anfasseحدثني صديقي ابراهيم فقال إنه أطعم قطه بقايا وفيرة لسمكة عظيمة ، أتى بها في ذلك اليوم لوجبة غذاء الأسرة التي تضم الأب والأم وابناً وابنة .وأنه اعتاد رعاية القط بكل ما تيسر من طعام وشراب ومأوى. لا يؤمن له حقاً كحال الأجنبيين الأطعمة المعلبة المخصصة للقطط التي تباع في المولات ومحلات السوبر ماركت الكبيرة . وتفسيره لذلك أنه لا حاجة لقطه العزيز بطعام معلب محفوظ ، فهو أي القط ( أجل القط وليس القطة كما أكد صديقي المتقاعد ) يشارك أهل البيت قوتهم اليومي ، وينال نصيبه كواحد منهم مع مراعاة أنه نهم أكول ، شهيته مفتوحة وعينه فارغة .، ولا راد  لنهمه في ظروف الوحدة التي يعيشها ،فهو أي القط المحترم يتيم ، وقد عاش أحوالاً مروعة شهد عليها صديقي بنفسه . فقد افترست أمه الرؤوم شقيقاً له أي مولودها وبعد ولادته بأسبوعين ،وهو ما لا يملك صديقي تفسيراً له ، سوى المصادقة على القول المأثور عن القطط ثم الثورات التي تأكل أبناءها . وهرب قط ثان شقيق له من هول ما راى ولم يعد . ولم يلبث كلب ضال أن تسلل إلى الحديقة ذات ليلة بلا قمر ،وافترس بدوره القطة الأم . أما الأب ، القط الأب فلا علم لصديقي بشأنه شيئاً . فالقطط تتلاقى وتتكاثر بغير ارتباطات زوجية مقدسة ، ودون إخلاص يذكر للزوج في حال وجوده . وبهذا فإن القط ، قط صديقي الذي أسماه ألون...

anfasseضحكت وقد بدت أسنانها المنتشية كأزهار البنفسج فى فصل الربيع
توارت للوراء قليلاً وقد أسدلت عصابة سوداء لتخفى نصف وجهها الأسفل
لتظهرعيناها المكتحلة كبقعة حبرعلى صفحة بيضاء
أو كعصفور الجنة محلقًا على خلفية من السحب الحبلى كالعهن الابيض
ازاحت قليلاً غطاء وجهها فارتجف حين بدت شفتاها المكتظة بخلاصة عصائر الدنيا
كان يعشق نكهة الفراولة ربما لأنها الأقرب شبهاً إلى شفتاها أو إلى وجنتيها
ودارت فى رأسه الأفكار عن مخزون العسل المصفى وبقايا الخطيئة الاولى
وابتسم حين بدأت تردد على مسامعه رقم هاتفه الجوال وكان قد سألها إن كانت تذكر رقم هاتفه
فرددت الرقم كاملاً وهى تتمايل كأنها أعواد الياسمين يداعبها قطر الندى لتعلن بداية العهد الجديد

anfasse"إهداء إلى فارس القصة القصيرة د.يوسف ادريس فى الذكرى الثامنة عشر على رحيله"
كان وقت الغروب يخيم على أرجاء البلدة الصغيرة
جمع من الناس على رصيف القطار المتجه جنوبا ً
والأمتعة المتناثرة على الرصيف المتهدم تجعل السير مهمة صعبة
كانت هى تجلس فى مكان منعزل وكأنها ملكة ترعى شئون العامة من برجها العاجى
اقترب هو يحمل أمتعته التى لا تخلو مما أعدته أمه قبل كل رحلة سفر
توقف القطار للحظات فاندفعا للداخل مع جموع المسافرين
بصعوبة بالغة وصلا الى مقاعدهما والتى كانت متجاورة
جلست فى صمت وجلس هو يتأمل ما أفاض به الرب
كان الباعة الجائلون يخترقون ذلك الصمت
ينثرون الحلوى أو دبابيس الشعر وأشياء لا تخطرعلى بال

