النظارات العجيبة – قصة : جمال الدين الخضيري
كما تختبئ القطرة في الغمام، تختبئ في محياه تلك النية الدالة على الظفر والوصول إلى ما لم يصل إليه أحد غيره. أي كيد إبليسي ساعده على اختراع تلك الوسيلة الخادشة لكل ترسانات القيم؟!كان قد انزوى في ورشته ردحا من الزمن محدودبا على منظاره، تتكدس أمامه نظارات مختلفة الأحجام وقارورات كيميائية متعددة الألوان. لم يخرج من محارته التي تشرنق فيها إلا عندما توصل إلى مراده. باستطاعته الآن أن يعري أي واحد مهما كان، من علية القوم أو أسافلهم، ذكورهم وإناثهم. ندت عنه ضحكة أشبه بالمواء ثم قال بوعيد:
- عوراتكم في مهب الريح، ومفاتن نسائكم مستباحة ممددة أمام مرأى عيني في أدق تفاصيلها، لن ينفع معها دثار أو لباس مهما غلظ وتفضفض.
أفرك عيني وأنا أحث جسدي المنهك على النهوض فتؤلمني ويعاندني النشاط. أستسلم للحظات سكون لعلني أتحرك ، فتتحرك ذاكرتي وتنشط ، هو ذلك الفيلم بالتأكيد الذي تسمرت من أجله أمام الشاشة ليلة أمس ، أثار عواطفي ، إنسانيتي، دموعي، والذي حصد سبع جوائز سيزار .
خرج "طارق" كعادته في الصباح الباكر يستنشق أولى نسائم نهار ربيعي جديد ، حاملا عدته التي هي عبارة عن أدوات صنعها كما اتفق داخله على فكرة قولبة وجوده حسبما اعتاد الناس جميعا أن يروه، يلمع الأحذية أ "سيرور" بالمعنى المغربي الدارج ،وكثيرا ما كان محط عطف أو سخط أو إعجاب أو حقد دفين ، خلاصة القول أنه كان وعاء للإفرازات النفسية البشرية في مدينة أهلها " كثيرو الكلام قليلو النفع" كما كان يردد على الدوام
فتحت الباب بشعري الأشعت و أنا أتذمر..من جاء يقتحم علي خلوتي في هذه الساعة؟.. فوجدتها، و تلك الابتسامة المنحوتة دوما على محياها، ابتسامة لازالت مركونة في رفوف ذاكرتي..
تلاقت العيون في زحمة العبور نظرات خاطفة اختزلت ملايين السنوات الضوئية من الانتظار ولوعة الأشواق, مند الوهلة الأولى بدا له بريق ثائر في عينيها وهكذا كان....
يوقظني صراخ الجيران من قيلولتي ، أقوم ساخطا أوزع الشتائم ذات اليمين والشمال .. أتوجه إلى الحمام ، أغسل وجهي ، الجو حار جدا والزقاق فارغ إلا من صراخ جاري وزوجته .. لقد احترفا معا إفساد قيلولتي ، مر يومان وهما على هذه الحال ، صراخ وشجار في وقت القيلولة بالضبط .. ولكن يبدو أن اليوم أقسى من اليومين السابقين فلهجتهما أشد عنفا وقسوة ، الزقاق فارغ إلا من بعض الرؤوس المتلصصة من النوافذ و من خلف الأبواب تتابع أطوار المباراة الكلامية بين الزوج وزوجته ، أنزل درجات البيت وأتوجه إلى باب جاري وأنا أبحث عن الكلمات المناسبة ولكنها تتبعثر حالما يفتح بابه ، وجهه أحمر قان وعروق عنقه بارزة ، لاشك أنها تكاد تنفجر من شدة الصراخ:
ألفت وجوههم حتى بدت لي بالرغم من بشاعتها مألوفة، تعودت على رماح نظراتهم تخترق جلدي و كلماتهم تخدش آذاني و أنا أحتمي خلف أسوار نظارتي السوداء و أنظر إليهم فيقشعر بدني عند رؤية وجوه مختومة بطابع الشقاء.
رأت الكوخَ بهيمةً، وهو يغطسُ في ليلِ السواد، طيلة ليلةٍ دوّخها فيها الشخير، وفراشاتٌ سوداءُ ظلَّت ترّفُ لعينيها، وتشهقُ لها يائسة.
كصيحة البداية ، يتسلل خيط النور لعوالم اللامنتهى ، حيث ندرك بقدر طاقة استيعابنا ،، ندرج ويملأ صدورنا هواء الأمكنة رطبا ، يحملنا بتثاقل للقبض على الحرف. كواحدة من الجماجم المصطفة ، الفاغرة ، الحاضنة لعيون همقاء ، وشفاه مرددة " كلام الله" كطوفان
اللوحة الأولى :
هذا ليس زمن الثورات والمفاجآت الكبرى فحتى الجهة التي تدعمك لتحقيق غايتك تدعم أعداءك في نفس الوقت فاعطِ الربابةَ للرب فإنه السوق !