هوية مدرس الفلسفة بين الفلسفة والمؤسسة ـ أحمد ركني
عندما نتحدث عن تدريس الفلسفة بالمغرب وما يحيط به من مناخ ثقافي، وعن هوية مدرس الفلسفة فإننا بالضبط نتحدث عن هوية الفلسفة، يتماثل بالنسبة لي الموضوع بين هوية المدرس وهوية الفلسفة ، فعندما تصطدم الفلسفة بالمؤسسة تتلون الهوية بألوان أخرى وتتخذ أشكال متعددة، خصوصا في لحظة انتقالها من الساحة العمومية مع محنة سقراط إلى تنميطها داخل المؤسسة مع أفلاطون. من الأغورا أو ما نسميه بالفضاء العمومي إلى جدران المؤسسة في تجربة الأكاديمية، وبعد أرسطو ستصبح الفلسفة مسألة بيداغوجية. وهذا ما ينتج عنه مفارقة المؤسسي مع الفضاء العمومي وما تتيحه من تنميط لا يسمح فيه بتحويل الفصل إلى أغورا، فتجعل مدرس الفلسفة كمروض يجب أن يروض نفسه والترويض هنا هو شحذ الذهن والجرأة على استخدام العقل بصورة حرة وشخصية حتى يتمكن من معرفة الكلمة وتعليمها. فليس من نافلة القول أن نذكر بأن من لم يكن قادرا على التفلسف لا يسمى معلم الفلسفة ولن يتمكن من تدريس الفلسفة بشكل لائق. بمعنى آخر لأن المدرس مرب، وليس المربي مجرد مدرس، بل لا يمكن لمدرس ما أن يكون مدرسا حقيقيا ما لم يكن مربيا، أي يغذي وينشئ أولئك الذين عهد إليه بهم.
"لا يمكن إصلاح ما لم يقع تقييمه"، فالتّقييم سابق لعمليّة كلّ إصلاح ،والأسبق من كليهما هو التكوين، فالمدرّس يكوّن ويقوّم ويُصلح...هي عمليّات بيداغوجيّة مترابطة ومتداخلة في نفس الوقت. ويظلّ التقويم بأنواعه المتعدّدة إجراءً يحتاجه المتعلّم والمدرسة والمنظومة بل والمدرّس. فالكلّ مَعْنِيٌّ به ومُستفيد منه...
إن الانتشار الكبير في المجال التربوي للسوسيو-بنائية كنظرية تدعو إلى تمكين الفرد من بناء معارفه ذاتيا والقطع مع الممارسات التربوية التقليدية القائمة على النقل والشحن المعرفي، إضافة إلى التطور الذي عرفه التفكير في التعليم وفي التَّعَلُّمْ، المتمركز حول المتعلمين. هذا التطور الذي طبعته علامات بارزة تتجلى في التركيز على الطرق النشيطة والنقاش حول أولوية التحفيز وحول علاقة المعرفة بالطريقة، والقائم على الربط بين أهداف المعرفة ومعرفة-الفعل، مع إعطاء الأولوية أحيانا لمعرفة الفعل. دفع إلى البحث عن نموذج بيداغوجي يعطي معنى للتعلمات، ويدخل المتعلمين في خطوات تمكنهم من بناء تعلماتهم الخاصة وتوفر لهم فرصة الاكتساب الجيد للمعارف والمهارات المتداولة.
يسود الاعتقاد في تمثلات المتعلمين والمدرسين أيضا بأن مادة الاجتماعيات ترادف الملل والنفور أثناء تقديم تعلماتها، وأن هذا ما يفسر تبرّم المتعلمين وعدم اهتمامهم بالمشاركة في بناء تعلماتها. بيد أن تجربتنا المتواضعة ما فتئت تثبت بطلان هذه التمثلات والأحكام المسبقة، وهو ما سنعرض له في هذه المقالة القصيرة.