anfasseتصاعدت الحناجر هادرة تلعلع في المكان. نظر إليها وهي مازالت ترفع عقيرتها بالشعارات الرنانة الطنانة وسط زغاريد زميلاتها.
قال لها:
 - ما رأيك لو ننقل المظاهرة خارج هذه الأسوار؟
دون أن ينتظر ردها جرها من يدها. غير بعيد عن الأسوار، وهما يفترشان العشب تناوبا عن الصراخ واللهاث ورفع الشعارات. فرغم أنها بدت متحشرجة مختلفة، إلا أنها كانت في نفس حدة وقوة الأصوات التي تصلهما من هناك. وفي حمأة احتجاجاتهما الهذيانية سألته:
- ما الفرق بين الصراخ هنا في الداخل والصراخ هناك في الخارج؟

anfasse- أعترف .... و لم لا ؟؟؟
- سأعترف، أو بلغة اليوم، أمارس نقدا ذاتيا. أنا وأعوذ بالله من قولة أنا، مشروع كاتب فاشل مع سبق الإصرار و الترصد.
- أدخن بشراهة كبطة منقوعة بالماء، أو قل : كمصنع ارتأى ربه أن يكون في خدمة بيئة سليمة...
- ها . . ها . . ها . . أراك تلوي شفتك العليا متهكما ، لا يهم . . المهم يا صاحبي أن تعلم، جازاك الله و أيدك، أن أصعب أوقات الإنسان حينما يتراءى لنفسه كديك منفوش أو كلب أجرب في أحسن الحالات، و قد جربت و لا فخر الإثنين . . .
- قبل أن يتمم كلامه (أقصد صاحب البذلة السوداء  التي انمحى لونها و ذا الشعر الأشعت) كان بلحراكة قد تنحنح :
- " يا بسم الله، على بركة الله."
- و أدار محرك سيارته (الرونو 18) البيضاء كسحابة صيف، و سلك الطريق الجنوبية.
- جلست بقرب الرجل الذي بدأ حكايته الآن، و قد تعتعه السكر، و كل ما يسكر فهو خمر، و كل خمر فهو حرام، حتى ذلك الذي يعبه صاحبنا من حين لآخر.

anfasseالتقط من بين كل تلك الأوراق المتزاحمة على المائدة تلك الورقة المنكمشة التي من المفروض أن تلقى في القمامة. فتحها محملقا بين سطورها دقائق حسبتها دهرا. سطور أعرفها كما قلمي. كلماتها تفر حينا وتركض حينا آخر وبين الإقبال والأدبار ، تتلاشى الكلمات على جسد تلك الورقة العارية في منافي من صمت وسكون.
في ذلك المكان البعيد عن كل الأوطان، وقفت تلك الكلمات عند مفترق الطرق، كما لو كانت جليدا. كلمات كانت تحلم بالمدى، شاردة، حاسرة القلب، تصطك بين جبال الموج التي تضرم فزعها الغافي وتيارات التيه تقود حروفي لتختفي في ظلام بارد كالصقيع. سواد حالك يحضن الليل وينام في زوايا السكون فاقدا كل شيء. سواد محفور في حنايا القلب، يجامل ويؤلم وينخر ويتعب وفي الظلام وشاح بكل الألوان.
هكذا كانت تلك السطور مجنونة في متاهات الشرود، تتهافت في زحمة الأفكار المنكسرة، تئن بصوت مبحوح عن المساءات الماسية، وعن ظل منكسر، ووحدة مرتجفة وعن تنهدات تبكي ألم الغموض، والصمت المتواطئ في جحود وشذوذ وفراغ.
أهو الألق من القلق أو ارتباك الخوف من المجهول؟ أهو الماضي المخلوط بالحاضر ورهبة المستقبل أو سفر بين طرقات المنافي التي لا تنتهي  أو فقط حرب داحس والغبراء بين عبس وذبيان؟...

