، سواء على مستوى بناء المفاهيم كنواة أساسية داخل الدرس الفلسفي، أو تعلق الأمر بتحقيق إقبال على الدرس الفلسفي في مرتبة متوسطة، و التمكن من تحصيل دعم للفكر الفلسفي عامة ومادة الفلسفة خاصة، هو هاجس ضمان رغبة المتعلمين في التفلسف، هذه الرغبة التي إذا ما تحصلت يكون رهاننا الذي نراهن عليه- و الذي قررناه آنفا- قد تحقق، لأن تلك الرغبة من شأنها تكسير المقاومة الشرسة التي يتحلى بها كل متعلم يلج درس الفلسفة وجعله ينخرط انخراطا فعالا في بناء المفاهيم و منها إلى بناء الدرس الفلسفي.
طبعا، المناولة تشير هنا إلى الأستاذ (أستاذ الفلسفة)، الشيء الذي جعلنا نشير أولا و قبل كل شيء إلى أن طريقة المناولة تتطلب وعيا من لدن المدرس لما لهذه التمثلات (تمثلات المتعلمين) من أهمية في الدرس الفلسفي و ذلك لأن "عدم أخذها بعين الاعتبار و رفض إنشاءات التلاميذ الشفوية أو الكتابية بصددها داخل الفصل، بحجة أنها لن تزيد فكرهم إلا غموضا، و اللجوء في مقابل ذلك إلى جعلهم متصلين عنوة بالمعرفة الفلسفية الأصلية، من شأنه أن يؤدي في أسوأ الحالات إلى : الدفع بالتلميذ إلى إبداع مواقف عدائية، قد تكون أحيانا رافضة لتدريس الفلسفة. و في أحسن الأحوال إلى إضفاء صبغة شبه علمية على تلك التمثلات "( ). يتبين إذن أن وعي المدرس أو عدم الوعي هو الذي يحدد طريقة مناولته لتلك التمثلات، إذ أن عدم الوعي، و كما يتبين من خلال القول، يؤول بالمدرس إلى مناولة التمثلات مناولة عمودية، تصدم المتعلم و بدون سابق إنذار بغزارة معرفية وإسقاطها عليه عنوة، حيث تصادر منه كل الحقوق الفكرية و التعبيرية، هذه الطريقة التي لا محالة تكون لها ردود أفعال من طرف المتعلم، تتجسد في رفض متطرف، و في أحسن الأحوال إظهار تطرف أقل حدة، بإظهار تمثلاته في حلة شبه علمية،" صبغة تتحلل و تنهار بمجرد ما أن تتاح لها الفرصة فاسحة المجال للتمثلات السابقة بشكل أقوى أحيانا مما كانت...