القصة القصيرة بين التنظير والإبداع ـ نبيل عودة
هذه ملاحظات سريعة كتبتها تعقيبا على عشرات المقالات التي تناولت القصة القصيرة ، بعضها ذهب لشرح كيفية كتابة قصة قصيرة، مبناها ، أبطالها ، بدايتها، وسطها ونهايتها.. أي طرحوا شبلونات وبنود يمكن على أساسها لكل من يعرف كتابة إنشاء ان يكتب قصة قصيرة. وأنا اعتقد أنها كتابات فائضة عن الضرورة وسلبياتها أكبر من ايجابياتها.
هل حقا توجد تقنيات يمكن الالتزام بها لكتابة القصة القصيرة؟ أي شبلونة (مسطرة) يمكن ان نكتب قصصا حسب مقاساتها؟
أصحاب تلك المقالات تجاهلوا مسألة جوهرية تتعلق بمفهوم لغة القصة القصيرة. طبعا هي اللغة العربية في حالتنا، لكنها لغة نص مختلف عن أي نص كتابي آخر. ما اعنيه انها ليست نفس التركيبة اللغوية للمقال السياسي مثلا، أو للمقال النقدي، أو للمقال البحثي. الشرح عن تركيبة القصة القصيرة يبدو لي انه يؤطر المضمون والحركة القصصية داخل صندوق مغلق ومفرغ من الهواء . أي كتابة "مخنوقة" تعطي نصا يفتقد للأوكسجين... للحياة.
ان لغة القصة هي موضوع لا يمكن تناوله بمثل هذه البساطة والفوقية التي يتناول فيها البعض شرح تركيبة القصة القصيرة ، وكأنه يشرح مسألة في الرياضيات، وأنا على ثقة ان تلك المقالات لم ولن تنتج كاتبا قصصيا واحدا، بل قد تضلل كتابا موعودين وتسحق موهبتهم....
ثمة صلات بين الأدب والفلسفة، فكل الأعمال الخالدة، هي أعمال قاربت بلغة الرواية، قضايا الفلسفة، التي نعتبرها في العمق، قضايا كونية تهم الإنسان والوجود والتاريخ والذاكرة والعلاقة بالآخر.
الأسرار الأكثر عمقا تسكن الأشياء الطبيعية الأكثر بساطة.. فيورباخ
أكد الباحث والناقد المغربي الدكتور مصطفى الغرافي انه ينبغي للثقافة أن تكون مثل النور الذي يتعدى صاحبه لينير ما حوله. وحول المشهد الثقافي في المغرب أوضح أن أبرز الأسئلة التي تثيرها ظاهرة الشعر المعاصر في المغرب تتعلق بمصير المشروع الجمالي الذي بلوره شعراء الحداثة انطلاقا من رؤية تحديثية تستند إلى وعي جمالي خاص يرفض الجاهز ويعادي التقليد. ورأى ان: الرواية استطاعت فرض سيادتها لأنها استجابت لانتظارات القراء واستطاعت أن تشبع حاجاتهم الجمالية والثقافية. مما جعلها بحق ملحمة العصر الحديث. مؤكدا ان الناقد الذي لا يستحضر المتلقي سيكون مصيره العزلة وعزوف القراء. ويذكر ان مصطفى الغرافي من مواليد القصر الكبير- المغرب سنة 1978 م شاعر وباحث في البلاغة وتحليل الخطاب . صدر له كتاب بعنوان “البلاغة والإيديولوجيا” ..دراسة في أنواع الخطاب النثري عند ابن قتيبة”. فاز ضمن اللائحة الطويلة لـ جائزة الشيخ زايد للكتاب. نشر ديوانا شعريا يحمل عنوان “تغريبة”.
"حين تصبح الأفكار سلطة فإنها لن تكون أفكارا، ستكون سياطا وعصيا وأكثرها إيلاما هو ما كان باسم القداسة والدين والأخلاق" عبد الله ثابت (ص115)
يعتبر الفن ذاك النِتاج الإبداعي للبشر و تعبيراً حرّاً عن مشاعر قادمة من حنايا الذات، نسْج الفكر و الخيال، في أعمال ذات قيمة جمالية متميزة، سواء كانت مادية كالتصوير، السينما و الرسم.. أو لامادية كالكتابة و الموسيقى..الخ.
تتقدم القصيدة باعتبارها ممارسة ذاتية تتوسل عبر الانتقال من سماء إلى أختها، حتى تبلغ صفحة الإلتماع بالإفصاح سواء البكر أو المُتعالِق، هذا حَدُها، أما ما يثير الانتباه في قصيدة عبد الله زريقة: أنه أخضع البعد اللغوي رُقعتها، لتَحْيِنات عديدة في ممارستها الإبرائية عن شاعرها. ويعتبر ديوان ( فراغات مرقعة بخيط شمس) التجسيد الأول لانطلاق هذا الرهان، الذي سيعرف هذا الشاعر كيف ينميه ويطوره، بهذه البدرة المتأتية عن فضيلة الاختلاف، ليتهيأ لعبور تصرف تام في جسد اللغة كامل قصيدته، بشكل لم تنل منه متعاليات الإخضاع الذي تفرضه على تجارب عديدين لماضيها ومَورُثِها ومتعاقدها القيمي.
1- على سبيل التشخيص:
التواصل مفهوم شاسع وفضفاض، إنه على درجة من الميوعة والرحابة بحيث يعسُر انضباطه ولا يكاد يتأتى الإمساك به إذ تُساءل تخومه، فهو متعدد المظاهر والتجليات، ومتعدد الأبعاد، ومتعدد الأنسقة. وهو فوق كل ذلك مبثوث في كل مناحي الحياة، وبين كائنات تختلف؛ من الحيواني إلى الآلي إلى الإنساني. لذا فإنه إذ يُطلق تعدد دلالاته ولا تكاد تنحصر.
عند مستهل هاته الألفية الثالثة، تكاثرت بيننا بشكل لافت لم يُعهد من قبل، كتابات نثرية وشعرية، ورقية ورقمية، تقصر كيانها الرمزي على نصوص موجزة لفظا ومكثفة معنى، وفق نسق لغوي بالغ القصر قد يصل إلى درجة الاقتصار على لفظين، بوصفهما كلا متماسكا دالا تقريرا أو إيحاء(1).
فرضيات الموضوع