anfasseجاء يسألني عن الطائر .لم أقل له إنّ "فضّة" ماتت وإنّني قد هجرت البستان ، لكنّ عينيّ تسلّقتا وجهه واستقرّتا على شواطئ عينيه ،تبحثان عن المنارة ...كلّ شيء كان منطفئا،والموج كان ثقيلا راكدا وما من نوارس٠قال: أو لم تعودي إلى هناك ؟ قلت: وما حاجتي ؟ردّ مقطّبا : كأنّك نسيت ...سقطت كسوف من قلبي وتناثرت في كلّ مكان ورأيته كالقافز يبتعد متحاشيا أن يصيب دمي حذاؤه .حذاؤه الذي كان تائه الخطوات كعادته ،أسود اللّون كما رأيته آخرمرّة  و مزيّنا بما يشبه المنجل الصّغي في أحد جوانبه٠يصعب نسيان التفاصيل الأخيرة إذا كنّا نقتحم العالم بعين شغوف٠كدت أسرّ له،احذر أن تقع على وجهك مرّة أخرى٠٠لكنّي أحجمت٠

anfasseلم يكن مليئا بالركاب والأمتعة فقط بل بالانفعالات أيضا. انه قطار قديم أشبه بتلك التي تقل الجنود وكما في قطارات أفلام الحرب .
و"منذ صنعوه منذ بدأ يعمل وهو ينطلق بنا" . بهذا حدثني جاري الطبيب الخمسيني ولم اكن لأشك فيما قاله بالكاد اذكر شيئا سابقا على صعودي اليه . لقد استيقظت على ضجيجه ونشأت على دعوة المبهمة، ورغم ان سرعته كبيرة إلا أن الوقت كان يتقدم بنا ببطء شديد. قليلا ما تحدثت إلى رفيقي وجاري على المقعد الجلدي . كنا نتبادل النظرات مع الاهتزازات العنيفة. وكان الصخب واللغط حولي يمتص رغبتي في الكلام ويبددها. حدث غير مرة ان هممت بالحديث فإذا بالضوء ينطفىء قبل أن اتفوه بكلمة. كان بوسعي بالطبع أن اتحدث في العتمة، وان اعلى صوتي ليسمعني جيدا خلال ذلك .
الا ان وقع الكلام في العتمة ليس كوقعه في الانارة . والحلول المفاجىء للعتمة يشتت افكاري ، علاوة على مايثيره من توجس مشروع فما الذي يمنع في الاثناء من ارتكاب جريمة خاطفة.
أما الجاران الآخران قبالتي ، السمين القصير والطويل الاصلع ، فقد كانا في انشغال عن كل ماحولهما، وينهمكان في احاديث لا تتوقف وبصوت غير خفيض عن الربح والخسارة واصول التعامل والفرص التي لا تضيع وعما يصح وما لا يصح . يتحدثان بأنفاس لاهثة وبتفاهم ظاهر ولا يعيقهما شىء : لا ظلمة مفاجئة ولا حال من هرج...

anfasseمن فوهةٍ معلقةٍ في السماءِ هوى، تقلب مذهولا إلى أن اصطدم بالقاع البعيد، لم يصرخ؛ بل تحسس جانبيه، ثمَّ نهض، فصدَّه بابٌ انقفل، هاجمه، ولمّا انفتح، غرق في ضبابٍ غليظ!
خطا؛ فردَّه بابٌ جديد، وفي نهر الضباب تقاذفته الأبوابُ، فإذا هو في بهوِ يغصُّ بالجثث، فوقف يفغرُ فاه، ويقولَ:
- هنا عزرائيل هجم؛ أطفأ الوجوه، وبالكركم رشَّها، ثمَّ مضى!
وخارت بقاياه، فسقط؛ لكنّ بصره ظلَّ يجول، فالتقط ممرضةٌ بين الأجسادِ تحوم، حتى شارفت قامته الممددة، فأشهرت حدقتين في خيطٍ تدخله في ميسم إبرةٍ هائلة، ولمَّا في صدرِه ضربتها؛ ارتجف، فأجلسته بين راحتيها؛ تخيطُهُ كخرقة بالية!
لكن على غِفلةٍ هبَّت الجثث، تحملُ بقايا سيوف، وممرضته أرخت صدرَه، لتضع في فمِها طرفَ فستانها، وتغادره راكضة، فداسته الأقدام، وصلصلت السيوفُ ثعابين راقصة، وأخذ الرجال يذبحون رقابَ الرجال، وفي الالتحامِ كان الهتافُ يتلوه الهتاف، والشرايين تنفضُ الدماءَ شاخبة، ورأى الخلقَ يجرون زاعقين، ثم يهوون حولَه خرافا خامدةُ!