المدرسة فضاء التنوع بامتياز، والمدرسة الجيدة هي في العمق شبيهة بالمدينة الجيدة، ذلك الفضاء الذي يمكن للأفراد المتنوعين أن يعيشوا فيه بصورة جماعية وإن بكيفيات مختلفة. مسألة تدبير الاختلاف تشكل هاجسا ملازما للمدرسة كإطار عرضة للاختراق من قبل النقاشات والسجالات التي يثيرها المجتمع، هذا الهاجس حاضر بقوة لدى جميع الفاعلين المنشغلين بقضايا المدرسة.
يعد المكون التقويمي بصفة عامة والإشهادي منه بصفة خاصة، أحد أهم وأصعب المكونات المؤثثة لبنية للمنهاج الدراسي ضمن المنظومة التربوية، محورية وصعوبة هذا المكون تجعل منه يحظى بهذه الهالة البيداغوجية ضمن مسار المنظومة التربوية، ويستنفذ جهدا بيداغوجيا وزمانيا معتبرا من الفرق التربوية المسؤولة على إعداده وتمريره وتصحيحه جهويا ووطنيا، ومن هنا فلا أحد يدعي بأنه يمتلك المفاتيح الأساس للإحاطة بهذا المكون التقويمي/الإشهادي (الامتحان الوطني) على مستوى التخطيط والبناء الإعدادي أو على مستوى تدبير عملية تصحيحه وتقويم نتائجه وأبعاده... إن هذه الوقفة التأملية البيداغوجية مع محتوى الامتحان الوطني في عنصر الموضوع الأساس بوضعيته الاختباريتين (وضعية الاشتغال بالوثائق / وضعية كتابة الموضوع المقالي)، ليس الهدف منها تبخيس وتقزيم مجهودات اللجنة الوطنية المكلفة بإعداد مواضيع الامتحان الوطني الموحد، أو التشكيك في مصداقية مجهوداتها، بل الهدف منها إثارة العديد من القضايا المرتبطة بهذا المكون التقويمي، ومنها أساسا الصعوبات المرتبطة بإعداد وبناء الوضعيات الاختبارية لهذا الامتحان الإشهادي، ومدى تناغمها شكلا ومضونا مع محاور الإطار المرجعي المحين لاختبارات الامتحان الوطني الموحد للباكالوريا -2014-، والمستويات الإدراكية لفئة المتعلمين المستهدفين، ومحاور المنهاج الدراسي الخاص...
من بين الأسئلة التي يراد لها أن تظل في طي الكتمان، وأن تبقى في منطقة اللامفكر فيه : هل الدولة فعلا تملك إرادة حقيقية لإصلاح التعليم (العمومي خاصة) ؟ هل تنظر الدولة حقا إلى التعليم كحق إنساني، و كأساس لتنمية بشرية مستدامة وحقيقة ؟
يكتسي الحديث عن التعليم، أهمية خاصة داخل كل مجتمع، باعتباره قاطرة التنمية في مختلف المجالات. والتعليم العالي يجسد اللحظة المناسبة لاختبار نجاعة الاختيارات المتبعة من طرف الدولة، لأنه يشكل المرحلة الأخيرة في سلسلة المراحل التعليمية، ومن شأنه أن يظهر الآثار الايجابية أو السلبية لمختلف السياسات التي تم التخطيط لها.
تعتبر مسالة منهجية الدرس الفلسفي إحدى أهم القضايا المثيرة للجدل في السلك الثانوي التأهيلي ويتجسد ذلك في التحولات المتعددة التي عرفها هذا الدرس سواء من حيث الممارسون والمشرفون عليه أو من حيث المحتوى وكذا من حيث المنهجية .وظل سؤال الأسلوب التعليمي الفلسفي مطروحا بالرغم من المجهودات و الإجتهادات التي تبلورت لتطوير منهجية تدريس مادة الفلسفة . ولقد اتخذت هذه الجهود المبذولة مستويين أساسيين هما : مستوى النظر الديداكتيكي ومستوى الممارسة والإنجاز الفعلي.
يتناول هذا المقال قراءة في كتاب: صهود محمد، التحقيب التاريخي، إسهام في التأصيل الابستمولوجي والمنهجي، مطابع الرباط نت 2016. هذا الكتاب الذي يعتبر إضافة مهمة للساحة التربوية المغربية، نظرا لراهنية الموضوع والحاجة الملحة لتناوله بالبحث والدراسة.