الـصِّـفـْـرُ – قصة : المصطفى السهلي
وضع نقطة النهاية.وأحس بنشوة تسـري عبر مسامه لتغمر كافة جسده..شبك يديه خلف رأسه وتمطى قليلا نحو الخلف..تأمل شاشة حاسوبه وابتسامة الرضا ترتسم فوق محياه..أعاد قراءة مقالته ليطمئن على سلامتها من الأخطاء..ثم سحب أوراقا من الآلة الطابعة ومضى يعدو بها مسرعا نحو مكتب رئيس التحرير..أمره بالجلوس وهو يتصفح الأوراق بسرعة فائقة..كان يتابع حركات عينيه وهما تتنقلان بين أسطر مقالته مثل كاسحتي ألغام..ثم رآه يصحح شيئا لم يتبيّنه بالضبط..أحس بغصّة في حلقه لأنه كان حريصا على ألا يتسرب أي خطأ إلى مقالته الأولى ليكسب ثقة رئيسه ويجعله مطمئنا إلى قدراته اللغوية العالية..أنهى رئيس التحرير قراءة الأوراق ورفع إليه عينين حمراوين تطلان من فوق نظارتيه السميكتين كأنهما قعر كأس زجاجي من النوع الرديء..قال بصوت من يسدي نصيحة إلى أحد أبنائه:
انقطع التيار فجأة, فأسدل الليل ستائره, وراح الصمتُ يغرس نابه منقضاً على ضجيج ٍأبكم, تقوقع الجميعُ مكانه ساكناً لا تسمعُ إلا همساٌ, بكاء الصغار يقطعُ أنينَ السكون, وصوتُ ارتطام كرسىٍّ بصاحبه يأتيك من طرفٍ خفى, واجتمع محاقُ الشهروبرده مع غضبِ عواصفٍ, ورابعهم قيلولة التيار, تحولتْ القرية إلى أشباح وآذان صاغية, هدأ صوت الأطفال رويداً على ثدى أم التقطه جزعاً لا جوعاً, أو فناء شمعة تطعمنا نورها ليذوبَ داخلنا مانحاً أماناً ودفئا نلتمسه.
الحلم الأول :
أستيقظ فجأة على أصداء أصوات غريبة ، إنها الثالثة صباحا ، هناك أصداء لأرجل تمشي بحذر .. ينتابني خوف شديد ، إن آخر شيء كنت أتوقعه ، هو أن يقتحم اللصوص بيتي في هذه المدينة الهادئة ، يشل تفكيري وأعجز عن اتخاذ موقف معين .. تقترب الأصوات ، لا شك أنهم داخل البيت ، ولكن كيف تمكنوا من دخوله وكل الأبواب والنوافذ مغلقة ؟ لابد أن أدافع عن نفسي .. أقوم بخطوات خفيفة وأقف خلف الباب ، كنت أشعر بخوف شديد .. فجأة دخل فرد الغرفة بحذر كبير وهو يصوب آلة ما وعليها مصباح نحو فراشي ، استجمعت كل شجاعتي وارتميت عليه ، كان قوي البنية وكنت متشبثا بقوة برقبته وهو يصرخ .. وفجأة امتلأت الغرفة برفاقه وانهالوا علي ركلا وضربا ورفسا ، كانوا جميعا يحملون بنادق ، وكنت مذهولا ، مرعوبا .. كانت الدماء تنزف من فمي وأنفي ، سلط أحدهم ضوء مصباحه على وجهي :ـ إنه هو ـ خذوه
السخرية من القدر وبشاعته تتجسد في كل لحظة نعيشها.حين تتجمد كل الأحاسيس وتتقهقر نحو هوة سحيقة والقادم من الزمن كفيل بالإجابة عن معنى الوجود دون رغبة فيه
وئيدا كان يمشي. تقوده خطوات الظلام والمجهول. يصارع ريحا تصد تقدم الجسد النحيل في جلباب أبيض يرفرف بعنف المنتفض. ترك العكاز في البيت، وتخلف عن موعده مرافقه الدليل، فاضطر إلى خوض الطريق بعينين فارغتين تغطيهما نظارة شديدة السواد. لم يدرك مأزقه إلا حينما توغل في دوامة الطريق والريح الغضبى؛ حيث إكمال المشوار صار أرحم من العودة. كانت الريح تزداد عنفا وبؤسا واختراقا لوجدانه المهزوز.. لذلك ركز كل اهتمامه على ألا يقع أرضا فيفقد بوصلة التركيز وزمام الاتجاه.. يخطو بحذر.. يمد قبضتيه إلى الأمام كأنه يمسك بلجام الريح أو يلاكمها. عيناه لا تطرفان وفمه نصف مفتوح رغم صبيب الريح فيه، فيما رأسه المائلة مدفوعة إلى الأعلى كأنها تطمئن على وقع أقدامه.
يترنح السكر في كل خلية من خلايا جسده الضخم الفارع، وحبيبات من العرق الفضي تتلألأ فوق جبينه وتغطي أنفه وتتراقص فوق شفتيه الغليظتين. وكان الرجل الستيني يسير ببطئ في زقاق ضيق يغرق في ظلمة تامة لا يبين فيها سوى بعض الأضواء الوانية المتوجهة على استحياءٍ كأنما تكابد خجلاً مما تقف عليه من أسرار الليل. كان يدمدم بكلمات لأغنية خليعة. هذا الليل السكران معشوقه ونديمه، وهذه السكرة كل ما ينال من لذة هي الغياب بعينه. يطيب له الغياب عن حقائق حياة لا تفترق عن البشاعة إلا باللفظ، وحتى اللفظان باتا في ذهنه مشحونين بذات الصور والمشاعر. فكلما قال "حياتي" تواردت في ذهنه كلمة "بشاعة"، وجاءت تتهادى في مخيِّلته كراقصة متصابية أناخَ القبحُ عليها بِكَلْكَلِهِ، تنبعث منها رائحة كريهة وتشع صورتها بوهج يبعث على الغثيان.
نجمتي الزاهية في خريف الزمن,اكذوبتي الجميلة في زمن الخريف,انشودتي الباكية خلف جدارالعمر ,خطيئتي المصلبة فوق جسد المسيح , رغبتي العطشى في جوف المحل , احلامي التائهة على ارصفة السماء , اسئلتي الحائرة في دواليب الضباب , امانيي المبعثرة على اطراف الليل , نوارسي الحبلى بعشق الرحيل , دموعي المسافرة على اجنحة الضوء
تعالوا نستمع إلى كلام لا يشبه الكلام.. كلام عن طفلة خانها المنطق واغتالتها أيدي الآثام..