anfasseعلى الجسر الطويل الذي يجتاز بها دجلة ، رغم زحام السيارات، والسيطرات وعندما تمر كل يوم، كانت تلبس ذلك الوجه القاتم ، تتلصص النظر دون أن يراها احد، غارقة بعالم من صنعها، لا يمسه غيرها، تكللها نظرات الرجاء التي تودعها بها أمها، ترقب الطفلة التي شاخت، ترجو الله أن تعود إليها كل يوم، ضاقت ذرعا ببيتهم الصغير، الذي يطبق على روحها، يجلدها ذلك الحداد الطويل والذي يتلاشى مع الزمن، حتى يغدو هو الزمن، يندفع مع ثوب أمها الأسود، في تلك الندوب الكثيرة التي تغزو وجهها الأسمر، حداد وذهول فرضته على حياتهم، منذ أن تناقص عدد من في البيت، وتطايرت أجسادهم الشابة قسرا،  وسط الذهول الذي استقر في قلبها لا يفارقها ، ترتق اللحظات لتستل ذكريات أبناء رحلوا في جحيم أحداث عصفت بالجميع  ، فما عادت تعيش إلا فردوسهم  السماوي. 
لذلك ما أن تترك البيت وأمها، حتى  تنشر فرحها في تلك المسافة الممتدة على ضفتي النهر ، تتطاير روحها مع طيوره المحلقة ، تحاول أن تفك غلالتها قليلا ، تجعل عنقها يلامس أنفاس النهر، تنتشي بقبلاته، رغم أن الطريق قد يلحقها بكل طيش ولا معقولية الأحداث، بأولئك الراحلون، إلا أنها تبقى محتفظة بفرح مخبول لا تعرف له نهاية  ....

anfasseبخفة كان إسحاق يمدّ عكازه لينقر الأرض ثم بقوة عليها يدب.. بساقه الخشبية يدب. ثم بطرف العكاز الذي انقلب إلى قرن استشعار برفق بالغ كان يحس.. كأنما يخشى أن يؤذي ظله الممدود أمامه أو يخدشه، فيلحق به الألم. ظله الذي كوّنه ضوء خافت لنصف هلال سافر ومكشوف، فنصفه الآخر سترته غيوم لونها فيراني فيها شحوب، كانت تعبر الآفاق مبطئة في طقس ساخن لا رياح فيه لتنشطه. إنه فوق هذا كفيف، فمذ كان صغيرا حوّل أذنيه وأنفه إلى أعين على الدوام مفتحات. لهذا صار بإرهاف في ضوء النهار يرى، وفي حلكة الليل أيضا بجلاء يشاهد. 
اشترى فرشاة أسنان حجمها كبير لتناسب سعة فمه، وكبر أسنانه الأطول بقليل من عقرب الثواني. بعدها مرق في زقاق ضيق ولف بطمأنينة من وراء الجامع، ومن هناك انعطف بجسده الطويل إلى الحارة الهادئة، وفي سكون الليل تسلل. وتحسس بطرف عكازه أوراقا متناثرة ملقاة في عرض الطريق وطوله، فخشخشت.. وفي الحال توقف.. ليس من أجل الأوراق توقف. وأتاح له وقوفه أن يتذكر أول ليلة اغتصب فيها زوجته زينب، فراح يدير وجهه على ما في عينيه من عمى نحو اليمين، وعوجه ثانية وسط الظلمة نحو اليسار، فلمعت بسرعة البرق بسمة حلوة واستطالت وهي تضيء على شفتيه فأوشك أن يقهقه.. فبدا لوهلة كأنه حشر وجهه عنوة بين ابتسامتين.. ثم ثبته في الوسط.. وببطء في طريقه القصير مضى. وكانت تلاحقه...

مفضلات الشهر من القصص القصيرة

مفضلات الشهر من الدراسات الأدبية