لمْ يَعـد لـي إلا أنا .. - قصة: محاسن الحمصي
أنتزعُ الخاتم من يده وأكتم صرخة كادت تخرج من بركان فمي لتذيب ما حولي ، يتراجع قليلا ، يحدق بي مذهولا وينتظر رد فعل امرأة مرتبكة وكأنها لص يعرض بضاعته المسروقة ..!ألملم اعصابي واستدرك بأن لا ذنب لهذا المشتري أنا من دخلت متجره وانا من تبيع ..
أضع يدي على السلسال الثمين المعلق في عنقي ( الذهب ليوم عسر، وقد جاء ) ماتبقى لي من عبق الماضي ..
والخاتم المنقوش بحروف وتاريخ ، برهان ودليل مرور اسم رحل وآخر بقي على هذه الأرض ليكمل المسير..
بصوت هامس أعتذر ، وأكتفي بما بعت ، أقبض المبلغ وأغادر ..
وجهتي وأين أمضي أعرفها ، لكني أجهل كيف ومن أين، فتلك المرة الاولى التي تطأ قدمي منطقة شعبية مترامية الاطراف تدعى مخيم (الوحدات ) سكنها اخواننا الفلسطينيون بعد النكبة.
أعلق الحقيبة على كتفي ويتعلق معها حمل تعب الأيام ، يثقل الجسد ، يتعب الخطوات ، ويرهق الأعصاب .
البحر مازال يمدُ لسانه في اليابسة فيكوِّنُ شاطئين، شاطئ لكل ضفة. حلمتُ بالسفر على ظهر سفينة تجوب البحار، لكنني ظللتُ أسافر بين الضفتين اللتين يفصلهما الماء وبينهما قوارب الصيادين. أمشي على ذلك الشاطئ وحدي كل يوم، فأتذكرُ الأيام البعيدة التي حملها البحر في ذاكرته.
أخذ النادل ينظف الموائد، ويلبي طلبات الزبناء في خفة وتفان..بينما اختار "العم بوشعيب" أحسن الحلويات لديه وقدمها للرجلين، لم يأخذاها لأنهما طلبا عصيرا ولم يطلبا حلوى!!..لكنهما قبلا بعد لأي حين أقسم لهما.
ـ هل تأتي بجديد و هل يكون الجديد موتى هنا و مفقودين هناك؟
مطر خفيف..يبلل الحيطان..و ينفض عن شجيرة اللوز عناء صيف حار ..غمرتها نشوة طفولية وهي تعترض الرذاذ بلسانها ..لمحت من بعيد قوافل الجند ..شاحنات متهالكة تتلوى في المنعرجات كحية متعبة ..ساورها القلق ..تسارع النبض وهي تخمن في رسالته الاخيرة " سنلتحم قريبا بجيوش العدو ..لا تنسي ان تصلي لأجلي ..واحرسي جيدا شجيرة اللوز ..سيكون زهرها الابيض طوقا يزين جيدك ليلة العرس ..الى اللقاء ".
الصورة الأولى :
"
بسرعة، أحاول تفادي جموع المسافرين. أشق طريقي إلى الحافلة الزرقاء المخططة بالأصفر كما أخبرني موظف التذاكر. أجر ورائي حقيبتي الرمادية تماما مثل هذا اليوم.. كم يبدو السفر حزينا حين نركبه وحيدِين!
"من ينظر إلى ساعة رملية ير انحلال إمبراطورية "
" الحضارة القصوى تنتج البربرية القصوى"
من كان في حِلٍ مما يعوق وصلَه بمحبوبه وقال: أحِبُ.