مشاهد - قصص قصيرة : احمد الرموتي
المشهد الأول :صاح المخرج بعصبية : أكسيون......
الأضواء خافتة ، تحركت الكاميرات في إتجاهات مختلفة ، ترقب الجميع تصوير المشهد الأخير والإحتفال.....إقترب منها ضمها إليها برفق وقبلها ....تحسس عنقها براحتيه ثم بدأ يضغط .....جحظت العينان وكتمت الصرخة ...إنسابت دمعتان من مقلتي مساعدة المخرج.....رفع عنها يديه وتركها تنهار على الأرض .....
سطوب صاح المخرج مرة أخرى ...رائع جميل....عانق مساعدته ....تعالت التصفيقات .....أنارت المصابيح المكان.... لكنها ظلت ممددة بلا حراك.
المشهد الثاني :
ضرب المخرج كفا بكف بإنفعال زائد .....سكوت .....تراجع التقنيون نحو الخلف ...ساد الصمت....إقترب من الجثة
تأملها قليلا ، أشعل سجارة بيد مرتعشة وأخذ نفسا عميقا .....رماها على الأرض وداسها بقدمه ....تقدم نحو النافذة وأزاح الستار ...تأمل الأفق البعيد ....إرتقى حافتها .....قفز المخرج من مقعده ....سطوب ....لكن الارض كانت تقترب منه والأشياء تزداد وضوحا .
مواربة
تعطلت كل الأفكار في رأسه حين دخل فضاء المقهى، وناوشه شعور بأنه عاد إلى الوراء عشرات السنين في سلم الحداثة.. فالمكان ليس فيه من المقهى إلا الاسم الذي كتب بخط رديء على صفحة قصدير بالية.. هي أرض بلا سقف، انتظمت في شكل مصطبات مبلطة متدرجة تنتهي عند حافة سحيقة تطل على البحر.. أُثثت بطاولات وكراسي موغلة في البدائية.
إنني كالنهر الذي يجري في باطن الأرض
الحنين يكبر في نفوس الثلاثة، مرّت شهور ستة، ولم يستمعوا فيها لثغاء الخراف. ولا لهديل الحمام، كانت مدّة طويلة بالنسبة لهم.
"ان أصعب مهنة هي أن تكون رجلا"
أخيرا قررت أن أتخلى عنها ولا أولي وجهي أبدا شطر مضانها. يكفي ما مضى. صراحة كنت مغفلا، واستطاعت أن تكبلني بغواياتها أكثر من اللازم. اقتحمت عالمي، ولم تفارقني أبدا وأنا لم أزل بعد طالبا مغلوبا على أمري، لا أملك إلا ما أسد به رمقي. مع ذلك كانت تتقاسم معي ميزانيتي الضئيلة، وتتنقل معي في حلي وترحالي. وكانت لا ترفض أن نتناوب عليها أنا وصديق لي. تصوروا.. يا لخستي مع ذلك بقيت لصيقا بها. آه.. كم كان يحلو لها أن ترمي بثقلها على صدري أو على صدورنا وتغرقنا بأريجها المميز. كلما داعبتها بأصابعي وأطبقت عليها بشفاهي تزداد حرائقها وتتقلص بين يدي. وبمجرد أن انتهي منها أطوح بها بعيدا وأنا نادم على ما قمت به فلا تأبه لذلك. أحيانا كنت اطرحها أرضا بقوة وأدعصها برجلي، لكنها تأبى إلا أن تلتصق بي،
بين من هدمت حرب تموز بيوتهم، وقذفت بهم الي العراء والشوارع، كانت هناك سيدة وحيدة بملابس الجدات العتيقة الفضفاضة التي تعكس ضعف حالها، تتخذ لها موقعا بين ركام البناية، وتنتظر بغير أن تكون علي عجلة من أمرها، نجاح الباحثين في العثور علي ما يبهجها من بقايا المتاع . لا يرافقها أحد من العائلة في مهمة الانتظار اليومي . تجلس علي كرسي بلاستيكي بني تكفل متطوعون بتأمينه لها، بعد تسوية الأرض تحت قوائم الكرسي مخافة أن يميل ويقع بها، فقواها وجسمها الثقيل لا يسمحان لها بالوقوف، فكيف بالانحناء والتفتيش بين الركام، كما تفعل نسوة نشيطات حولها. ومع الكرسي بمسندين حظيت بزجاجة ماء لمقاومة عطش آب، وبقبعة قماشية شبابية زرقاء اتقاء للشمس الحارقة، ما أن تضعها علي رأسها حتى تخلعها وهي تغالب الضحك، فإذا كانت لم تلبس برنيطة في صباها، فهل ترتديها الآن كما تتساءل مع نفسها . ولو وضعتها علي رأسها ، فكيف ستتعرف الجارات إليها وماذا سيقلن عنها ؟ .
الطائرة تبتعد. تعلو وهي لا تزال تبتعد. بنهم مبرح تلتهم الارتفاعات. بشغف كبير يزدرها الفضاء الذي لا يزال على الدوام يتسع ويتسع. وصلت بلا تعب إلى جوف ثالث سماء.. وارتقت، وظلت تغوص. ثم جاوزتها إلى أقصى طرف في رابع سماء.. وهناك استقرت. مع هذا لم تحترق من شهب ولم تشتعل من نيازك. كفّت عن الغوص في ما بقي فوقها من سماوات بعيدة.. وبات واضحا أن أبوابها بالبعد أوصدت. ثم عن الأبصار اختفت، تماما اختفت.. كأنما إلى غير رجعة. كان المسافرون مزيجا متباعدا. بعضهم أوربيين.. البعض من الأمريكتين.. بعضهم آسيويين. وواحد منهم كان كثير البياض، عيناه ملّوّنتان، منظره يشبه إلى حد كبير أولاد الأجانب. لكنه في الحقيقة فلسطيني بحت، من مدينة القدس، على وجه التحديد من حي الشيخ جراح.. اسمه الرباعي كما هو مكتوب في بطاقة الهوية، سالم عمر صلاح اليبوسي. ومهنته محامي.
كنت أراها قبل كل فجر، بهيأتها المقوسة وساقيها "الأفركين". تتوكأ على مكنستها وتحمل على ظهرها كيسا من البلاستيك الأسود، كذاك المستعمل لزبالة المستشفيات. تتوقف كل بضع خطوات لتلتقط أنفاسها. تستقيم من انحناءتها الأبدية، تجيل عينين غائرتين في جوانب الحي، ثم تنوء بحملها وتتابع السير.
أوّلُ أيام الشتاء. أجلس خلف نافذتي مستنشقا طعمَ الغيوم. للغيم نكهة الحبق المذوّب في الحليب. سأحتفل بأوّل أيّام الشتاء – تلك عادةُ الطير الكناري و ذئبِ الجبال – أطفئ ضوءَ الكهرباء و أشعل شمعة... يُضيء المكانُ ! أعبّئ كَأسَيْ كريستال نبيذا فاخرا. أشرب كأسِي و كأسَ الخريف الذي قد مضى. أسحبُ قـُرصًا ليزريا من جوف مكتبتي: كونشيرتو التشيلـّـلو الأوّل لهايدن. أضعُ القرصَ على الجهاز. تنحني إبرةُ التشغيل في رهبة. تتدفـّق موسيقى البيان / يلتمعُ البرق............