بحثا عن التَّرَقِّي والهدوء في قصص "فاكهة للفهم العجيب" لعبد الله بنعتو ـ جمال الفقير
يضعنا القاص عبد الله بنعتو من خلال مجموعته القصصية" فاكهة للفم العجيب "[1] أمام مجموعة من التيمات والمواضيع المتنوعة التي تناولها بنوع من العمق والنضج النظريين. تَنَاوُلٌ يستفز القارئ ويجعله مستعدا لسبر أغوار هذه القصص شرحا وتفسيرا وتأويلا، وفَكِّ شفراتها وما تضمه من تيمات تعكس رؤية صاحبها وموقفه من القضايا المطروحة.
1- مقامات/ تَدَرُّجٌ في البحث عن الراحة والاطمئنان القلبي
يبدو من القسم الأول الذي عنوانه "مقامات" أن القاص يستعين بالتصوف في إبداعه، فهو يستثمر تخصصه باعتباره باحثا أكاديميا في هذا المجال. هذا التأثر يتجلى انطلاقا من التسميات التي أعطاها لقصصه من جهة، ومضمونها وطبيعة شخوصها (مقام النوم، مقام الفز ، مقام القفز، مقام الهز، مقام التلفة) من جهة ثانية. تسميات تحملنا على الحذر في التفسير والتأويل، فالقارئ عليه أن يكون مشاركا ويقظا إن هو أراد المسك بخيوط القصص والاستمتاع بما تطرحه وتتناوله.
لقد ظهر وكأن القاص يعيش حالة "جذبه" غايته فيها إشباع حاجاته، وتحقيق غاياته. يتدرج في مراحل كتابته؛ فغرضه هو البحث للوصول إلى الراحة، ودرجة الاطمئنان القلبي، مثل المتصوف الذي " يترقى من مقام إلى مقام إلى أن ينتهي إلى التوحيد والمعرفة التي هي الغاية المطلوبة للسعادة"[2]. لذلك نجده يغوص من خلال بعض شخوصه بحثا عن درجة الحلول الذاتي بكل...
ليس من قبيل المصادفة أن واجه أهل مكة والعرب عموما رسالة رسول الإسلام محمد عليه الصلاة والسلام بأن قالوا له: "إنما أنت شاعر"، كما جاء في القرآن الكريم في سورة الطور: ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ (29) أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (30) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ(31)َ﴾ وهذا ليس حاصل سوء فهم واختلاط عند الذائقة العربية فقط ، بل وليس حتى كما فسره المفسرون من أهل الدين أو الأدب الذين يقولون باقتراب القرآن المعجز في بيانه من الشعر الفصيح في التصوير البلاغي وأحيانا في الإيقاع، إذ نجد بعض الآيات منضبطة لإيقاع بحر شعري ما، ليس كل هذا وحده السبب، مع أن هذا حاصل ومتفق عليه من جهة ولا نود دفعه. لكن هناك تقاربا بين الدين والشعر من نواحي أخرى، وأهمها "موضوع المقالة" التنبؤ بالمستقبل.
ظهرت الشعرية في العصر الحديث كمصطلح عند رومان جاكبسون، الذي جعلها إحدى وظائف الاتصال الست، فـ"استهداف الرسالة بوصفها رسالة والتركيز على الرسالة لحسابها الخاص هو ما يطبع الوظيفة الشعرية للغة"[1]، لكن قصة الشعرية تعود إلى ما قبل الميلاد، إذ يعد كتاب أرسطو «فن الشعر» أقدم كتاب يذكر هذا المصطلح، وقد كان مرجعا أساسيا للنقاد الغربيين في تقعيدهم للشعرية.
فاتحة الموضوع
من إشكاليات أدبنا الفلسطيني داخل إسرائيل، محدودية الجانر الروائي في إبداعنا المحلي. لا اعني بتعبير محدودية عدم وجود أعمال روائية أو غياب الجانر ألروائي إنما ما أعنيه ان الرواية في أدبنا الفلسطيني داخل إسرائيل لم تأخذ مكانها كلون أدبي له وزنه ومكانته، كما هي الحال في القصة القصيرة عامة والشعر على وجه التحديد.. وخاصة في التصدي للرواية الصهيونية!!
يعد مصطلح الإلهام من المصطلحات التي شاعت منذ القدم في ميراثنا البلاغي والنقدي للشعر، وهو سرّ من أسرار الكتابة الشعرية، ابتداء فإن البحث في المطلب اللغوي لهذا المفهوم نجده ينحدر من جذر "لَهُمَ" بمعنى: ابتلع مرة واحدة، وأوحي إليه، لقّنه إياه ووفقه له، ورجل لَهُوم رَغيب الرأي عظيم الكفاية، وبالتالي فهذا المصدر يدل على إلقاء في النفس أمر فيستجيب له، هكذا نخلص إلى أن الإلهام هو الإلقاء في النفس والرأي الراجح والكفاية عند الشخص، كما أن المصطلح له علاقة بعدة مصطلحات أهمها: الحدس، الموهبة، النفس الإنسانية، الصدفة الشعرية، التخييل، القلق المبدع، الطبع، الإبداع وغيرها من المفاهيم التي تدور حول فلك الشعر والإبداع عموما، فالشاعر مُلهم لأنه يرى ويُوهب ما ليس لغيره من الناس، ومن خصائص هذا المفهوم، ارتباطه بالشعور والأحاسيس وعدم القدرة على التحكم فيه، فهو قوة قاهرة تحلّ على الشاعر ويستجيب لها، وغالبا ما تأتي في لحظة الصفاء، أو أثناء الإلقاء على سرير النوم، أو موقف أزمة الناتجة من مصادر الحياة المختلفة، إن الإلهام يُغيب الشاعر عن ذاته لحظة ويحظر في فكرة يتعقبها للقبض عليها، وقد عجز الباحثون والمحللون كشف جوهر هذه الظاهرة رغم تطور أساليب البحث العلمي، خاصة مبحث علم النفس، لكون المفهوم يتجاوز حدود العقل والذاكرة، وكل ما هو مادي وواقعي، ومرتبط بعالم...
توطئة : ما الكتابة الشعرية وكيف نكتب الشعر ؟؟
يُطل صاحب في "شرعية الاختلاف" أو "مفكك ابن خلدون" كما يشاع في دوائر النخبة، بتأليف غاية في التعقيد، مُنحل من كل التصنيفات الإبداعية، فلا هو بسيرة ذاتية، ولا هو برحلة، ولا هو بسرد درامي محض، يستقرأ من خلاله شظايا ذاكرة تاريخية سادرة نحو النسيان، وواقع أصلد يعتصر ألما على زمان هادر، عابرا بسرديته نحو فضاءات وأمكنة متغايرة، تنتحب فيها ذاكرة الماضي، ويتداخل فيها الميتولوجي بالتاريخي، الرمزي بالواقعي، المتخيل بالمعاش، في سرد إبداعي جميل، يمزج بين أسلوب الجملة المقتضبة، ويُكسر بنية السرد بين ضمير يتكلم وسارد مُفترض، بين سلاسة تُضمر عمقا مكنونا في خبايا لغة مُذوَّتة تنطق بلسان الجماعة، علَّها تجد تشفيعا لذاكرة الأحفاد بعد مذلة الأجداد.(ص 79).